سيادة

من رؤية بيديا
اذهب إلى: تصفح، ابحث

سيادة/ Sovereignty/ Souveraineté:

السيادة: تعدّ السيادة من أهمّ خصائص الدولة التي تجعلها متميّزة عن مختلف التنظيمات المماثلة لها، وعنصرُ السيادة هو الذي يجعل من الدولة مؤسّسة متماسكة قويّة وقادرة على فرض هيبتها على المستوى الداخليّ، وعلى مستوى علاقتها الخارجيّة، على الرغم من أنَّ تمتّع الدولة بسيادة مطلقة على المستوى الخارجيّ أصبح مسألة فيها نظر، لكون سيادة الدولة أصبحت أمراً نسبيّاً، بحكم المتغيّرات الدوليّة الجديدة، بخاصّة في ظلّ نظام العولمة الذي لا يعترف في مجموعة من القضايا بالحدود الجغرافيّة للدول.[١]

ما يترتّب على سيادة الدولة

ويترتّب على عنصر السيادة كإحدى أهمّ خصائص الدولة ما يلي:

  • أنَّ الدولة هي المؤسّسة الوحيد التي تحتضن سلطة متأصّلة، لا تستمدّها من أيّة سلطة أخرى، تسبقها، أو تلتحق بها.
  • أنَّ هذه السيادة المتمثّلة في تلك السلطة، سيادةٌ عليا، لا تسمو عليها أيّة سلطة أخرى سواء داخل الدولة أو خارجها.
  • أنّ الدولة مالكة تلك السيادة هي التي تحدّد وتقيّم على طول ترابها الوطنيّ، تنظيمها القانونيّ، بما يحتويه من مبادئ معنويّة وقواعد مادّيّة، دون أن تتأثّر في ذلك بمؤتمرات غيرها.

مقتضيات السيادة الوطنيّة

  • أنَّ الدولة هي منطلق ومصدر جميع السلطات التي تتولّد من ذلك التنظيم السياسيّ والقانونيّ.
  • أنَّ الدولة تنفرد بتحديد اختصاصاتها ومشمولات نفوذها.
  • أنَّ الدولة تحتكر كلَّ مظاهر السيادة، وتستأثر بها، فتحتكر القوّة العموميّة من جيش وشرطة، وسَكِّ العملة...[٢]

مظاهر سيادة الدولة

ولسيادة الدولة مظهران:

  • مظهر داخليّ، يخوّل الدولة بصفتها سلطة عليا، الحقَّ في وضع الضوابط القانونيّة التي تنظم المجتمع، وفرضَ احترام تلك القوانين، والحقَّ في التصرّف في الأملاك والثروات العموميّة، والإشرافَ على القضاء، واحتكارَ مهامّ الدفاع الخارجيّ، وتولّي مهمّة الأمن الداخليّ.
  • ومظهرٌ خارجيّ، يتجلّى في حرّيّة الدولة المطلقة في تنظيم علاقاتها الخارجيّة، وتحديد مواقفها، اعتماداً على سيادتها، وعلى مبدأ المساواة بين الدولة، واستقلالها وعدم خضوعها لغيرها من الدول، وعدم إلزامها بغير ما التزمت به بمحضِ إرادتها من التزامات وتعهّدات، سواء مع غيرها من الدول أو مع المنظّمات الدوليّة.

فالدولة بمقتضى المظهر الخارجيّ للسيادة، يحقُّ لها أن تربط علاقات دبلوماسيّة مع دول ومنظّمات أخرى، كما يحقّ لها أن تقطع هذه العلاقات الدبلوماسيّة بحسب تقديرها الخاصّ، والشيء نفسه بالنسبة إلى المعاهدات والاتفاقيّات الدوليّة؛ حيث إنّ الدولَ غيرُ مجبرة على الانضمام إليها، والمصادقة عليها، وإنّما لها الحريّة الكاملة في الانضمام والمصادقة، أو عدمهما، وكذلك الانسحاب منها متى شاءت، شريطةَ احترام الإجراءات المنصوص عليها فيها، والمتعلّقة بالانسحاب.[٣]

تاريخ مبدأ السيادة

يعدّ مبدأ سيادة الدولة من المبادئ الأساسيّة التي انبثقت عن صلح وستفاليا سنة (1648 م)، وشكّل من ذلك الحين أحد أهمّ القواعد التي قام عليها النظام الدوليّ الحديث بشكل أساسيّ، ويشير مفهوم السيادة داخليًّا إلى السلطة الشرعيّة الشاملة والمطلقة التي تمارسها الدولة على إقليم محدّد؛ أمّا خارجيّاً فيرتبط المفهوم أساساً بمبدأ عدم التدخّل في الشؤون الداخليّة للدول، وكذا المساواة القانونيّة بين هذه الدول في مختلف علاقاتها وتعاملاتها الدوليّة. [٤]

الشروط المحوريّة لسيادة الدولة

في هذا الإطار اعتبر الفقه القانونيّ الدوليّ أنّ الدولة لا تكون مستقلّة وذات سيادة إلا إذا توافرت لها ثلاثة شروط محوريّة:

  • أو لها استئثارها بممارسة كافّة الاختصاصات والصلاحيّات المتّصلة بشؤون إقليمها.
  • وثانيها استقلالها في ممارستها لهذه الاختصاصات والصلاحيّات عن أيّ ضغط أو تأثير من أيّة قوّة دوليّة، وعدم الخضوع لها.
  • ثالثها يتمثّل في شموليّة ممارستها لاختصاصاتها وصلاحيّتها بحيث لا يتمّ تقييد مجالها.

ويترتّب على هذا المفهوم التقليديّ للسيادة أنّ الدولة تستأثر بوضع نظامها الدستوريّ، والسياسيّ، والأمنيّ، ورسم توجّهاتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة، واختيار منظوماتها الثقافيّة والإعلاميّة والقيميّة، وذلك في استقلال تامّ عن مختلف القوى والمؤثّرات الخارجيّة، ويجرى في هذا السياق التمييز بين ثلاثة أنواع أساسيّة للسيادة هي: السيادة الشعبيّة، والسيادة الوطنيّة، وسيادة الحقّ الإلهيّ.

انحسار مفهوم السيادة في العصر الحديث

لكن على الرغم من أنّ مفهوم السيادة لا يزال يتمتّع ببعض مظاهره الأساسيّة. البعثات الدبلوماسيّة، احترام الحدود السياسيّة، العلم الوطنيّ، الوظيفة العسكريّة، إلا أنّه وبفعل العديد من التحوّلات العالميّة لم يعد نافذ المفعول.

سيولة الحدود

فلقد أصبحت الدولة عاجزة عن السيطرة على تنامي التأثيرات الخارجيّة على أوضاعها الداخليّة، تلك التأثيرات التي تتجلّى عبر وسائل مختلفة من قبيل ظاهرة الهجرة، والمشكلات المصاحبة لها، والآخذة في التفاقم بفعل تسييل الحدود بين الدول.

الغزو الثقافيّ على المستوى الثقافيّ

كما أنّ سيادة الدولة فيما يتّصل بلغتها الوطنيّة وثقافتها ومنظومة قيمها أخذت في التآكل أمام تأثيرات وسائل الإعلام الكونيّة والأقمار الصناعيّة في شبكة المعلومات الدوليّة.

على المستوى الاقتصاديّ

إنّ سيادة الدولة على اقتصادها الوطنيّ، ممثلًا في عملتها الوطنيّة قد بدأت في التراجع الفعليّ أمام منافسة البطاقات الائتمانيّة التي تعمل خارج نطاق النظام المصرفيّ، على صعيد آخر، تأثّر النشاط الاقتصاديّ للدولة بتطوّر البورصات العالميّة وتدفّق الاستثمارات ورؤوس الأموال الدوليّة.

على المستوى الأمنيّ

أكثر من ذلك فإنّ تفرّد الدولة بتحقيق الأمن على أرضها أصبح ينال منه تكاثر المؤسّسات الأمنيّة الخاصّة التي تتكفّل بحماية الشخصيّات العامّة وحفظ ممتلكاتها.

على المستوى السياسيّ

وبالتوازي مع ذلك، أخذت تتحلّل مظاهر السيادة الوطنيّة على المستوى الدوليّ، بتنازل بعض الحكومات عن جانب من اختصاصاتها الداخليّة للمجتمع الدوليّ، من قبيل مراقبة الانتخابات، والتفتيش على أوضاع السجون، مع الاتجاه نحو تقنيين أشكال من التدخّل تحت مسمّى التدخّل الدوليّ الإنسانيّ.

تحوّل الدولة إلى دولة خادمة للشعوب في ظلّ العولمة

وقد استهلّ الأمين العامّ للأمم المتّحدة: كوفي عنان هذا التطوّر بطرح فكرة مفهومين للسيادة، أكّد من خلالهما على أنّ جوهر مبدأ سيادة الدولة يجري تعريفه في ظلّ العولمة والتعاون الدوليّ، وأنّ الدولة أصبح ينظر إليها كخادم للشعب، وليس العكس، وأنّه أصبح من المتعيّن على المجتمع الدوليّ أن يصل إلى توافق ليس فقط بشأن مواجهة الانتهاكات الجسيمة، والمنهجيّة لحقوق الإنسان أينما وقعت، لكن أيضاً بشأن طريقة صنع القرار حول الإجراءات الضروريّة لمواجهة تلك الانتهاكات، ومن يتّخذ هذه الإجراءات. وبوقوع أحداث سبتمبر/ أيلول (2001 م) اكتسب منطق تقييد السيادة دفعة أكبر من منطلق حماية مصالح المجتمع الدوليّ.[٥]

مسوّغات تقييد سيادة الدولة

شرع بعض منظّري الولايات المتّحدة في تسويغ هذا التقييد بمسوّغات ثلاثة هي:

  • قمع المواطنين وقهرهم.
  • وممارسة الإرهاب.
  • وحيازة أسلحة الدمار الشامل وتهريبها للجماعات لإرهابيّة.[٦]


نسبيّة تأثير العولمة في سيادة الدول من دولة لأخرى

لكن المهمّ في تصوّر تآكل السيادة الوطنيّة تحت تأثير العولمة، الوعي بالاختلاف النسبيّ في هذا التأثير من دولة لأخرى، بحسب توازنات القوّة السائدة ودرجة إسهام كلّ منها في إنتاج مظاهر العولمة.

وبالتالي فإنّ سيادة دولة مثل الولايات المتّحدة تعدّ الأقلّ تضرّراً من نتائج العولمة، طالما أنّ جملة المؤسّسات التي ساهمت بدور في إنشائها، وفي مقدّمتها منظّمة التجارة العالميّة، لا تلزمها سياستها بالضرورة، هذا في الوقت الذي يشرّع فيه برلمانها قوانين تسري على العالم. قانون داماتو وحماية الأقليّات كنموذجين، كما تعطى لنفسها الحقّ في التدخّل لتغيير النظم السياسيّة للدول بالمخالفة الصريحة لميثاق الأمم المتّحدة، وتطالب بإنهاء الوجود الأجنبيّ في هذه الدولة أو تلك، فيما تحتلّ قواتها دولًا أخرى.[٧]

هوامش

مصادر

  1. موسوعة المفاهيم الأساسيّة في العلوم الإنسانيّة والفلسفيّة، عربيّ، إنكليزيّ، فرنسيّ، المؤلف محمد سبيلا، ونوح الهرمونيّ، الطبعة الأولى (2017 م)، منشورات المتوسط ميلانو إيطاليا، بالتعاون مع المركز العلميّ العربيّ للأبحاث والدراسات الإنسانيّة، الرباط.
  2. موسوعة المفاهيم الأساسيّة في العلوم الإنسانيّة والفلسفيّة، عربيّ، إنكليزيّ، فرنسيّ، المؤلّف محمّد سبيلا، ونوح الهرمونيّ، الطبعة الأولى (2017 م)، منشورات المتوسّط ميلانو إيطاليا، بالتعاون مع المركز العلميّ العربيّ للأبحاث والدراسات الإنسانيّة، الرباط.
  3. موسوعة المفاهيم الأساسيّة في العلوم الإنسانيّة والفلسفيّة، عربيّ، إنكليزيّ، فرنسيّ، المؤلّف: محمّد سبيلا، ونوح الهرمونيّ، الطبعة الأولى (2017 م)، منشورات المتوسّط ميلانو إيطاليا، بالتعاون مع المركز العلميّ العربيّ للأبحاث والدراسات الإنسانيّة، الرباط.
  4. موسوعة المفاهيم الأساسيّة في العلوم الإنسانيّة والفلسفيّة، عربيّ، إنكليزيّ، فرنسيّ، المؤلّف: محمّد سبيلا، ونوح الهرمونيّ، الطبعة الأولى (2017 م)، منشورات المتوسّط ميلانو إيطاليا، بالتعاون مع المركز العلميّ العربيّ للأبحاث والدراسات الإنسانيّة، الرباط.
  5. قاموس المصطلحات المدنيّة والسياسيّة تحرير الدكتور: صقر الجبال، الدكتور: أيمن يوسف، الدكتور: عمر رحال، الطبعة الأولى: كانون الثانيّ (2014 م)، الناشر: مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطيّة >شمس< Human Rights & Democracy Media Center”SHAMS“
  6. قاموس المصطلحات المدنيّة والسياسيّة تحرير الدكتور: صقر الجبال، الدكتور: أيمن يوسف، الدكتور: عمر رحال، الطبعة الأولى: كانون الثانيّ (2014 م)، الناشر: مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطيّة >شمس< Human Rights & Democracy Media Center”SHAMS“
  7. قاموس المصطلحات المدنيّة والسياسيّة تحرير الدكتور: صقر الجبال، الدكتور: أيمن يوسف، الدكتور: عمر رحال، الطبعة الأولى: كانون الثانيّ (2014 م) الناشر: مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطيّة >شمس< Human Rights & Democracy Media Center”SHAMS“