غلو

من رؤية بيديا
اذهب إلى: تصفح، ابحث

إن الغلو أحد أبرز المصطلحات التي يجري النقاش حولها اليوم في العالم الإسلامي، وقد تداخل هذا المصطلح مع مصطلحات أخرى لا تمكن أن تعطى التصنيف ذاته، وخاصة مع ظهور جماعات متدينة تنحى نحو الغلو والتشدد، وأخرى تحاول الالتزام بأوامر الدين الحنيف في ظل انهيار القيم الأخلاقية والروحية في العالم الإنساني اليوم، مما أوقع اللبس في الفكر الإسلامي اليوم. وفي ظل ظهور جماعات متطرفة في عدة بلدان مسلمة احتاج الباحثون إلى معرفة الظروف الاجتماعية العامة والنفسية الخاصة التي أدت إلى ظهور هذه الجماعات بعد أن لم تكن موجودة؛ بهدف الوصول إلى تصور واضح عن واقعها للعمل على معالجته.

محتويات

تعريف الغلو

الغلوّ لغة هو: الارتفاع في الشيء، وتجاوزُ الحدّ فيه. [١] قال ابن فارس: "الغين واللام والحرف المعتل: أصل صحيح يدلّ على ارتفاعٍ ومجاوزة قدر، يقال: غلا السعر يغلو غلاءً، وذلك ارتفاعه، وغلا الرجلُ في الأمرِ غلوّاً إذا جاوز حدّه". [٢]

وقال الجوهريّ: "وغلا في الأمر يغلو غلوّاً، أي: جاوز فيه الحدّ". [٣]

وقال ابن منظور: "أَصلُ الغَلاء الارتفاعُ ومُـجاوَزة القَدْرِ في كلِّ شيء، وغلا في الدين والأمر يغلو غلوّاً: جاوز حدّه". [٤]

ومنه اشتقاق الشيء الغالي؛ لأنّه قد ارتفع عن حدود الثمن. [٥]

والغلوّ في الاصطلاح: عرّف العلماء الغلوّ في الاصطلاح بتعاريف متّفقة من حيث الجملة مع التعريف اللّغويّ الذي سبق ذكره، ومحصّلتها أنّ الغلوّ: مجاوزة الحدّ المشروع في الدين، بالاعتقادات أو الأقوال أو الأعمال.

عن ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ: (هَاتِ، الْقُطْ لِي، فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ، فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ في يَدِهِ، قَالَ: بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ في الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الغلوّ في الدِّينِ). [٦] قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: "الغلوّ مجاوزة الحدّ، بأن يزاد في الشيء، في حمده أو ذمّه، على ما يستحقّ، ونحو ذلك". [٧]

وقال أبو بكر الجصٍّاص: "هو مجاوزة حدّ الحقّ فيه".[٨]

وقال ابن حجر: "المبالغة في الشيء والتشديد فيه، بتجاوز الحدّ".[٩]

الغلوّ من خلال نصوص الكتاب الكريم والسنَّة النبويّة الشريفة، وكلام العلماء

قال تعالى:

﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا في دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾ سورة النساء - الآية (171) .



البنية الفكريّة للغلاة

مهما تحدّثنا عن الأسباب التي تدفع في اتجاه الغلوّ، ومهما تحدّثنا عن التنوّع في المنهجيات التي يعتنقها الغلاة، إلّا أنّ من الثابت أنّ هناك بنية فكريّة يحملها جميع الغلاة على نسب متفاوتة، وهذه البنية تتحكّم في نوعيّة امتصاص الأخبار والمعلومات، كما تتحكّم في نوعيّة معالجتها والبناء عليها واتخاذ المواقف على أساسها.

نعني بالبنيّة الفكريّة مجموعة المبادئ ومجموعة الخطوط العريضة التي توجّه التفكير لدى الغلاة، والتي ينطلقون منها في نقد غيرهم وتوضيح أوجه التباين معه. إنّ البنية الفكريّة المعنيّة هنا لا تتشكّل في يوم وليلة، ولا تنشأ في فراغ معرفيّ وتربويّ واجتماعيّ، ولهذا فإنّ ممّا يجانب الصواب في نظرنا تلك التحليلات المستعجلة التي يطلقها بعض الباحثين في توصيف ظاهرة الغلوّ وما يتّصل بها من التطرّف والإرهاب. إنّ الحديث عن البنية الفكريّة للغلاة في كتاب موجز سيكون بالطبع مختصراً وموجزاً، ولعلّي أتحدّث هنا عن أهمّ الملامح التي تميّز العقليّة التي يحملها الغلاة، وذلك عبر المفردات التالية:

1- الخلفيّة الاجتماعيّة:

تدلّ العديد من المشاهدات على أنّ الغلوّ وما يترتّب عليه من سلوكيّات متطرّفة وعنيفة هو ظاهرة ريفيّة أكثر من أن يكون ظاهرة مدنيّة حضريّة، وهذا من الناحية الاجتماعيّة والثقافيّة مفهوم تماماً، لأنّ البنية العامّة للعقليّة في الريف تميل إلى البساطة والنمطيّة، والتنميط يجعل الدخول إلى عقول الشباب وإغواءهم أسهل، على ما هو معروف، ومن الثابت تاريخيّاً انقياد ألوف الناس لشخص واحد، يؤمنون بإيمانه ويرتدون بردته، وفي إفريقيا على سبيل المثال شهدنا في العصر الحديث دخول قرى وقبائل بأكملها في الإسلام بسبب إسلام رؤسائها، وهذا ما لا يمكن أن نشهده في أمريكا أو أوربا أو في أيّ عاصمة عربيّة. في المدن والحواضر يكون المجتمع عبارة عن خليط من أجناس وفئات وأطياف مختلفة، وهذا يولّد ثقافات وعقليّات مركّبة، حيث إنّ التنّوع يعلّم الناس التعايش مع المختلف، كما يعلّمهم التفاوض والتسامح والتنازل والتكيّف، بالإضافة إلى أنّه يدرّب الناس على الإيمان بنسبة كثير من الحقائق والأفكار، وهذا كلّه يعمل ضدّ الغلوّ والتطرّف. علينا أن نضيف إلى القرى والبوادي المدن الجديدة، وتلك الأحياء التي تنشأ على أطراف المدن العريقة، فسكّانها سيحملون إلى عقود من الزمان الخلفيّة القرويّة والبدويّة التي أشرنا إليها. هذا لا يعني البتّة ألّا يكون بين الغلاة من هم من أبناء الأسر العريقة في مدنيّتها، فنحن هنا نتكلّم عن قواعد مرنة، كما أنّنا نتكلّم عن نسب ليس أكثر، وهذا كلّه يعني أنّ الغلوّ باعتبار ما هو ذيل من ذيول التخلّف الحضاريّ.[١٠]

٢- الافتقار إلى النظرة الموضوعيّة:

لو تأمّلنا في طروحات الغلاة ومقولاتهم لأدركنا بسرعة أنّ لديهم مشكلة في طريقة التفكير، على مستوى تحليل الواقع وعلى مستوى ردّة الفعل والعلاج، وإنّ ما تعانيه الأمّة اليوم من الغلوّ والغلاة يتعلّق بموضوعات شائكة للغاية، وذلك مثل السياسة الداخليّة للحكومة والعلاقات الدوليّة وبعض الخطط الإصلاحيّة، ومسائل مكافحة الفساد، والتسويات السياسيّة... وهذه موضوعات تتّصل بالشريعة، كما أنّها تتّصل بالسياسة والإعلام والعلاقات الدبلوماسيّة، كما أنّ هذه القضايا الشائكة كثيراً ما يكون التعامل معها وفق فقه الممكن والمستطاع، وعلى أساس الموازنة بين المصالح والمفاسد والنظر في فقه المآلات، والتعامل معها يقتضي درجة من الثقافة الموسوعيّة، وهذا كلّه مفقود لدى الغلاة بسبب المستوى الثقافيّ المتدنيّ لمعظمهم، وبسبب انعدام الخبرة بالحياة؛ إذ إنّ معظمهم أحداث الأسنان، وخذ على سبيل المثال مقولتهم الشهيرة: ألا يفتي قاعد لمجاهد حيث إنّهم يعتقدون أنّه لا يؤخذ إلّا قول أهل الثغور من المجاهدين في نوازل الجهاد ومستقبل الأمّة وأمورها الجسام، وقد يستشهدون في هذا بقوله تعالى :{{أخضر| ﴿لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ قالب:سورة النساء : (95). إنّ مقولة: لا يفتي قاعد لمجاهد ليست من بين القواعد الفقهيّة التي عليها أهل العلم، كما أنّه لم يتحدّث أحد عن أنّ من شروط المفتي أن يكون مجاهداً أو مرابطاً على ثغر، وإنّ أقوال الأئمّة الأربعة في الجهاد تعدّ منارات تهتدي بها الأجيال، مع أنّ أيّاً منهم لم يكن منخرطاً في صفوف المجاهدين. إنّ الرؤية الأحاديّة لدى الغلاة جعلتهم يخبطون خبط عشواء حين ظنّوا أنّ المرء بمجرّد أن يكون مجاهداً يصبح عارفاً بالواقع وعارفاً بمواقف الحكومات والدول ومشروعاتها الاستراتيجيّة ومدى تداخل الملفّات الإقليميّة على أرض الجهاد... وهذا لا يقول به أيّ مثقّف أو طالب علم يعرف قيمة التخصّص وصعوبة فهم الواقع والمؤثّرات فيه.

الغلاة ليس لديهم مراجع علميّة إلّا من الدرجة الثالثة أو الرابعة، ومع هذا فإنّهم يعتمدون أقوالهم، ويغضّون الطرف عن كلّ ما يقوله علماء الأمّة الثقات في سائر الأقطار، وما ذلك إلّا لضعف قدرتهم على تكوين الرؤية الشاملة والمقارنة بين الأقوال والأدلّة بالإضافة إلى التعصّب الأعمى لكّل من يوافقهم في أهوائهم، بقطع النظر عن مكانته العلميّة!

٣- تقديس القوّة:

لا أحد يقول: إنّ الضعف خير من القوّة، لكنّ الكلام هنا عن المراد بالقوّة، فالعالم كلّه اليوم يتحدّث عن قوّة السياسة، وقوّة التعليم، وقوّة الاقتصاد، وقوّة التنظيم، والخوارج ومن يدور في فلكهم من المتطرّفين لا يتحدّثون إلّا عن القوّة العسكريّة، والعنصر البشريّ القادر على بذل روحه رخيصة من للنكاية بأعدائه. لو نظرنا في تاريخ الإسلام لوجدنا أنّ قوّة براهينه بالإضافة إلى سموّ القيم والنزعة الإنسانيّة التي تحلّى بها أسلافنا هي التي جعلت الأذان يعلو في كلّ مكان من الأرض، وتدلّ بعض الدراسات على أنّ إدخال الجزيرة العربيّة في الإسلام لم يكلّف في زمان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هدم المدن، ولا جعل الدماء تسيل كالأنهار، إنّ مجموع قتلى المسلمين في زمانه لم يصل إلى الخمسمائة، أمّا قتلى المشركين فلم يصلوا إلى ألف وثلاثمئة، وهذا يدلّ على أنّ استخدام القوّة المسلّحة لم يكن هو الأساس في هداية الخلق، وإخضاع الأعداء، وإنّما كان الاعتماد على جاذبيّة الإسلام، وعلى التفاوض ورعاية المصالح المشتركة، وقبل هذا وذاك أخلاق الرحمة والشفقة، والعدل والإحسان والبرّ التي تحلّى بها المسلمون الأوائل.

إنّ سباق الغلاة خلف القوّة العسكريّة جعلهم قريبين من اليهود في حركتهم العالميّة، حيث إنّهم يعتمدون في فلسطين على البلطجة المسلّحة، ويتحالفون مع الأقوى دون أيّ اعتبار أخلاقيّ، وإنّ الذي ينظر في التوراة يجد أنّها تمجّد القوّة، وتهتمّ اهتماماً واسعاً بالحروب، حتّى إنّها لتأتي على أعداد القتلى والأسرى، كما أنّها تطفح بأخبار إحراق المدن بما فيها من إنسان وحيوان وبساتين، بالإضافة إلى ردم الآبار ودفن عيون الماء...
المشكل أنّ الغلاة لا يصنعون الأسلحة، وإنّما يحصلون عليها عن طريق الشراء من قبل جهات مختلفة بعضها يدّعي الغلاة أنّهم منخرطون في حرب معها، كما أنّ الواحد منهم حين يتجرّد من السلاح يصبح غير ذي قيمة ولا فاعليّة له.
الغلاة لا يدركون أنّ صراعنا مع الأعداء على اختلاف ألوانهم ليس صراعاً عسكريّاً محضاً، بل إنّ العالم لا يلجأ اليوم إلى استخدام السلاح إلّا عند الضرورة القصوى، وذلك لأنّ الأمم المتقدّمة تتسابق في تثبيت نفوذها عن طريق جعل بلادها ومنتوجاتها الثقافيّة والماديّة جذّابة للآخرين، على أساس قيادة الشعوب من خلال رغباتها وطموحاتها وحاجاتها، وليس عن طريق تهشيم رؤوسها، كما يفعل بعض الخوارج اليوم.

إنّ التفنّن في قتل الأسرى إحراقاً وإغراقاً وجزّاً للرؤوس قد بلغ حدوده القصوى في التعبير عن قهر وإذلال الخصوم، عن طريق القوّة الخشنة، على حين أنّ العالم اليوم يستخدم على نحو أساسيّ القوّة الناعمة المتمثّلة في الاقتصاد والنماذج الملهمة والتربية والتعليم والإعلام وجاذبيّة أسلوب العيش. سوف يدرك الغلاة ولو بعد حين أنّ تعشّقهم للقوّة المسلّحة واستخدامهم المفرط لها داخل بلاد المسلمين لن يمكّن لهم في الأرض، ولن يجعلهم سادة العالم؛ كما أنّه لن يساعدهم على بلوغ أهدافهم أيّاً كانت تلك الأهداف، فنحن ننظر إلى الصراع العالميّ على أنّه صراع أفكار ومنتجات ونفوذ، وإنّ اللجوء إلى العنف في حال كهذه، لا يعبر إلّا عن الإفلاس الثقافيّ والقصور الذهنيّ!

4 - العجلة في إطلاق الأحكام:

هذه السمة من أهمّ سمات الغلاة، لأنّها أوقعتهم في مأزق كبير جدّاً، هو الحكم على الناس بالكفر والردّة بسهولة بالغة! أنا دائماً أقول: إنّ التفكير السطحيّ هو عبارة عن تعامل الشخص مع قضاياً معقّدة بأفكار وأساليب وأدوات بسيطة، والذي يدفع إلى ذلك هو الجهل وضعف الخبرة، وقد أشرت إلى أنّ نبيّنا ذكر من صفات الخوارج أنّهم سفهاء الأحلام أحداث الأسنان، فلا رجاحة في العقل، ولا علم ولا خبرة، وقد قتل الغلاة والخوارج في سوريّة والعراق ومصر وغيرها من بلاد المسلمين آلاف الأشخاص بسبب إصدار الحكم عليهم بالكفر والردّة، لأّنّهم بزعمهم يوالون الكفّار، أو يستعينون بهم، أو لأنّهم لا يحكمون بما أنزل الله تعالى، مع أنّ مسألة تكفير شخص بعينه من الأمور التي ورد فيها التحذير الشديد على نحو ما نجده في قوله: "أيّما رجل قال لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما"، وقوله: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر". المسارعة إلى الحكم على شخص محدّد بأيّ حكم مخالف للشرع، ومخالف للعقل؛ فنحن نقول: من مرّ في طريقه إلى عمله بشخص يحتاج إلى إسعاف وجب عليه إسعافه، لكن حتّى نحكم عليه بالخطأ لأنّه لم يسعفه، نحتاج إلى معرفة ظروفه، فقد يكون معه امرأة في حال مخاض، وتحتاج إلى إسعاف أسرع وأهمّ، أو حتّى لا تفوته الرحلة بالطائرة، وقد تكون له تجارب سيّئة مع الحالات الإسعافيّة، وقد وقد... ولهذا فإنّ علماء المسلمين قد وضعوا الكثير من الشروط لتكفير شخص بعينه، والغلاة لا يعرفون شيئاً من تلك الشروط، ولا يعبؤون بها!

5- بيئة للظنون والأوهام:

يشكّل الغلوّ بمفاهيمه وعقول رجاله وطموحاتهم وتصوّراتهم ... بيئة خصبة للظنون السيّئة في المسلمين والاعتقادات الحسنة بالنقاء والطهر الشخصيّ، وبيئة خصبة للأوهام من كلّ الأشكال! إنّ الفهم الطفوليّ للعالم والواقع والفهم السطحيّ للصراعات الدوليّة ورهانات النفوذ الإقليميّة، إنّ كلّ ذلك يدفع الغلاة والخوارج على تنوّع أشكالهم إلى مغامرات مستمرّة لتحقيق أحلام مستحيلة، وهذا هو دأبهم من فجر الإسلام وحتّى يوم الناس هذا، بل إنّ ذلك سيستمرّ حتّى آخر الزمان، فقد ورد عنه قوله في الخوارج: كلّما طلع منهم قرن قطعه الله، بل حتّى يخرج في بقيتهم الدجّال. الخوارج يظنّون أنّهم بحبّهم للشهادة، وباستبسالهم وإقدامهم يستطيعون إقامة الممالك والولايات والإمارات في طول الأرض وعرضها، ولهذا نجدهم في السنوات الأخيرة قد أدمنوا الإعلان عن ولاياتهم وإماراتهم في العديد من الدول الآسيويّة والإفريقيّة، على مبدأ من يعتقد اعتقاداً جازماً بأنّه قادر على إقامة إمبراطوريّة ممتدّة الأرجاء، مع أنّ هذا في ظلّ الدولة القطريّة والتحالفات الإقليميّة بات من المستحيلات، وحين حاولت ذلك دولة عظمى كالولايات المتّحدة في لبنان والصومال وغيرهما، تكبّدت خسائر فادحة، وارتدّت على أعقابها، مشكلة الادعاءات الطويلة، والأوهام العريضة تظلّ تعصف بالخوارج أينما اتّجهوا، لكنّهم يراهنون من خلالها على جذب بعض الشباب ذوي المعرفة المنخفضة والحماسة العالية. وقد بات من الواضح أنّ جهل الإنسان بالبيئة التي يتحرّك فيها، والجهل بعناصر المقاومة والمنافسة، تشكّل له الكثير من الإخفاقات والمتاعب، ولكن أين من يعقل هذا بين الخوارج؟ من المعروف أنّ القاعدة هي من تمّ اتّهامه باستهداف برجي التجارة العالميّة في نيويورك، وقد سمعت بعض من يروّج لفكر القاعدة وهو يشرح الفلسفة النظريّة التي قامت عليها الواقعة، حيث يرى أنّ أمريكا هي العدوّ الأوّل للإسلام والمسلمين، وأنّ قوّة أمريكا تكمن في اقتصادها، وأنّ برجي التجارة يشكّلان الرمز الأهمّ للاقتصاد الأمريكيّ، فإذا هدم ذلك الرمز انهار الاقتصاد الأمريكيّ! تمّ فعلاً هدم الرمز، ودفعت شركات التأمين ثمن إقامة بديل جديد عنه، ولم تفلس لا أمريكا ولا شركات التأمين فيها، ولكن تمّ تدمير العمل الخيريّ في عدد من الدول الإسلاميّة، وإسقاط حكومتين في بلدين مسلمين!

6- النظرة المثاليّة:

شيء جيّد أن يتحلّى الإنسان بشيء من المثاليّة، بل إن كلّ القيم النبيلة والأخلاق الفاضلة تتسّم بشيء من التعالي على الواقع العامّ، ويحتاج التحلّي بها إلى قدر من المثاليّة ومجاهدة النفس، لكنّ الجرعة الزائدة من المثاليّة تبعد الإنسان عن الواقع وتجعله صاحب نظرات ونظریّات مرهقة ومتعسّفة، وهذا يتنافى مع سماحة الإسلام الذي يحرص كلّ الحرص على مراعاة الطبيعة البشريّة وما فيها من نقاط ضعف وهشاشة والتباس...

أستطيع القول إنّ: الإيغال في المثاليّة ينتج عنه شيئان: الضلال في الأحكام، والعجز في الأفعال؛ لأنّ الشخص المثاليّ لا يرى الأشياء على حقيقتها، ومن ثمّ فإنّ حكمه عليها وتعامله معها يظلّ دائماً خارج النطاق الموضوعيّ وخارج الاستطاعة والمكنة.

الغلاة والخوارج والمتطرفون كلّهم على اختلاف وجهاتهم وانتماءاتهم مصابون بما يمكن تسميته: المثاليّة الفجّة، أو المثاليّة المتعسّفة، إنّهم ينظرون إلى المسلمين على أنّهم مثاليّون في فهم الدين والامتثال لأمر الله تعالى ومخالفة أهوائهم، وهذا هو الذي دفع الخوارج في الحقيقة إلى القول بكفر مرتكب الكبيرة، مع أنّ هذا مصادم على نحو صارخ لقول الله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً﴾ سورة النساء: (48). والأخذ بالكتاب بقوّة، وهذا واضح في قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ سورة فاطر: (32).

والنظرة المثاليّة هي التي حيّدت فقه الموازنات بين المصالح والمفاسد من معادلات الخوارج، ومن ثمّ فإنّهم ينظرون إلى التفاوض والتواصل مع غير المسلمين على أنّه نوع من الولاء لهم، مع أنّ التفاوض مع الأعداء لتجنيب المسلمين بعض الكوارث والمصائب، يتجاوز في بعض الأحيان منطقة الجائز إلى منطقة الواجب، والغريب أنّ خوارج عصرنا يستخدمون النظرة المثاليّة عند الحكم على غيرهم، وحين ينظرون في مصالحهم فإنّهم يبيحون لأنفسهم ما حرّموه على غيرهم، ويعدّون ذلك من باب الذكاء والخديعة والدهاء والمكر، وهذه انتهازيّة ونفاق ليس أكثر! للغلاة نظرة مثاليّة إلى أساليبهم ووسائلهم وإمكاناتهم الخاصّة على مقدار ما لديهم من استهانة بإمكانات الآخرين وقدراتهم، ولهذا فإنّهم طالما صرّحوا بأنّهم يريدون تغيير عادات وأخلاق وأذواق وطموحات شعوب بأكملها، ولكن من خلال أساليب بدائيّة وأدوات متقادمة متجاهلين ألوف البحوث والدراسات التي كتبها علماء الإنسان حول الطبيعة البشريّة وصعوبة التعامل معها، هذا لأنّ الغلاة يثقون ثقة عمياء بقدرة الضغط والإكراه والترهيب على تغيير مسار الناس؛ وهذا من ضحالة التفكير وسوء التقدير. للغلاة أيضاً نظرة مثاليّة لقياداتهم، فهم يعاملونهم كما ينبغي أن يعامل المعصوم الذي لا يخطئ، وأيّ طاعة عمياء أعظم من أن يفجّر الواحد منهم نفسه في جمع من المسلمين، بناء على أمر من شخص قد يكون مجهولاً لديه جهالة شبه تامّة! إن مثاليّة الخوارج ألقت على عيونهم وقلوبهم العديد من الأغشيّة مما يجعلهم أشبه بالطائر الذي يبيض في غير عشه أو السفينة التي فقدت اتجاهها في أعماق المحيط!

البنية النفسيّة لدى الغلاة:

لا بدّ من القول: إنّ لدى الإنسان صلة وثيقة جداً بين بنيته الفكريّة ورؤيته للعالم، وطريقة تفسيره للأحداث، وبين عواطفه ومشاعره، وقد أثبتت كثير من الدراسات أنّ العلاقة بين الأفكار والعواطف هي التأثير المتبادل: البنية الفكريّة تولّد الكثير من المشاعر والعواطف المنسجمة معها، والعواطف والمشاعر تضغط على البنية الفكريّة لدينا، كي تنتج الأفكار التي تشرح منطقيّة مشاعرنا وعواطفنا، وممّا لا يخفى أنّ تصوّراتنا عن شخص ما قد تجعلنا نحبّه ونحترمه ونتعاطف معه، كما أنّها قد تجعلنا نكرهه ونزدريه، ونقف ضدّه، كما أنّه لا يخفى أنّنا حين نحبّ شيئاً نبحث عن ميزاته وفضائله، وحين نبغض شيئاً آخر قد نبحث عن عيوبه وسلبيّاته.

النفوس المأزومة تدفع الدماغ في اتجاه إنتاج الأفكار السوداويّة المتشائمة، كما تدفعه في اتجاه إنتاج أفكار الثأر والانتقام، وإنّ الانحراف الفكريّ الموجود لدى الغلاة يولّد لديهم الكثير من مشاعر الضيق والغضب والتعصّب والقلق، وهذا كلّه يعني أنّ أيّ تحسّن يطرأ على عمليّات التفكير وخطوط الرؤية سينعكس على الحال النفسيّة والشعوريّة للمرء، كما أنّ تحسن الحال النفسيّة والشعوريّة يحفز الدماغ على إنتاج الأفكار الإيجابيّة.
ملاحظات حول البنية النفسيّة للغلاة:

١- الانحراف الفكريّ

أوّلاً: علينا أن نقول: إنّ الغلوّ وما يتطوّر إليه من تطرّف وعنف وتدمير ليس نتاج شخصيّة محدّدة، بمعنى أنّه ليس هناك شخصيّة يمكن أن نسميها الشخصيّة المتطرّفة، التطرف منهج فكريّ أكثر من أن يكون حاجة نفسيّة، حيث ينغلق الغاليّ والمتطرّف على مجموعة من الأفكار، ويتعصّب لها إلى درجة أنّه لا يقبل أيّ مناقشة أو نقد لها، ويعقب هذا تطرّف انفعاليّ من خلال توجّه مشاعر الشخص المتطرّف، وانفعالاته نحو أشياء محدّدة، وتنتج هذه المشاعر والانفعالات في نهاية الأمر سلوكاً متطرّفاً، يختلف في شدّته وعدوانيّته من شخص إلى آخر.

٢- الإحباط:

يعتقد معظم الغلاة أنّ أمّة الإسلام مظلومة، وأنّهم على رأس قائمة المظلومين والمضطّهدين، كما يشعرون أنّ مطالبهم السياسيّة والاجتماعيّة مشروعة وبسيطة وبدهيّة، ولهذا فإنّ عدم الاستجابة لتلك المطالب يجعلهم يشعرون بالقلق والتوتّر الشديد، ممّا يسهّل عليهم الخروج على القوانين السائدة، وكسر الأعراف الاجتماعيّة، والاستهانة بأقوال وفتاوي المرجعيّات الدينيّة.

۳- الشعور بالنقص:

مشاعر العجز والدونيّة والنقص كثيراً ما تهيمن على الشخص الغالي والمتطرّف، لأنّ معظم الغلاة هم ممّن لم ينالوا الحظّ الأوفى من التعليم، وهم في الغالب في أسفل السلّم الاجتماعيّ، ولهذا فإنّ المتطرّف يندفع من باب تعويض النقص إلى القيام بأعمال تدميريّة مخيفة يثبت من خلالها ذاته وقدرته على فعل ما يعجر عنه الكثيرون، ويمدّه ما لديه من قصور فكريّ بما يسوّغ ذلك، حيث يعتقد أنّ تفجير نفسه أو قتل فلان أو فلان هو خطوة مهمة على طريق تحقيق النصر وصلاح العالم!

4- تقليد القاهر:

يشعر معظم الغلاة ولاسيّما أولئك الذين يقومون بأعمال عنيفة، بأنّهم مقهورون مظلومون، مغلوبون على أمرهم، وقد ذكر ابن خلدون في مقدمته فكرته الذائعة عن نفسيّة الإنسان المقهور، حيث قرّر أنّ المغلوب مولع أبداً بتقليد الغالب، والاقتداء به، في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده. وقد كان من المتوقّع أن يكون بين الظالم والمظلوم تباین شديد، وتباعد في الموقف والسلوك، وهذا ما يقتضيه المنطق والفطرة السليمة، وهذا صحيح فيما لو كانت العلاقة بين القاهر والمقهور علاقة الكره والرفض، لكنّ الحقيقة هي أنّ المقهورين يحملون في أنفسهم مشاعر مختلطة ومتناقضة تجاه الذين قهروهم، إنّهم يحملون مشاعر الكره والإعجاب معاً، الكره بسبب الظلم، والإعجاب بسبب ما يرونه فيهم من القوّة والتمكّن وسعة الحيلة، وهذا ما نجده بالضبط في السلوك العام لما يسمّى بتنظيم الدولة الإسلاميّة والقاعدة، ومن سلك سبيلها، حيث إنّ كثيرين منهم قد تذوّقوا طعم القهر وكسر الإرادة والإذلال المهين، من خلال ألوان العذاب الذي تمّت عليهم في سجون بعض الدول، وها هم اليوم يمارسون قطع الرؤوس والحرق، وكلّ فنون التعذيب لمخالفيهم ومن يقعون في قبضتهم، وبعض هؤلاء من المتديّنين الملتزمين بأحكام الشريعة بحسب المقاييس الشرعيّة.

5- هشاشة عامّة:

معظم الغلاة الذين اندفعوا في طريق العنف، هم من صغار السنّ والشباب عامّة، إذ تشير بعض الدراسات إلى أنّ أعمارهم هي في الغالب بين (16 -29) سنة، حيث الخبرة الفجّة والاستقرار النفسيّ الهشّ، ولهذه الهشاشة عدد من العلامات التي لا تخطئها العين، ومن تلك العلامات:

  • - السرعة والعجلة في إصدار الأحكام على الأشخاص والأحداث، والتاريخ البعيد والقريب حافل بهذا، فالعقليّة السطحيّة -كما أشرت من قبل- تدفع في اتجاه تبسيط الأمور والتعامل مع الأشياء المعقّدة بأفكار وأدوات بسيطة.
  • - الشكّ في الآخرين واتّهامهم وإدانتهم إلى الحدّ الذي يجعلهم يتّهمون مجتمعات وتجمّعات إسلاميّة كبيرة بالكفر والردّة والعمالة والخيانة، وصار الشرفاء المستقيمون في نظرهم هم الاستثناء!
  • إنّ هشاشة الفكر لدى الغلاة تغذّي هشاشة التنفّس، وتقوم هشاشة النفس بالدور نفسه، ممّا يجعل الغلاة في أمسّ الحاجة إلى الإصلاح الفكريّ والدعم النفسيّ.

6- ضيق دائرة الانتماء:

حين يشعر المرء بأنّه ينتمي إلى أمّة أو وطن أو حضارة، فإنّ آفاق روحه وعقله تكون متّسعة، ويكون أميل إلى الانفتاح وتفهّم التنوّع، هذا هو شأن الأسوياء في كلّ زمان ومكان، أمّا الغلاة والمتطرّفون فإنّهم ليسوا كذلك، حيث إنّهم يشعرون أنّ أفكارهم ليست مقبولة لدى الوسط الاجتماعيّ الذي يعيشون فيه، كما يشعرون أنّ أُسَرَهم ومجتمعاتهم قد جانبت الحقّ والصواب في كثير من شؤونها، وهذا يدفعهم إلى الانكفاء على أنفسهم، وتضييق دوائر علاقاتهم وعدم البوح بأفكارهم إلّا لمن يعتقدون أنّه يتقبّلها، ويتفاعل معها، وحين يبدأ المتطرّف في مباشرة بعض الأعمال العنيفة، فإنّ عزلته وانسحابه من المجتمع يصبحان من الحاجات الأمنيّة الملحّة. حين تضيق دائرة الانتماء لدى أيّ إنسان، وينحصر في جماعة محدّدة فإنّ من المألوف أن يشتدّ ولاؤه لها وخوفه عليها، وهذا يبعث على التعصّب ورفض أيّ نقاش حول ما منحه ولاؤه وثقته، وهذه الحال النفسيّة يقع فيها أحياناً بعض أتباع الطرق الصوفيّة، حيث يستمتع المريد بعزلته ومخالفة المجتمع لآرائه ومعتقداته.

7- الشعور بالحصار:

يشعر كثير من الغلاة بأنّهم محاصرون حصاراً شديداً، من قبل عدد من الأطراف، محاصرون من قبل الحكومات، ومن قبل التيّار الإسلاميّ المعتدل ومن قبل التيّار الليبراليّ والتيّار اليساريّ، بل من قبل كثير من عامّة الناس، وهذا الشعور يجعل المتطرّف يتعامل مع ذلك الحصار على أنّه تحدّ تجب مواجهته بالسبل كلّها، ولو كلّفه ذلك حياته وأمنه. شعور الغلاة بالحصار يقوّي الرابطة بينهم إلى درجة الإيمان بأنّهم يشكّلون تيّاراً معتبراً، يملك الصواب والنقاء والترفّع عن المصالح والشهوات، لكن هذا لا يعني أنّ الغلاة ينعمون بمشاعر الطمأنينة، والدليل على هذا أنّ أعداداً معتبرة منهم تتراجع عمّا انزلقت إليه من مواقف خاطئة.

8- الشعور بالاستعلاء:

لدى الغلاة شعور بتمجيد الذات، يصحبه شعور بالاستخفاف بالآخرين، وهذا الشعور منتج طبيعيّ للانحراف الفكريّ الذي لديهم، حيث إنّ البيئة التي يعيش فيها الغلاة محرومة من النقد الذاتيّ والتفكير النسبيّ، وذلك لأنّ قيادات الغلاة تراهن على جهل الناس، وانخفاض درجة وعيهم، ولهذا فإنّهم يعتمدون البيعة في العلاقات التنظيميّة بينهم، فعن طريق البيعة تصبح طاعة الأمراء والقيادات واجبة، وتصبح مناقشتهم أشبه بالاعتراض عليهم ونزع اليد من بيعتهم.

يأتي شعور الاستعلاء لدى الغلاة من حسن الظنّ بالنفس، وسهولة الحكم على الآخرين بالكفر والردّة والخيانة والتفريط بمقدّرات الأمّة، بالإضافة إلى أنّ المعروف عن الخوارج الأول هو كثرة التعبّد، وتجويد أداء الشعائر على نحو ما أشار صلّى الله عليه وسلّم إليه في قوله: « «يَحْقِرُ أَحَدَكُمْ عَمَلَهُ مِنْ عَمَلِهِمْ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا خَرَجُوا فَاقْتُلُوهُمْ، ثُمَّ إِذَا خَرَجُوا فَاقْتُلُوهُمْ، ثُمَّ إِذَا خَرَجُوا فَاقْتُلُوهُمْ، فَطُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ، وَطُوبَى لِمَنْ قَتَلُوهُ» [١١] وخوارج اليوم عندهم المشاعر نفسها، ولم لا! وهم يرون رفاقهم يفجّرون أنفسهم في الأعداء من أجل ما يعدّونه أهدافاً ساميّة! شعورهم بالكبر والغرور سدّ عليهم أبواب النصح، حيث يشعر كلّ من يخالطهم بأنّه لا فائدة من حوارهم، ولا يمكن الوصول معهم إلى شيء. إنّ الحديث عن ظاهرة الغلوّ حديث ذو شجون وله ذيول، وقد حاولت أن أتناول الأمور الأساسيّة منه؛ وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق.

أسباب ظاهرة الغلوّ

إنّ إدراك أسباب الغلوّ مهمّ جدّاً في التشخيص والعلاج. ويبيّن أنّ الإصابة بداء الغلوّ إصابة معقّدة، وهي أشبه بالإصابة بالمرض الخبيث، حيث إنّ المواد المسرطنة تفوق الحصر، ولكن وجودها في حياة أيّ إنسان ليس كافياً لإصابته بالسرطان، مالم تكن لديه القابليّة والاستعداد لذلك.

وأضيف: إنّ الفقر والظلم والتعذيب والتربية القاسية والفهم الخاطئ للواقع والشريعة، كلّ واحد من هذه الأمور قد يكون كافياً بمفرده لتحويل شخص متديّن إلى متطرّف، لكنّها مجتمعة لا تستطيع تحويل كلّ متديّن إلى غالٍ أو متطرّف.
إذن فالحديث هنا عن أسباب عامّة من الصعب ربط أشخاص أو أوضاع معيّنة بها على نحو آليّ.

أوّلاً: الجهل بالشريعة

ومن دلائل هذا الجهل:

الجهل المركّب

ظاهرة نصف طالب علم، الذي يملك بدايات وقشوراً علميّة، فيوهم نفسه ويوهم غيره بأنّه عالم، فيخبط المسائل الكبار، ويخرّب العقول والنفوس دون الشعور بأيّ حرج، أو يدرك الحقائق بشكل مختزل أو سطحيّ فيتكون منه جاهل مركّب، وهو في إفساده أكبر بكثير من الجهل البسيط.

الجهل بمقاصد الشريعة

التي هي الغايات الكبرى من حفظ الدين والنفس والعقل والنسب والمال، التي تستهدف الشريعة تحقيقها والحفاظ عليها، من خلال أحكامها وتوجيهاتها العامّة، والغلاة من أجهل الناس بهذه المقاصد، لذلك يتسرّعون بإصدار الفتاوى في المسائل الكبيرة التي تهمّ الأمّة ومستقبلها.

غياب النظرة الفقهيّة المقارنة

فالمقارنة هي أمّ كلّ العلوم، والمشكلة المنهجيّة الكبرى عند الغلاة، أنّهم لا يثقون بعلماء الأمّة، ويعودون في الفتوى وتشخيص الواقع إلى عدد محدود جداً من طلّاب العلم المغمورين غالباً، والذين يفكّرون بطريقة واحدة، ويملكون خرائط ذهنيّة للواقع شبه موحّدة.

تقديم مشاعر الغيرة على الوعي الفقهيّ

فالغلاة يزعمون أنّ لديهم غيرة على الأمّة ومقدّراتها، وعلى أعراض المسلمين وأموالهم، لكنّهم يفتقدون الوعي الفقهيّ الذي يهذّب هذه المشاعر ويدفعها في الاتجاه الصحيح، فالمشاعر عمياء، وهي تحتاج إلى قيادة من الشرع والوعي وفهم الواقع، وتقدير العواقب، وهذا ما يفتقر إليه الغلاة!

ضرب قيمة التسامح

ومن صوره: افتقار خوارج زماننا هذا إلى التسامح والعفو والرحمة، وقيامهم بتشويه صورة الإسلام وخصائصه، وتوجّههم نحو الغلظة والشّدّة والانتقام، ونقض المواثيق والعهود، وإعادة الرّق، والتفنّن في الإعدام والقتل، في مخالفة صريحة لهدي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

وساوس الطائفة المنصورة

فالغلاة يعتقدون بأنّهم هم الطائفة المنصورة، وذلك: لاجتهادهم في العبادة، واعتقادهم بأنَّ الكفّار متكالبون عليهم، وحكمهم على بقيّة المقاتلين بأنّهم صحوات مرتدّون، والحقيقة أنّهم أبعد الناس عن هذه الطائفة، فهم الطائفة المستدرجة والمبتلاة بمفارقة الجماعة، وتكفير المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم، ومخالفتهم هدي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.


ثانياً: القصور الفكريّ

لدى الغلاة مشكلة تتمثّل في أنّ عتادهم العقليّ هو الوساطة التي يفهمون من خلالها الشريعة، ويدركون بها الواقع، وينظّمون ردود أفعالهم على التحدّيات الماثلة، ومن ظواهر مشكلاتهم الفكريّة ما يلي:

غياب الفكر الوسطيّ

المتمثّل في قيم الحوار، وتقبّل الاختلاف، والتسامح، والتفهّم للخصوصيّات، والإيمان بالتغيير المتدرج، والإصلاح السلميّ.

التخلّف الحضاريّ

والمتمثّل في:

  • .1 التفكير الحدّيّ القاطع الذي يقسّم الناس إلى قسمين: معنا أو ضدّنا.
  • .2 تقديس القوّة، والنظر إليها على أنّها هي الحلّ.
  • .3 تضخّم النظرة إلى الذات، والظنّ بأنّهم محور الكون.
  • .4 التفكير السطحيّ تجاه قضايا الأمّة.
  • .5 إضافة إلى الانغلاق، وضيق الأفق، والغرور، وضحالة المعرفة،

فكلّها من العناوين الأساسيّة لتجمّعات الغلاة وتكتّلاتهم.

الجهل بالواقع وسنن التغيير

الخوارج ينظرون لتغيير المجتمعات، وينظرون إلى ما يتطلّبه ذلك من التدرّج وتعدّد المراحل والانسجام مع أذواق الناس، وتنوّع التعامل فيها، بعين الاستخفاف، لذلك فإنّهم ينتقلون من فشل إلى فشل، ومن طامّة إلى أخرى.

المفاهيم المغلوطة

فإنّ فهم الأمور والمصطلحات الشرعيّة على غير وجهها هو البداية لتشكّل الفكر الخارجيّ والغالي عموماً، وتعقيدُ بعض المصطلحات وكثرة الشروط والاستثناءات في التعريفات ستُنتج باستمرار فرصة لسوء الفهم والانحراف الفكريّ.

  1. - تكفير من لم يحكم بما أنزل الله، فلا يفرّقون بين من يستحلّ الحكم بغير ما أنزل الله، وبين من يفعلها اتباعاً لهوى، أو إذعاناً للضغوط، أو من باب الإهمال، أو لدرء مفسدة أعظم.
  2. - تحويل البيعة الخاصّة إلى بيعة عامّة، فالغلاة يعمدون إلى شخص منهم فيبايعونه، ثمّ يحاولون إلزام جماهير المسلمين بما بايعوا عليه، وهذا من سوء فهمهم للبيعة، ومن افتئاتهم على الأمّة.
  3. الخلط في مفهوم الجماعة، فهم يخالفون أقوال العلماء كافّة في المراد بالجماعة، ويجعلون من أنفسهم جماعة المسلمين التي يجب الانحياز إليها، وتحرم مفارقتها.
  4. - الفهم الخاطئ للولاء والبراء، فمشكلة الغلاة عامّة والخوارج خاصّة أنّهم يكفّرون كثيراً من حكّام المسلمين وعلمائهم وقادتهم، بل عامّتهم بتهمة تولّي الكفّار، وعدم التبرّؤ منهم، فيجعلون المعاملة من باب الولاء والبراء، وهي ليست كذلك، كما أنّ الموالاة مراتب: منها ما يُخرج من الإسلام، ومنها ما لا يُخرج منه.

ثالثاً التشوّه الثقافيّ

والمراد به: التشوّه الذي يصيب الثقافة الاجتماعيّة، ومُلوّثات الجوّ العامّ في البلاد الإسلاميّة عامّة والعربيّة خاصّة، ومن مظاهر هذا التشوّه: أ_ التعصّب وهو ينطوي على العديد من المعاني: كالغلوّ في الانتماء، والتّسرع في إصدار الأحكام، واتّخاذ المواقف والسلوكيّات الحادّة والجازمة، والبعد عن الحقّ وأدلّته الواضحة إلى المتشابهات. وهناك علاقة جدليّة بين الخوارج والغلاة، وبين البيئة المغلقة المتعصبة التي يصنعونها لأنفسهم.

ب_ الإحباط الاجتماعيّ الذي يشكّل بيئة مثاليّة لليأس، فهو يُفقد المجتمع القدرة على التوازن والتفاؤل والوصول إلى الأهداف، ويدفع باتجاه ارتكاب أعمال عنف.

ج_ ثقافة النمط الواحد، ففي المجتمع النمطيّ يكثر التلقين، وتسود الحرْفيّة، وهاتان الصفتان موجودتان بقوّة في طريقة تفكير الغلاة، ومحاكمتهم الأمور.

د _ تقديس الماضي، فكثير من الغلاة والخوارج يعتقدون بأنّ الماضي أفضل من الحاضر في كلّ شيء، ولهذا فهم يتعاملون معه بعشوائيّة واضطراب شديدين، فيحاولون استعادته بحذافيره، دون أن يأخذوا العبرة منه، ودون النظر للواقع المعاصر، مع إهمال كبير للدروس المستفادة منه.

هـ _ الشوفونيّة الاجتماعيّة، وهي المغالاة في حبّ البلد أو الأمّة أو القبيلة أو العرق، وهذه المغالاة تقترن دائماً بالاستخفاف والاستهانة بما لدى الآخرين من إمكانات وميزات وعطاءات.

رابعاً التأزّم النفسيّ

الانحراف الفكريّ كما تقدّم يؤدّي إلى إنتاج مشاعر الإحباط والحقد والانتقام وسهولة الحكم على الناس بالردّة، وهذه المشاعر تدفع إلى التأزّم النفسيّ الذي نبحث فيه لبيان أسباب ظاهرة الغلوّ، وليس لتسويغ ما يعانيه الغلاة من اضطرابات نفسيّة، والتماس الأعذار لهم؛ ومن معالم هذا التأزّم: أ_ الشعور بالإهانة، فالإنسان يشعر بالإهانة عندما يُعتدى عليه، أو على بلده أو على رمز من الرموز التي يَعتزّ بها، وهذا يدفعه للانتقام ممّن أهانه فإن لم يستطع، فإنّه ينتقم ممّن يعتبرهم قريبين منهم أو متحالفين معه، وهذا ما يقع فيه الغلاة.

ب _ الشعور بالعجز عند الإخفاق في الوصول إلى أيّ هدف كبير، وهذا يحرّض الغلاة على ردّ الاعتبار لذاتهم بأيّ طريقة.

ج _ طلب التطهّر: كثيراً ما يقارن الشباب بين عامّة أهل زماننا وبين خواص أهل القرون المفضّلة، ورجالات السلف عموماً، وهذه المقارنة غير العادلة تجعلهم يشعرون بالذنب والتقصير، تجاه الواجبات والمتطلّبات الشرعيّة والأخلاقيّة، ممّا يدفع بعضهم للتخلّص من وخز الضمير بحسب نظرهم، بتقديم أنفسهم لقتال من لا يطبّق شرع الله، أو يتحالف مع الكفّار والمجرمين!

د _ البواعث الشخصيّة هي مجموعة من العوامل الخاصّة والدافعة إلى الغلوّ، ومجموعة من الحوافز المحرّضة على الإقدام على بعض الأعمال العنيفة الخالية من الإنسانيّة والأخلاق، وهذه العوامل متشابكة وغامضة، منها:

  • التخلّص من الفراغ الفكريّ والروحيّ والانكشاف الثقافيّ.
  • ضعف الأنا العليا: ويعني ضعف السيطرة على الغرائز والرغبات، كما يعني في الوقت نفسه التبعيّة للآخرين، والمضيّ خلف دعاة الغلوّ على وسائل التواصل الاجتماعيّ وغيرها.
  • فقد التوازن والاتّزان الشخصيّ في التعامل مع الأحداث: بمعنى أنّ ردود أفعالهم غير متناسقة مع الأحداث، بسبب خلل في إدراكهم لطبيعة ما يجري، ممّا يدفعهم إلى الالتحاق بركب الغلاة، على أمل أن يكون في ذلك الردّ المناسب على التحدّيات المماثلة.
  • الشعور بالنقص: وهذا يدفع الشباب إلى القيام بأعمال فظيعة، كي يقنع نفسه وغيره بأنّه قادر على فعل كلّ ما يفعله باقي الناس (كل ذي عاهة جبّار)!

خامساً: الأوضاع السياسيّة

ونحن نتحدّث عن أسباب الغلوّ، نشير إلى بعض الأوضاع السياسيّة التي تؤدّي إلى ظهور الغلوّ، ومنها:

.1 معاداة الدِّين

من خلال مهاجمة رموزه ورمزيّاته، ومن خلال الاستهزاء بأحكام الشريعة، وإبعادها عن الدساتير والقوانين، بالإضافة إلى عدم انضباط السلوك السياسيّ والتشريعيّ في معظم الدول العربيّة بآداب الإسلام وتعليماته، ممّا سهّل ظهور الغلاة القائلين بكفر الحكومات وردّتها، مستغلّين بعض النصوص المتشابهة، وأقوال بعض أهل العلم غير الناضجة.

.2 تهميش المرجعيّات

الذي نتج عنه حرمان الشباب من توجيه بعض أهل العلم المشهود لهم بالرسوخ، وعدم الثقة ببعضهم الآخر، وهذا أدّى بالشباب إلى أن يتّخذوا من بينهم من يفتيهم ويوجّههم، وهو لم يبلغ المنزلة التي تؤهّله لذلك.

.3 استخدام القوّة الباطشة

في السجون والمعتقلات، وهذا يدفع بعض السجناء إلى تكفير كلّ من قام بتعذيبهم أو أمر به، بل قد يتجاوز إلى تكفير المجتمع كلّه الذي سكت عن هذا الظلم.

.4 الحشر في الزاوية الضيّقة

فهناك علاقة وثيقة بين حرّيّة التعبير والشعور بالكرامة وبين قوّة الانتماء للبلاد والانصياع لأحكام القانون وسلوك الطريق السلميّ في التغيير. والحرمانُ من النقد يدفع فئة من الناس إلى الغلوّ والتطرّف والتذمّر، والقيام بأعمال تخريبيّة.

.5 الغرب يحفّز الإرهاب، فهو يقوم بعمل مزدوج

إيجاد المسوّغات الباعثة على وجود الغلوّ والتطرّف الذي يدمّر الاعتدال ويمزق اللحمة الوطنيّة، ثمّ استغلال الغلاة وحماقاتهم لمساعدة الطغاة على البقاء![١٢]

معالجة ظاهرة الغلوّ

هناك فرق بين الغلوّ الفرديّ والغلوّ الجماعيّ المنظّم، فالغلوّ الفرديّ يكون ضرره محدوداً للغاية، وقد يقتصر على صاحبه، أمّا الغلوّ الجماعيّ، فإنّه في كثير من الأحيان يشكّل بيئة لتكوين ميول إلى القيام بأعمال عنيفة إرهابيّة، وهنا مكمن الخطورة الحقيقيّة، وعلينا إلى جانب هذا أن نقول: إنّ التاريخ يعلّمنا أنّ العقيدة لا تكفي بمفردها لتكوین حرکات احتجاجيّة عنيفة، ذلك لأنّ الانخراط في أعمال إرهابيّة يضحّي فيها المرء بحياته أو وظيفته. فالإرشاد والنصح والحوار مهمّ جدّاً في معالجة الغلوّ والتطرّف، لكنّ الواقع يشهد بأنّ هناك من لا تنفع معه إلّا العقوبات الرادعة، لهذا فإنّ من الطبيعيّ أن نرى ملاحقة الذين يقومون بأعمال عنف في أيّ مكان من الأرض. إنّ الانخراط في أعمال إرهابيّة يضحّي فيها المرء بحياته أو مستقبله يحتاج إلى درجة من الغليان العاطفيّ والمشاعر الثأريّة والانتقاميّة لا تقوى العقيدة على توفيرها في العادة، وبالطبع هناك دائماً في مثل هذه الأمور استثناءات ملموسة؛ هذا كلّه يعني أنّ ما يراه الغلاة من عسف وظلم وتجاوز للقانون والعرف الاجتماعيّ، قد يكون هو المحرّك الأكبر لهم للانخراط في الأعمال الإرهابيّة العنفيّة، وهذا يعني أنّ معالجة مشكلات الغلوّ والعنف يجب أن تعالج بقدر كبير من البصيرة والحكمة وفي مواكبة أعمال إصلاحيّة كبيرة.

ملاحظات عامّة

  • ١- حين يقوم بعض الأشخاص بمخالفة القوانين السارية في حيازة الأسلحة، أو يقومون بوضع خطط مكتوبة لمهاجمة أفراد أو مؤسّسات أو يباشرون شيئاً من الأعمال العنيفة ... فإنّه لا يكون أمام أيّ دولة سوى اللجوء إلى المعالجات الأمنيّة.
  • ۲- نحن نؤمن بأنّ الطبيعة تكره الفراغ، ولهذا فإنّ التضييق على الأعمال الدعويّة سيفسح المجال للفكر الغاليّ، ومن هنا فإنّ تشجيع الفكر الوسطيّ المعتدل يساعد على نحو ما على انكماش الفكر المتطرّف، وشواهد هذا موجودة في كثير من البلاد.
  • في بعض البلاد رأت الحكومة مقاومة الغلوّ؛ بنشر الفكر العلمانيّ المتطرّف، أو إتاحة الساحات له، وهذا أدّى إلى عكس المراد، لأنّ التطرّف في أيّ اتجاه يغري بالتطرّف في الاتجاه المعاكس، كما أنّه يؤدّي إلى تقسيم المجتمع، وإضعاف القواسم الوطنيّة المشتركة، وهذا شيء سيّئ بكلّ المعايير، فالفكر المعتدل الرّاشد المتّزن هو الذي يضيّق مسالك الغلوّ، ويجذب العدد الأكبر من الشباب.
  • ۳- عند التعامل مع الغلاة والمتطرّفين، لا بدّ من التفريق بين نوعين من التطرّف: التطرّف النظريّ المقتصر على الرأي والجدل النظريّ، والقناعات الشخصيّة والتطرّف الفكريّ الذي ذهب بأصحابه إلى ممارسة العنف والتحريض السافر عليه، التطرّف النظريّ يعالج بالحوار، ويعالج أيضاً بحرمان أصحابه من نشر فكرهم عبر وسائل الإعلام المختلفة من أجل حماية المجتمع من جرثومة الغلوّ، وإن التضييق على هذا الفريق ينبغي أن يظلّ ضمن حدود معيّنة، وإلا كان من السهل عليهم الانتقال إلى الفريق الآخر والانخراط في أعمال العنف.
  • ٤- التعامل الحازم والصارم مع الغلاة هو الأسهل، ونتائجه الملموسة أسرع، لأنّ من يستخدم الشدّة يشعر كأنّه قطع من جذع شجرة مرّة، لكن الحقيقة أنّ الجذور ما زالت تعمل في الأعماق، لتنبت الكثير من الأشجار الرديئة، وقد أثبتت الأيّام أنّ معالجة الغلوّ تحتاج إلى عمل استراتيجيّ يقوم على تغيير المفاهيم، كما يقوم على تحويل البيئة العامّة من بيئة تساعد على نموّ الغلوّ إلى بيئة تنبذه، وتقاومه، ولهذا فإنّ الحلّ الأمنيّ لمشكلة العنف ينبغي أن يكون بمثابة الدواء المسكّن، أمّا الدواء المعالج، فهو دواء فكريّ إعلاميّ إصلاحيّ بعيد المدى.
  • 5- من الواضح أنّ هناك نوعاً من التلازم بين نقص المعلومات، واللجوء إلى القوّة المفرطة في التعامل مع التطرّف والمتطرّفين، إذ كلّما كان لدى الأجهزة الأمنيّة معلومات أكثر، كانت حاجتها إلى القسوة في الاستجواب وانتزاع الاعترافات أقلّ، وهذه حقيقة عالميّة، ومن هنا فإنّ جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن المجرمين ومرتكبي أعمال العنف يصبح مطلباً شرعيّاً وأخلاقيّاً لأنّه يقلّل من الحاجة إلى استخدام القسوة، ولأنّه الأنفع والأصلح، ولا بدّ في هذا الإطار من التثبّت والتأكّد من صحّة المعلومات حتّى لا يظلم أحد.
  • 6- الفكر الإسلاميّ الوسطيّ هو مشروع أمّة، وحاجة عامّة، ذلك لأنّ الجهل بمقاصد الشريعة الغرّاء وأحكامها و آدابها، يسهّل على الغلاة جذب الشباب إليهم، من خلال الشعارات الزائفة، ومن خلال العواطف والأمنيات الخادعة، ومن هنا فإنّ حرمان الغلوّ من البيئة الحاضنة يعدّ شيئاً جوهريّاً، وهذا يكون من خلال التوعيّة العامّة بفضائل الوسطيّة والاعتدال، لكنّ هذا يدعونا إلى التفكير في تحديد مفهوم الإرهاب والغلوّ بشكل واضح، وأن نحدّد ملامح الغلوّ، الذي هو عبارة عن نزعة شخصيّة، أو يتّصل بحريّة الرأي، وبين الغلوّ الذي يشكّل خطراً على دین المرء، وعلى سلامة المجتمع، وإنّما أقول هذا الكلام لأنّ جعل الغلوّ والتطرّف في بؤرة اهتمام المجتمع من غير التحديد الذي أشرت إليه، قد يؤدّي إلى تناول الموضوع بشكل مبتذل ومجانب للواقع وللصواب، وهذا قد يتسبّب في شيء من الفوضى الفكريّة والاجتماعيّة.
  • ۷- الشباب الغالي والمتطرّف هم عبارة عن ضحايا بعض الظروف، أو الخديعة من جهة أو طرف من الأطراف، ولهذا لا بدّ من التفكير في استيعابهم، وأوّل مبادئ الاستيعاب يتمثّل في شعورهم بأنّهم ليسوا مستضعفين أو مستهدفين من قبل أحد، وهذا يتطلّب من الأجهزة الإعلاميّة والأمنيّة كلّها الالتزام بالصدق والموضوعيّة في المعلومات التي يتمّ نشرها حول الغلاة والمتطرّفين والأعمال التي يقومون بها، وهذه نقطة مهمّة على طريق معالجة هذه الحال الخطرة.
  • ۸- حتّى تكون معالجة الغلوّ مثمرة وفعّالة، لا بدّ من أن يقترن فيها الهاجس الأمنيّ بالهاجس الحقوقيّ والأخلاقيّ، بمعنى أنّ علينا -ونحن نسعى إلى الحفاظ على أمن المجتمع من الهجمات الإرهابيّة- أن نهجس بما كفلته الشريعة، وما كفلته النظم السارية من احترام الخصوصيّات الفرديّة والحرّيات وحقّ التعبير، لأنّ كثيراً من النجاح في التعامل مع الغلوّ منوط بالتوازن الدقيق بين الأعمال الفكريّة والقانونيّة والاجتماعيّة والإعلاميّة، وبين الإجراءات والأدوات الخشنة والصارمة، وهذه الملاحظة أشارت إليها الكثير من الدراسات العالميّة حول مواجهة التطرّف.
  • 9- البعد عن المعالجة الحكيمة والمنضبطة لمشكلات الغلوّ والإرهاب أدخل العديد من دول العالم في حلقة مفرغة، وفي دورة معيبة خانقة حيث صار هدر الكرامة الإنسانيّة والتعذيب النفسيّ والبدنيّ هو الأساس في التعامل مع الذين يقومون بأعمال إرهابيّة، وهذا يعني أنّ المزيد من العنف سيعني المزيد من التعذيب، وسيعني المزيد من العنف، بل إنّ التعذيب الرهيب الذي تعرّض له بعض الشباب في الكثير من السجون والمعتقلات، قد دفع بهم إلى تكفير الحكومات والمجتمعات، ممّا جعلهم لا يشعرون بالذنب وهم يقتلون النساء والأطفال والأبرياء، من خلال أعمالهم العدوانيّة والانتحاريّة.

والحديث هنا عن بعض صور التعذيب التي يندى لها جبين الإنسانيّة، فهي مشهورة ومعروفة، لكنّي أودّ الإشارة إلى الآثار النفسيّة الرهيبة التي يتركها التعذيب لدى كثير من المعتقلين والمسجونين، حيث يتعرّض بعضهم للإصابة بما يسمّى (كرب ما بعد الصدمة) والذي يتمثّل في الشعور بالقلق والخوف والأرق، والشعور بفقد الأمل، وفقد القدرة على الشعور بالذات، وضعف القدرة على مواجهة الأزمات، إنّه نوع من الإعاقة النفسيّة الخطيرة، وهذا يعني تدمير حياته الشخصيّة وتدمير حياة أسرته أيضاً، ولهذا فإنّ تقدّم العالم في مواجهة التطرّف والإرهاب محدود أو معدوم، وإنّ إهدار الكرامة الإنسانيّة من الأسباب الجوهريّة في ذلك، ومن هنا فإنّ من المهمّ أن تخضع السجون للإشراف القضائيّ، ولجان حقوق الإنسان، والقيام بكلّ الإجراءات الممكنة من أجل الحيلولة دون وقوع ما أشرت إليه.[١٣]


هوامش

مصادر

  1. جمهرة اللّغة لابن دريد (2/961).
  2. مقاييس اللّغة (باب الغين واللام من كتاب الغين، (4/387- 388).
  3. الصحاح (6/ 2448).
  4. لسان العرب (15/131- 132).
  5. جمهرة اللّغة لابن دريد (2/ 961).
  6. رواه النَّسائيّ (3057)، وابن ماجه (3029)، وأحمد (1851)، وصحّحه ابن خزيمة (2867)، وابن حبّان (3871)، ومعنى "غداة العقبة": أي: صباح يوم النحر حيث ترمى جمرة العقبة، "القط لي": أي اجمع لي الحصى، "الخذف": الحصى الصغار التي يرمى بها.
  7. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، لابن تيميّة الحرانيّ، (1/328).
  8. أحكام القرآن للجصاص، (3/282).
  9. فتح الباري شرح صحيح البخاريّ لابن حجر العسقلانيّ، (13/278).
  10. نحن هنا نناقش حالاً ثقافيّة فكريّة، ولا نصدر أيّ حكم أخلاقيّ على أحد، فبعض أبناء البوادي والأرياف من القيم والأصالة والصلاح ما يزيد على كثير من أبناء المدن.
  11. ١- رواه أحمد
  12. ملخص كتاب "تفكيك ثقافة الغلوّ" للدكتور عبد الكريم بكّار، تلخيص موقع على بصيرة [ http://alabasirah.com/node/541 ]
  13. تفكيك ثقافة الغلوّ، د. عبد الكريم بكّار، صفحة (119 - 123) صادر عن مؤسّسة رؤية للثقافة والإعلام، إسطنبول، (2016 م).