ولاية المتغلب

من رؤية بيديا
اذهب إلى: تصفح، ابحث


أوّلا: التغلّب لغةً:

قال أبو الحسين أحمد بن فارس في (مقاييس اللغة): "(غَلَبَ) الْغَيْنُ وَاللَّامُ وَالْبَاءُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى قُوَّة وَقَهْرٍ وَشِدَّة، مِنْ ذَلِكَ: غَلَبَ الرَّجُلُ غَلْبًا وَغَلَبًا وَغَلَبَة، قَالَ اللَّه تَعَالَى: {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ } (سورة الروم) "[١] وقال إسحاق الفارابيّ في (معجم ديوان الأدب):" تغَلَّبَ على ناحيّة كذا، أي: اسْتَوْلى عليها قَهْراً".[٢]وقال الجوهريّ في (الصحاح): "وتَغَلَّبَ عَلَى بَلَدِ كَذَا: اسْتَوْلَى عليه قَهْراً".[٣]


ثانياً: التغلّب اصطلاحاً:
تعريف الأحناف:

لهم تعريفان: الأوّل:

"الْمُتَغَلِّبُ: الذي لَا عَهْد لَه، أي لَا مَنْشُورَ لَه من السُّلْطَانِ/ الخليفة". قاله برهان الدين البخاريّ الحنفيّ في (المحيط البرهانيّ) وبدر الدين العينيّ في (البناية شرح الهداية)، [٤] وابن نجيم في (البحر الرائق شرح كنز الدقائق)، [٥] وابن قاضيّ سماونة في (جامع الفصولين)، [٦] ونقله ابن عابدين في (حاشيته). عن (الخلاصة)،[٧] وشهاب الدين الشِّلْبِيّ في (حاشيته على تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق)،[٨] والطحاويّ في (حاشية على مراقيّ الفلاح شرح نور الإيضاح)،[٩] والفرغانيّ الحنفيّ في (فتاوى قاضيخان).[١٠]

الثاني:

تعريف ابن عابدين في (ردّ المحتار): "المُتَغَلِّب: أي مَنْ تَوَلَّى بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ بِلا مُبَايَعَةِ أَهْلِ الْحَلّ وَالْعَقْدِ وَإِن اسْتَوْفَى الشُّرُوطَ الْمَارَّة ".[١١] وهذا التعريف أوفى وأضبط؛ لبيانه هدف التغلّب (تولّي)، وآليّة التغلب (بالقهر والغلبة)، وبيان خرقه للشروط الشرعيّة (بِلَا مُبَايَعَةِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ).

تعريف الحنابلة: قال ابن قدامة المقدسيّ في (المغني):" وَلَوْ خَرَجَ رَجُلٌ عَلَى الْإِمَامِ، فَقَهَرهُ، وَغَلَبَ النَّاسَ بِسَيْفِهِ حتّى أَقَرُّوا لَهُ، وَأَذْعَنُوا بِطَاعَتِهِ، وَبَايَعُوهُ، صَارَ إمَامًا يَحْرُمُ قِتَالُهُ، وَالْخُرُوجُ عليه". [١٢] ويمكن صياغة تعريف المتغلّب بأنّه: من استولى على الحكم بغير وجه شرعيّ، وَغَلَبَ النَّاسَ حتّى أَقَرُّوا لَهُ، وَأَذْعَنُوا بِطَاعَتِهِ، وَبَايَعُوهُ. ويتضمّن هذا التعريف أموراً:

  • ١- يسمّى متغلّباً، سواء استولى على الحكم كليّاً أو جزئيّاً.
  • ٢- أن يستولي بغير وجه شرعيّ.
  • ٣- أن يستولي بأيّة وسيلة، ولم أقيّده بالسيف.
  • ٤- أن يذعن الناس لطاعته.
  • ٥- أن يبايعوه.

أجمع العلماء على أنّ الأمّة مصدر السلطة

يُجمع علماء الشريعة على أنّ الحاكم المسلم يستمدّ سلطته من الأمّة أو الناس الذين سيحكمهم، والحقيقة أنّ على الناس أن يختاروا خيارهم ديانةً وكفاءةً ليقوموا على شؤونهم، كما أنّ على الحكّام العمل على صيانة المبادئ والقيم التي يؤمن بها الناس الذين اختاروهم إلى جانب خدمتهم ورعاية مصالحهم والعمل على حماية البلاد، ورفع شأنها، هذا كلّه موضع إجماع واتفاق. إذن كيف أجاز الفقهاء (حكم المتغلّب) وجعلوا طريقة استيلائه على السلطة أمراً مشروعاً كما يعتقد كثير من الناس!

البيعة الرضائيّة هي الطريقة الشرعيّة لعقد الإمامة

لم يتجاهل الفقهاء النصوص الواردة في أهميّة البيعة والشورى في اختيار الحاكم، حتّى في حال ترشيح الحاكم المسلم لمن يخلفه في الحكم كما فعل أبو بكر حين عهد إلى عمر بالخلافة بعده، أقول حتّى في هذه الحال، فإنّه لا بدّ من موافقة الأمّة على ذلك الترشيح، ومبايعة المرشَّح طواعيّة، وعن طيب نفس، وإلّا كان نوعاً من اغتصاب السلطة والافتئات على الأمّة. الحكم بالغلبة:


الاعتراف بولاية المتغلّب هو حكم اضطراريّ، وليس أصلاً شرعيّاً

اعترف الفقهاء بولاية المتغلّب بناء على عدد من القواعد الفقهيّة التي يسترشدون بها في الحكم على الأحوال العامّة، ومن تلك القواعد: «احتمال الضرر الأقلّ في سبيل دفع الضرر الأكبر» و«احتمال أهون الشرّين»،[١٣] إذ إن أهون الشرّين خير، وبناء على هذا فإذا ثبت أنّ مقاومة هذا المتغلّب ستكون أعظم ضرراً من بقائه بسبب ما يراق فيها من الدماء وما يتعطل فيها من المصالح، فإنّ الصبر عليه والاعتراف بشرعيّته يكون هو الموقف الصحيح شرعاً، أمّا إذا كان ضرر بقائه أكبر، بسبب بغيه وعدوانه أو تعطيله بعض الحدود أو أحكام الشريعة أو بسبب انفلات حبل الأمن أو انهيار اقتصاد البلاد، فإنّ المصلحة قد تكون حينئذ في الخروج عليه والخلاص منه، ولو تطلَّب ذلك مقاتلته.

هل الخروج على الحاكم المتغلّب يعتبر بغياً

لا يعتبر الفقهاء الخروج على الحاكم المتغلّب بغياً، وإنّما هو متروك لاجتهاد صاحبه، لأنّ البغي في تعريفهم هو «الخروج على الإمام الحقّ بغير الحقّ»،[١٤] ويستدلّون على هذا بخروج الحسين على يزيد بن معاوية؛ فإذا أدّى الخروج على مثل هذا المتغلّب إلى خلعه وإزالته، فإنّ الفقهاء لا يتردّدون في الاعتراف بمن يخلفه اعترافًا صحيحاً إذا كان مستكملًا الشروط، فإذا كان غير مستكمل لها اعترفوا به اعتراف ضرورة كاعترافهم بسلفه، ولا يكون للأوّل أيّ حقّ، لأنّ الاعتراف به كان في الأصل اعتراف ضرورة.

النهي عن منكر التغلّب جائز شرعاً

تظلّ الأمّة مطالبة بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصح ذلك المتغلّب، لأنّ الكفّ عن قتاله كان بسبب ما يترتّب على القتال من المفاسد، وهناك الكثير من الأدلّة على هذا المعنى، منها قوله صلّى الله عليه وسلّم:«إنّ من أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر» [١٥] رواه الترمذيّ. فممارسة الضغط الأدبيّ على الحاكم المتغلّب يجب أن تظلّ مستمرّة.

طاعة المتغلّب جائزة بغير معصية

لا تجوز طاعة الحاكم المتغلّب أو الحاكم الشرعيّ الذي اختارته الأمّة إلّا بما يوافق الشرع، ولم يقل أحد من فقهاء الإسلام بجواز طاعة الحاكم في معصية الله، والنصوص واضحة في هذا منها قوله: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحبّ وكره، إلّا أن يأمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» [١٦]. وقوله: «إنّما الطاعة في المعروف »[١٧] .[١٨]

التغلّب في تاريخنا الإسلاميّ

هذه المبادئ توضّح أنّ قولهم بحكم المتغلّب كان أشبه بتجويز أكل لحم الميتة: يؤكل منه عند الضرورة، وبقدر الحاجة، وقد كان هذا من عبقريّة فقهاء الإسلام، وحسن نظرهم ،لأنّ تعاملهم مع المتغلّب كان ضمن معطيات زمانهم، وقد ساهم الخوارج في صيرورة أهل العلم إلى هذا بسبب ما أشاعوه بخروجهم على الخلافة والدولة الأمويّة ... من فوضى وقتل واضطراب للأمن، وهذا هو دأبهم في كلّ زمان ومكان. حيث إنّهم يدفعون الأمّة دائماً إلى أسوأ الخيارات، ويضعونها في أحرج المواقف، ولهذا استحقّوا بجدارة لقب (كلاب أهل النار).

محاكمة مواقف الفقهاء بين اللوم والخطأ

في البداية أرى التفريق بين توجيه اللوم والحكم بالخطأ، فإذا قلت: إنّ تعامل فقهائنا الأجلّاء مع هذه القضيّة لم يكن مسدَّداً، فهذا لا يعني أنّي ألومهم، إذ إنّ ما تراكم في زمانهم من خبرة ومعرفة في شؤون الحكم، لم يكن كافياً لإنجاز أكثر ممّا أنجزوه، ولو كنّا في زمانهم فربّما لم نقل خيراً ممّا قالوه، ولم نتعامل مع هذه المسألة بأفضل من تعاملهم معها، وإذا كان من عتب فهو على فقهاء زماننا الذين تحيط بهم التجارب العالميّة في التعامل مع المغامرين من أجل السلطة، ثمّ لا تكاد تراهم قد استفادوا منها أيّ عبرة أو مغزى!

تصويب الموقف الشرعيّ من ولاية المتغلّب

عدم الاعتراف بالتغلّب طريقة شرعيّة لتوليّ السلطة

أظنّ أنّ الموقف الصحيح من ولاية المتغلّب لم يكن الاعتراف بها، وعدّها ضمن الطرق الشرعيّة لتداول السلطة، فقد تبيّن لنا أنّ هذا كان خطأ، وقد يكون الأصوب عدم الاعتراف بأيّ قادم للسلطة، على أيّ مستوى من المستويات ما لم يكن منتخباً من قبل الجهة التي تملك حقّ الانتخاب، وينبغي أن يُنظر إلى من يقوم بتزوير الانتخابات على أنّه مغتصب للسلطة، فلا يتمّ التعامل معه بأي وجه من وجوه التعامل، ولا إنفاذ أوامره، وينبغي أن يقاوم سلميّاً وعلى نحو مستمر، عن طريق المقاطعة والاحتجاج والنبذ الاجتماعيّ، باعتبار أنّ ما أقدم عليه لون من ألوان اللصوصيّة، فالمغتصب للسلطة لا يغتصب عقاراً أو مالاً، وإنّما يغتصب قرار أمّة، ويتلاعب بمصير بلد.

عدم وجود معايير لتقدير ضرر الخروج على المتغلّب

قرّر الفقهاء أنّ المتغلّب يُقرّ على ما غلب عليه، إذا كان الضرر الذي سيترتّب على إزالته أكبر من الضرر الذي سيترتّب على محاولة مقاومته وطرده، والسؤال هو: كيف يتمّ تقدير ذلك الضرر؟ ومن الذي سيقوم بذلك؟. إنّ تقدير الضرر الذي يُلحقه المتغلّب بالأمّة غير ممكن لأيّ جهة؛ لأنّ منه ما هو ماديّ، ومنه ما هو أخلاقيّ وروحيّ، ومنه ما هو مباشر وسريع، ومنه ما هو غير مباشر وبطيء، وإلى اليوم لا تتوفّر لدى البشريّة أيّ معايير نستطيع استخدامها في الوقوف على ذلك.

أمّا عن الجهة التي تقوم بتقدير الضرر، فواضح أنّ من سيفعل ذلك جهات عديدة، وليس جهة واحدة، والظاهر أنّ الأمر يحتاج إلى هيئة خبراء موسّعة، فيها الشرعيّ والسياسيّ والعسكريّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ، ولا شكّ في أنّ المتغلّب لن يسمح لتلك الهيئة بالتكوّن، كما أنّه لن يسمح لها بالعمل، وسيكون لديه جهاز كبير من المنتفعين الذين يحوّلون المفاسد والإخفاقات إلى انتصارات وإصلاحات، وسيعمل على إسكات كلّ من يقول غير ما يريد له أن يقال.

النظرة الجزئيّة لضرر ولايّة المتغلّب

حين يتحدّث الفقهاء عن الأضرار التي يُلحقها المتغلّب بالأمّة، وحين يتحدّثون عن عزل الحاكم، فإنّ التركيز في الأعمّ الأغلب يكون على سلوك المتغلّب الشخصيّ، أو على تطبيقه لأحكام الشريعة وإقامته الحدود، أمّا الحديث عن الفساد الأخلاقيّ الذي ينشره في المجتمع، والحديث عن التدهور الاقتصاديّ، وعن الانحطاط الذي يصير إليه الوضع العامّ، فإنّه شبه مغيَّب، ولهم في الماضي نوع من العذر في هذا لصعوبة قياسه وتقديره، ولأنّ الوعي السياسيّ الذي كان سائداً في زمانهم لم يبلغ درجة الانتباه لمثل هذه الأبعاد؛ أمّا اليوم فإنّ ضغوط الحياة هائلة ومتطلّبات العيش الكريم كبيرة وكثيرة، ولسياسات الحكومة الأثر الأكبر في إنعاش الاقتصاد وتوفير فرص العمل، والحفاظ على ثروات البلاد، ولهذا فلا بدّ من النظر بجديّة بالغة إلى التدهور الحضاريّ العامّ الذي يحدثه المتغلّب بخاصّة، والمستبدّ عامّة.

عدم وجود نظام للدولة يجرئ المتشوّفين لسرقة السلطة

حين يقول الفقهاء بمحاربة متغلّب أو الأخذ على يديه أو محاسبته، فلمن يوجهون الخطاب؟ أو ما الجهة التي ستقوم بذلك؟

هل هو القضاء الأعزل من أي قوّة؟ أو أهل العلم الشرعيّ الذين لا يملكون أيّ قوّة عسكريّة؟ أو هو الجيش الذي يكون في الغالب مع المتغلّب؟ أو هي الشرطة التي لا تستطيع في العادة منازلة الجيوش؟ من الذي سيقوم بذلك؟. عدم وجود جهة قادرة على ردع المتغلّب هو الذي يشجّع المتشوّفين كلّم إلى السلطة على خوض المغامرة، وهذا هو الذي حدث، وما زال يحدث في بلاد المسلمين، على حين أنّ معظم شعوب الأرض قد تخلّصت من ذلك بسبب تنظيم المجتمع، والكثير من الإجراءات الصارمة.

الخروج على ولاية المتغلّب هو من باب الاجتهاد وليس البغي

ذكرنا أنّ كثيراً من الفقهاء يرون أنّ مقاومة الحاكم المتغلّب ليست من البغي، لأنّه ليس من أئمّة الحقّ، ولا ولايته ولاية ضرورة، ومن ثمّ فإذا اعتقدت جهةٌ مّا أنّ في إمكانها إسقاط الحاكم المتغلّب دون أن تُستأصل أو يثخن فيها، فإنّها بفعلها ذلك لا تكون باغية، وإنّما تكون مجتهدة، وهذا التوجّه يفتح الباب على مصراعيه للصراع على السلطة في ديار المسلمين، والكلّ سيدَّعيّ طبعاً أنّه أحقّ بالولايّة، وأنّه يريد الإصلاح، واستئصال الفساد، وحماية الملّة، وقد عانت الأمّة في تاريخها الطويل من طوفان الثورات والانتفاضات المتتالية، وأنا لا ألوم الفقهاء لأنّه لم يكن لديهم الكثير من الخيارات، ولا الكثير من الآفاق، لكنّ هذا يدفعنا إلى التفكير مليّاً، في قطع الطريق على عشّاق السلطة والتسلّط.

عدم إصلاح النظام السياسيّ بشكل مستمرّ يترك ثغرات لولوج المتشوّفين للسلطة

علينا أن نقول: إنّ النظام السياسيّ الكفء والنزيه هو نظام تحت الإنجاز، وبالتالي فإنّه يحتاج إلى التطوير المتتابع، كما أنّه ليس هناك أيّ نظام سياسيّ محصَّن ضدّ الانحراف أو الفساد، ومن ثمّ فإنّه يحتاج إلى التحصين والترشيد المستمرّ. من الواضح أنّه كلّما كانت الدولة أكثر بساطة، وكلّما كانت مقاليد الأمور فيها في يد شخص أو عدد محدود من الأشخاص، كانت فرصة الانقلاب عليها من قبل عسكريّين ومدنيّين أسهل، وهذا ملموس في تجارب تاريخيّة ومعاصرة كثيرة.

إجراءات تحدٍّ من شهوة المتطلعين للسلطة من خلال تجاوز قرار الأمّة

  • أ- لا لتقديس الأشخاص، ولا لانتظار البطل الفذّ الذي سيقوم بدور المنقذ المخلِّص للأمّة ممّا تعانيه.

إنّ تركيز الإعلام على شخص وإبرازه على أنّه رجل المرحلة يسهِّل عليه ممارسة الاستبداد، والوثوب على السلطة، ونحن نعرف نهيه عن الإسراف في مديح الرجال على نحو ما نراه في قوله: «إذا رأيتم المدَّاحين فاحثوا في وجوههمُ الترابَ»[١٩] .


ومن المؤسف أنّ المديح يشكّل فنَّاً من فنون الشعر، وهذا الفنّ لا تعرفه آداب معظم الأمم، لكنّه عند العرب فنّ مكين وغنيّ بالأعمال الشعريّة! نحن نعرف أيضاً أنّ زمان البطل العظيم الذي سينهض بالعباد والبلاد قد ولّى، وجاء دور ملايين الأبطال الصغار، ومن هنا فإنّنا نحتاج إلى ترسيخ ثقافة تُعْلي شأن الجماعة والمنظومة والمؤسّسة، حتّى لا تتجاوب الأمّة مع الطموحات الشريرة لبعض الأفراد.

  • ب- إثراء الحياة الاجتماعيّة بالمؤسّسات الخيريّة واللاربحيّة بالأنشطة الأدبيّة والاجتماعيّة، لأنّ كلّ عمل جماعيّ، وكلّ نشاط شعبيّ يؤسّس سلطة تقوّي المجتمع، وتحدّ من تغوّل الدولة، وتجعل حركة مختطفي قرار الأمّة تصطدم بالكثير من العوائق، ونحن نرى كثيراً من دول العالم المتقدّم قد تخلّصت فعلاً من الانقلابات العسكريّة، من مدّة بعيدة، وهذا يعود إلى أسباب عديدة، من أهمّها عدم وجود فراغ اجتماعيّ يُغري بعض الناس بملئه، عن طريق العنف والظلم والتسلّط.
  • ج- هناك حاجة ماسّة إلى تكوين رأي عامّ يحترم الدستور بوصفه المعبّر عن طموحات الناس، وليس المراد التسليم لكلّ ما في الدستور، فقد يكون فيه أشياء سيّئة ومصادِمة للشريعة، ولكنّ المقصود هو إيمان الناس باللجوء إلى القضاء في فصل المنازعات، والعمل في إطار القوانين السائدة، ولو أدّى ذلك إلى إلحاق الضرر ببعض المصالح الشخصيّة.

إنّ المتغلّب على الحكم قد قام بعمل كسَر فيه الدستور والعرف، وأهان فيه الناس، من خلال تجاوزه لاختيارهم، وينبغي أن يكون هذا مستقرّاً في الوعي العامّ.

  • د- كثيراً ما يرضى الناس بحاكم غير شرعيّ بسبب سوء الأحوال التي يعيشون فيها، ولا نكاد نستطيع إحصاء المرّات التي تمّ فيها ذلك، ومن هنا فإنّ استتباب الأمن، وازدهار الاقتصاد، وممارسة الناس حرّيّاتهم الفرديّة أمور مهمّة جدّاً في مقاومة الاستيلاء على السلطة، حيث يكون المسوّغ لذلك مفقوداً أو شبه مفقود.
  • هـــ- لا بدّ من مكافحة الفساد واعتماد مبدأ الشفافية في جميع الدوائر والأعمال الحكوميّة، وذلك لأنّ الفساد الإداريّ يعطي الفرصة لمن يحتجّ لوثوبه على إدارة الدولة بمحاربة الفساد والخلاص من المفسدين.
  • و- وجود محكمة دستوريّة عليا تفصل في دستوريّة القوانين، وتحول دون العدوان على حقوق الأفراد، وهذا لن يكون ذا قيمة واضحة، ما لم يكن القضاء مستقلّاً استقلالاً تامّاً عن السلطة التنفيذيّة، لأنّه بذلك يشكّل نوعاً من الضمان لاستمرار السلطة المشروعة، ونحن نعرف أنّ الذين يقومون بانقلابات عسكريّة يعطّلون المحكمة الدستوريّة، ويوقفون العمل بالدستور، ويقومون بعقد المحاكم الخاصّة، لقمع خصومهم، ومن ثمّ فإنّ ترسيخ استقلال القضاء يساعد على توفير الكثير من الجنود

الأوفياء للوقوف في وجه المتغلّب.[٢٠]

هوامش

مصادر

  1. معجم مقاييس اللّغة: أحمد بن فارس بن زكرياء القزوينيّ الرازيّ، أبو الحسين، المتوفّى (٣٩٥ هــ)، المحقق: عبد السلام محمّد هارون، دار الفكر، عام النشر: (١٣٩٩ هـ)/ (١٩٧٩ م).
  2. معجم ديوان الأدب: أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن الحسين الفارابيّ، المتوفّى سنة: (٣٥٠ هـ)، تحقيق: دكتور أحمد مختار عمر، مراجعة: دكتور إبراهيم أنيس، مؤسّسة دار الشعب للصحافة والطباعة والنشر، القاهرة، عام النشر: (١٤٢٤ هـ)/ (٢٠٠٣ م) (٢ .٤٣٨).
  3. الصحاح تاج اللّغة وصحاح العربيّة: أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهريّ الفارابيّ المتوفّى سنة (٣٩٣ هـ)، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين – بيروت، الطبعة الرابعة (١٤٠٧ هـ)/ (١٩٨٧ م).
  4. البناية شرح الهداية: أبو محمّد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابى الحنفيّ بدر الدين العينيّ (المتوفى: ٨٥٥ هـ) (٥١ - ٣)، دار الكتب العلميّة - بيروت، لبنان، الطبعة الأولى (١٤٢٠ هـ)/ (٢٠٠٠ م).
  5. البحر الرائق شرح كنز الدقائق: زين الدين بن إبراهيم بن محمّد، المعروف بابن نجيم المصريّ (المتوفّى سنة: ٩٧٠ هــ)، الناشر: دار الكتاب الإسلاميّ، الطبعة الثانية.
  6. جامع الفصولين لقدوة الأمّة وعمل الأئمّة: محمود بن إسرائيل الشهير بابن قاضيّ سماونه (٩ / ٧).
  7. رد المحتار على الدر المختار: ابن عابدين، محمّد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقيّ الحنفيّ (المتوفّى سنة: ١٢٥٢ هـ) (١٣٩ / ٢)، الناشر: دار الفكر- بيروت، الطبعة: الثانيّة (١٤١٢ هـ)/ (١٩٩٢ م).
  8. حاشيّة الشلبيّ على تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق: شهاب الدين أحمد بن محمّد بن أحمد بن يونس بن إسماعيل بن يونس الشِّلْبِيّ (٢١٩ / ١) (المتوفى: ١٠٢١ هـ)، المطبعة الكبرى الأميريّة - بولاق، القاهرة، الطبعة الأولى (١٣١٣ هـ).
  9. حاشية على مراقيّ الفلاح شرح نور الإيضاح: أحمد بن محمّد بن إسماعيل الطحاويّ الحنفيّ سنة الوفاة (١٢٣١ هـ)، الناشر: المطبعة الكبرى الأميريّة ببولاق، سنة النشر: (١٣١٨ هـ) - (ص: ٣٢٨).
  10. فتاوى قاضيخان: فخر الدين حسن بن منصور الأوزجنديّ الفرغانيّ الحنفيّ المتوفى سنة (٥٩٢ هـ) (٨٥ /1).
  11. حاشية ابن عابدين (٥٤٩ / ٤).
  12. المغني لابن قدامة: أبو محمّد موفّق الدين عبد الله بن أحمد بن محمّد بن قدامة الجماعيليّ المقدسيّ ثمّ الدمشقيّ الحنبليّ، الشهير بابن قدامة المقدسيّ (المتوفى: ٦٢٠ هـ)، مكتبة القاهرة (١٣٨٨ هـ)/ (١٩٦٨ م) (٨ -٥٢٦).
  13. القواعد الفقهيّة وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة، صفحة (ج 1 / ص 219)، المؤلّف: د. محمّد مصطفى الزحيليّ، الناشر: دار الفكر – دمشق، الطبعة الأولى (1427 هـ)/ (2006 م).
  14. الموسوعة الكويتيّة (4/ 208)، حاشية ابن عابدين (3 / 308)، وحاشية الدسوقيّ (4 / 298)، وحاشية الجمل (5 / 194)، والفروع (3 / 541) ط المنار.
  15. رواه الترمذيّ، في السنن، رقم الحديث (2174) المؤلّف: محمّد بن عيسى أبو عيسى الترمذيّ السلميّ، الناشر: دار إحياء التراث العربي/ بيروت، تحقيق: أحمد محمّد شاكر وآخرون.
  16. رواه مسلم في صحيحه، رقم الحديث (1839).
  17. رواه البخاريّ، رقم الحديث (7145) ورواه مسلم ، رقم الحديث (1840).
  18. راجع في هذا كتاب النظريّات السياسيّة الإسلاميّة: د. محمّد ضياء الدين الريّس، طبعة دار التراث، القاهرة ،الطبعة السابعة.
  19. صحيح مسلم، رقم الحديث (3002)، المؤلّف: مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيريّ النيسابوريّ (المتوفّى سنة: 261هـ)، المحقّق: محمّد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء التراث العربيّ – بيروت.
  20. البحث كاملاً من كتاب أساسيّات في نظام الحكم، الدكتور عبد الكريم بكّار، صفحة (63 – 70)، صادر عن مؤسّسة رؤية للثقافة والإعلام، إسطنبول.