علاقات دولية

من رؤية بيديا
اذهب إلى: تصفح، ابحث

علاقات دوليّة، International relations.

مفهوم العلاقات الدوليّة: ذلك التبادل بين دول ذات سيادة، أو بين الأمم الموجودة في إطار النظام الدوليّ الذي يشمل -إلى جانب وجود الدولة- كلّ المنظّمات الدوليّة الحكوميّة وغير الحكوميّة، وحركات التحرّر الوطنيّ والقوى الفاعلة الاقتصاديّة، مثل الشركات متعدّدة الجنسيّة. بعبارة ثانية، تعكس العلاقات الدوليّة تلك العوامل المؤثّرة على الحياة الدوليّة والتي تترجم إلى الواقع باختلاف السياسات الخارجيّة. وهذه العوامل هي: العامل الإنسانيّ والسكّانيّ، والعامل المادّيّ والتكنولوجيّ والعامل الثقافيّ المتمثّل بالإديولوجيّات والثقافات، حيث تتّصف هذه العوامل بتداخلها وتفاعلها مع الوسط البيئيّ لكلّ طرف من أطراف النظام الدوليّ، التي تقود إلى تنوّع هذه السياسات التي تعكس الاختلافات في مستويات القوّة، نتيجة لامتلاك طرف من الأطراف إمكانات أكبر من الأخر في مجالات متعدّدة تساهم في تنمية قوّته.

محتويات

وسائل إدارة العلاقات الدوليّة

العلاقات الدوليّة تتميّز بكونها علاقات قوّة، وهي تلك التي تعني قدرة الأطراف الدوليّة على خلق مجالات التأثير لصالحهاInfluence spaces أو المحافظة على قوّتها Preservation of Power، سواء كان ذلك عن طريق

  1. القوة الماديّة، بما يسمّى القوّة الصلبة The hard power، بحسب مصطلح جوزيف ني [١] Joseph Nye والتي تعني اللجوء إلى قوّة الإجبار العسكريّة.
  1. عن طريق السياسة والدبلوماسيّة وما يسمّى: القوّة الناعمة The soft power والتي تعني محاولة تحقيق الأهداف المرغوب بها عن طريق اللجوء إلى وسائل الإقناع بدلاً من القوّة العسكريّة.
  2. أو في اللجوء إلى جمع القوّتين معاً، تحت اسم: القوّة الذكيّة smart power، التي تعني اللجوء إلى القوّتين معاً، أي إلى التخويف والإقناع في فرض شروط أحد الأطراف على الآخر أو في تغيير سياسته.

تأثير الدولة والشركات متعدّدة الجنسيّات في العلاقات الدوليّة

يلاحظ أن ليس كلّ الأطراف الدوليّة تتمتّع بهذه الخصوصيّة.
فمجال القوّة يبقى محصوراً بيد الدولة، رغم اعتقاد بعضهم بأنّ الشركات متعدّدة الجنسيّات هي الأخرى تملك هذه القدرة بسبب العنف التي تستعمله للحفاظ على مصالحها، والأمثلة كثيرة على ذلك، بدءاً من قضيّة تأميم البترول في إيران في زمان مصدّق، وانتهاء بالانقلاب في شيلي عام1973. إنّ تحليل عنف هذه المؤسّسات يبيّن بوضوح استخدام هذه المؤسّسات قوّة الدولة والحكومة في تحقيق أهدافها، وليس في امتلاكها القوّة، لأن تبقى هذه الأخيرة صفة مرادفة لوجود الدولة، بدليل أنّه حتّى الاندماج الإقليميّ بين الدول في إطار منظّمة معيّنة مثل منظّمة الاتحاد الأوربيّ لا يلغي قوّة الدولة، بل يدعمها، كما يذهب إلى ذلك الآن ميلورد Millward Alan بقوله ( إنّ التنازل عن سيادة الدولة بعد عام 1950 شكل واحد من جوانب النجاح في إعادة تأكيد الدولة القوميّة وسيلة أساسيّة لتنظيم الكيان الأوروبّيّ [٢]. لهذا السبب تبقى الدولة محافظة على مركزيّة موقعها في النظام الدوليّ، وذلك منذ معاهدة ويستفاليا التي وقّعت عام 1648 بين قوى الاستعمار على استقلالها خلال فترة الحرب الباردة.
فقد بقي هذا النظام محافظاً على خصوصيّته باحتلال الدولة مركز الصدارة في العلاقات الدوليّة، وبالأخصّ مع انتهاء الحرب العالميّة الأولى، حيث أخذت العلاقات الدوليّة بعداً جديداً عندما اعتبرت نظاماً قائماً على معطيات نظريّة بهدف:

  • أوّلاً لتميّزها عن المظاهر الدوليّة التي يعجّ المجتمع الدوليّ بها.
  • وثانياً لتفسيرها -وإنّ مركزيّة الدولة لم تتغيّر حتّى مع عولمة العالم.


جذور معطيات نظريّة العلاقات الدوليّة

يمكن رصد جذور معطيات نظريّة العلاقات الدوليّة عند الإغريق، وبخاصّة في كتاب تاريخ الحرب البيلوبونيز Peloponnesian Warبين أثينا وإسبارطة التي ذكرها المؤرّخ الإغريقيّ تيوسيديدس Thucydides الذي لم يحاول فقط ذكر وتسجيل حوادث هذه الحرب، بل قام بتنظير مجريات هذه الحرب، في إعطاء تفسير وتحليل المعطيات العسكريّة والسلميّة للمجموعات المتحاربة، وقد كانت هذه التحليلات وراء الاتجاهات النظريّة المعاصرة في تفسير مجالات القوّة والحرب والسلام والأمن القوميّ للدول من بعد، ويمكن التركيز على أهمّ نظريّتين من بين مجموعة من النظريات، وهي:

النظريّة الواقعيّة، والنظريّة الليبراليّة أو المثاليّة، مع تطوّر معطيات كلّ نظريّة من هذه النظريّات لموافقتها للتطوّر السياسيّ الحديث للنظام الدوليّ، مع القرن الواحد والعشرين.

أوّلاً: النظريّة الواقعيّة

قبل تحديد ماهيّة أفكار هذه النظريّة، لا بدّ من التذكير بأنّ هذه النظريّة تنطلق من الواقع الإنسانيّ الذي تتحكّم به مجموعة من القوانين الطبيعيّة التي لا يمكن تغييرها إلا إذا أوْلى المحدّدات التي تحدّد مجالات هذه القوانين اهتماماً وأهمّيّة، ومن بين هذه المحدّدات الدولة وأمنها وقوّتها التي يساهم في وجودها تداخل العامل العسكريّ والاقتصاديّ والتكنولوجيّ والسكانيّ. وتؤخذ هذه القوّة معياراً يتحدّد على ضوئه قياس قدرة الدولة على المحافظة أو الدفاع عن مصالحها الحيويّة.
بمعنى آخر: إنّ احتكار القوّة بيد الدولة فقط لا يقاسمها في ذلك قوّة أخرى -كأن توجد منظّمة ما- يحدّد مجالات المصالح الحيويّة للبلد، لأّنه مادامت الدولة قويّة فإن إمكانيّة المحافظة على مصالحها ستكون مضمونة، وعليه تعتبر الدولة بحسب هذه النظريّة الهيئة الوحيدة المؤثّرة في العلاقات الدوليّة لكونها ( ذات طبيعة وحدويّة وعقلانيّة، لأنّها تهدف بشكل مستمرّ إلى المحافظة، بأقصى حدّ على مصالحها القوميّة، ممّا يدفعها بشكل مستمرّ إلى اللجوء للقوّة، بغية المحافظة على الأمن والقضايا السياسيّة التي تشكّلان أهدافاً رئيسة للسياسة الخارجيّة )[٣]. بعبارة ثانية: إذا كان وراء بحث الدولة عن القوّة تكمن فكرة تخوّفها على مصالحها القوميّة التي تدفعها إلى تقوية ترسانتها العسكريّة، فمعنى ذلك ستكون القوّة بحدّ ذاتها هدف الدولة ووسيلتها في الوقت نفسه.

فلسفة النظريّة

ففي رأي الداعين إلى هذه النظريّة أنّ العالم يعيش حال فوضى سياسيّة بسبب غياب (السلطة المنفّذة والضامنة لامتثال سلوك –الدول- للقواعد المنظمة).[٤] بعبارة ثانية: إنّ غياب الحاكميّة الدوليّة التي تجمع في يدها القوّة العسكريّة والسياسيّة الكفيلة بتنظيم العالم، وفرض قوانينها يقود بالدول إلى البحث عن كلّ الامكانات المتاحة لديها في تنمية قوّتها الضاربة عسكريّاً واقتصاديّاً هدفاً ووسيلة للدفاع عن نفسها.
ولهذا السبب يقيم جون هال John A Hall هذه النظريّة بأنّها (أكثر نظريّة قوّة وأناقة للسلم والحرب) [٥] في عالم يتميّز ببيئة فوضويّة.

جذور النظريّة

في الواقع تكمن جذور هذا الرأي في فلسفة كلّ من ميكافيل و هوبز في فكرة الدفاع عن النفس في ظلّ سيطرة قانون الغاب، حيث يمكن اعتبارهم من بين الداعين إلى هذه النظريّة.

تنظير ميكافيل للنظريّة

بالنسبة إلى ميكافيل [٦] إنّ ظروف تكوين الدولة القوميّة التي عاصرت الأزمة الأخلاقيّة التي عانى منها النظام السياسيّ الأوربيّ عند انهيار النظام الإقطاعيّ الكنسيّ وبزوغ عصر النهضة، فإنّ رفض هذا التكوين الجديد – الدولة القوميّة – لأيّ سلطة أعلى من سلطتها، كان من نتائجه انتشار العداء بين الدول بسبب التنافس على الحصول على القوّة والسلطان وغياب النظام القانونيّ الذي ينظّم العلاقات فيما بينها، الأمر الذي قاد إلى تركيز الدولة على حقّها الطبيعيّ في تنمية قوّتها في مواجهة التهديد الكامن من وجود عدّة دول تنافسها في نفس الأهداف. ميكافيل يقول: يجب على الدولة -الممثّلة بالأمير- ألّا ترتبط مع أيّ دولة أخرى بعلاقة صداقة وإنّما يجب عليها البحث بشكل مستمرّ عن الإمكانات في تحقيق المصلحة الحيويّة التي هي معيار الرابطة بين الدول، بمعنى آخر: ليس للدولة صديق، وإنّما لديها مصالح، وإنّ رغبة التملك شيء طبيعيّ، فعلى كلّ دولة القيام بعمل للوصول إلى تحقيق هذا التملّك.

تنظير هوبر للنظريّة

أمّا بالنسبة إلى هوبز في كتابه التنين Leviathan ومنطلقاً من فكرته –التي ذكرت سابقاً- بأنّ المجتمعات الإنسانيّة في حالها الطبيعيّة تعيش في فوضى، حيث يسيطر فيها قانون الغاب، وإنّ غاية كلّ فرد من أفراد هذه المجتمعات هي الدفاع عن نفسه باللجوء إلى القوّة، فالطريق الوحيد للتخلّص من هذه الوضعيّة هو في اتّفاق الجميع على عقد عهد بينهم، يتنازلون فيه إلى الأمير عن حقوقهم، مقابل ضمان أمنهم، هذه القاعدة لا يمكن أن تخلق لها الآثار نفسها في المجتمع الدوليّ، لأنّ حرص كلّ دولة على سيادتها يدفعها للبحث عن القوّة لضمان أمنها، فبالنسبة إليه: إنّ المجتمع الدوليّ مجبر على اللجوء إلى القوّة مادامت حال الفوضى قائمة، وعدم الثقة منتشراً بين الجميع، والنتيجة فالحرب بين الدول تعتبر حالاً طبيعيّة.
وبحسب رأيه إنّ الملوك والشخصيّات الماسكة بالسلطة، وبسبب استقلاليّاتهم فإنّهم في حال مستمرّة من الشكوك - بالغير - وفي وضعيّة مقاتلين وأسلحتهم مصوّبة باتجاه الآخرين.. ومدافعهم موجودة في حدود بلدانهم، وجواسيسهم يتجسّسون على جيرانهم، وهذه الأوضاع كلّها تشكل جزءاً من الاستعدادات الحربيّة)[٧].

تأثير النظريّة على عدد من المفكّرين

لقد أثّرت هذه الأفكار بشكل كبير في مفكّرين ومنظّرين في القرن العشرين مثل هانس مورجينثو Hans J Morgenthau الذي أكّد أنّ الواقعيّة تعتقد: (بأنّ العالم لا يتّصف بالكمال... بسبب القوى المكوّنة للطبيعة الإنسانيّة، وبهدف أن يكون العالم متّسماً بهذه الصفة، لا بدّ من العمل مع هذه القوى وليس ضدّها. إنّ المصالح المتعارضة والصراعات فيما بينها هي صفة مرتبطة بهذا العالم، وعليه فلا يمكن للمبادئ الأخلاقيّة أن تحقّق ما تصبو إليه، ومن المستحسن العمل على التوصّل إلى نوع من التوازن الوقتيّ بين هذه المصالح والوصول إلى التسوية غير المستقرّة للصراعات )[٨]. ومن بين منظّري هذا الاتجاه أيضاً هناك هيدلي بول [٩] Bull Hedley الذي أكّد من جانبه على الطبيعة الفوضويّة للعلاقات الدوليّة، منطلقاً من فكرة سيادة الدولة التي تتحرّك بحريّة على ضوء مصالحها الخاصّة وبشكل أنانيّ، ولا تخضع إلى أيّ سلطة أعلى منها، وإذا كان هناك نظام ينظّم هذه العلاقات، فإنّ ذلك من خلق الدول أنفسها ولا يعود إلى عامل آخر.

هل العلاقات الدوليّة محكومة للمبادئ أم للمصالح؟

إنّ الدولة برضاها تختار الانضواء تحت راية تنظيم معيّن تساهم هي في وضع قواعده.
وعليه فإنّ ما يمكن استنتاجه من هذا التأكيد هو أنّ صراع القوى هو وراء تنظيم العلاقات الدوليّة، وأنّ كان هناك لجوء إلى بعض المبادئ الأخلاقيّة، فوراء ذلك تكمن القواعد العرفيّة التي تتمسّك بها قيادات السلطات السياسيّة، حال تحالف دولة مع دولة أخرى.
بمعنى آخر: ليس هناك في الواقع مبادئ عليا، تحدّد سلوك الدول وتدفعها للتمسّك بهذه القواعد، بل إنّ ضرورة ضمان الوجود هي وراء تحالفها بهدف زيادة قوّتها، وكما يقول كولين دووك Dueeck Colin (كون النظام الدوليّ نظاماً فوضويّاً حيث احتمال انفجار الصراعات العنيفة شيء محتمل حدوثه بشكل دائم، فإنّ الدولة من أجل المحافظة على بقائها، فإنّها مجبرة على الاعتماد على قوّتها المادّيّة بشكل منفرد، أو مع التحالف مع الآخرين) [١٠].

ملاحظات على تحليلات هيدلي بول

الشيء الملاحظ في تحليلات هيدليّ بول الذي يختلف عن غيره من المدافعين عن اتجاهات المدرسة الواقعيّة النظريّة، رافعاً شأن الجانب الأخلاقيّ، رغم كونه أرجع ذلك إلى العرف، هذا التأكيد هو في الحقيقة نتيجة لتلك التأليفة التي جمع فيها هذا المفكّر بين الأفكار الكلاسيكيّة لدى كلّ من ماكيفيل وهوبس وبين أراء هوكو كروسيوس [١١] Hugo المعاصر لهوبس والمتعلّقة بأسس القانون الدوليّ، والتي دعا فيها إلى عقد المعاهدات الدوليّة القائمة على أسس القانون الطبيعيّـ لضمان حريّة الملاحة والتبادل التجاريّ.

هوكو وفكرة القوّة

ففي كتابه: قانون الحرب والسلام. يدعو هوكو إلى فكرة: أنّ الحرب لا يمكن اعتبارها الشكل الوحيد لتنمية قوّة الدول، وذلك من خلال محاولاتها الحصول على أقاليم دول ثانية، فحرّيّة التجارة وتنمية الاقتصاد تنمّيان هذه أيضاً علاقات القوّة بين الدول.
بعبارة ثانية: إنّ العلاقات السياسيّة لها القدرة على تنمية قوّة الدول من خلال علاقاتها التجاريّة.
ويبدو أنّ فكرة كارل فون كلوسفتيز Clausewitz Carl [١٢]Von القائلة: إنّ الحرب ما هي إلا وسيلة ثانية للسياسة، ولكن بأسلوب ثان، تجد جذورها لدى هوكو كروسيوس، حيث تعني هذه الفكرة بأنّ ما يراد تحقيقه عن طريق القوّة بسبب كونه غير مضمون لأنّ عدم اليقين بسبب صعوبة تقدير ما هو غير منظور وردود فعله هي أكبر من عقلانيّة أيّ قرار عسكريّ، لذلك فإنّ استغلال العوامل الاقتصاديّة والاجتماعيّة هي التي تحدّد القدرات العسكريّة لبلد ما، فالمحافظة عليها -أي على العوامل الاقتصاديّة والاجتماعيّة- هو الهدف الأساسيّ للسياسة، بمعنى اللجوء إلى الدبلوماسيّة لتحقيق ما لم تستطع الحرب تحقيقه.

خلاصة الاتجاهات الفلسفيّة تجاه هذه النظريّة

نخلص مما سبق: أنّ العالم يعيش فوضى سياسيّة، بسبب غياب حكومة عالميّة تنظم العلاقات بين الدول، وهذه الفوضى السياسيّة تعود لوجود اختلافات بين الدول نتيجة التنافس فيما بينهم، بسبب غيرة كلّ دولة على سيادتها، والتخوّف من فقدان استقلاليّتها، حيث يدفعها هذا التخوّف إلى تطوير قواها العسكريّة والسياسيّة، التي لا يمكن تحقيقها إلا من خلال التمّكن من استغلال القدرات الاقتصاديّة، التي تدفع فكرة التحكّم بها إلى التفكير بغزو دول أخرى، تحت غطاء ضمان الأمن القوميّ للدولة ضدّ مخاطر التهديد الموجّهة إليها، من قبل دول ثانية، لكونها تهدّد مصالحها الحيويّة
والنتيجة النهائيّة لوضعيّة أزمة الأمن هذه: فإنّ تقوية كلّ دولة لأسس قواها العسكريّة والاقتصاديّة تهدف للوصول إلى حال التوازن بين القوى لغرض منع التهديد بالغزو، هذا من جانب، ومن جانب آخر دخول بعض الدول بشكل طوعيّ في الاتفاقات والمعاهدات يهدف لتحقيق أقصى ما يمكن تحقيقه من مصالح، في تبنّي هذه الدول استراتيجيّة الانضمام إلى حظيرة الدول القويّة، لدعم توازن القوى ووسيلة ليس فقط لضمان أمنها القوميّ، بل للمحافظة على وجود الدولة أيضاً، لما لهذا التحالف من عوائد إيجابيّة على استمرار وجود الدولة.
فهدف وجود التحالف هو لغرض منع قيام أيّ دولة بتهديد السلام من أجل الحصول على منافع خاصّة بها، وهذه هي فكرة كينيث والتز [١٣] Kenneth Waltzالذي بلور معطيات فكرته من خلال الصراع الإيديولوجيّ بين الشرق والغرب، في أثناء الحرب الباردة ، حيث يعتبر استراتيجيّة توازن القوى بديلاً لغياب الحكومة العالميّة. غير أنّه أضاف بعض التعديلات على فكرته، بعد انتهاء الحرب الباردة، بحيث عرفت نظريّته اليوم باسم: "النظريّة الواقعيّة الجديدة" أو "النظريّة الهيكليّة"، الذي يؤكّد فيها أنّه يجب النظر إلى العلاقات التفاعليّة بين الدول على أساس أنّها تشكل نظاماً ثابتاً وملزماً، وتؤثّر هذه الصفات على الدول.
بمعنى أنّ الدول تصبح تابعة لهذا النظام وليس العكس.

سياسة توازن القوى

أمّا بخصوص سياسة توازن القوى ففي منظوره أنّ استقرار السلام يتمّ بمجموعة صغيرة من القوى المالكة للقوّة.
إنّ تغيير مفهوم الصراع الدوليّ بعد انهيار الاتحاد السوفيتيّ وسيطرة العولمة، لم يؤثّر على مركزيّة الدولة.
فبسبب الإمكانات التي تتمتّع بها الدولة، والتي لا يمكن منافستها من قبل أيّ قوّة ثانية، فإنّ التعدّديّة القطبيّة التي حلّت بعد انهيار الاتّحاد السوفيتيّ لم تفلح في تحقيق السلام، وقيام التنظيم الدوليّ القادر على فرض إرادته، وذلك بسبب أنّ التنافس بين التعدديّة القطبيّة هي أعقد من الثنائيّة القطبيّة، وذلك لصعوبة المقارنة بين إمكانات الدول وتقدير تماسك التحالف[١٤].

تأثير التعدّديّة القطبيّة على العلاقات الدوليّة

مع وجود التعدّديّة القطبيّة فإنّه لا يمكن الكلام -بحسب رأي كينيث والتز- عن العلاقات الدوليّة، بل من الأفضل تسميته "سياسات القوى" أو "عولمة السياسات" التي تقترح أن تبدل الأهداف المتعلّقة بالمصالح الخاصّة للدول فيما يخصّ أمنها، بنوع آخر من السياسات، أو حتّى في غياب [١٥]هذه السياسات.
في الحقيقة هناك نتيجتان يمكن استخلاصهما من خلال أفكار كينيث والتز:

  • الأولى تتعلّق بمصداقيّة أفكاره حول السلام بين الأمم.
  • فبفضل استراتيجيّة الردع الذرّيّة التي عاشها العالم خلال الحرب الباردة بين المعسكر الاشتراكيّ والمعسكر الغربيّ، تمكّن العالم أن يعيش منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية وإلى الساعة حال السلام الدوليّ بين الأمم، رغم الصراعات الجانبيّة بين دول مرتبطة بإحدى القوّتين، غير أنّ عدم تجاوز الخطوط الحمراء مكّن للقوّتين العالميّتين ضمان هذا السلام.
  • ثانياً: تثبت مجريات الأزمة الماليّة التي يعيشها العالم، منذ نهاية 2008، على أنّ العولمة التي تعني تنازل الدول عن بعض من امتيازاتها السياديّة لصالح التبادل التجاريّ العالميّ ومؤسّساته عبر القوميّة، وبداية لنهاية مركزيّة الدولة في النظام الدوليّ، وأولويّة أمنها، أخفقت في معالجة هذه الأزمة، وأنّ دور الدولة مازال محافظاً على مركزيّته في معالجات القضايا الدوليّة وبخاصّة الماليّة منها.

ثانياً: النظريّة المثاليّة أو الليبراليّة

مرتكزات النظريّة

على عكس النظريّة الواقعيّة، تركّز منطلقات هذه النظريّة على مفهوم الحرّيّة التي تجد جذورها في طبيعة الإنسان المسالمة التي ترفض العنف، وتنحو نحو التعاون وتقاسم المصالح.
بمعنى آخر: اعتبار الحريّة قاعدة تستند عليها هذه النظريّة ليس في تحليل العلاقات بين الأفراد والمجموعات فقط، بل أيضا بين الدول، انطلاقاً من فكرة أنّ الحال الطبيعيّة للمجتمع تتّصف بكونها حال وئام بين أفراده.
معطيات وجدت أرضيّتها في أفكار أرسطو التي تفترض أنّ الإنسان كما هو حيوان اجتماعيّ فهو أيضا حيوان سياسيّ.
في الواقع إنَّ القول بأنّ الفرد الحرّ هو ذلك الفرد الذي يتمتّع باستقلاليّة وعقلانيّة ويتقاسم مع الآخرين معطيات القانون الطبيعيّ الذي يشكّل أعلى قانون في المجتمع، يعني أنّ الفرد في بحثه عن إشباع حاجاته يقوم بصورة غير شعوريّة بإشباع حاجات الآخرين في الوقت نفسه، لأنّ المنافسة بين الأفراد تعني تبادل المصالح، وليس صراع المصالح، بسبب طبيعة الإنسان الميّالة نحو التعاون، فتقود هذه الوضعيّة إلى التوازن والتقدّم داخل المجتمع، بهدف الوصول إلى نتائج إيجابيّة لهذا التعامل وضمان استمراره ضدّ احتمالات سيطرة الأنانية التي تقود إلى الفوضى، فالدولة التي تنظّم القواعد القانونيّة تعتبر شيئاً أساسيّاً وضروريّاً لخدمة مصلحة الجميع عامّة، وليس هناك دولة قادرة على تحقيق هذا الهدف إلا الدولة الديمقراطيّة ذات الأساس الرأسماليّ.

المصالح هي أساس علاقات الدول

كذلك حال الدول التي تدفعها مصالحها إلى البحث عن السلام، وهذا لا يتحقّق إلّا عن طريق خلق التعاون المتبادل بين الجميع. (فقيام النظام الدوليّ على قواعد الديمقراطيّة من سيطرة القانون واحترام الحرّيّات الإنسانيّة والمساواة بين المواطنين أمام القانون، سيكون هذا النظام أكثر سلميّة، لأنّه يعكس إرادة الجميع)[١٦].

جذور النظريّة المثاليّة

في الواقع تجد جذور هذه الأفكار لدى كلّ من جون لوك John Locke وآدم سميث Adam Smith وجيرمي بينثام. Jeremy Bentham فانتشار هذا النوع من الدول -في نظر منظّريّ هذه النظريّة- هو الشكل الوحيد القادر على ضمان الحريّة والاستقرار السياسيّ من جهة، ومن جهة أخرى ضمان الأمن والسلام الدائم في العالم.
وعلى عكس الرأي القائل: باستحالة تنازل الدولة عن سيادتها، بالنسبة إلى معطيات النظريّة الليبراليّة، فانّ احتمالات هذا التنازل ممكنة إذا كانت الدول كلّها تتّصف بكونها سياسيّاً دولاً ذات أنظمة ديمقراطيّة، واقتصاديّاً دولاً رأسماليّة.
بمعنى آخر لكونها ديمقراطيّة ورأسماليّة فإنّ تداخل العلاقات الدوليّة هو نتيجة للتبادل الاقتصاديّ والتجاريّ الحرّ الذي يساهم في خلق المساواة في الحقوق بين الدول، ويعرقل قيام النزاعات الدوليّة التي تقود إلى الحروب.
ومن أجل أن تخلق هذه الظروف فلا بدّ من حماية الأمن الإنسانيّ -حماية حقوق الإنسان- والمحافظة عليها ليس كجزء من الأمن الحكوميّ وإنّما، كجزء من الأمن العالميّ الذي يعتبر وجوده عاملاً مهمّاً في زيادة حجم التبادل الاقتصاديّ والتجاريّ بين الدول.
فكلما كانت مجالات الأمن الدوليّ مضمونة، كلّما زادت درجات التبادل التجاريّ والاقتصاديّ بين الدول وهذا هو رأي مائيكل رينيرMichael Renner).
ومن هنا تأتي أهميّة وجود التنظيمات الدوليّة، لدى النظريّة الليبراليّة، في لعب دورها في تخفيف حدّة الصراعات والنزاعات الدوليّة بتقوية قواعد التعاون الدوليّ بين أطراف النظام الدوليّ من خلال الاتفاقات الدوليّة، ثنائيّة كانت أو متعدّدة الأطراف، شكليّة الصيغة، أو غير شكليّة. كيف يتمّ ذلك؟

دور الرأسماليّة والديمقراطيّة في خلق التعاون الدوليّ

إنّ التداخل التفاعليّ الرأسماليّ بين الدول وانتشار النظام الديمقراطيّ، ساهما في خلق أجواء التعاون وبإضعاف محدّدات السيادة والحدود بين الدول، فإنّها تساهم في نظر منظّري هذه النظريّة في التخفيف من التسابق على التسلّح ونزعه.
فبفضل التدخّل الاقتصاديّ والتأكيد على مبادئ الفلسفة الليبراليّة الداعية إلى السلم والخير العامّ والسعادة، فإنّ وجود التهديد كأمر واقع يزول من الساحة الدوليّة، لأنّ تقاسم المصالح القائمة على الموازنة بين التكلفة بالعمل بتحقيق المصالح بشكل انفراديّ وبين مردوديّة العمل نفسه، بالعمل بشكل جماعيّ، تجعل هذه الموازنة مصير كل دولة مرتبطة بمصير الثانية، لأنّ عوائد العمل الجماعيّ هي أكبر من العمل الفرديّ، وهذه الوضعيّة تسهّل إجراءات قيام الحكومة العالميّة أو على الأقلّ إيجاد النظام الدوليّ المندمج.
والمقصود بهذه الفكرة هو أنّ قبول الليبراليّة بوجود الدولة كعامل مؤثّر في العلاقات الدوليّة، فإنّ وجود التنظيمات الدوليّة حكوميّة وغير حكوميّة لها وقعها هي الأخرى على العلاقات الدوليّة في تعاونها لضمان الأمن الجماعيّ، وتثبيت دعائم السلام، فعندما تشعر الأطراف المتفاعلة كلّها بأنّ علاقاتهم المتداخلة هي لصالح الجميع فمن مصلحة الجميع العمل جميعا ضد احتمال خطورة تهديد الأمن من إحدى الأطراف.

وعليه وعلى عكس اعتقاد أصحاب النظريّة الواقعيّة في دور الدولة في الحفاظ على الأمن، في رأي أنصار النظريّة الليبراليّة، سيقع على كاهل التنظيمات الدوليّة ومؤسّساتها القيام بهذه الوظيفة: فبسبب كون المجتمع الدوليّ يتكوّن من مجموعة من العلاقات الرابطة بين الأفراد والأفكار والتنظيمات التي تتجاوز حدودها حدود الدول التي تكمن وراءها تعدّديّة المصالح وتنوّعها لدى كلّ واحدة منها، لذلك لم يعد (المجتمع الدوليّ دوليّاً وإنّما عابراً دوليّاً)[١٧] تتقاطع به العلاقات بين الأمم. بعبارة ثانية: إنّه أصبح مجتمعاً عبرَ الأمم.
وهذا ما يمكن استخلاصه من رأي كلّ من جوزيف ني Joseph Nye وروبرت كيوهان Robert Keohane [١٨] حيث يؤكّدان أنّ ضعف القوّة العسكريّة كأداة سياسيّة وتنامي التبعيّة المتبادلة بين الدول تحت شكل مركّب للتبعيّة المتبادلة complex interdependence يقود إلى التعاون المشترك فيما بينها، وإلى خلق المؤسّسات الدوليّة التي ستتجاوز مجالات تأثيرها تلك التي كانت مخصّصة تقليديّاً ومصنّفة ضمن صلاحيّة الدولة، ويمكن أخذ منظّمة الاتّحاد الأوربيّ كمثال على هذا التطوّر.

من القوّة الصلبة إلى القوّة الناعمة

في الواقع إنّ تبلور هذه الأفكار قاد بمؤيّدي النظريّة الليبراليّة إلى القول: إنّ العالم الذي نظّمته معاهدة ويستفاليا لم يعد قادراً على تنظيم حياة المجتمع الدوليّ مع دخول المنظّمات الدوليّة الحكوميّة وغير الحكوميّة والشركات المتعدّدة الجنسيّات والتبعيّة المتداخلة والمتبادلة بين الدول على الساحة الدوليّة كأشخاص في القانون الدوليّ، وإنّ منطق النظريّة الواقعيّة لم يعد قادراً على تفسير الحياة الدوليّة بشكل منفرد، وبالخصوص مع انتهاء الحرب الباردة، التي تتركّز كما ذكر سابقاً على القوّة العسكريّة –القوة الصلبة- وعليه فلا بدّ من صيغة أخرى لا تنافس القوّة الصلبة، وإنّما لجعل هذه القوّة أكثر تقبّلاً، ومن هنا ولدت فكرة القوّة الناعمة كما طرحها جوزيف ني Joseph Nye والتي حاول روبرت كيوهان Robert Keohane، أن يعطيها اسم الليبراليّة الجديدة [١٩] التي تجمع بين منطلقات الواقعيّة بخصوص الدولة وقوّتها ومركب التبعيّة المتبادلة complex interdependece، كتأليفه تتركّز على إمكانيّة اتخاذ العالم شكلاً جديداً يجمع بين استقراريّة التعاون الدوليّ مع أخذ أهميّة مفهوم القوّة والمصالح الذاتيّة لكلّ بلد بعين الاعتبار، بمعنى آخر: الاستمرار في دعم نشاطات المنظّمات الدوليّة والتعاون فيما بين الدول مع المحافظة على قوّة وهيمنة دول معيّنة.

نقد النظريّة

وقد أثارت هذه الفكرة ردود فعل كلّ من مؤيّدي النظريّتين: الواقعيّة والليبراليّة منها. فبالنسبة إلى الواقعين: (فإنّ هذه النظريّة لم تقدّم البراهين وبشكل نهائيّ على قدرة المنظّمات الدوليّة في منع اندلاع الحرب بين الدول، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، يرى الليبراليّون فيها تراجعاً وليس فكرة تقدميّة، لأنّها تقوم على فكرة المساومة مع مالكي القوّة والسلطان) [٢٠] كما يقول بذلك جيرار دوسويّ Gérard Dussouy.

تقويم نقد النظريّة

في الحقيقة إنّ هناك نوعاً من الصحّة في هذه الانتقادات المقدّمة، فالنظام الدوليّ الحاليّ يفتقر إلى القوّة الحقيقيّة لمنع اندلاع الحرب، لأنّ استخدام القوّة يبقى على المستوى الدوليّ بيد الدول الكبرى المالكة لحقّ قرار النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، يضاف إلى ذلك ارتباط الدول الأخرى باتفاقات دفاعيّة واستراتيجيّة مع بعض من هذه الدول، فإنّه من المستحيل القول: إنّ المنظّمة الدوليّة قادرة على منع دولة ما من إعلان الحرب على دولة أخرى، إذا رأت أنّ مصالحها مهدّدة لأنّها تستند على دعم الدولة الضامنة لوجودها لقرارها هذا.
مثال ذلك: إسرائيل، وعلاقتها مع الولايات المتّحدة، وعدم تطبيقها قرارات الأمم المتّحدة ومجلس الأمن، هذا من جهة ومن جهة أخرى، إنّ تمتّع دولة كبيرة بقدرات استراتيجيّة عظيمة كالولايات المتّحدة ومحاولتها عدم الوقوع مرّة ثانية في وضعيّة كالتي عاشها العالم خلال الحرب الباردة، لما عرف بثنائيّة القطبيّة، يدفعها إلى اتخاذ استراتيجيّات تهدف إلى منع كلّ محاولة جديدة لإرجاع الأمور إلى ما كانت عليه تحت ظروف الحرب الباردة، بمعنى: القبول بقوّة جديدة تقاسمها الهيمنة، الأمر الذي قاد بها إلى التشبّث بسياساتها، أو حتّى اللجوء إلى السياسات الاحترازيّة القائمة على مبدأ الحرب الوقائيّة أو الردع الوقائيّ.
إنّ هذه الوضعيّة، إن مُنِحت هذه الدول -وذلك بحسب منظورها- نوعٌ من الشرعيّة، فإنّها إنّما تعبّر عن عدم ثقتها بدور المنظّمات الدوليّة وقدرتها على منع مثل هذه الاحتماليّة –منع ظهور صراع القوى المهيمنة- أو في قدرتها على تحقيق السلام، بدون أن تكون هي صاحبة القرار في ذلك، فالقبول بهذه الوضعيّة لا يعني فقط اعترافاً صريحاً بفوضويّة النظام الدوليّ، التي ترفض النظريّة الليبراليّة حقيقة وجوده، بل إنّها تساهم في إعادة خلقه ليس في اعترافها بأهميّة هيمنة قوّة معيّنة، بل بقبولها بأخذ الالتزام بقواعد التنظيم الدوليّ، وسيلةً لتحقيق المصالح الحيويّة وتثبيت مجالات التأثير والمحافظة على القوّة وعلى حساب التنظيم نفسه.

نتائج التناقض بين دعم النظام الدوليّ، وقيادة العالم في السياسة الأمريكيّة

إنّ موقفاً كهذا لا يسيء إلى سمعة الدولة، وبخاصّة في أوقات الأزمات فحسب، بل يضعف أيضاً مقولات النظريّة الليبراليّة نفسها، الداعية إلى الالتزام بقواعد التنظيم الدوليّ.
إنّ نتائج التناقض في المواقف بين دعم عمل النظام الدوليّ وبين المحافظة على قيادة هذا النظام قاد بجوزيف ني إلى طرح فكرة: القوّة الناعمة power Soft [٢١] كاستراتيجيّة لضمان المصالح الحيويّة الأمريكيّة بعد غزو الولايات المتّحدة للعراق، بالاعتماد على قدرة ثقافة البلد والأهداف الساميّة لسياستها التي تنادي بها في إغراء الدول الأخرى للانحياز إلى جانبها، وذلك بهدف تحقيق المصالح الحيويّة للطرفين، من دون اللجوء إلى القوّة العسكريّة والماليّة وسيلة لإعادة ثقة العالم بها، فالقوّة الناعمة تعني بالنسبة إليه القدرة على الحصول على ما تريده دولة ما، من خلال الإغراء، بدلاً من الإكراه، ويمكن تنمية ذلك من خلال العلاقات مع الحليف، والمساعدات الاقتصاديّة والتبادل الثقافيّ.
والنتيجة التي يمكن التوصل إليها من خلال هذا الأسلوب في التعامل الدوليّ هو زيادة علاقات الثقة بين الدول.

التنظيمات الدوليّة وانتشار الإيديولوجيّات

إنّ مساهمة الدول في التنظيم الدوليّ ساعد الكثير منها على نشر قيم إيديولوجيّتها ومن بينها فكرة الديمقراطيّة والرخاء الاقتصاديّ.
ويعود نجاح هذا الانتشار إلى وجود الصراع بين القطبين في أثناء فترة الحرب الباردة والعمليّات الاغرائيّة الإيديولوجيّة التي واكبت هذا الصراع.
ولكن.. منذ أن تفكّك أحد الأقطاب وانتهى تأثيره السياسيّ والاقتصاديّ، أبرز الطرف الثاني في موقع المسيطر.

مفرزات سيطرة القطب الواحد بعد الحرب الباردة

أفرزت هذه السيطرة نتائج خطيرة ارتبط وجودها بصفة هيمنة هذا القطب الوحيد وتمثّلت بأنّ فكرة دمقرطة العالم تمرّ ليس عبر قنوات التعاون والتحالف والإغراء، بل عن طريق هدم كلّ ما كان قائماً ومعروفاً بالقوّة، وإعادة رسم خريطة العالم على الشكل التي يتوافق مع المصالح الحيويّة لهذه القوّة المهيمنة وتثبيت الأحاديّة Unilateralism في صيغتها العسكريّة والاقتصاديّة.
وقد كانت النظريّة الواقعيّة وراء تلك الأفكار وما طرح في وقتها عمّا يسمّى بمشروع الأوسط الكبير.

إخفاق النظريّة الليبراليّة في دمقرطة العالم

إخفاق هذه النظريّة في خلق هذا العالم الديمقراطيّ يعود سببه إلى افتقاد الأفكار النظريّة الواقعيّة للمعرفة في مجال معطيات الواقع السياسيّ والثقافيّ لهذا العالم.
ومن نتائج ذلك، إخفاق الغزو الأمريكيّ للعراق في تجسيد قيم الثقافة الأمريكيّة الديمقراطيّة، لربط مفهوم الحرّيّة بالتعذيب، الذي أثّر على السمعة الدوليّة للولايات المتّحدة، من جهة، ومن جهة ثانية، تهديم معنى الدولة كما تفهمها هذه النظريّة قاعدة رئيسيّة ليس فقط في العلاقات الدوليّة، وإنّما على المستوى الداخليّ في إقامة بناء دولة القانون، التي لا بدّ منها لتشييد صرح الديمقراطيّة.

القوّة الذكيّة في مواجهة النظام الدوليّ

وكردّة فعل على ذلك برزت إلى الوجود فكرة كيفيّة استخدام القوة الذكيّة كاستراتيجيّة للتعامل الدوليّ في عالم القرن الواحد والعشرين، تبنّتها النظريّة الليبراليّة الجديدة، وذلك منذ عام 2004. ففي مقال لها بعنوان: القوّة الذكيّة Smart power في مجلّة الشؤون الخارجيّة Foreign affairs طرحت سوزان نوسيل Suzanne Nossel [٢٢] فكرة أنّ أحاديّة العمل في عالم تتقاطع فيه العلاقات المتنوّعة بين الدول، بسبب تصوّر الدولة أنّ قوّتها تضاهي كلّ القوى العالميّة، يقود إلى عزل الدولة عن العالم المحيط بها، وزيادة درجات عدم الثقة بمواقفها.
وإنّ المحافظة والدفاع عن مصالح الولايات المتّحدة لا يتمّ إلّا عبر قبولها مشاركة القوى الدوليّة الأخرى معها، يضاف إلى ذلك الاستفادة من عمل المنظّمات الدوليّة لتحقيق هذه الأهداف، وإنّ على الليبراليّة الجديدة الاستفادة من فرصة الأزمات الدوليّة الحاليّة في إعادة بناء دولة القانون، والتطوّر الاقتصاديّ الضروريّين لإقامة المجتمع الديمقراطيّ.
وعلى حدّ تعبير وزيرة الخارجيّة الأمريكيّة السابقة هيلاري كلينتون التي طرحت فكرتها ومنظورها للعلاقات الدوليّة، فإنّ هذه الأهداف لا تتحقّق إلّا من خلال (اللجوء إلى القوّة الذكيّة، وستكون الدبلوماسيّة طليعة السياسة الخارجيّة... وهذه القوّة ستراعي مواقف أصدقائنا وأعدائنا بالوقت نفسه، لغرض تقوية تحالفاتنا السابقة وعقد الجديدة منها)[٢٣].

العقيدة السياسيّة الجديدة في إدارة العلاقات الدوليّة

القوّة الذكيّة ستكون العقيدة الجديدة لتفسير العلاقات الدوليّة، ولكنّه وإن أريد لهذه العقيدة أن تشكّل قطيعة مع معطيات أحاديّة الطرف التي سيطرت مع بداية القرن الحالي، لكونها تشكّل منعطفاً في العلاقات الدوليّة من زاوية تركيزها على فكرة التعاون الدوليّ وإعادة إحياء فكرة أهميّة تعدّديّة الأطراف في هذا المجال، فإنّ دور الدبلوماسيّة لا يشكّل شيئاً جديداً في العلاقات الدوليّة، فلقد كانت هذه الوسيلة إحدى دعائم العمل السياسيّ بين الدول منذ القدم، لكنّ الشيء الجديد وراء التأكيد على هاتين الصيغتين في العمل السياسيّ الدوليّ، هو التخوّف من ظهور قوى إقليميّة صاعدة في عالم الجنوب تخلق علاقات جديدة للصراعات نتيجة للمنافسة الدوليّة حول مصادر الطاقة والبيئة والمياه، يفترض على العالم الغربيّ التصدّي لها، أمّا عن طريق تحييدها من خلال المعاهدات والاتفاقيّات أو عن طريق إحياء التحالفات الغربيّة لمواجهة خطر فقدان العالم الغربيّ لمبادرات القوّة.
بعبارة ثانية: ستخلق طبيعة العولمة علاقات دوليّة ذات طبيعة جديدة، لكون العوامل المؤثّرة في خلقها ليست تلك التي تعارف عليها العالم لحدّ هذه الساعة، نتيجة وكما يقول فرنسوا هيزبورك.

هوامش

مصادر

  1. -Nye Jr.Joseph. The changing nature of American Power.Basic books.1990
  2. Millward, Alan. The European Rescue of the ation-State. Routledge.1992.P 438
  3. Viotti Paul R. Kauppi Mark V. International RelationsTheory: Realism, Pluralism, Globalism, and Beyond; 3 edition. Prentice Hall.1998. P. 55-56
  4. 2-Goldstein Joshua S.International Relations.3ed.Harlow Longman.New York. 1999.P.76
  5. 1-Hall John A. International Orders. Polity press Cambridge. 1996.P. 9
  6. Machiavel Nicolas. Le Prince, trad. par V. Périès, Mille et une nuits, Paris, 2003.
  7. Hobbes Thomas.Léviathan. Gallimard. Chapitre XIII.2000
  8. Morgenthau Hans J. Thompson Kenneth. Clinton David. Politics among nations. McGraw-Hill Humanities/Social Sciences.Languages. 7 edition, 2005.
  9. Bull Hedley.The Anarchical Society.A Study of order in World Politics.Columbia University Press.1977
  10. Dueck Colin.Reluctant Crusaders.Princeton University press.2006. P16
  11. Grotius Hugo. Le droit de la guerre et de la paix.PUF.2005
  12. Clausewitz Carl Von. De la Guerre. éd. Librairie Académique Perrin, 1999. P. 46
  13. Waltz Kenneth. Realism and International Politics. Routledge. 2008
  14. Waltz Kenneth. Structural realism after the cold war.IN.International security.Vol.25. N1.2000.P. 6
  15. Waltz Kenneth. Structural realism after the cold war.IN.International security.Vol.25. N1.2000.P. 6
  16. Roussel Stéphane.O'Meara Dan.Le Libéralisme classique.Une constellation de théories. IN.Sous la direction de Macleod Alex. O'Meara Dan. Théories des relations internationales.CEPS.2007.P.93
  17. Huntzinger J.Introduction aux relations internationales. Paris Seuil.1987.p91
  18. Keohane Robert O. Nye Joseph S. Power and Interdependence
  19. Keohane Robert O. After Hegemony: Cooperation and Discord in the World Political Economy.Princeton Classic Editions.2005
  20. Dussouy Gérard. Traité de relations internationales. Les théories de l'interétatique. Tome 2. L'Harmattan. 2007.P.105
  21. Nye Jr., Joseph S. Soft Power: The Means To Success In World Politics. Public Affairs, 2004
  22. Nossel Suzanne.Smart Power. Foreign affairs. March/April 2004.Vol 83, Number 2
  23. راجع تصريحات هيلاري كلينتون أمام الكونغرس http://www.npr.org/templates/story.php?storyId=99290981