معتزلة

من رؤية بيديا
اذهب إلى: تصفح، ابحث

- المعتزلة:

فرقة إسلاميّة ظهرت في أوّل القرن الثاني الهجريّ، سنة 100 هجريّة، الثامن الميلاديّ في مدينة البصرة بالعراق.

  • -الاعتزال اسم من جملة أسماء أطلقت على جماعة من المسلمين اعتزلوا جميع الفرق الإسلاميّة.
  • -وسمّوا أيضاً بالعدليّة، لقولهم بعدل الله وحكمته والموحّدة: لقولهم لا قديم مع الله.
  • -ويحتجّون لفضل الاعتزال بآيات من القرآن مثل قوله تعالى " وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ..." [مريم 48].
  • -" ومثل قوله تعالى " وَإِنْ لَّمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ" [الدخان 21].
  • -" واحتجّوا من السنَّة بقوله صلّى الله عليه وسلّم [من اعتزل الشرّ سقط في الخير].
  • -ويسمّى المعتزلة بـ (القدريّة) لأنّهم وافقوا القدريّة في قولهم (إنّ للإنسان قدرة توجد الفعل بانفرادها واستقلالها دون الله تعالى، ونفوا أن تكون الأشياء بقضاء الله وقدره).
  • -وأحياناً يلقّب المعتزلة بالجبريّة، لأنّهم وافقوا الجبريّة في نفي الصفات عن الله، وفي خلق القرآن وقولهم إنّ الله لا يرى.
  • -أمّا المعتزلة أنفسهم فكانوا بريئين من هذين الاسمين.
  • - ارتبطت نشأة هذه الفرقة بـ ( واصل بن عطاء ) و(عمرو بن عبيد).
  • - أسّس الفرقة وأنشأ مبادئها: أبو حذيفة: واصل بن عطاء الغزال.

(واصل) من تلاميذ الإمام حسن البصريّ رضي الله عنه، إمام أهل السنَّة في عصره، وكان من تلاميذه المقدّمين عنده.

محتويات

التأسيس وأبرز الشخصيّات

اختلفت رؤية العلماء في ظهور الاعتزال، واتجهت هذه الرؤية ثلاث وجهات:

  • الوجهة الأولى: أنّ الاعتزال حصل نتيجة النقاش في مسائل عقديّة دينيّة، كالحكم على مرتكب الكبيرة، والحديث في القدر، بمعنى: هل يقدر العبد على فعله أو لا يقدر؟، ومن رأي أصحاب هذا الاتجاه أنّ اسم المعتزلة أطلق عليهم لعدّة أسباب:

1 ـ أنّهم اعتزلوا المسلمين، بقولهم بالمنزلة بين المنزلتين. 2 ـ أنّهم عرفوا بالمعتزلة بعد أن اعتزل واصل بن عطاء حلقة الحسن البصريّ وشكّل حقلة خاصّة به، لقوله بالمنزلة بين المنزلتين فقال الحسن: "اعْتَزَلَنا وَاصِلٌ". 3 ـ أو أنّهم قالوا بوجوب اعتزال مرتكب الكبيرة ومقاطعته.

  • والوجهة الثانية: أنّ الاعتزال نشأ بسبب سياسيّ وكان مذهب القدريّة هو ردّ على الجبريّة الأمويّة التي جعلت السلطان من قضاء الله وقدره، الذي لا يردّ، فجاءت دعوة المعتزلة ردّاً على هذا المذهب السياسيّ الجبريّ الذي يشرعن السلطة بحجّة القدر، أو أنّ المعتزلة من شيعة عليّ رضي الله عنه اعتزلوا الحسن، عندما تنازل لمعاوية رضي الله عنهما، أو أنّهم وقفوا موقف الحياد بين شيعة عليّ ومعاوية رضي الله عنهما، فاعتزلوا الفريقين.
  • الوجهة الثالثة: من الأسباب التي دفعت المعتزلة للاشتغال بعلم الكلام معايشتهم للجماعات غير المسلمة، التي تكوّنت داخل المجتمع الإسلاميّ كالمزدكيّين، والإثنينيّة، والديصانيّة، والسمنيّة، وغيرهم، وذلك لدحض شبهاتهم عن طريق مقارعة الحجّة بالحجّة، فكان لا بدّ من إبداع منهج عقليّ يقوم وينهض بدحض شبهات هؤلاء.

أمّا القاضي عبد الجبّار الهمذانيّ ـ مؤرّخ المعتزلة ـ فيزعم أنّ الاعتزال ليس مذهباً جديداً، أو فرقة طارئة، أو طائفة، أو أمراً مستحدثاً، وإنّما هو استمرار لما كان عليه الرسول صلّى الله عليه وسلّم وصحابته، وقد لحقهم هذا الاسم بسبب اعتزالهم الشرّ لقوله تعالى: (وأعتزلكم وما تدعون) ولقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: (من اعتزل الشرّ سقط في الخير). والواقع أنّ نشأة الاعتزال كان ثمرة تطوّر تاريخيّ لمبادئ فكريّة وعقديّة وليدة النظر العقليّ المجرّد في النصوص الدينيّة، وقد نتج ذلك عن التأثّر بالفلسفة اليونانيّة، وقد حاولوا أن يبدعوا علاقة جديدة بين النصّ والعقل، واضعين بذلك قواعد عقليّة للنظر في النصّ.

المناخ الذي ظهرت فيه المعتزلة

وجد النصوصيّون الذين يقدّسون ظاهر النصّ، ويمنعون تأويل النصوص التي تعارض ظواهرها ثمار العقول. وهناك أيضاً المجبرة الذين لا يرون في الإنسان أكثر من أداة مجبرة على التنفيذ. وهناك المجسّمة والمشبّهة الذين كانوا يشبّهون الله تعالى بالإنسان ويجسّمونه. وهناك الذين فسّروا نصوص القرآن الكريم لنصرة الاستبداد والظلم والفساد وإطاعة أئمّة الفساد. وهناك الشيعة الذين ينادون بمبدأ العصمة للأئمّة، وحظروا على عقولهم أن تفكّر في تصرّفات الإمام. حين خرج العرب المسلمون من صحرائهم، وجدوا في البلاد التي افتتحوها أقواماً لهم ديانات مختلفة، وفلسفات دينيّة متأثّرة إلى حدّ بعيد بالفلسفة اليونانيّة ثمّ بدأت أعمال الترجمة فنقلت إلى العربيّة فلسفة اليونان وعلومهم، وهكذا وقف الفكران الإسلاميّ واليونانيّ متواجهين؛ فكان لا بدّ من أن يختلطا ويتفاعلا، وكان لا بدّ من أن يتأثّر المسلمون بالأفكار والعقائد التي غزتهم، وكان الكثير منها مخالفاً لتعاليم دينهم، ومن الطبيعيّ أن تخلق لهم تلك الأفكار مشاكل جديدة تقتضي الدراسة والتحليل، كمشكلة صفات الله تعالى، وقضائه وقدره، وما يتفرّع عنهما. غير أنّ السلف أحجموا عن القيام بهذه المهمّة ووقفوا وجلين أمام تلك المشاكل، فأبوا أن يعالجوها، ورفضوا أن يبتعدوا عن نصّ الكتاب ومنطوق الحديث قيد أنملة، فكان مالك بن أنس يقول أمضي الحديث كما ورد بلا كيف ولا تحديد. وكان لا يتّبع حرّيّة الرأي في أمور الدين، وهذا الموقف الذي وقفه مالك بن أنس هو الموقف نفسه الذي وقفه الشافعيّ الذي قال: إذا وجدتم السّنّة فاتبعوها، ولا تلتفتوا إلى أحد. وابن حنبل الذي امتنع عن الإجابة بحرف واحد في مسألة خلق القرآن، وقال للخليفة: أعطوني شيئاً من كتاب الله، أو سنّة رسوله أقول به. واستمرّ مصرّاً على موقفه حتّى النهاية. أمّا المعتزلة فهم الوحيدون الذين أقبلوا بجرأة على المبادئ الجديدة؛ يدرسونها ويمحّصونها، وكانت غايتهم في بادئ الأمر أن يفهموا تلك المشاكل، ويدافعوا عن العقائد الإسلاميّة ببراهين العقل، كما كان يفعل مخالفو الإسلام في ذلك الحين، في دفاعهم عن عقائدهم، فاتخذوا من العقل خادماً للنقل، ولكنّهم لمّا تغلغل في نفوسهم أثرها واحتلّ قلوبهم حبّها تراءى لهم أنّ العقل يمثّل جزءاً من الحقيقة الكلّيّة، والعقائد الدينيّة تمثّل الجزء الآخر، وبدؤوا يوحّدون بين النقل وبين العقل، ولم يقفوا عند هذا الحدّ، بل تجاوزوا ذلك وازدادوا تعمّقاً في الفلسفة، وتعلّقاً بالعلوم وبدؤوا يبتعدون عن الدين إلى حدّ أن نسوا غايتهم التي بها بدؤوا، وصاروا يجرّبون أن يخضعوا النقل للعقل، ويحوّروا العقائد الدينيّة، بحيث توافق التعاليم الفلسفيّة، وذهبوا إلى القول: إنّه إذا تعارض النقل والعقل، وجب تقديم العقل، لأنّه أساس النقل، وإذا أجمع العقلاء على شيء على أنّه حسن، أو قبيح، كان إجماعهم حجّة. كان المعتزلة قليلي العناية برواية الحديث، وقد حاولوا أن يبطلوا الحديث كلّه من أساسه، فقالوا إنّ خبر الواحد العدل لا يوجب العلم، ذلك بأنّ الأحاديث كلّها أخبار آحاد.

الجذور الفكريّة

• قبل بروز المعتزلة فرقة فكريّة على يد واصل بن عطاء، كان هناك جدل دينيّ فكريّ بدأ بمقولات جدليّة كانت هي الأسس الأولى للفكر المعتزليّ، وهذه المقولات نوجزها مع أصحابها بما يلي: ـ مقولة إنَّ الإنسان حرّ مختار بشكل مطلق، وهو الذي يخلق أفعاله بنفسه قالها: معبد الجهنيّ، الذي خرج على عبد الملك بن مروان مع عبد الرحمن بن الأشعث.. وقد قتله الحجّاج عام 80هـ بعد فشل الحركة. ـ وكذلك قالها غيلان الدمشقيّ في عهد عمر بن عبد العزيز وقتله هشام بن عبد الملك. ـ ومقولة خلق القرآن ونفي الصفات، قالها الجهم بن صفوان، وقد قتله سلم بن أحوز في مرو عام 128هـ. ـ وممّن قال بذلك: الجعد بن درهم الذي قتله خالد بن عبد الله القسريّ والي الكوفة.

من الجذور الفكريّة إلى الظهور فرقةً

• ثمّ برزت المعتزلة فرقة فكريّة على يد واصل بن عطاء الغزال (80هـ ـ 131هـ) الذي كان تلميذاً للحسن البصريّ، ثمّ اعتزل حلقة الحسن بعد قوله إنّ مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين (أيّ ليس مؤمناً ولا كافراً) وأنّه مخلّد في النار إذا لم يتب قبل الموت، وقد عاش في أيّام عبد الملك بن مروان وهشام بن عبد الملك، والفرقة المعتزليّة التي تنسب إليه تسمّى: الواصيلة.

• ولاعتماد المعتزلة على العقل في فهم العقائد وتقصّيهم لمسائل جزئيّة فقد انقسموا طوائف، مع اتفاقهم على المبادئ الرئيسة الخمسة ـ التي سنذكرها لاحقاً ـ وكلّ طائفة من هذه الطوائف جاءت بفكرة جديدة تميّزها عن الطائفة الأخرى، وسمّت نفسها باسم صاحبها الذي أخذت عنه.

محوريّة دور العقل في منهج الاعتزال

  • اعتبر واصل والمعتزلة من بعده العقل معياراً للحقيقة الدينيّة في الآيات، التي مكّن الله بها العبد من معرفة الحقيقة الدينيّة، ومظهراً من مظاهر عدله تعالى وحكمته.
  • والعقل عند المعتزلة عنصر مقدّس خصّه الله بالقدرة على الفصل بين كلّ خير وشرّ، ليعين البشر على معرفة آيات توحيده وحكمته فيثبتوا ما غاب عنهم، بما شاهدوه وما دلّهم القرآن عليه منها.
  • وذهب المعتزلة إلى أنّ دور العقل سابق على الشرع، وجعلوا الدليل السمعيّ تابعاً للدليل العقليّ، أي أنّ الدليل العقليّ أصل، والدليل الشرعيّ فرع من الدليل العقليّ.

أيّ أنّ العقل يستطيع أن يصل إلى كلّيّات الأحكام المتّصلة بالله تعالى وصفاته: من التوحيد والعدل ووجوب شكره، كما أنّه يمكن أن يعرف الحسن والقبح على الجملة، وتختصّ الشريعة بأنّها تكشف له عن الطرائق التي يستطيع عن طريقها أن يؤدّي هذه الواجبات العقليّة. وتختصّ الشريعة

  1. بأن تعرّف العقل مقادير الطاعات كالصلاة والصوم والزكاة ومواقيتها، وهي أمور لا يستطيع العقل أن يعرفها، وإن عرف على الجملة دون تفصيل.
  2. وجوب ردّ الوديعة وشكر المنعم.
  • غير أنّ القول بأسبقيّة الدليل العقليّ على الدليل الشرعيّ واعتبار الأوّل أصلاً والثاني فرعاً لا يعني وجود التعارض بينهما، فهما متّفقان متطابقان. إذ ليس في القرآن الكريم إلّا ما يوافق طريقة العقل.
  • والمعتزلة حاولوا الاحتكام إلى العقل وحده، واعتبروه أساساً لفهم الشريعة، واعتبروا الشريعة مؤكّدةً لما في العقول ومتّفقةً معه دون أن تكون هي وحدها الدليل على وحدانيّة الله وعدله وسائر الأحكام العقليّة. ومحال أن تكون دليلاً بنفسها يمكن الاستدلال بها ابتداء.
  • وإذا كانت المعرفة الحسّيّة هي أوّل علم المدركات في العلاقة بينها وبين المعرفة العقليّة، قال الجاحظ: " للأمور حكمان: حكم ظاهر للحواسّ، وحكم باطن للعقول، والعقل هو الحجّة ".

المعتزلة في العصر العباسيّ

في العهد العباسيّ برز المعتزلة في عهد المأمون حيث اعتنق الاعتزال عن طريق بشر المريسي وثمامة بن أشرس وأحمد بن أبي دؤاد وهو أحد رؤوس فكرة الاعتزال في عصره، وفكرة خلق القرآن، وكان قاضياً للقضاة في عهد المعتصم.

مسألة خلق القرآن

  • -كان طبيعيّاً أن تثار مسألة خلق القرآن وكلام الله، وهي أبرز شيء كان في تاريخ المعتزلة، لما اتّصل بها من أحداث تاريخيّة وسياسيّة واجتماعيّة.
  • -يرى المعتزلة أنّه لا خلاف بين جميع أهل العدل والتوحيد في أنّ القرآن مخلوق محدث مفعول - لم يكن ثمّ كان- ذلك لأنّهم رأوا في القول بقدم القرآن "ما يشبه القول بقدم الكلمة " وإذا كان المسيح هو كلمة الله فإنّ القول بقدم الكلمة يعني موافقة النصارى في ألوهيّة المسيح، فالقول بخلق القرآن جاء ردّاً على ركن من أركان المسيحيّة، وهو الاعتقاد أنّ المسيح هو كلمة الله الأبديّة فهو قول إذاً ذو صلة وثيقة بأصل التوحيد.
  • -واتّفق المعتزلة على أنّ كلام القرآن محدث مخلوق في محلّ – وهو حرف وصوت – كتب أمثاله في المصاحف حكايات عنه فإنّ ما وجد في المحلّ عرض فنّيّ في الحال.
  • -وكان دليلهم على ذلك أن قالوا: إنّه ثبت بالقرآن أنّ الله ذاته وصفاته وحدة لا تقبل التجزئة بحال من الأحوال – وثبت بالبرهان أنّ ذات الله وصفاته لا يلحقهما تغيير – ولا تقوم بها المحدثات - فالله تعالى أسند إلى نفسه الكلام – فقال "... وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا " [النساء 164]، وسمّي القرآن كلام الله تعالى في قوله " وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ... " [التوبة 6 ].
  • -قالت المعتزلة: إذا كان الله وصفاته وحدة لا تقبل التغيير، فمحال أن يكون القرآن كلام الله، على معنى أنّه صفة من صفاته، لأنّه لو كان كذلك لكان هو وذاته وبقيّة صفاته شيئاً واحداً، ونحن نرى أنّ في القرآن أمراً ونهياً ووعداً ووعيداً وخبراً واستخباراً، فهذه حقائق مختلفة وخصائص متباينة، ومن المحال أن يكون الواحد متنوّعاً إلى خواصّ مختلفة وهذه الخواصّ قد تتضاد، كالذي بين الأمر والنهي، فالقرآن نوع من الكلام يخلقه الله، وإنّما سمّي كلام الله لأنّه خلق الله من غير وساطة، وهذا هو الفرق بينه وبين كلامنا، فكلامنا وألفاظنا تنسب إلينا، وأمّا القرآن فخلق الله مباشرةً، والحروف التي نكتبها في المصحف أو ننطق بها من صنعنا، وإنّما وجب لها التعظيم.
  • -وقالوا ثمّ إذا كان القرآن كلاماً أزليّاً، أي صفة من صفات الله فسيترتّب على ذلك جملة استحالات هي:

أدلّتهم العقليّة

  1. .إنّ الأمر لا قيمة له ما لم يصادف مأموراً، فلا يصحّ أن تصدر "وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ..."[البقرة 43]، إلّا إذا كان هناك مأمورون بالصلاة، ولم يكن في الأزل مأمورون مخاطبون، ومحال أن يكون المعدوم مأموراً، والأمر من غير مأمور.
  2. .أنّ الخطاب مع موسى عليه السلام غير الخطاب مع محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فمناهج الكلام مع الرسولين مختلفة، ويستحيل أن يكون معنى واحداً والخبران عن أحوال الأمّتين مختلفان لاختلاف أحوال الأمّتين، فكيف يتصوّر أن يكون حالان مختلفتان يخبر عنهما بخبر واحد، والقصّة التي جرت ليوسف وإخوته غير القصّة التي جرت لآدم وإبراهيم ونوح، فإذا أختلف القرآن هذه الاختلافات كلّها استحال أن يكون الكلام صفة الله، وهو الواحد في ذاته وصفاته، التي لا يختلف ولا يطرأ عليها اختلاف.
  3. .إنّ المسلمين أجمعوا قبل ظهور هذا الاختلاف على أنّ القرآن كلام الله، واتّفقوا على أنّه سور وآيات وحروف منتظمة، وكلماتٌ مجموعة ومقروءة ومسموعة، لها مفتتح ومختتم، وهو معجزة الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وأجمعت الأمّة على أنّه بين أيدينا نقرؤه بألسنتنا، ونبصره بأعيننا، ونسمعه بآذاننا، ومحال أن يكون هذا كلّه إخباراً لصفة الله، فالكلام الأوليّ الذي هو صفة الله لا يوصف بمثل هذه الأوصاف.

أمّا أدلّتهم النقليّة

  1. .إنّ الله تعالى يقول " إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ... "[ص71]، وإذ ظرف زمان ماض، فيكون قوله الواقع في هذا الظرف مختصّاً بزمان معيّن، والمختصّ بزمان معيّن مُحْدَثٌ.
  2. .يقول الله "... كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثمّ فُصِّلَتْ... "[هود 1]، وهذا يدلّ على أنّ القرآن مركّب من الآيات التي هي أجزاء متعاقبة فيكون حادثاً.
  3. .قوله تعالى "... حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ... "[التوبة 6]، والمسموع حادث لأنّه لا يكون إلا حرفاً وصوتاً.
  4. .إنّه تعالى عبّر عن القرآن بقوله " إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ..." [يوسف 2]، ولا شكّ أنّه لا إنزال في الأزل.
  5. .إنّ القرآن نصّ على نسخ بعض الآيات بقوله " مَا نَنْسَخْ مِنْ آية أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا... "البقرة [106]، ولا يتصوّر النسخ إلا في الحادث، لأنّ القديم ليس عرضة لذلك.

محنة خلق القرآن

كانت محاولة الخليفة العباسيّ المأمون في عام 218 هجريّ في هذه الحقبة لفرض آرائه الفلسفيّة حول المواضيع، وكانت تتلخّص في سؤال واختبار أشخاص بعينهم، فيما يرونه من وجهة نظرهم، حول ما إذا كان القرآن مخلوقاً أم لا، والطوائف كلّها أجابت أنّ القرآن هو الكلمة التي لم تمسّها شائبة منسوبة إلى الله العليّ، بما يعني أنّ القرآن الكريم كلام الله ولم يخلق، وكانت المسألة: هل القرآن مخلوق؟ (هذا هو موقف ورأي المأمون) أم أنّ القرآن هو كلام الله؟ وكان هذا الجواب الأخير لا يخلو من العواقب من قبل المحقّقين، واتخذت ذرائع ضدّ من رفض الزعم بخلق القرآن، بما فيها الفصل من الوظيفة العموميّة، والسجن، وحتّى الجلد، واستمرّت المحنة بعد وفاة المأمون وفي عهد خلفه المعتصم والواثق وانتهت عام 861 م بوصول حفيد المأمون، المتوكّل.

الغموض وراء المحنة

وقد عدّت المحنة حدثاً محيّراً في التاريخ الإسلاميّ، وبخاصّة أنّها بدأت في عهد اعتبر عهد انفتاح العقل، وطغيان العقلانيّة، عهد الخليفة المأمون، وإن كان من المعتقد على نطاق واسع إلى أنّ المأمون بادر بإبراز هذا الأمر تحت تأثير شديد الارتباط بالمعتزلة. إنّ دراسة متأنّية للأحداث التاريخيّة، تساعد في تكشّف أكثر الدوافع تعقيداً وراء الحدث، ومع دراسة التفسيرات المقترحة لدوافع المأمون للمحنة نخلص إلى أنّ المحنة كانت في الغالب محاولة من المأمون لتأمين كامل السيطرة من جانب الخلافة فوق المؤسّسة الدينيّة، كما فعلت بسيطرتها على السلطة العلمانيّة، وتلك هي النقاط الرئيسة لتلافي تأكيد أثر المعتزلة:

  • (1) إنّ المذهب القائل بخلق القرآن ليس على سبيل الحصر معتزليّاً، إنّ الشيعة على العموم كانوا يعتنقونه، قبل المعتزلة بوقت طويل، فإنّ الجهميّة أيضاً اعتقدوا به، إضافة إلى أنّهم بالتالي لجؤوا إلى الدفاع عن حقوق المعتزلة الحرّة، وكان ذلك على طرفي نقيض.
  • (2) شملت محكمة المأمون بعضاً من المعتزلة، ولكن أيضاً بعضاً من المناوئين لهم والمفكّرين والبحّاثة مثل بشر المريسيّ، وهو جهميّ. ولم يكن أيّ من المعتزلة يشارك بصورة مباشرة في الاستجواب، عدا أحمد بن أبي دؤاد الذي -بحسب مصادر المعتزلة- لم يظهر كونه مساهماً في النظام المذهبيّ لمدرسة المعتزلة.
  • (3) شملت محكمة المأمون علماء عُدُّوا من "أهل السّنّة والجماعة " — وهو اصطلاح يستخدم للتعريف بالمسلمين ذوي المعتقد التقليديّ، وفيما بعد فإنّ عالماً من مسلمي الإسلام السّنّة أمثال يحيى بن أختم الذي حثّ المأمون بالعدول عن إجازة زواج المتعة (زواج المتعة)، وعن لعن الخليفة معاوية رضي الله عنه، أوّل خليفة أمويّ على المنابر، وتفيد التقارير أنّ يحيى قد أقنع المأمون بتأكيده أنَّ الخليفة يجب أن يكون فوق المذاهب والمدارس.
  • (4) أظهر المأمون نفسه، أنّه في حال وضعت الدلائل التاريخيّة في الاعتبار، ليكون انتقائيّاً في معتقداته، فإنّ بعض المعتزلة قد اتّهموه بالاعتقاد في القدر المحتّم غير المشروط وهي حجّة يقول بها الجهميّة.
  • (5) فعلماء المعتزلة قد قسّموا فريقين: فريق مساهم في النظام السياسيّ (للمساعدة في الإصلاح أو الحدّ من الشرور، ناهيك عن المصالح الشخصيّة)، وفريق قائم على رفض الظلم، ورفض إضفاء الشرعيّة على النظام السياسيّ الفاسد، ويدعو فريق فرعيّ ضمن المجموعة الأخيرة "المعتزلة الصوفيّة" الذين "رفضوا الدولة بصفتها حكومة مركزيّة، ورفضوا العالم بكلّ ما تعنيه الكلمة، من التجارة وأيّ نوع من النشاط المدرّ للمال والربح."
  • (6) في رسائله إلى والي بغداد من أجل الشروع في أمر المحنة، عمد المأمون بوصفه ممثّل الله على الأرض، والقائم على وراثة نبيّ الإسلام، والقيّم والحارس للمعتقد الإسلاميّ.

هذا لا يعني أنَّ المأمون قد اعتبر نفسه حائزاً على السلطة التشريعيّة التي تحلّ محلّ المصادر الروحيّة الإسلاميّة. وذكر أنّه لا يوجد أيّ سجلّ أو تقرير يشير إلى أنّ المأمون وضع نفسه فوق القرآن، وجميع الآيات القرآنيّة التي استشهد بها في أمر المحنة، كان قد فسّرها بمنطق غريب مع التزامه بالنصّ، بالإضافة إلى أنّه، ليس بالضرورة أن يكون المأمون قد أراد أمراً سيكون وحده الذي يحدّد العقيدة الإسلاميّة الصحيحة، وتقول: إنّ المأمون كان يفكّر في طبقة النخبة من العلماء والمفكّرين، وبرئاسته، لتحديد المعتقدات الإسلاميّة. النقاط المذكورة أعلاه مجتمعة تثبت أنّ المعتزلة لم يكونوا هم المهيمنين خلال المحنة، كما هي عقيدة الدولة الرسميّة، لهذا كانت المحنة لدى المأمون تعبّر عن محاولته لإثبات سيطرته على السلطة الدينيّة والقانونيّة على المدى الفقهيّ والثقافيّ، وبخاصة التحدّي لدى الظروف التقليديّة والتقليديّين. اتّكأ المعتزلة على قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} في نفي صفات الله عزّ وجلّ، فقولنا أنّ له سمعاً يعني مشابهة سمعه لسمع المخلوقين، وهكذا في بقيّة الصفات.. مع أنّ الله تعالى يقول: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}. وبناء على ذلك.. فقولنا: إنّ القرآن كلام الله وليس مخلوقاً. فإنّنا نُشبه كلام الله بكلام المخلوقين. وبداية الفتنة كانت مع المأمون، الذي أمر بحمل كلّ من لا يقول إنّ القرآن مخلوق، فحُمل إليه محمّد بن نوح وأحمد بن حنبل، مات محمّد بن نوح في الطريق، وجاء الخبر في الطريق أيضاً أنّ المأمون مات.. لكنّ المأمون أوصى المعتصم بعدّة وصايا منها، أن يسير على هذا الأمر، فحمل الإمام أحمد إلى المعتصم، وهناك جرت له مناظرات مع رجال المعتصم، فلمّا أعجزهم أمر المعتصم بجلد الإمام أحمد. استمرّت المحنة إلى أن توفّي المعتصم وجاء الواثق، فلم يجلد الإمام أحمد، لكن ضيّق عليه، وأمر ألا يساكنه في بلدة، فاختفى الإمام أحمد حتّى توفّي الواثق. كلّف تبنّي الدولة العباسيّة قضيّة خلق القرآن الكثير، فكم عزل من قاض بسببها؟ وكم حبس من مُحَدّثٍ جراءها؟ حتّى كان بعضهم يشي إلى الدولة بأنّ فلاناً يقول: القرآن ليس مخلوقاً. فيؤْتى به ويحبس بلا تحقيق، فأدّى ذلك إلى توتّر العلاقة بين الدولة وجمهور العلماء من محدّثين وفقهاء ومفسّرين ومن ورائهم أكثر الأمّة. إلى أن جاء المتوكّل، ورفعت المحنة، وأكرم الأمام أحمد، وعادت الأمور إلى ما كانت عليه قبل.

الأصول الخمسة

للمعتزلة مبادئ، وأصول خمسة قالوا: من لا يعتقد بها لا يستحقّ إطلاق اسم الاعتزال عليه، وهي:

1- التوحيد

وهو من أهم مبادئ المعتزلة، لأنّهم ذهبوا في تفسيره تفسيراً خاصّاً، وبلغوا في تحليله وفلسفته أقصى حدّ. وجاء قولهم إنّ الاستدلال على التوحيد بآيات القرآن الكريم لا يمكن إلا بعد معرفة حال الفاعل تعالى بأدلّة العقل، وأنّه حكيم لا يختار القبيح، فالخبر لا يعلم بصيغته أنّه صدق أو كذب إلّا إذا علم حال المخبر. وأوضحوا معنى التوحيد في جلاء، كما يدلّ عليه العقل، فهو تنزيه لله سبحانه تنزيهاً مطلقاً لا تشوبه شائبة، من شبه المخلوقات، واستدلّوا بآيات كثيرة تدلّ على التنزيه مثل قوله تعالى "… لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ …" [الشورى 11]. وقالوا إنّنا نستمسك بآيات التنزيه، ونشرحها ونوضّحها ونحلّلها ونتعرّض للآيات الأخرى مثل الاستواء والوجه واليدين ونتناولها تأويلاً يتّفق والتنزيه، لأنّ الإسلام دين توحيد وتنزيه، ولا نكتفي بالإيمان الغامض بالآيات المتشابهة، لأنّ العقل لا يقنع بالغموض، وله حقّ الشرح والتأويل والتوفيق بين الآيات. ويروون عن النظام (أحد علماء المعتزلة في البصرة) أنّه حين حضرته الوفاة قال: اللهمّ إن كنت تعلم أنّي لم أقصّر في نصرة توحيدك، ولم أعتقد مذهباً من المذاهب اللطيفة، إلّا لأنشد به التوحيد، فما كان يخالف التوحيد فأنا منه بريء، اللهمّ إن كنت تعلم أنّي كما وصفت فاغفر لي ذنوبي، وسهّل عليّ سكرة الموت. وكان علماء المسلمين في ذلك العصر يؤمنون بالتنزيه إيماناً إجماليّاً، ويمسكون عن الكلام في الآيات الأخرى، كآية الاستواء على العرش، والوجه واليدين ويقولون: إنّنا نؤمن بوجود الله ووحدانيّته، ولا نذهب وراء ذلك، لأنّه لا يجب علينا أن نعرفه، وإنّما يجب علينا أن نؤمن به كما ورد، وإذا دخلنا في تفصيل ذلك وتأويله كان تأويلنا هو قولنا لا قول الله، وهو عرضة للخطأ. وأجمعت المعتزلة على أنّ الله واحد ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، وليس بجسم ولا شبح ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عرض، ولا بذي لون ولا طعم ولا رائحة ولا مجسّم ولا يتحرّك ولا يسكن ولا يتبعّض، وليس بذي أبعاض وأجزاء وجوارح وأعضاء، وليس بذي جهات ولا يحيط به مكان، ولا يجري عليه زمان، لا تراه العيون ولا تدركه الأبصار، وأنّه القديم وحده، ولا قديم غيره. ولمّا كان المعتزلة يعتقدون بوحدانيّة الله عزّ وجلّ ويرون أنّه واحد وليس كمثله شيء، وأنّه تعالى قديم وما دونه محدث، وأنّ القدم أخصّ وصف لذاته الكريمة، فإنّهم حاربوا كلّ مذهب وكلّ قول، يرون بعقولهم أنّه يتعارض مع الوحدانيّة، فيجعل لله شركاء في الأزليّة، ويشبّه الله بخلقه أو يشبّه خلقه به، أو بعبارة أخرى: إنّهم نفوا عن الله تعالى جميع صفات المحدثات. وقد ثار الجدل بين المعتزلة ومعارضيهم حول بعض المسائل منها:

  • مسألة صفات الله

فقد نفى المعتزلة صفات الله سبحانه، لأنّ إثبات الصفات يعني تعدّد القدماء، وهذا بدوره يؤدّي إلى الشرك بالله، أي يتصادم مع عقيدة التوحيد، لهذا يقول المعتزلة: إنّ الله عالم بذاته، قادر بذاته، مريد بذاته، حيّ بذاته. (ولكنّ خصوم المعتزلة عدّوا ذلك تعطيلاً للصفات الإلهيّة. وقد حاول الخيّاط أن يثبت لماذا ذهب المعتزلة إلى أنّ الله عالم بذاته وليس بعلم زائد على ذاته، فقال: إنّه لو كان عالماً بعلم، فإمّا أن يكون ذلك العلم قديماً أو محدثاً، ولا يمكن أن يكون قديماً، لأنّ هذا يوجب وجود اثنين قديمين، وهو قولٌ فاسد، ولا يمكن أيضاً أن يكون علماً محدثاً، لأنّه لو كان كذلك يكون قد أحدثه الله بنفسه أو بغيره، وهو منزّه عن أن يكون حدثاً، فلا يبقى إلا حال واحدة؛ أنّ الله عالم بذاته. ومن المعتزلة من اعتبر الصفات هي الذات فقال: إنّ الله عالم، وعلمه ذاته، قادر بقدرة، وقدرتُه ذاتُه، حيّ بحياة، وحياتُه ذاتُه. إلا أنّهم شذّوا عن هاتين القاعدتين في بعض الصفات الأخرى، ولا سيّما الإرادة والكلام، والسمع والبصر، فلم يقولوا إنّ الله مريد بذاته، متكلّم بذاته، سميع بذاته، بصير بذاته، ولا قالوا إنّه تعالى مريد بإرادة وإرادته ذاته، متكلّم بكلام وكلامه ذاته، سميع بسمع وسمعه ذاته، بصير ببصر وبصره ذاته. فقال أكثر المعتزلة ولا سيّما البصريّون منهم في إرادة الله تعالى أنّها ليست قديمة بل محدثة، لا في محلّ، بها يخصّص الله الأشياء بالوجود دون العدم.

  • مسألة رؤية الله بالأبصار

رأى المعتزلة أنّه إذا انتفت الجسميّة انتفت الجهة، وإذا انتفت الجهة انتفت رؤية الناس له تعالى، واستدلّوا أيضاً بأدلّة نقليّة مثل قوله تعالى: " لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ..." [الأنعام 103]. ومثل قوله تعالى:" وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي، وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي، فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ" [الأعراف 143]. فقوله لن تراني يثبت نفي الرؤية مع تأكيده.

  • وقال خصوم المعتزلة: إنّ الآية تدلّ على إنكار الرؤية، لأنّ موسى سألها ولو كانت مستحيلة لما سألها، كما أنّ ورود خبر الرؤية في الحديث الشريف عن جرير قال: (خرج علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليلة بدر فقال: إنكم سترون ربّكم كما ترون هذا، لا تضامون في رؤيته) صحيح البخاريّ. وأجاب المعتزلة إجابات كثيرة عن هذا السؤال، منها أنّ قوم موسى كانوا طلبوا أن يروا الله جهراً، فأنكر موسى عليهم، وأعلمهم خطأهم ونبّههم إلى الحقّ فألحّوا، فأراد أن يسمعوا النصّ من كلام الله، فطلبه للرؤية ترجمة عن مقترحهم.

واستدلّوا أيضاً بأنّ الله عاقب قوم موسى الذين سألوه أن يريهم الله، فأخذتهم الصاعقة بظلمهم، وقالوا: لو طلبوا جائزاً لما سُمّوا ظالمين، ولما أخذتهم الصاعقة، كما سأل إبراهيم أن يريه إحياء الموتى، فلم يسمّه ظالماً، وما رماه بالصاعقة (فرؤية الله بالأبصار محال أن يراه المؤمنون، ويعلمونه بقلوبهم) رؤية قلبيّة فقط.

  • غير أنّ المعتزلة وقفوا حيارى أمام النصوص الشرعيّة التي تثبت الرؤية. أمّا الحديث فإنّهم كذّبوا رواته، وطعنوا في إسناده.
  • بالغ المعتزلة في قولهم بنفي الرؤية، وتعصّبوا له تقريباً كتعصّبهم لخلق القرآن، فصاروا يكفّرون من يجيزها على جهة المقابلة، وكان أبو موسى المردار أحد أشياخهم يقول: من ذهب إلى أنّ الله تعالى يُرى بالأبصار بلا كيف، فهو كافر، وكذلك الشاكّ في كفره، والشاكّ في الشاكّ، إلى ما لا نهاية، لأنّه شبّه الله بخلقه، والتشبيه عنده كفر.
  • ويروى أنّ الخليفة الواثق حين أراد أن يفادي الأسرى المسلمين لدى الروم، رفض فداء الأسرى الذين لم يقرّوا بخلق القرآن، وبأنّ الله لا يُرى بالأبصار يوم القيامة.
  • مسألة صفة الكلام

الكلام لا يمكن أن يكون صفة لله تعالى، هي ذاته، كالعلم والقدرة؛ فالكلام عند المعتزلة حروف منظّمة وأصوات مقطّعة شاهداً وغياباً، والكلام ليس جنساً ولا نوعاً ذا حقيقة عقليّة كسائر المعاني، بل هو مجرّد اصطلاح، ولا يكون إلا باللسان، فمن قدر عليه فهو المتكلّم، ومن لم يقدر فهو الأعجم الأبكم. واختلف المعتزلة بعد ذلك في الكلام؛ أهو جسم أم عرض؟ فرأى بعضهم أنّه جسم، وأنّه لا شيء إلّا جسم، وقال آخرون كأبي الهذيل و معمر وجعفر بن حرب أنّ الكلام عرض، وأمّا النظّام وأصحابه فقد ذهبوا إلى أنّ كلام عرض، وأنّه حركة، لأنّه لا عرض عندهم إلا الحركة، وأنّ كلام الله جسم، وعلى ذلك فكلام الله تعالى مخلوق محدث، لأنّ الأجسام والأعراض لا يمكن أن تكون إلا كذلك، وقد أحدثه الله تعالى، وإذا كان كلام الله مخلوقاً، فالقرآن أيضاً مخلوق، لأنّه كلامه، ويرون أنّ الله تعالى متكلّم، ولكن لا بكلام قديم، بل بكلام محدث يحدثه وقت الحاجة إلى الكلام، وأنّ هذا الكلام المحدث ليس قائماً به تعالى، بل خارجاً عن ذاته العلّيّة يحدثه في محلّ، فيسمع من المحلّ وقد اشترطوا في المحلّ أن يكون جماداً، حتّى لا يكون هو المتكلم به دون الله؛ ولهذا اضطّر المعتزلة إلى أن يلجؤوا إلى التأويل في الآية " …وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً " [النساء 164]. فقالوا: إنّ الله تعالى خلق كلاماً في شجرة، وخرج منها الكلام، فسمعه موسى عليه السلام.

  • مسائل التشبيه والتجسيم الأخرى
  • أجمع المعتزلة على نفي الجهة عن الله سبحانه وتعالى، لأنّهم اعتقدوا أنّ إثباتها يوجب إثبات المكان والجسميّة، فمنهم من ذهب إلى أنّ الله لا في مكان، وأكثرهم ذهب إلى أنّه تعالى في كلّ مكان، بمعنى أنّه عالم بما في كلّ مكان، مدبّرٌ له. واعتبر المعتزلة جميع الآيات القرآنيّة التي تتضمّن معنى الجهة مجازاً، وتأوّلوها، فكان تأويل بعضهم للكرسيّ في الآية "...وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ..." [البقرة 255]، أنّه علم الله، فيكون علمه تعالى قد وسع السماوات والأرض، ومعنى الاستواء في الآية " الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى " [طه 5]، الاستيلاء، أي: الملك والقهر.
  • تأويل الوجه واليد والجنب: رفض المعتزلة أن يكون لله تعالى وجه هو جزء منه، ففي الآيات " وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ " [الرحمن 27]، "... كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ... " [القصص 88]، إنّ كلمة الوجه زائدة فيكون المعنى: ويبقى ربّك، وذهب بعضهم إلى أنَّ وجه الله تعالى هو قبلته أو ثوابه أو جزاؤه.

وتأويل اليد في الآيات " … يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ …" [الفتح 10]، أي: القدرة أو النعمة. وجنب الله في الآية "... يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ في جَنبِ اللَّهِ..." [الزمر 56]، أي: أمر الله.

2- العدل

يرتبط هذا الأصل عند المعتزلة ارتباطاً وثيقاً بأصل التوحيد فالله سبحانه بمقتضى أصل التوحيد يستحقّ التنزيه المطلق، الذي لا تشوبه شائبة، ومن النظرة الاعتزاليّة أنّ الله لا يعاقب إنساناً على ذنب لا إرادة له فيه، لأنّ هذا ظلم، والظلم من صفات المخلوقين لا من صفات الخالق، فهو ليس كمثله شيء. وأصل العدل يقوم على إيمان المعتزلة بمبدأ الحرّيّة والاختيار، وعلى إنكارهم لعقيدة الجبر، أيّ يقوم على إيمانهم بعقيدة "القدر"، وهي أنّ للعبد قدرة على أفعاله، وحرّيّة في اختيارها، فأجمع المعتزلة على أنّ العباد خالقون أفعالهم مخترعون لها.
كذلك لم ينكر المعتزلة أنّ القدرة التي يقوم بها الإنسان بأعماله من الله، ولكنّهم اختلفوا في: متى يمنح الله تعالى الإنسان هذه القدرة؟، فمنهم من يرى أنّ الله يخلق القدرة في الإنسان عند مباشرة كلّ عمل من أعماله، أي أنّ الإنسان يعمل بقدرة حادثة، وأكثر المعتزلة يتّبعون هذا الرأي، ومنهم من يرى أنّ الله يخلق القدرة في الإنسان جملةً. وممّا يدلّ على أنّ العباد محدثون لأفعالهم، أنّ في أفعال العباد ما هو ظلم وجور، فلو كان الله تعالى خالق لها لوجب أن يكون ظالماً جائراً، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً. قال تعالى:"…وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ" [فصلت 46]، وقال أيضاً "…وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ " [النحل: 118].
- ووصلوا بأبحاثهم إلى مسائل كثيرة أهمّها:

  1. أنّ الله يسير بالخلق إلى غاية، وأنّ الله يريد خير ما يكون لخلقه.
  2. أنّ الله لا يريد الشرّ، ولا يأمر به.
  3. أنّ الله لا يخلق أفعال العباد، لا خيراً ولا شرّاً، وأنّ إرادة الإنسان حرّة، والإنسان خالق أفعاله، من أجل هذا كان مثاباً على الخير، معاقباً على الشرّ.
  • في المسألة الأولى

قالوا إنّ الحكيم إمّا أن ينتفع أو ينفع غيره، ولمّا تقدّس الله تعالى عن الانتفاع، تعيّن أنّه إنّما يفعل لينفع غيره.
ومن المعتزلة من قال: إنّه يجب على الله أن يعمل ما فيه صلاح عباده، كما قالوا: إنّه واجب على الله تعالى أن يخلق الخلق، لأنّ خلقهم فيه نفع لهم وصلاح، وذلك أن يتوصلوا إلى معرفة الله ووحدانيّته، فيعبدونه ويشكرونه على آلائه وتفضّله عليهم، فيستحقون ثواب الأبد، ونعمة الخلود، فيكون خير الله تعالى قد حمله على خلق العباد لِعلَّة، وتلك العلّة هي نفعهم وصلاحهم، وكلّ ما يناله الإنسان في الدنيا في الحال والمال، والسرّاء والضرّاء والغنى والفقر والصحّة والمرض والحياة والموت، فهو صلاح لهم، لهذا كان الجبائيّ يقول: إنّ الأصلح ليس هو الألذّ، بل هو الأجود والأصوب في العاقبة. ويرى المعتزلة أنّه بعد أن خلق الله العالم، لا يستطيع أن يزيد فيه ذرّة واحدة، ولا أن ينقص منه ذرة، لأنّه قد علم أنّ أصلح الأمور كونه على ما هو عليه.

  • المسألة الثانية

أنّ الله لا يريد الشرّ، ولا يأمر به، فإنّهم لمّا قرّروا أنّ الله عادل حكيم، وأنّ أعماله لغاية، وأنّه يتبع العدل في أعماله للوصول إلى هذه الغاية، كان من الطبيعيّ أن يثيروا مسألة الحَسَن والقبيح في الأعمال؛ فرأوا مثلاً أنّ الكذب فيه قبح ذاتيّ، والصدق فيه حسن ذاتيّ، ومن أجل هذا لا يجوز على الله الكذب، لما في الكذب من قبح، وأنّه لا بدّ أن يقول الله الصدق، لما في الصدق من حسن ذاتيّ، فجميع الأعمال الحسنة من عدل وصدق، وشجاعة وكرم، فيها نفسها صفة جعلتها حسنة، وجعلتنا نحكم عليها بالحسن إذا رأيناها، وجميع الأعمال القبيحة من ظلم وكذب وجبن وبخل، فيها ذاتها صفة جعلتها قبيحة وجعلتنا نحكم عليها بالقبح، والشرع بأمره بأشياء، ونهيه عن أشياء، إنّما يتّبع في ذلك ما في الأشياء من حسن وقبح، وكذلك العقل يستحسن أشياء لإدراكه ما في الأشياء ذاتها من حسن، ويستقبح أشياء لإدراكه ما في الأشياء ذاتها من قبح، فالشرع في تحسينه وتقبيحه للأشياء مخبر عنها، لا مثبت لها، والفعل مدرك لها لا منشئ، فهو يدرك الحسن والقبح بالضرورة.

  • واستدلّوا على هذه النظريّة بأدلّة منها
  • - أنّ الناس قبل ورود الشرائع كانت تتحاكم إلى العقل وتتجادل بالعقل.
  • - لو لم يكن في الأشياء حسن وقبح ذاتيّان لأفحمت الرسل، وما استطاعوا الدعوة، لأنّهم يطلبون النظر إلى الأشياء بعقولهم.
  • - لو لم يكن في الأفعال ذاتها حسن وقبح، لما أمكن الفقهاء أن يعملوا عقولهم في المسائل التي لم يرد فيها نصّ.br

ورتّب المعتزلة على هذا الرأي أنّ الإنسان مكلّف قبل ورود الشرائع - أو إذا لم تبلغه دعوة الرسل – بما يدلّ عليه العقل فهو مكلّف بشكر المنعم، ومكلّف بمكارم الأخلاق، ولو لم يصل إليه الشرع في ذلك، وكلّ ما ورد بالشرع لا يمكن الزيادة فيه أو النقصان منه، فما أوجبه الشرع لم يكن جائزاً سقوطه، وما أسقطه لم يكن جائزاً وجوبه. كان خصومهم يرون غير هذه النظريّة، يرون أنّ الحسن ما ورد الشرع بالثناء على فاعله، والقبح ما ورد الشرع بذمّ فاعله، وليس الشرع يمدح ويذم ويوجب وينهى تبعاً لما في الشيء من حسن وقبح ذاتيّين، بل الحسن والقبح تابعان لأمر الشرع ونهيه.
فمثلاً القتل قد يكون قبيحاً في موضع، وقد يكون حسناً في موضع آخر، ولو كان ذاتيّاً لم يتبدّل بتبدّل الأحوال؛ والشرائع نفسها تشرع أشياءً لقوم، وتشرّع غيرها لآخرين.

  • المسألة الثالثة

أمّا مسألة الإرادة، أي إرادة الله بالكائنات، فقد قالوا إنّ الله أراد ما كان من الأعمال خيراً أن يكون، وما كان شرّاً ألّا يكون، وما لم يكن خيراً ولا شرّاً فهو تعالى لا يريده، ولا يكرهه، أي أنّ الله مريد لما أمر به من الطاعات أن يكون، ولا يريد منّا المعاصي، فلا يريد الكفر والفسوق والعصيان، أمّا المباحات فلا يريدها ولا يكرهها. وخصومهم يرون في هذه المسألة: أنّ الله مريد جميع ما كان، غير مريد لما لم يكن ( فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن ) فالمعتزلة يقولون إنّ كفر الكافرين وعصيان العاصين لم يُرِدْهما الله، وخصومهم يقولون أرادهما.
والمعتزلة يقولون: إنّ أفعال العباد مخلوقة لهم، ومن عملهم هم، لا من عمل الله، ومن اختيارهم المحض، ففي قدرتهم أن يفعلوها، أو أن يتركوها من غير دخل لإرادة الله وقدرته. وأيضاً لو لم يكن الإنسان خالق أفعاله، لبطل التكليف، ولما كان هناك ثواب أو عقاب، بل ما كان لنبوّة نبيّ وإصلاح لمصلحٍ فائدة، واستدلّوا بآيات كثيرة "… إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ …" [الرعد 11]، "… فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ …" [الكهف 29].
من ناحية أخرى يرى خصومهم إذا كان العبد خالق أعماله، ترتّب عليه تحديد قدرة الله، وأنّها لم تشمل كلّ شيء، وأنّ العبد شريك لله تعالى في إيجاد ما في هذا العالم، والشيء الواحد لا يمكن أن تتعاون عليه قدرتان، هذا إلى النصوص القرآنيّة الكثيرة الدالّة على شمول إرادة الله وقدرته.
وكما أنّ المعتزلة في دفاعهم راحوا يحاربون كلّ شيء يتعارض مع هذا المبدأ ويفندّونه، كذلك حاربوا كلّ قول أو فكرة تتنافى مع مبدأ العدل الإلهيّ، من ذلك أنّهم نفوا المحاباة عن الله، وقالوا: إنّ الله تعالى سوّى بين العقلاء في النعم الدينيّة، ولم يخصّ الأنبياء والملائكة بشيء من التوفيق والعصمة، ولا بشيء من نعم الدين دون سائر المكلّفين. وقال النظام إنّ الله لا يستطيع أن يزيد في نعيم أهل الجنّة، ولا أن ينقص من عذاب أهل النار. ثمّ إنّ المعتزلة أنكروا الشفاعة في الذنوب يوم القيامة، لأنّها تتضمّن معنى المحاباة ورفضوا أن تكون الأرزاق مقدّرة، فقالوا: إنّ الله لا يقسم الأرزاق إلا على الوجه الذي حكم به الشرع، وأنّه لا يرزق الناس الحرام، والأرزاق يجوز أن تزيد وتنقص بالطلب والتواني.

3- الوعد والوعيد

إذا كان أصل العدل مرتبطاً عند المعتزلة بأصل التوحيد، فإنّ أصل الوعد والوعيد مرتبط بهذين الأصلين معاً.

  • فالمعتزلة يرون أنّ وعد الله للطائعين بالثواب، ووعيده للعصاة بالعقاب، لا بدّ أن يتحقّق، لأنّ الله منزّه عن كلّ شبه بالمخلوقات، وذلك بمقتضى أصل التوحيد، يتعالى عن أن يكون كاذباً في وعده ووعيده، ثمّ إنّ إخلاف الوعد والوعيد يتنافى أيضاً مع مبدأ العدل الإلهيّ، فمن العدل أن ينال كلّ إنسان ما يستحقّ من ثواب أو عقاب، واستدلّوا على ذلك بالكثير من الآيات منها " فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ " [الزلزلة 7،8]،"… مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ …" [النساء 123]. وقد اضطرّ المعتزلة إلى أن يؤوّلوا الآيات التي يفهم ظاهرها خلاف ما يعتقدون، من ضرورة تحقيق الله تعالى لوعده ووعيده ومن ذلك "… إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً …" [الزمر: 53]، فهم يقولون يجب أن يكون المراد به أنّه سبحانه يغفر الذنوب جميعاً بالتوبة.
  • وقد تشدّد المعتزلة في تمسّكهم بأصل الوعد والوعيد، فهم يوجبون على الله تعالى أن يحقّق وعده ووعيده، وهذا الأصل الاعتزاليّ ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالقضايا السياسيّة، فقد أراد المعتزلة أن يغلقوا باب الأمل أمام الحكّام الظالمين، الذين كانوا ينتهكون حدود الله ثمّ يطمعون في غفرانه، أو في شفاعة رسوله، فحكم الله نافذ ولا مهرب أمامه إلا بالتوبة النصوح، وربطوا الثواب والعقاب بالأعمال ربطاً حتميّاً وغلا بعضهم في التعبير فقال: (يجب على الله أن يثيب المطيع ويعاقب مرتكب الكبيرة، فصاحب الكبيرة إذا مات ولم يتب لا يجوز أن يعفو الله عنه، لأنّه وعد بالعقاب على الكبائر، فلو لم يعاقب، لزم الخلف في وعيده، ولأنّ الطاعات والأمر بها، والمعاصي والنهي عنها وضعت لتحقيق غايات، فمن لم يطع أخلّ بهذه الغايات فاستوجب العقاب، ويقولون: إنّ الثواب على الطاعات والعقاب على المعاصي قانون التزم به الله تعالى.

4- المنزلة بين المنزلتين

يقول القاضي عبد الجبّار: المنزلة بين المنزلتين هي العلم بأنّ لصاحب الكبيرة اسماً بين الاسمين، وحكماً بين الحكمين، وقد جعل واصل بن عطاء الفسق منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان، إذ قال: أنا لا أقول إنّ صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً ولا كافر مطلقاً، بل منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر.

  • - ارتبط هذا الأصل بنشأة المعتزلة والذي أطلق هذا الاسم هو واصل بن عطاء.

ويحاول المعتزلة الرجوع إلى مفهوم المنزلة بين المنزلتين إلى الإمام عليّ كرّم الله وجهه، عندما سئل عليه السلام في أهل البغي: أكفار هم؟ قال: (هم من الكفر فرّوا). فقالوا: أمسلمون هم؟ قال: (لو كانوا مسلمين ما قاتلناهم –كانوا إخواننا بالأمس، ثمّ بغوا علينا)، فلم يسمّهم كفّاراً ولا مسلمين.

  • - ووصل واصل بن عطاء إلى هذا الاسم عندما قال رأيه في حلقة الحسن البصريّ التعليميّة عندما سئل:

-هل مرتكب الكبيرة منافق أم فاسق؟ وهل هو خالد في النار أم لا؟ فكان رأي الحسن البصريّ أنّه منافق خالد في النار، ولهذا كان اختلاف واصل معه، إذ قال واصل في الفاسق: - الإيمان عبارة عن خصال خير، إذا اجتمعت في امرئ سمّي مؤمناً، وهو اسم مدح، والفاسق لم يستجمع خصال الخير، فلا يستحقّ اسم المدح، فلا يسمّى مؤمناً، وليس هو بكافر أيضاً، لأنّ الشهادة وبعض أعمال الخير موجودة فيه، لا وجه لإنكارها، لكنّه إذا خرج من الدنيا على كبيرة من غير توبة، فهو من أهل النار خالداً فيها، إذ ليس في الآخرة إلا فريقان: فريق في الجنّة وفريق في السعير، لكنّه يخفف عنه العذاب، وتكون دركته فوق دركة الكفّار..

  • - وقال المعتزلة: إنّ المعاصي التي يرتكبها الناس، تنقسم إلى صغائر وكبائر، واختلفوا في تعريف الصغيرة والكبيرة، وأشهر أقوالهم: إنّ الكبيرة ما أتى فيها الوعيد، والصغيرة ما لم يأتِ فيها الوعيد.
  • - ولهم أبحاث عديدة في: هل يصحّ أن تكون مجموعة الصغائر تساوي كبيرة أم لا؟ – وهل تغفر الصغائر ما لم ترتكب الكبائر؟.
  • - وقالوا إنّ بعض الكبائر يصل من كبره إلى حدّ الكفر؛ مثل من شبّه الله بالخلق، أو قال بجوره في حكمه، أو كذّبه في خبره، فقد كفر.
  • - وهناك كبائر أقلّ من هذه، يسمّى مرتكبها فاسقاً، وعليه فالفاسق عند المعتزلة في منزلة بين المنزلتين: لا كفر ولا إيمان.
  • - قالوا إنّ مرتكب الكبيرة مخلّد في النار ولو صدّق بوحدانيّة الله، وآمن برسوله، استشهاداً بقوله تعالى: " بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ فَأُولَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ "[البقرة 81]، وقوله تعالى: " وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ" [النساء 14].

وتشدّد كثير من المعتزلة في موقف المعصية من الطاعة: هل تحبطها؟ فذهب المتشدّدون إلى أنّ الكبيرة الواحدة تحبط جميع الطاعات وبعضهم ذهب إلى المعادلة: فمن زادت معاصيه على طاعاته، أحبطتها، ومن زادت طاعته على معاصيه أحبطت عقاب زلّاته.

  • - ويقول واصل: "وجدت أحكام الكفّار والمؤمنين المجمع عليها، والمنصوصة في القرآن كلّها زائدة عن صاحب الكبيرة، فوجب زوال اسم الكفر والإيمان عنه بزوال حكمه".
  • - ومضى عمرو بن عبيد والمعتزلة بعد واصل على هذا النهج الكلاميّ: يجمعون الآيات الواردة في الموضوع الواحد، يستخلصون العلّة وراء ما فيها من أحكام عن طريق التقليب العقليّ ويصحّحون أخطاء السلف، مثال ذلك:-
  • إثباتهم لتوبة القاتل المسلم (والتي نفاها الحسن وكثير من السلف) فقال عمرو بن عبيد (ليس يخلو القاتل إمّا أن يكون كافراً أو فاسقاً أو منافقاً، فإن كان كافراً فقد قال تعالى: " قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ …" [الأنفال 38]، وإن كان منافقاً فقد قال تعالى: " إِنَّ الْمُنَافِقِينَ في الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ..." [النساء 145،146]،وإن كان فاسقاً فقد قال تعالى: "... وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ... " [النور 5،4].

وكان هذا المنهج الكلاميّ هو الأثير لدى المعتزلة، في التفسير طوال القرن الثاني الهجريّ.

5- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وهو الأصل الخامس من أصول المعتزلة، ويرى المعتزلة أنّه لا خلاف في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد يُكتفى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقلب إن أدّى المطلوب، فباللسان إن لم يكف القلب، وباليد إن لم يُغن اللسان، فبالسيف ان لم تكفِ اليد. يقول ابن حزم: ذهب المعتزلة إلى أنّ سلّ السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، إذا لم يكن دفع المنكر إلّا بذلك.


  • هذا الأصل يشترك فيه المسلمون عامّة عملاً بقوله تعالى: " وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " [آل عمران 104]، وقوله سبحانه على لسان لقمان لابنه: " يَا بُنَيّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ..."[لقمان 17].
  • ولكن من عهد الصحابة إلى هذا العصر والمسلمون مختلفون في مدى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمنهم من رأى هذا الوجوب يكفي فيه القلب، واللسان إن قدر عليه، ولا يصحّ أن يكون بالقوّة أو بالسيف، وقد رأى هذا القول سعد بن أبي وقّاص وأسامة بن زيد وابن عمر رضي الله عنهم أجمعين، ومن أجل ذلك اعتزلوا ولم يشاركوا في القتال مع معاوية أو عليّ رضي الله عنه، وتبعهم في ذلك أكثر المحدّثين وعلى رأسهم أحمد بن حنبل.
  • ويرى غيرهم أن سلّ السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إذا لم يكن دفع المنكر إلا بذلك.
  • ويرى المعتزلة في هذا الأمر الآتي:-
  • يرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون بالقلب إن كفى، وباللسان إن لم يكف القلب، وباليد إذ لم يغنيا، وبالسيف إن لم تكف اليد. واستشهدوا على ذلك بالآية " وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا، فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا التي تَبْغِي حتّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ..." [الحجرات 9]، واستشهاداً بالحديث الشريف [لتأمرنّ بالمعروف وتنهونّ عن المنكر أو ليعمنّكم الله بعذاب من عنده].
  • ولعلّ أوضح ما يبيّن وجهة نظر المعتزلة في هذا الأصل ما ذكره الزمخشريّ عند تفسيره قوله تعالى: " وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ..." وملخّص ما قالوا أنّ هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات، لأنّه لا يصلح له إلّا من علم المعروف وعلم المنكر، وعلم كيف يرتّب الأمر في إقامته وكيف يباشره، فإنّ الجاهل قد ينهى عن المعروف ويأمر بالمنكر، وقد يغلظ في موضع اللّين، ويلين في موضع الغلظة *وقد روي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم[ أنّه سئل وهو على المنبر: من خير الناس؟ قال: آمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأتقاهم لله وأوصلهم للرحم].
  • فهناك القبائح المعروفة الظاهرة وهذه يتولّى النهي عنها كلُّ إنسان، فمن رأى غيره تاركاً الصلاة، وجب عليه الإنكار، لأنّه معلوم قبحه لكلّ إنسان، وأمّا ما يحتاج إلى قتال فإنّما يقوم به من في استطاعته القتال، كالإمام وخلفائه، لأنّهم أعلم بالسياسة ومعهم عدّتهم.

مذهب المعتزلة في التحسين والتقبيح

يقولون إنّ العقل يدرك حسن الأشياء أو قبحها، وبالتالى فهو مدرك لحكم الله في الأشياء والإنسان تبعاً لذلك، فهو مكلّف بما أدرك العقل، والشرع يأتي مؤكّداً ومبيّناً لحكم العقل، أو مفصّلاً وكاشفاً للعقل، لإدراك ما يمكنه به الحكم على الأمر بالحسن والقبح، في تلك الأمور التي لم يستطع الحكم عليها قبل الشرع. أدلّة المعتزلة: استدلّ المعتزلة على ما ذهبوا إليه من أنّ العقل يدرك حسن الفعال وقبحها بعدّة أدلّة عقليّة نذكر منها:

أدلّة المعتزلة في مسألة التحسين والتقبيح:

- أنّ العقول اتّفقت على حسن العدل، وقبح الظلم مثلاً، وهذا يعنى أنّ الحسن والقبح عقليّان. يقولالقاضى عبد الجبّار:- إنّ العلم بأصول المقبّحات والواجبات والمحسّنات ضروريّ، وهو من جملة كمال العقل، ولو لم يكن ذلك معلوماً بالعقل لصار غير معلوم أبداً، لأنّ النظر والاستدلال لا يتأتّى إلّا ممّن هو كامل العقل، ولا يكون كذلك إلّا وهو عالم ضرورة بهذه الأشياء، ليتوجّب عليه التكليف. ويقول: إنّا لنفرض الكلام في رجل قاسي القلب جافي الفؤاد، لا يبالي بهلاك الثقلين، ولا يحفل بالمدح والذمّ، ملحد زنديق لا يؤمن بالله واليوم الآخر، ولا يقرّ بالثواب والعقاب، معلوم أنّه والحال هذه يستحسن بكمال عقله إرشاد الضالّ، وأن يقول للأعمى وقد أشرف على بئر يكاد يتردّى فيه: يمنة أو يسرة، ولا وجه لذلك إلا حسنه وكونه إحساناً، فكلّ عاقل يستحسن بكمال عقله التفرقة بين المحسن والمسيء. ويقول: لو قبح القبيح للنّهَى - وقد عرفنا أنّه لا يحصل العلم بالقبيح إلّا بعد العلم بوجه القبح على جملة أو تفصيل - للزم فيمن لا يعرف الله ألا يكون عارفاً بقبح قتل القاتل ولده، وغصب ماله، وألّا يفرّق بين المسيء والمحسن، لأنّ علمه بالنهي يترتّب على العلم بالناهي، ومعلوم أنّ الملحد كالموحّد في هذا الباب، بما ذكر من القبيح والحسن.. واللازم باطل فبطل ما أدّى اليه. ومراده: أنّ الملحد الذي لا يعرف الله، لا شكّ أنّه يعرف قبحَ فعلِ منْ قتلَ ولدَهُ، وبالتالى فإنّ القول بأنّ قبح القبيح لا يُدرك إلّا بالشرع باطل، ويثبت النقيض، وهو أنّ إدراك قبح القبيح يكون بالعقل لا بالشرع، فهم يقولون إنّ الدليل على أن القبح والحسن يدركان عقلاً أنّ الملاحدة ومنكري الشارع وجاحدي النبوّات يعلمون قبح الظلم، وحسن الشكر، ولو كان الأمر يتوقّف في ذلك على السمع لما أحاط من أنكره بالحسن والقبح.

قواعد الاعتزال

القاعدة الأولى

القول بنفي صفات الباري تعالى، من العلم والقدرة والإرادة، والحياة عن كينونة مغايرة لذات الله، فالله عالم بذاته، وليس لوجود علم خارج عنه، وكانت هذه المقالة في بدئها غير نضيجة، وكان واصل بن عطاء يشرع فيها على قول ظاهر؛ وهو الاتفاق على استحالة وجود إلهين قديمين أزليّين، قال: ومن أثبت معنى صفة قديمة فقد أثبت إلهين، وإنّما شرع أصحابه فيها بعد بمطالعة كتب الفلاسفة، وانتهى نظرهم فيها إلى ردّ جميع الصفات إلى كونه عالماً قادراً ثمّ الحكم بأنّهما صفتان ذاتيّتان هما اعتباران للذات القديمة، كما قال الجبائيّ، أو حالان كما قال أبو هاشم.

القاعدة الثانية

القول بالقدر: وإنّما سلكوا في ذلك مسلك معبد الجهنيّ وغيلان الدمشقيّ، وقرّر واصل بن عطاء هذه القاعدة أكثر ممّا قرّر قاعدة الصفات، فقال: إنّ الباري تعالى حكيم عادل لا يجوز أن يضاف إليه شرّ ولا ظلم، ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر، ويحتّم عليهم شيئاً ثمّ يجازيهم عليه، فالعبد هو الفاعل للخير والشرّ والإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، وهو المجازي على فعله، والربّ تعالى أقدر على ذلك كلّه، وأفعال العباد محصورة في الحركات والسكنات، والاعتمادات والنظر والعلم، قال: ويستحيل أن يخاطب العبد بـ: افعلْ. وهو لا يمكنه أن يفعل، وهو لا يحسّ من نفسه الاقتدار والفعل، ومن أنكره فقد أنكر الضرورة. واستدلّ بآيات على هذه الكلمات، ورأيت رسالة نسبت إلى الحسن البصريّ، كتبها إلى عبد الملك بن مروان، وقد سأله عن القول بالقدر والجبر، فأجابه فيها بما يوافق مذهب القدريّة، واستدلّ فيها بآيات من الكتاب، ودلائل من العقل، ولعلّها لواصل بن عطاء، فما كان الحسن ممّن يخالف السلف في أنّ القدر خيره وشره من الله تعالى، فإنّ هذه الكلمات كالمجمع عليها عندهم، والعجب أنّه حمل هذا اللفظ الوارد في الخبر على البلاء والعافية والشدّة والرخاء، والمرض والشفاء، والموت والحياة، إلى غير ذلك من أفعال الله تعالى دون الخير والشرّ، والحسن والقبيح الصادرين من اكتساب العباد، وكذلك أورده جماعة من المعتزلة في المقالات عن أصحابهم.

القاعدة الثالثة

القول بالمنزلة بين المنزلتين، والسبب فيه أنّه دخل واحد على الحسن البصريّ فقال: يا إمام الدين! لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفّرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر، يخرج به عن الملّة، وهم وعيديّة الخوارج وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضرّ مع الإيمان، بل العمل على مذهبهم ليس ركناً من الإيمان، ولا يضرّ مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمّة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً؟.

فتفكّر الحسن في ذلك، وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول: إنّ صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً، ولا كافر مطلقاً، بل هو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر. 

ثمّ قام واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد يقرّر ما أجاب على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنّا واصل. فسمّي هو وأصحابه (معتزلة)، ووجه تقريره أنّه قال: إنّ الإيمان عبارة عن خصال خير، إذا اجتمعت سمّي المرء مؤمناً، وهو اسم مدح، والفاسق لم يستجمع خصال الخير، ولا استحقّ اسم المدح فلا يسمّى مؤمناً، وليس هو بكافر مطلقاً أيضاً، لأنّ الشهادة وسائر أعمال الخير موجودة فيه، لا وجه لإنكارها، لكنّه إذا خرج من الدنيا على كبيرة من غير توبة فهو من أهل النار، خالد فيها، إذ ليس في الآخرة إلا فريقان فريق في الجنّة وفريق في السعير، لكنّه يخفّف عنه العذاب، وتكون دركته فوق دركة الكفّار، وتابعه على ذلك عمرو بن عبيد بعد أن كان موافقاً له في القدر وإنكار الصفات.


القاعدة الرابعة

قولهم في الفريقين من أصحاب الجمل وأصحاب صفّين إنّ أحدهما مخطئ لا بعينه، وكذلك قوله في عثمان وقاتليه وخاذليه، قال إنّ أحد الفريقين فاسق لا محالة، كما أنّ أحد المتلاعنين فاسق لا محالة، لكن بعينه، وقد عرفت قوله في الفاسق، وأقلّ درجات الفريقين أنّه لا تقبل شهادتهما، كما لا تقبل شهادة المتلاعنين، فلا يجوز قبول شهادة عليّ وطلحة والزبير على باقَةِ بَقْلٍ، وجوّز أن يكون عثمان وعليّ على الخطأ، هذا قوله وهو رئيس المعتزلة، ومبدأ الطريقة في أعلام الصحابة وأئمة العترة، ووافقه عمرو بن عبيد على مذهبه وزاد عليه في تفسيق أحد الفريقين، لا بعينه، بأن قال: لو شهد رجلان من أحد الفريقين مثل عليّ ورجل من عسكره أو طلحة والزبير لم تقبل شهادتهما، وفيه تفسيق الفريقين، وكونهما من أهل النار، وكان عمرو بن عبيد من رواة الحديث معروفاً بالزهد، وواصل مشهوراً بالفضل والأدب.

آراءُ المعتزلةِ السياسيّةُ

  1. ويرى أكثر المعتزلة كأكثر الفرق الإسلاميّة أنّه لا بدّ للمسلمين من إمام ينفّذ أحكامهم، ويتولّى جميع أمورهم في شتّى المجالات.
  2. واختلف المعتزلة فيما بينهم في اشتراط أن يكون الإمام من قريش.
  3. وللمعتزلة آراء سياسيّة في الإمامة، وفي التاريخ الإسلاميّ وإن لم يتّفقوا عليها اتفاقهم على الأصول الخمسة، فعلى قولهم جميعاً مسحة من حرّيّة الرأي، وتشريح المسائل، ووضعها موضع النقد، وفي كلامهم ما يدلّ دلالة واضحة على أنّهم وضعو الصحابة والتابعين موضع الناس، يخطئون ويصيبون، ويصدر منهم ما يمدح وما يذمّ، ولم يتحرّجوا من ذلك، كما تحرّج غيرهم. بل قالوا (إنّا رأينا الصحابة أنفسهم ينقد بعضهم بعضاً، بل ويلعن بعضهم بعضاً، ولو كانت الصحابة عند نفسها بالمنزلة التي لا يصحّ فيها نقد ولا لعن، لعلمت ذلك من حال نفسها، والصحابة قوم من الناس، لهم ما للناس، وعليهم ما عليهم، من أساء منهم ذممناه، ومن أحسن منهم مدحناه، وليس لهم على غيرهم كبيرة فضل، إلا بمشاهدة الرسول ومعاصرته لا غير، بل كانت ذنوبهم أفحش من ذنوب غيرهم، لأنّهم شاهدوا الأعلام والمعجزات فمعاصينا أخفّ لأنّنا أعذر).
  4. وتعرّض المعتزلة إلى مسألة أبي بكر وعمر وعليّ، هل خلافتهم صحيحة؟ وأيّهم أفضل؟ وقد حكى أبو الحديد رأي المعتزلة في ذلك فقال: (اتّفق شيوخنا كافّة المتقدّمون منهم والمتأخّرون، والبصريّون والبغداديّون على أنّ بيعة أبي بكر الصديق بيعة صحيحة شرعيّة، وأنّها لم تكن عن نصّ، وإنّما كانت بالاختيار، واختلفوا في التفضيل. فقال قدماء البصريّين كعمرو بن عبيد والنظام والجاحظ وثمامة بن الأشرس، وهشام الفوطيّ وغيرهم: أنّ أبا بكر أفضل من عليّ، وهؤلاء يجعلون ترتيب الأربعة في الفضل كترتيبهم في الخلافة، وقال البغداديّون قاطبة، قدماؤهم ومتأخّروهم كبشر بن المعتمر وغيرهم أنّ عليّاً أفضل من أبي بكر، وذهب كثير من الشيوخ إلى التوقّف فيهما، وهو قول واصل بن عطاء وأبي الهذيل العلاف وهما – وإن ذهبا إلى التوقّف بين عليّ وبين أبي بكر وعمر – قاطعان على تفضيله على عثمان.
  5. والذي دعا إلى اتفاق المعتزلة على صحّة خلافة أبي بكر، حتّى من قال منهم بأفضليّة عليّ على أبي بكر، أنّهم رأوا عليّاً بايع أبا بكر غير مكره، فلا بدّ أن تكون بيعته صحيحة، ولا يصحّ أن يكونوا علويّين أكثر من عليّ.
  6. فإذا وصلنا إلى عثمان وقتلته، وجدنا كثيراً من المعتزلة يقفون في ذلك، فواصل بن عطاء يقف في الحكم على عثمان، لتعارض الأدلّة عنده؛ قال الخياط المعتزليّ: إنّ واصل بن عطاء وقف في عثمان وفي خاذليه وقاتليه وترك البراءة من واحد منهم، (وهذه هي سبيل أهل الورع من العلماء، أن يقفوا عند الشبهات، وذاك أنّه قد صحّت عنده لعثمان أحداث غير الستّ الأواخر، فأشكل عليه أمره، فأرجأه إلى عالمه) ومثل قول أبي الهذيل العلاف قال: لا ندري: أقتل عثمان ظالماً أم مظلوماً.
  7. وللمعتزلة كلام واسع في تحليل أعمال عثمان والاجتهاد في تمحيصها، وبعضهم قد دافع عنه في إسهاب، وبعضهم حمّله تبعات ما فعل في إسهاب، وإذا انتقلنا بعد ذلك إلى الحروب التي كانت مع عليّ وخصومه، رأينا واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وقفا في الحرب بين عليّ وطلحة والزبير وعائشة يوم الجمل، وهم عندهما أبرار أتقياء مؤمنون، قد تقدّمت لهم سوابق حسنة مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهجرة وجهاد وأعمال جميلة، ثمّ وجدوهم قد تحاربوا وتجالدوا بالسيف، فقال: قد علمنا أنّهم ليسوا بمحقّين جميعاً، جائز أن تكون إحدى الطائفتين محقّة، والأخرى مبطلة، ولم يتبيّن لنا مَن المحقّ مِن المبطل، فوكّلنا أمر القوم إلى عالمه، وتولّينا القوم على أصل ما كانوا عليه قبل القتال، فإذا اجتمعت الطائفتان قلنا: قد علمنا أنّ إحداكما عاصية لا ندري أيّكما هي. وذهب جعفر بن مبشر وجعفر بن حرب والإسكافيّ (وكلّهم من المعتزلة) إلى أنّ الحقّ في هذه الحرب مع عليّ، وأنّ طلحة والزبير وعائشة قد تابوا من خروجهم على عليّ، فهم لذلك يتولّونهم جميعاً، أمّا الحرب بين عليّ ومعاوية فهؤلاء جميعاً (واصل وعمرو بن عبيد وجعفر بن مبشر) يؤيّدون وجهة نظر عليّ، ويتبرّؤون من معاوية، وعمرو بن العاص ومن كان في شقّهما، بل إنّ البلخيّ - وهو أحد شيوخ المعتزلة - رمى عمرو بن العاص ومعاوية بالإلحاد.

وإذا كان معاوية غير محقّ فخلافته غير صحيحة، وكذلك من ولي بعده، ولكنّهم يقولون: إنّ الصحابة والتابعين الذين كانوا في زمن معاوية ويزيد وبني أميّة معذورون في جلوسهم عنه، لعجزهم عن إزالتهم، ولقهر بني أميّة لهم بطعام أهل الشام، و"لا يكلّف الله نفساً إلّا وسعها ".

  1. وبناء على ذلك تكون نظرتهم إلى بني أميّة أنّهم خلفاء لا عن حقّ، وقد طبّقوا مذهبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الصحابة والتابعين الذين كانوا في عهد الأمويّين، فمذهبهم أنّه لا يصحّ الخروج إلّا عند غلبة الظنّ، ونجاح الثورة، أمّا الخوارج الذين يجعلون الثورة واجباً فرديّاً مهما تكن النتيجة، فكان تاريخها ثورة مستمرّة.
  2. وكذلك لم يرضوا عن أبي موسى الأشعريّ وموقفة في التحكيم، فقد ذكر ابن أبي الحديد ( أنّ أبا موسي الأشعريّ عند المعتزلة من أرباب الكبائر، حكمه حكم أمثاله ممّن واقع كبيرة ومات عليها ).
  3. ولمّا أسرف الوليد بن عبد الملك في الشراب واللهو والطرب وسماع الغناء وكان متهتّكاً ماجناً خليعاً، كان المعتزلة من أشدّ الناقمين عليه، والعاملين على قتله، وإحلال يزيد بن الوليد محلّه في الخلافة، ونصر المعتزلة يزيد بن الوليد لأنّه كان ديّناً تقيّاً، وكان يعتقد بمذهب المعتزلة.
  4. فهم في نصرة يزيد جروا على مبدئهم في الأمر بالمعروف والنهيّ عن المنكر، فخرجوا مع إمام اعتقدوا فيه العدل، ولم يخرجوا إلا بعد أن غلب على ظنّهم الفوز، وقد فازوا فعلاً.
  5. وفي العصر العباسيّ كان عمرو بن عبيد لا يميل إلى العباسيّين، وينتقد أبا جعفر المنصور، ويعدّد مظالمه، فيقول له أبو جعفر: فماذا أصنع؟ قد قلت لك خاتميّ في يدك، فتعال أنت وأصحابك فأكتفي. فيقول له عمرو: (اُدعنا بعدلك تسخُ أنفسنا بعونك، ببابك ألف مظلمة، أرددْ منها شيئاً نعلم أنّك صادق).
  6. وروى البغداديّ أنّ المنصور قال لعمرو بن عبيد: بلغني أنّ محمّد بن عبد الله بن الحسن كتب إليك كتاباً. قال عمرو: قد جاءني كتاب يشبه أن يكون كتابه. قال: فيم أجبته؟ قال: أوليس عرفت رأيي في السيف، أيّام كنت تختلف إلينا، إني لا أراه. قال المنصور: أجل، ولكن تحلف لي ليطمئنّ قلبي. قال عمرو: لئن كذبتك تُقْيا لأحلفنّ لك تقيّاً. قال المنصور: والله والله لأنت الصادق البارّ.
  7. حَسُنَ مركزُ المعتزلة وناصروا الدولةَ العباسيّةَ، يوم اعتنق الخلفاء مبادئهم، أمثال المأمون فقد كان معتزليّاً في مبادئه وتصرّفاته، وكذلك أيّام المعتصم والواثق، فلمّا جاء المتوكّل انصرف عن المعتزلة فانصرفوا عنه، وكاد لهم وكادوا له.


شروط الخروج على الإمام والثورة عليه

تتمثّل شروط الثورة على الإمام عند المعتزلة في:

  • 1- بغي الإمام (الخليفة/الملك) وطغيانه وظلمه.
  • 2- وجود جماعة تجد في نفسها القدرة على قتال الإمام الباغي.
  • 3- عقد الجماعة البيعة لإمام ترتضيه.
  • 4- مقاتلة الجماعة للإمام الباغي بقصد إزالته، وأخذ الناس بالانقياد لقولهم.

فهم لم يوجبوا فقط القيام بثورة ضدّ الإمام الباغي، بل حدّدوا أيضاً الأساليب والأسباب والشروط الموجبة لثورتهم.

دفاع المعتزلة عن الإسلام

دخل الإسلام طوائف كثيرة من المجوس واليهود والنصارى وغير هؤلاء، ورؤوسهم ممتلئة بكلّ ما في هذه الأديان، من تعاليم جرت في نفوسهم مجرى الدم، ومنهم من كان يظهر الإسلام ويبطن غيره، إمّا خوفاً ورهبة، أو رجاء نفع دنيويّ، وإمّا بقصد الفساد والإفساد، وتضليل المسلمين، وقد أخذ ذلك الفريق ينشر بين المسلمين ما يشكّكهم في عقائدهم، وظهر ثمار غرسهم في فرق هادمة للإسلام، تحمل اسمه ظاهراً، وهي معاول هدمه في الحقيقة، فظهرت "المجسّمة" و"الرافضة" التي تقول بحلول الإله في جسم بعض الأئمّة، و"الزنادقة". وقد تصدّى للدفاع عن الإسلام أمام هؤلاء فرقة درست المعقول وفهمت المنقول، فكانت المعتزلة، تجرّدوا للدفاع عن الدِّين، وما كانت الأصول الخمسة التي تضافروا على تأييدها، وتآزروا على نصرها إلّا وليدة المناقشات الحادّة التي كانت تقوم بينهم وبين مخالفيهم، والتوحيد الذي اعتقدوه على الشكل الذي أسلفنا كان للردّ على المشبّهة والمجسّمة، والعدل كان للردّ على الجهميّة، والوعد كان للردّ على المرجئة، والمنزلة بين المنزلتين، ردّوا بها على المرجئة والخوارج.
وفي عهد المهديّ ظهر "المقنّع الخراسانيّ" وكان يقول بتناسخ الأرواح، واستغوى طائفة من الناس، وسار إلى ما وراء النهر، فلاقى "المهديّ" عناء في التغلّب عليه، ولذلك أغوى بالزندقة والزنادقة، فكان يتعقبهم ليقضي عليهم بسيف السلطان، ولكنّ السيف لا يقضي على رأي، ولا يميت مذهباً؛ ولذلك شجّع المعتزلة وغيرهم للردّ على الزنادقة وأخذهم بالحجّة، وكشف شبهاتهم، وفضح ضلالاتهم، فمضوا في ذلك. يمكننا أن نلخّص الخدمات التي قدّمها المعتزلة إلى الفكر والحضارة الإسلاميّة، والتأثيرات التي تركوها بالنقاط التالية:

  • ١- أنّهم أسهموا بشكل فاعل في نقل التراث والثقافة اليونانيّة في جانبها الفلسفيّ والعقليّ إلى الحضارة الإسلاميّة، وذلك من خلال اطلاعهم على تلك الثقافة، وتمثّلهم لمعطياتها العقليّة والفلسفيّة.
  • ٢- وكان لهم الفضل الأكبر في الجمع بين الدِّين والفلسفة، بينما كان معارضوهم يرون في النزعة الفلسفيّة نوعاً من الزندقة والإلحاد والخروج عن قواعد الدِّين.
  • ٣- وبفضل تسلّح المعتزلة بسلاح الفلسفة، والمنطق، وعلم الكلام، وأساليب الجدال والمناظرة، فإنّهم قد أدّوا دوراً كبيراً وبارزاً في الدفاع عن العقيدة الإسلاميّة، إزاء المعتقدات والديانات الأخرى السماويّة المحرّفة منها كالمسيحيّة واليهوديّة، والمشركة والإلحاديّة كالمجوسيّة، والثنويّة، والمانويّة، وقد تمثّل هذا الدور إمّا في مناقشة وإبطال حجج أصحاب تلك المعتقدات والديانات، أو في دعوة غير المسلمين الطالبين للحقيقة إلى الإيمان بالعقيدة الإسلاميّة.
  • ٤- وأخيراً، فقد أرسى المعتزلة دعائم حركة عقليّة واسعة كان لها أكبر الأثر في صياغة الحضارة الإسلاميّة؛ نظراً إلى أنّ مذهبهم كان يقوم في الأساس على احترام العقل وتمجيده، والتعويل عليه في استنباط واستنتاج الكثير من الأحكام الشرعيّة من جهة، وأساليب التفكير السليم من جهة أخرى.

يقول جولد تسيهر في هذا الصدد: "نحن لا نستطيع نكران أنّه كان لنشاط المعتزلة نتيجة نافعة، فقد ساعدوا في جعل العقل ذا قيمة حتّى في مسألة الإيمان، وهذا هو الفضل الذي لا يجحد، والذي له اعتباره وقيمته، والذي جعل لهم مكاناً في تاريخ الدِّين والثقافة الإسلاميّة".
وعلى أثر اعتماد المعتزلة على العقل، مرجعاً أساسيّاً في استنباطاتهم، وتقريراتهم، ونتيجة لعدم جمودهم على النصوص، وتعبّدهم بها بشكل مبالغ فيه، فقد كان لهم دور كبير في إشاعة أجواء حرّيّة التفكير، والعقل، ونحن نلاحظ هذا الاتجاه بشكل واضح في عصر المأمون، وفي القرن الرابع الهجريّ.
وقد بلغت هذه النهضة العقليّة الجديدة التي أرسى المعتزلة دعائمها حدّاً من العمق والتأثير والاتّساع بحيث أنّها تركت آثارها حتّى على أهل الحديث أنفسهم، وتجلّى هذا التأثير بشكل خاصّ لدى الأشاعرة، رغم عدائهم للمعتزلة، وحربهم الفكريّة ضدّهم، وانضمام الكثير من أهل الحديث إلى صفوفهم، فقد آمنوا مع المعتزلة بأنّ البرهان المؤسّس على العناصر النقليّة لا يعطينا أيّ يقين، وكانوا في بحوثهم الكلاميّة متأثّرين بالمعتزلة إلى حدّ كبير.
لعبت المعتزلة دوراً رئيسيّاً ومهمّاً في رحلة تطوّر الفكر الإسلاميّ على مرّ التاريخ، ونظرة سريعة إلى معتقدات الفرق والمدارس المختلفة في مجال العقيدة ترينا الآثار والبصمات التي تركها عظماء المعتزلة على معظم هذه الفرق والمدارس، وقد لاحظ ذلك نيكلسون في كتابه عن تاريخ الآداب العربيّة، حيث يقول: "إنّ المعتزلة قد رفعت بطريقة غير مباشرة الفكر الإسلاميّ إلى درجة تستحقّ الاعتبار". وامتدح دورهم الإمام (أبو زهرة) في كتابه: تاريخ المذاهب الإسلاميّة، حيث يقول: "إنّ هؤلاء (المعتزلة) يعدّون فلاسفة الإسلام حقّاً". وحتّى (جولد تسيهر) قد اعترف في كتابه: العقيدة والشريعة. بتأثير المعتزلة العظيم على الفكر العربيّ، قائلاً: "نحن لا نستطيع نكران أنّه كان لنشاط المعتزلة نتيجة نافعة، فقد ساعدوا في جعل العقل ذا قيمة، حتّى في مسألة الإيمان، وهذا هو الفضل الذي لا يجحد، والذي له اعتباره وقيمته، والذي جعل لهم مكاناً في تاريخ الدين والثقافة الإسلاميّة. ثمّ إنّه برغم كلّ الصعوبات التي أثارها مذهبهم، وكلّ ما أنكروه على خصومهم، فإنّ حقّ العقل قد انتصر على إثر كفاحهم بنسبة صغيرة أو كبيرة، حتّى في الإسلام السنّيّ، ولم يكن هيّناً بعد هذا إبعاده تماماً". أمّا العالم المصريّ أحمد أمين، فيقول: "وكان للمعتزلة الفضل الأكبر في علم الكلام، لأنّهم كانوا أكبر المدافعين عن الإسلام ضدّ ما كان يثيره اليهود والنصارى من هجوم، حتّى لقد كانوا فيما روي يرسلون أتباعهم الكثيرين إلى البلدان الأخرى لردّ هذا الهجوم ردّاً عقليّاً". وهو يأسف على زوال المعتزلة، حيث يقول: "في رأيي إنّ من أكبر مصائب المسلمين موت المعتزلة، وعلى أنفسهم جنوا".
وحتّى الذين هاجموا المعتزلة بشدّة، وكفّروهم، ورموهم بالزندقة والإلحاد، فإنّهم مدينون للمعتزلة بشهرتهم؛ لأّنّ المعتزلة هم الذين وضعوا أسس علم الكلام، وبحثوا في موضوعات ومسائل لم يسبقهم إليها أحد؛ فلولا أنّهم أبدعوا وألّفوا المصنّفات المختلفة، وبحثوا في مسائل علم الكلام، لمّا وجد من هاجمهم شيئاً يبحث فيه، وينقده، ومن ينكر أنّه لولا ظهور المعتزلة، لما سمعنا عن شخصيّات كبيرة في الإسلام اليوم، مثل أحمد بن حنبل، والأشعريّ، والباقلانيّ، والبغداديّ، والجوينيّ، والغزاليّ، بل وابن الريونديّ.
إنّ موقف كلّ هذه الشخصيّات المعروفة في تاريخ الإسلام من المعتزلة هو موقف الناقد من الكاتب المبدع. لقد أبدع مفكرو المعتزلة، وأَثْرَوُا الثقافة الإسلاميّة بكتاباتهم، وتصانيفهم العديدة، وأخطؤوا قليلاً، ولكنّهم أصابوا كثيراً فيما ذهبوا إليه، أمّا ابن حنبل، والأشعريّ، والباقلانيّ، والبغداديّ، والجوينيّ، والغزاليّ، وابن الريونديّ، فقد كانوا نقّاداً أكثر منهم كتّاباً مبدعين، وليس يشكّ أحد في أنّ مرتبة الأصالة والإبداع أرفع وأسمى من مرتبة النقد والتجريح. يقول المستشرق السويديّ نيبرج: "… ولو لم تكن المعتزلة مهّدت الطريق، لما كان لأهل السّنّة تقدّم في هذا الفنّ، مثل تقدّمهم. ثمّ نريد أن نشير إلى شيء آخر، وهو أنّ قوماً هذا شأنهم وموقفهم إزاء أعداء كثيرين، ونحل مختلفة متدرّبة على المناظرة به، لا بدّ أن يكون في أسلوبهم شيء من الضعف والتردّد، والعدول عن سواء السبيل، إذ من نازل عدوّاً عظيماً في معركته، فهو مربوط به، مقيّد بشروط القتال، وتقلّب أحواله، ويلزم أن يلاحق عدوّه في حركاته وسكناته، وقيامه وقعوده، وربما تؤثّر فيه روح العدوّ وحيلته، كذلك في معركة الأفكار أيضاً".

أئمّة المعتزلة

يوجد الكثير من العلماء الذين أسّسوا وكتبوا في الاعتزال، منهم:


واصل بن عطاء (80 - 131 هـ)

وهو أبو حذيفة واصل بن عطاء مؤسّس الاعتزال، المعروف بالغزال. يقول ابن خلّكان: كان واصل أحد الأعاجيب، ذلك أنّه كان ألثغ، قبيح اللثغة في الراء، فكان يخلّص كلامه من الراء، ولا يُفطَن لذلك، لاقتداره على الكلام، وسهولة ألفاظه. وكان له الفضل الأكبر في تأسيس الاعتزال على أسس علميّة، ووضع الخطط في نشره، بإرسال الدعاة في الآفاق يبشرون به، ويلفّون الناس حوله، وكان أقدر على الجدال والمناظرة سريع البداهة في استحضار آيات القرآن التي تؤيّد مذهبه، وفي تأويل ما لا يتّفق ظاهرها مع مبادئه، وكان واسع المعرفة للمذاهب المختلفة وكان أكثر رجال المعتزلة تلاميذ لواصل أو تلاميذ لتلاميذه، وقد ألّف كتاباً فيه ألف مسألة للردّ على المانويّة، ويقال إنّه وصل إلى أبي هذيل العلاف قنطاران من كتبه ربّما كان منبع علمه.

عمرو بن عبيد (80 - 143 هـ)

وهو الشخصيّة الثانية بعد واصل بن عطاء عند المعتزلة، وكان من أعضاء حلقة الحسن البصريّ، مثل واصل، لكنّه التحق بواصل بعد مناظرة جرت بينهما في مرتكب الكبيرة.


أبو الهذيل العلّاف (135 - 235 هـ)

أبو الهذيل محمّد بن الهذيل (العبقسيّ) - نسبة إلى عبد القيس- وكان مولاهم ويلقّب بالعلّاف، لأنّ داره في البصرة كانت في العلّافين، قال ابن النديم: كان شيخ البصريّين في الاعتزال، ومن أكبر علمائهم،‏ وهو صاحب المقالات في مذهبهم ومجالس ومناظرات. من أقوى الشخصيّات في مدرسة البصرة، كان رئيس الاعتزال في عصره، وإليه يرجع الفضل في تطعيم مبادئ الاعتزال بمبادئ الفلسفة، وقد عمّر نحو مائة سنة كانت تقريباً هي المائة الأولى للدولة العبّاسيّة، وكان أستاذ المأمون، واسع الاطلاع، كثير حفظ الشعر العربيّ، جيّد المناظرة، فصيح القول، اتصل بالفلسفة اليونانيّة وقرأ فيها. ولعلّ اتصاله هذا بالفلسفة اليونانيّة هو الذي مكّنه من تنظيم مبادئ الاعتزال، وفتح لها جهات نظر لم تكن تعرف من قبل، وصوّره الجاحظ في كتاب البخلاء بصورة ظريفة، فعدّه أبخل المعتزلة، ويرميه " بشر بن المعتمر" شيخ معتزلة بغداد بالنفاق وحبّ الظهور، يقول فيه هذه الكلمة: " لأن يكون أبو الهذيل لا يعلم وهو عند الناس يعلم، أحبّ إليه من أن يعلم، وهو عند الناس لا يعلم، ولأن يكون من السفلة، وهو عند الناس من العلية أحبّ إليه من أن يكون من العلية وهو عند الناس من السفلة، ولأن يكون نبيل المظهر، سخيف المخبر، أحبّ إليه من أن يكون نبيل المخبر سخيف المنظر، وهو بالنفاق أشدّ عجباً منه بالإخلاص، ولباطل مقبول أحبّ من حقّ مدفوع ". وعلى الجملة فيظهر من مجموع ما نقل عنه أنّه كان من ناحيته العلميّة كبير العقل، واسع المعرفة، ومن ناحيته اللسانيّة قويّ الجدل، فصيح المنطق، ومن ناحيته الخلقيّة فيه مغمزة: فهو بخيل يدّعي الكرم، يهمّه المظهر أكثر ممّا يهمّه المخبر، وهو إلى الغفلة أقرب منه إلى المكر والدهاء. آراؤه وتعاليمه: كان لأبي الهذيل آراء يتميّز بها عن سائر المعتزلة، وكان أتباعه في الآراء يسمّون بالهذيليّة، ومنها: 1. إنكاره لصفات الله في الحقيقة، فهو يقول: إنّ الله عالم بعلم، وعلمه ذاته، وقادر بقدرة، هي ذاته، وهكذا... يريد: أن ليس شيء في غير الذات، وصفة العلم والقدرة ونحوهما، ليست إلا مظاهر لذاته، فمظاهر الخلق في نظرنا تدلّ على قدرته، فنقول إذ ذاك أنّه قادر، وتدلّ على العلم، فنقول إنّه عالم، وفي الحقيقة لا شيء غير ذاته. 2. كان يرى أنّ للعالم كُلّاً وجميعاً، ونهاية، وغاية، لأنّهُ ْمُحْدَثٌ، والمحدث مخالف للقديم، فإذا كان القديم ليست له غاية ولا نهاية، وجب أن يكون للمحدث غاية ونهاية، ولأنّ المحدثات ذات أبعاض، وما كان كذلك فواجب أن يكون له كلّ ونهاية، فلما اعترض عليه - في قول هذا - بنعيم أهل الجنّة وعذاب أهل النار، وأنّهما لا نهاية لهما لم ير هذا الرأي، وقال: "إنّي لا أفهم حركات لا تنتهي، ولذلك يجب أن نقول إنّ حركات أهل الجنّة وأهل النار تنقطع، وأنّهم يصيرون إلى سكون دائم، خموداً، وتجتمع اللذّات في ذلك السكون لأهل الجنّة، وتجتمع الآلام في ذلك السكون لأهل النار ". 3. ومن المسائل التي اشتهر بها أبو هذيل رأيه في إرادة الله. 4. كان يرى أنّ الإنسان مكلّف بالأشياء التي يستطيع العقل التمييز فيها بين الخير والشرّ، ولو لم تصل إليه أوامر الشرع، وإن قصّر في ذلك استوجب العقوبة، فيجب عليه الصدق والعدل والإعراض عن الكذب والجور، ولو لم يصله شرع في ذلك، لأنّ العقل يستطيع أن يدرك حسنها وقبحها لما فيها من صفات تجعلها حسنة أو قبيحة.

النظام (231- 195هـ )

إبراهيم بن سيّار بن هانئ البصريّ النظام‏: هو الشخصيّة الثالثة للمعتزلة ومن متخرّجي مدرسة البصرة للاعتزال، ذكره القاضي عبد الجبّار في (طبقات المعتزلة) وقال: إنّه من أصحاب أبي الهذيل، وخالفه في أشياء.

، كان النظام آية في النبوغ: حدّة ذهن، وصفاء قريحة، واستقلالاً في التفكير، وسعة إطلاع، وغوصاً على المعاني الدقيقة، وصياغة لها في أحسن لفظ، وأجمل بيان، وكان له ناحيتان بارزتان؛ ناحية أدبيّة، وناحية كلاميّة أو لاهوتيّة، من كلامه: "العلم لا يعطيك بعضه حتّى تعطيه كلّكَ، فإذا أعطيته كلّك فأنت من إعطائه لك بعضه على خطر"، وقال عندما سمع الصواعق ودويّ الرياح: "اللهمّ إن كان عذاباً فاصرفه، وإن كان صلاحاً فزد فيه، وهب لنا الصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، اللهمّ إن كانت منحة فمنَّ علينا بالعصمة، وإن كان عقاباً فمنَّ علينا بالمغفرة ". ومن أقواله: " ثلاثة أشياء تُخْلِقُ العقلَ، وتفسد الذهن: طول النظر في المرآة، والاستغراق في الضحك، وطول النظر في البحر"، ويقول: "لا أقول متّ قبلك، لأنّي إذا متّ قبله، مات هو بعدي، ولكنّي: متّ بدلَكَ". كان لا يؤمن بالإجماع، وكان قليل الإيمان بالقياس، وقليل الإيمان بصحّة رواية الحديث، ويكاد لا يؤمن بأصل، إلا القرآن والعقل، وكان شخصيّة غريبة حقّاً، يشعر هو بقوّة شخصيّته، وقوّة عقليّته فلا يريد أن يقف أمامه شيء، فهو يفسّر القرآن بحسب ما يؤدّي إليه عقله، ويخضع ما يرويه المحدّثون لحكم عقله، ويطلق عقله في نقد ما روي عن أعمال الصحابة وما روي من آرائهم، ولا يرضى عن الفقهاء في كثير من أقوالهم، حتّى إنَّه لا يرضى عن المعتزلة في مجموعهم، ويهجم على أكبر الفلاسفة. وكان أقدر من أستاذه العلاف، ولقد حكوا أنّ العلاف يذوب أمامه كما يذوب الثلج من الحرارة، روى الجاحظ أنّه:"قيل لأبي الهذيل: إنّك إذا راوغت واعتللت وأنت تكلم النظام فأحسن حالاتك أن يشكّ الناس فيك وفيه، قال: خمسون شَكّاً خير من يقين واحد". كان من خاصّة المعتزلة والكلام، لحفظه القرآن والتوراة والزبور والإنجيل والأشعار والأخبار، وتفسيرها إلى معرفة فقهيّة واسعة الأحكام والفتيا. وقال الشهرستانيّ إنّ النظام " قد طالع كثيراً من كتب الفلسفة وخلط كلامهم بكلام المعتزلة " وقال في موضع آخر: إنّ أكثر ميله أبداً إلى تقرير مذاهب الطبيعيّين " من الفلاسفة " دون " الإلهيّين ". كان عنده ركنان أساسيّان وهما: الشكّ والتجربة.

أمّا الشكّ فقد كان يعتبره النظام أساساً للبحث، فكان يقول:"الشاكّ أقرب إليك من الجاحد، ولم يكن يقين قطّ حتّى صار فيه شكّ. ولم يتنقل أحد من اعتقاد إلى اعتقاد غيره يكون بينها حال شكّ"، أمّا التجربة فقد استخدمها كما يستخدمها الطبيعيّ أو الكيميائيّ اليوم في معمله.

واسع الحرّيّة، شديد الجراءة على المحدّثين، قليل الإيمان بصحّة الحديث، وهو شديد الإيمان بالقرآن. وكان الجاحظ يعيب عليه فقال: إنّه كان جيّد القياس، جيّد الاستنباط، ولكنّه لا يتحرّى الدقّة فيما يقيس عليه، فهو يظنّ الظنّ، ثمّ يقيس عليه، وينسى أنّه في بدء أمره كان ظنّاً. ووصفه الجاحظ بالصدق التامّ فيما يقول، ولكنّه مع صدقه كان أضيق الناس صدراً بحمل سرٍّ. والنظام يسير في القول بسلطان العقل، إلى آخر حدود السلطان، فهو يرى موقف طالب العلم من الكتب ألّا يكون حاطب ليل، بل ينبغي أن يتخيّر ممّا فيها، ولا يسمح أن يدخل في نفسه إلا الجيّد المنتقى ويقول: إلا قليل والكثير للكتب، والقليل وحده للصدر – ويقول إنّ الكتب لا تحيي الموتى، لا تحوّل الأحمق عاقلاً، ولا البليد ذكيّاً، ولكن الطبيعة إذا كان فيها أدنى قبول فالكتب تشحذ وتفتي وترهف وتشفي، ومن أراد أن يعلم كلّ شيء فينبغي لأهله أن يداووه، فإنّ ذلك إنّما تصوّر له بشيء اعتراه، فمن كان ذكيّاً حافظاً فليقصد إلى شيئين أو إلى ثلاثة أشياء، ولا ينزع عن الدرس والمطارحة، ولا يدع أن يمرّ على سمعه وعلى بصره وعلى ذهنه ما قدّر عليه من سائر الأصناف، فيكون عالماً بخواصّ، ويكون غير غافل من سائر ما يجري فيه الناس، فهو لهذا يضع منهجاً بديعاً للدرس، فينقد من يسير في تعلّمه على طريقة حشو المعلومات في الذهن حشواً. ولا يعجبه قول ابن يسير: أما لو أعي كلّ ما أسمــــــع وأحفظ من ذاك ما أجمع ولم أستفد خيراً ما قد جمعت لقيل هو العالم المصقــع فكان يقول:"كلّف ابن يسير الكتب ما ليس عليها، فهي لا تصيّر البليد عالماً، فالعلم ليس في جمع الكتب، وحفظ ما فيها، وإنّما هو بالتعقّل ". كما أنّ النظام أوضح فكرة في التعليم كان يظنّ أنّها جديدة، فهو يرى أنّ العالم يجب أن تكون له ثقافتان، ثقافة عامّة، فيأخذ من كلّ شيء بطرفه، وثقافة خاصّة، وهي أن يتخصّص في بعض الفروع، ويتعمّق فيها ويتبحّر. وبحث النظام في مسألة الجزء الذي لا يتجزّأ، أو الذرّة، وهي قضيّة دار حولها الجدل طويلاً في الفلسفة اليونانيّة، وألّف النظام ذلك كتاباً سمّاه: "الجزء" وأقام البرهان على إنكاره، فكان رأيه أن "لا جزء إلا وله جزء، ولا بعض إلا وله بعض، ولا نصف إلا وله نصف، وأنّ الجزء جائز تجزئته أبداً، ولا غاية له في باب التجزّؤ ". كما بحث النظام في الطفرة والحركة والسكون، وفسّر الطفرة بأنّ الجسم الواحد قد يكون في مكان، ثمّ يصير إلى المكان الثالث من غير أن يمرّ بالمكان الثاني (على سبيل الطفرة) ومثّل لذلك بالدوّامة (النحلة). وكان يرى أنّ الأجسام متحرّكة دائماً، وغاية الأمر أنّ الحركة حركتان: حركة اعتماد، وحركة ناقلة، فهي كلّها متحرّكة في الحقيقة، وساكنة في اللّغة وليس في الكون إلا حركة، مناقضاً في ذلك قول أستاذه العلاف في أنّ الأجسام قد تسكن حقيقةً وتتحرّك حقيقة، وأنّ الحركة والسكون غير الكون. وخالفهما معمر المعتزليّ أيضاً فكان يرى أنّ الأجسام ساكنة دائماً، وإنّما الحركة في اللّغة فقط.

آراؤه الكلاميّة والدينيّة فقد رقّى النظام أصول المعتزلة وزاد فيها ونظّمها، فوسّع القول في توحيد الله تعالى، وقال: إنّ الله لا يوصف بالقدرة على الشرّ، لأنّ القبح إذا كان صفة ذاتيّة للقبح، ففيه تجويز وقوع القبح منه قبح. وزاد في القول وحرّيّة الإرادة عن الإنسان، وسيطرته على أعماله، وجزء كبير من شرح أصول المعتزلة من تنظيم النظام. وقوله بأنّ إعجاز القرآن إنّما سببه ما فيه من أخبار من الغيوب، كالأخبار من عالم الغيب، وكالإخبار عن أحداث مستقبليّة، مثل قوله تعالى" الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، في أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، في بِضْعِ سِنِينَ.... "[الروم 3:1]، " قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً " [الفتح 16].

أبو عليّ محمّد بن عبد الوهاب الجبّائيّ (235 - 303 هـ)

قال ابن النديم: هو من معتزلة البصرة، ذلّل الكلام، وسهّله ويسّر ما صعب منه، وإليه انتهت رئاسة البصريّين في زمانه. هو أبو عليّ محمّد بن عبد الوهّاب الجبّائيّ، والجُبّائيّ نسبة إلى جبّى من مدن خوزستان، وفيها كانت ولادته حوالي سنة 235هـ/849م. انتقل إلى البصرة صغيراً، فلزم أبا يعقوب يوسف بن عبد الله الشحّام إمام المعتزلة في زمنه، فاكتسب خبرة في الجدل والمناظرة في مسائل علم الكلام، لا سيّما بعد أن حضر مجالس المتكلّمين وحلقاتهم، أظهر نبوغاً وتميّزاً في الكلام، فاعترف له المعتزلة بعلوّ كعبه واختاروه إمامهم، فكان رئيس المعتزلة في البصرة ونسبت إليه الفرقة الجبّائيّة، واعتبره القاضي عبد الجبّار أفضلهم في الفضل، وأثنى على سيرته، ونقل رواية عن أصحابه "أنّهم أحرزوا ما أملاه فوجدوه نحو مائة ألف وخمسين ألف ورقة" (القاضي عبد الجبار، د.ت، ص 289-290). وشهد له ابن المرتضى في طبقات المعتزلة بكونه "لم يتّفق لأحد من إذعان سائر طبقات المعتزلة له بالتقدّم والرياسة بعد أبي الهذيل مثله، بل ما اتّفق له هو أشهر أمراً، وأظهر أثراً.. وكان على حداثة سنّه معروفاً بقوّة الجدل" (ابن المرتضى، 1961، ص 80). واشتهر بالإضافة إلى ذلك بالفقه والورع والزهد.

من آرائه التي انفرد بها قوله: إنّ أسماء الله تعالى جارية على القياس، وإنّ العقل إذا دلّ على أنّ الباري "عالم"، فواجب أن نسمّيه عالماً، وإن لم يسمّ نفسه بذلك...

من أبرز تلاميذه ابنه أبو هاشم (ت315هـ) رئيس فرقة البهشميّة، وأبو عبد الله الصيمريّ (ت315هـ) وأبو عمر الباهليّ (ت300هـ).

أخذ عنه أبو الحسن الأشعريّ (ت324هـ) علم الكلام، واختلفا في مسألة نفي الصفات، ومسألة خلق القرآن التي أنكرها الأشعريّ، وجرت بينهما مناظرات أفضت إلى خروج الأشعريّ عن المعتزلة ونشأة الأشعريّة.

من مؤلّفاته كتاب "الأصول" وكتاب "تفسير القرآن" وكتاب "اللطيف" وكتاب "الردّ على الأشعريّ في الرواية"، وتذكر له كتب في الردّ على أهل النجوم.

توفّي سنة 303 هـ/916م.

أبو هاشم الجبّائيّ (277 - 321 هـ)

هو عبد السلام بن محمّد بن عبد الوهّاب بن أبي عليّ الجبّائيّ، قال الخطيب: شيخ المعتزلة، ومصنّف الكتب على مذاهبهم. سكن بغداد إلى حين وفاته.


قاضي القضاة عبد الجبّار (324-415 أو 416هـ)

هو عبد الجبّار بن أحمد بن عبد الجبار الهمدانيّ الأسدآباديّ، الملقب بقاضي القضاة. قال الخطيب: كان ينتحل مذهب الشافعيّ في الفروع، ومذاهب المعتزلة في الأُصول، وله في ذلك مصنّفات، وولي قضاء القضاة بالريّ، وورد بغداد حاجّاً وحدّث بها، وقال: مات عبد الجبّار بن أحمد قبل دخولي الريّ في رحلتي إلى خراسان، وذلك في سنة 415هـ.

الجاحظ (159هـ - 255هـ

كان الجاحظ في حياته لسان المعتزلة المدافع عنها، المناصر لها، الموضّح لمشاكلها، الزائد عن حياضها، ولكن مع الأسف أدّى التعصب البغيض إلى أن يحتفظ الناس بكتبه الأدبيّة لا الدينيّة، فكتبه في الاعتزال لم تصل إلينا ولم يسلم من يد المتزمّتين ضيّقي النظر، فقد بقي لنا "البيان والتبيين" و "الحيوان" و "البخلاء" ونحوهما من كتب الأدب. ولكن لم يبق لنا مثلاً كتابه "الاعتزال وفضله على الفضيلة" ولا كتابه في "الاستطاعة وخلق الأفعال" و "خلق القرآن" وكتاب "فضيلة المعتزلة" إلى غير ذلك من كتبه الدينيّة. جمع الجاحظ في عقله كلّ ثقافة عصره، وقلّ أن يكون له في ذلك نظير، فقد جمع بين العلم والأدب، وأكبر ما يدلّ على ذلك كتاب "الحيوان"، ومن الناحية الاعتزاليّة قال الأشعريّ: قال الجاحظ "ما بعد الإرادة فهو الإنسان بطبعه، وليس باختيار له، وليس يقع منه فعل باختيار سوى إرادة "، وقال الشهرستاني: قال الجاحظ " إنّ المعارف كلّها ضروريّة طباع، وليس شيء من ذلك من أفعال العباد، وليس للعباد كسب سوى الإرادة، ويحصل أفعاله طباعاً.

أحمد بن أبي دؤاد

شخصيّته من أقوى الشخصيّات في عصره. - كان له الأثر الكبير في حياة المسلمين وتاريخ الإسلام – هو عربيّ من إياد، نشأ في طلب العلم بخاصّة الفقه والكلام، وكان من أصحاب واصل بن عطاء فصار إلى الاعتزال، وكان أديباً كما كان فقيهاً متكلّماً. وقد اتّصل بالمأمون من طريق يحيى بن أكثم، فكان يحضر مجالس المأمون في الجدل والمناظرة، فأعجب المأمون بعقله وحسن منطقه فقرّبه، وأصبح ذا نفوذ كبير في قصره، وكان من وصيّة المأمون للمعتصم ألا يفارق أحمد بن أبي دؤاد، ويشاركه في المشورة، فلمّا ولي المعتصم جعل ابن أبي دؤاد قاضي القضاة، وكان كذلك في أيّام الواثق. كان ينال من الخلفاء كثيراً، وينفق على الناس كثيراً ويستحثّ الخلفاء في عمل الخير للناس وإعطائهم وتخفيف ويلاتهم. هذا النفوذ الكبير، والجاه العريض في قصور الخلفاء، وفي أوساط العلماء وعلى قضاة الأمصار، (إذ كان قاضي القضاة) قد أخطأ فاستعمله في حمل الناس على الاعتزال، وإكراههم على القول بخلق القرآن، فهو أكبر سبب في هذه المحنة، فاستوجب سخط الناس، وضاع مجده، وعلوّ شأنه في كثير من الأوساط. فقد كان موصوفاً بالجود والسخاء، حسن الخلق، وافر الأدب واسع العلم، ولكنّه حمل الخلفاء الثلاثة: المأمون والمعتصم والواثق، على أن يمتحنوا الناس بخلق القرآن، فكانت المحنة وكانت الكارثة حتّى على مذهب الاعتزال نفسه.

الخوارزميّ: (162هـ - 232هـ

هو أبو عبد الله محمّد بن موسى الخوارزميّ، عالم رياضيّات وفلك وجغرافيا، ولد في خوارزم سنة 780م، اتصل بالخليفة العباسيّ المأمون وعمل في بيت الحكمة في بغداد، وكسب ثقة الخليفة، إذ ولّاه المأمون بيت الحكمة، أعمال الخوارزميّ الكبيرة في مجال الرياضيات كانت نتيجة لأبحاثه الخاصّة، إلّا أنّه قد أنجز الكثير في تجميع وتطوير المعلومات التي كانت موجودة مسبقاً عند الإغريق وفي الهند، فأعطاها طابعه الخاصّ من الالتزام بالمنطق. بفضل الخوارزميّ، يستخدم العالم الأعداد العربيّة التي غيّرت بشكل جذريّ مفهومنا عن الإعداد، كما أنّه قد أدخل مفهوم العدد صفر، الذي بدأت فكرته في الهند. صحّح الخوارزميّ أبحاث العالم الإغريقيّ بطليموس في الجغرافيّة، معتمداً على أبحاثه الخاصّة، كما أنّه قد أشرف على عمل 70 جغرافيّاً لإنجاز أوّل خريطة للعالم المعروف آنذاك. ومن أشهر كتبه في الجغرافية كتاب (صورة الأرض). عندما أصبحت أبحاثه معروفة في أوروبا بعد ترجمتها إلى اللاتينيّة، كان لها دور كبير في تقدّم العلم في الغرب، عرف كتابه الخاصّ بالجبر أوروبة بهذا العلم وأصبح الكتاب الذي يدرّس في الجامعات الأوروبيّة عن الرياضيّات حتّى القرن السادس عشر، كتب الخوارزميّ أيضا عن الساعة، والإسطرلاب، والساعة الشمسيّة. تعتبر إنجازات الخوارزميّ في الرياضيّات عظيمة، ولعبت دوراً كبيراً في تقدّم الرياضيّات والعلوم التي تعتمد عليها.

هوامش

مصادر

مواضيع ذات صلة

أشاعرة