رأي عام

من رؤية بيديا
اذهب إلى: تصفح، ابحث

رأي عامّ / Opinion publique/ Public opinion: هو مصطلحٌ حديثٌ ضمن أدبيّات علم السياسة؛ برز مع التحوّلات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة الكبرى، التي شهدتها أوربّا والولايات المتّحدة الأمريكيّة باتجاه تعزيز الحرّيّة والديمقراطيّة بعد الثورتين الفرنسيّة والأمريكيّة.

تاريخ الاهتمام بموضوع الرأي العامّ

وتشير الكثير من المعطيات إلى أنَّ هناك مجموعة من المفاهيم المشابهة تمَّ تداولها في فتراتٍ تاريخيّة سابقةٍ، تمتدُّ إلى الحضارة اليونانيّة والرومانيّة من قَبيل الاتجاهات السائدة والآراء الشائعة، وصوت الجماهير، كما أنَّ من الحضارات الإنسانيّة الأخرى مَنْ تنبَّهت- فيما بعد- إلى أهميّة استيعابِ اتجاهاتِ الرأيّ العامّ داخلَ المجتمع عبر وسائل مختلفة ومتباينة.[١]

ماكيافيلّي وموضوع الرأي العامّ

وقد أوْلَى "ماكيافيلّي" Niccolò di Bernardo dei Machiavelli (1527-1469) اهتماماً لهذا المفهوم، منبِّهاً إلى ضرورة الانتباه لاتجاهات الشعب، فيما حاول "جون لوك" (1632-1704) Jhon Locke تأصيلَ المفهوم من الناحية الأخلاقيّة والقانونيّة ضمن دراسة نشرها عام (1690)؛ فيما استَعمل "مونتسكيو" (1689-1755) Montesquieu مصطلح "العقل العام" نجد "جان جاك روسو" (1712-1778) Jeans- Jacques Rousseau يستخدم "الإرادة العامّة".[٢]

الرأي العامّ في الأدبيّات السياسيّة

ويُحيل الرأي العامّ في أدبيّات علم السياسة حديثاً إلى "مختلف المشاعر والانطباعات والآراء والاتجاهات التي تعبّر عنها الجماهير في مجتمع محدّد، وخلال فترة زمنيّة معيّنة، إزاء مختلف القضايا والمشاكل السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة.. التي تُثير اهتمام الناس داخلياً وخارجياً، بصورةٍ تلقائيّة، أو عبر استجوابهم بسُبُل وتقنيّات مختلفة". [٣]

أدوات قياس الرأي العامّ

وقد اهتمّت الدراسات السياسيّة والاجمتاعيّة والنفسيّة بتناول المفهوم في سياقات مختلفة. كما توقّفت على مؤثّراته ودوافعه النفسيّة والثقافيّة والاجتماعيّة والسياسيّة.. بعدما أضحى قياس الآراء ذا أهميّة كبرى في المجتمعات، من حيث دورُه في استشراف الآراء العامّة، وبلورة قرارات تنسجم وتطلّعات الناس أو مواجهة مشاكلَ مختلفة.. فهو وسيلةٌ، يُمكن أنْ تسمح بالتأثير في صناعة القرارات والسياسات الحكوميّة، كما أضحت الكثير من الشخصيّات السياسيّة والمؤسّسات كالشركات والأحزاب.. تعتمد عليه لتقييم وتطوير أدائها.
وإذا كانت آليّات التأثير على الرأي العامّ قد تطوّرت بصورة كبيرة في العقود الأخيرة تَبَعاً لتطوّر وسائل الاتصال، من قنوات فضائيّة و"إنترنت"..؛ فقد تعزّزت أيضاً تقنيّات استقراء الآراء، وأضحت أكثر دقّة، لاعتمادها على سُبُل علميّة وتقنيّة متطوّرة.[٤]

االدعوة والرأي العامّ

يهدف العمل الدعويّ إلى استقطاب آراء الناس ومشاعرهم واهتماماتهم حول المثل والمبادئ والقضايا التي يرى الدعاة ضرورة بقائها محاور لحياة المسلمين في كلّ حال من الأحوال، وقد أدّى انتشار وسائل الإعلام والقدر الكبير من النفوذ الثقافيّ الذي فازت به، إلى إعطاء الرأي العامّ معنى جديداً أهميّة بالغة، حتّى إنّ كثيراً من الدول الغربيّة ولا سيّما أمريكا بات الرأي العامّ فيها أكثر تأثيراً في توجيه السياسة، وصياغة مواقف القادة من الخطط الاستراتيجيّة ومن آراء المستشارين والخبراء، فالمواطنون يحملون سياط الانتخابات بأيديهم بشكل دائم وعلى من يريد كسب أصواتهم ألّا يتجاهل آراءهم وتطلّعاتهم في المجالات المختلفة ولم تكن المجتمعات القديمة بعيدة عن هيمنة الرأي العامّ، فطبيعة الحياة الاجتماعيّة من خلال آراء الآخرين فيهم، لكن الحياة المعاصرة جعلت كلّ شيء معقّداً، وضخّمت آثاراً كثيرة من الظواهر على نحو عجيب.

تعريف الرأيّ العامّ

ذكروا للرأي العامّ تعريفات كثيرة يمكن أن نبسطها بقولنا: إنّ الرأي العامّ هو الفكرة السائدة بين جمهور من الناس، إزاء موقف أو تصرّف أو مسألة ممّا يثير اهتمامهم أو يتعلّق بمصالحهم المشتركة. إنّ الرأي العامّ هو الحصيلة الأخيرة التي تتولّد عن ضرب الناس لمختلف الآراء التي يسمعونها حول قضيّة ما بعضها في بعض، وفي عمليّة الضرب تلك تختلط الآراء المسموعة مع المعتقدات والمشاعر والأفكار والخلفيّات المسبقة والمصالح والمنافع، بطريقة لا شعوريّة في كثير من الأحيان، ومن خلال ذلك التمازج والتصادم يخرج القاسم المشترك الذي يعدّ خلاصة دقيقة موزونة لكلّ ذلك الخليط.

طبعة الرأي العامّ

يتميّز الرأي العامّ بأنّه ذو ثبات نسبيّ، وهو في ذلك يقف في منطقة وسطى بين الثقافة والرأي العامّ، فالثقافة أكثر ثباتاً منه، وهو أكثر ثباتاً من الرأي العامّ، بسبب احتلاله لهذا الموقع، إنّ الرأي العامّ يكون في العادة تجاه قضايا معاصرة ومؤقتة، كرأي الناس في برنامج حزب من الأحزاب، أو تجاه اتفاقيّة سلام، أو نشوب حرب، أو ارتفاع الأسعار، وما شاكل ذلك من القضايا الملحّة والطارئة، ولذا فإنّنا نرى الرأي العامّ يتمحور خلال مدّة قصيرة حول قضيّة من القضايا، أمّا الثقافة فتأخذ صيغة الأسس والمرتكزات والعادات التي تدوم فترات طويلة. كما أنّ الرأي العامّ لا يمكن تشكيله حول قضيّة من القضايا، إلّا حيث ينشط التبادل الاجتماعيّ، ويكون المجتمع منفتحاً على بعضه، واعياً بذاته، واضعاً قضاياه ومشكلاته تحت المجهر، حيث يوّلد ذلك نوعاً من الحركة الاجتماعيّة النشطة، ويوجد اهتمام الناس بكلّ ما يمسّ حياتهم ومصيرهم. أمّا حين يكون المجتمع فاقداً الحسّ الجماعيّ، خاملاً في تمازجه الثقافيّ، كلّ فرد من أفراده مشغول بلقمة العيش اليوميّة، أو يكون غارقاً في شؤونه الخاصّة، فإنّ تكوينه للرأي العامّ آن ذاك يكون عسيراً.

بناء الرأي العامّ

إنّ عيش الناس في مجتمع واحد يعني وجود اهتمامات ومشكلات واحدة أو متقاربة، كما يستلزم وجود عدد من التنظيمات والاحالات الفكريّة والشعوريّة، أي وجود لغة مشتركة وقنوات مشتركة وعقليّة مشتركة وعواطف مشتركة، تسهم في بلورة مواقف مشتركة من القضايا والمشكلات المطروحة على الساحة الوطنيّة بوجه خاص والعالميّة بوجه عام. وهذا كلّه يعنيّ أنّ هناك في التركيبة الاجتماعيّة والثقافيّة أصولاً وقواعد عميقة تتحكّم إلى حدّ بعيد في نوعيّة الرأيّ الذي سوف يتبنّاه الناس حول قضاياهم المصيريّة ولعلّنا نذكر أهمّ العوامل المؤثّرة في بناء الرأي العامّ:

العوامل المؤثّرة في الرأي العامّ

  1. العقيدة: لا يخلو مجتمع من مجموعة من العقائد الموجّهة نحو الكون والحياة، وعلاقات الناس بخالقهم وأبناء جنسهم، ونحو كينونتهم وعلاقتهم بالماضي، إلى جانب مجموعة من التطلعات واستشرافات المستقبل، وهذه في جملتها تشكّل الأساس النظريّ والمعنويّ للواقع المعاش وامتداداته المختلفة، وحين تطرح قضيّة من القضايا فإنّ الناس لا يتعاملون معها من فراغ، وإنّما من خلال الثوابت لديهم، ولا بدّ من القول إنّ للعقيدة متناً أساسيّاً وهوامش أقلّ صلابة، وأقلّ مركزيّة في قلوب الناس وعقولهم، فعلى سبيل المثال يستحيل في مجتمع إسلاميّ تكوين رأي عامّ يمجّد الشرك أو يستبيح الزنا أو شرب الخمر أو الربا أو قتل النفس، لأنّ هذه القضايا ذات موقع مركزيّ في عقيدة المسلمين وثقافتهم، لكن يمكن من خلال مطارق الضرورة وتنشيط الشهيّة نحو المغريات تشكيل رأي عام يقبل بالتنازل عن جزء من أرض الوطن، ضمن موازنة معيّنة، أو تقبّل هزيمة، أو صفعة أو نوع من المعاملات التي هي موضع خلاف أصلاً لدى المرجعيّة العقديّة إلخ.. والعقيدة لا تستمدّ سلطانها من خلال موقعها الهامّ في بناء المجال النظريّ فحسب، وإنّما من خلال ما تؤسّسه من سلطان عرفيّ، وما تفرزه من قوانين ومسلّمات ثقافيّة تدعم وتصون الثوابت، لكن لا ينبغي أن يفهم من هذا أنّ وعي الناس يظلّ يقظاً ومنسجماً مع مرتكزاته بصورة دائمة وتامّة، إذ إنّ هيمنة العقيدة على الرأي والموقف والوعي أيضاً لا تتمّ بصورة آليّة، وإنّما من خلال الفاعليّة الشعوريّة ولذا فإنّ من الممكن للرأي العامّ أن يتّجه لتحبيذ فكرة أو قضيّة لا تقرّها العقيدة وذلك حين تسوء الظروف، ويضطرّ الناس إلى الدخول في موازنات صعبة تتشكّل فيها العقيدة الاجتماعيّة على نحو مغاير للعقيدة الأساسيّة المطلقة، ونستطيع أن نخلص من هذا، إلى أنّ تشكيل رأي عامّ صافٍ وموافق لعقيدة الأمّة، مرهون بيقظة الوعي وفاعليّة الشعور وحسن الظروف، وإلّا فكلّ شيء وارد.
  2. المرحلة العامّة التي يمرّ بها المجتمع حين يتشكّل الرأي العامّ حول قضيّة ما، فإنّه يكون محدوداً بخصائص المرحلة التي يمرّ بها المجتمع، ودرجة وعيه وتفتّحه على قضاياه ومشكلاته، فمسيرة البشريّة نحو الرشد ونحو معرفة ما يصلح لها، مسيرة طويلة وملتوية وشاقّة، فالمجتمعات الإسلاميّة مثلاً لم تدرك ضرورة احتضانها (المؤسّسات الوسيطة) إلا في وقت متأخّر جداً، على الرغم من تجربتها الحضاريّة الطويلة، كما أنّها لم توفّق دائماً إلى تحديد مصادر الألم والإحباط في المقاطع المهمّة والرئيسة من تاريخها المديد، ومن ثمّ فقد يحبّ مجتمع اليوم من الإجراءات والتنظيمات والأفكار... ما كان يستنكره بالأمس، وقد يخيب ظنّه في حلول كثيرة، طالما علّق عليها الآمال في مرحلة من المراحل، فحين قامت الثورة الفرنسيّة عام 1789 كانت وحياً من وعي أمّة ضاقت ذرعاً بظلمات (الباستيل) والتحالفات الدنسة ضدّ الفقراء والضعفاء والمصالح الوطنيّة العليا، على حين كان الرأي العامّ في جنوب أمريكا ما يزال يشعر بالحاجة إلى نظام العبيد، لأنّه سند العمل الزراعيّ، ومصدر أساسيّ للعمل في الفلاحة، وهكذا فالحال الاجتماعيّة العامّة تؤطّر القابليّة لأفكار أو دعوات معيّنة. عكاش
  3. في حالات الخطر يسهل تكوين رأي عامّ: إنّ أيّ مجتمع يصاب بأزمات حادّة أو يتعرّض لمخاطر جدّيّة يتحفّز لسماع أيّ شيء، ويحاول كلّ فرد من أفراده أن يصوغ رؤية حول ما يجري، ويحدث نوع من الطلب الشديد على المعلومات، ممّا يدفع بالكثيرين إلى الاختلاق والتزيّد لسدّ حاجة الطلب، كما أنّه في أحوال الأزمات والتهديدات ـ ولا سيّما الخارجيّةـ يكون الناس في حال من الارتباك وضعف التوازن، ممّا يسهّل التأثير في موقفهم وآرائهم، كما أنّ المخاطر تجعل الناس يبحثون عن قيادة تمرّ بهم إلى برّ الأمان، ويتقدّم في العادة كلّ من يأنس في نفسه نوعاً من الأهليّة، ممّا يجعل الناس يتلقون بالقبول ولو مؤّقتاً كلّ ما يسمعونه على أنّه جزء من التجربة الجديدة، ويستطيع تشكيل الرأي العامّ في هذه الحال كلّ من يملك بعض الوسائل الإعلاميّة، ومن يسوّق المعلومات والأخبار التي تدغدغ عواطف الناس، وتوافق أهواءهم، لكنّ ردّ الفعل سيكون عنيفاً ونكوصيّاً إذا ما اكتشف الناس أنّهم استغِلّوا استغلالاً سيّئاً.
  4. كلّما كان المجتمع بسيطاً كان تشكيل الرأي العامّ فيه ميسوراً، حينما تتعقّد الحياة في مجتمع يتعقّد فيه كلّ شيء، حتّى طرق الفهم والتفهيم حيث يكتسب الناس الخبرة التي تمكنّهم من وزن الكلام الذي يسمعونه، كما أنّ قنوات الاتصال ومصادر المعلومات تحدث نوعاً من الدفق المعلوماتيّ على ذهن القارئ والسامع، فيخفّف من درجة حماسته لفكرة بعينها، كما كلّ اتجاه من اتجاهات الرأي يكشف عيوب الاتّجاهات المغايرة، ممّا يجعلها جميعاً تتقاسم آراء المواطنين، وتتوازعها بحسب قوّتها واقناعها، وهذا ما نجده واضحاً في استطلاعات الرأي في الغرب، حيث لا يستطيع حزب أو زعيم ـ غالباً ـ أن يحظى بنسبة عالية من أصوات المواطنين المؤيّدين لسياساته وتوجيهاته، أمّا في المجتمعات البسيطة فإنّ وسائل الناس وقدرتهم على تمحيص ما يسمعونه تكون محدودة، كما أنّ المعلومات التي تتدفّق عليهم تكون قليلة، وغير مبلورة، بالإضافة إلى أنّ الاستعداد لقبول الشائعات يكون أكبر، وكلّ هذا يؤدّي إلى سهولة تكوين رأي عام عندهم حول أيّ شيء من الأشياء، قبولاً ورفضاً، وتعكس استطلاعات الرأي والانتخابات هذا بشل واضح أيضاً.
  5. يتشكّل الرأي العامّ حول القضايا المحوريّة في حياة الناس: لكلّ شعب من الشعوب قضاياه التي تحتلّ بؤرة الشعور منه، ففي الأوساط التجاريّة والبلدان المتقدّمة عموماً، يتشكّل الرأي العامّ حول الربح والخسارة، في أسهم المصارف والشركات وأسعار العمولات والتضخّم والفضائح الماليّة والسياسيّة وغلاء المعيشة والتأمين الصحيّ، أمّا في المجتمعات الزراعيّة فإنّ ما يطفو على السطح هو أسعار المنتجات الزراعيّة وأحوال المناخ ومشكلات البذور.. وفي المجتمعات التي تخوض حرباً يتشكّل الرأي العامّ حول البطولات والتضحيّات والأسلحة والأخطاء الحربيّة وهكذا..

إنّ النجاح الذي ينبغي أن يسعى الدعاة إليه، هو جعل قيم الإسلام وتوجيهاته وقضايا الأمّة الكبرى مركز اهتمام الناس، والسموّ بمطالب المسلمين، عن الأشغال اليوميّة والقضايا الهامشيّة، ولا يتمّ ذلك من خلال كثرة الأحاديث حولها، وإنّما من خلال معرفة المداخل الفكريّة والشعوريّة، ومعرفة سنن الله في خلقه، وهناك الآن من الدراسات الناضجة ما يمكّن من معرفة الكثير من ذلك.

وظيفة الرأي العامّ:

  1. تكاثف الرأي العامّ في إطار من إطارات جماعات الرأي العامّ، يساعد المجتمع في التعرّف على مشكلاته، حيث إنّ معرفة رأي الناس في أوضاعهم ومشكلاتهم مهمّة جدّاً ليس لنسبة الصواب التي فيه، لكن لأنّ ذلك يؤمّن قدراً من (التبادل الاجتماعيّ) الذي يعدّ أكبر ضمانة لمنع حدوث ثورات وانهيارات اجتماعيّة كبرى، كما أنّ تلك المعرفة تمكّن من إيصال الجهد والاحتجاج الاجتماعيّ إلى محكّاته النهائيّة، فيترك الناس التلاوم والكلام عن المثاليّات والمستحيلات... ويشرعون في عمل الممكن، كما يدركون حجم المسؤوليّة الملقاة عليهم، والتي تعوّدوا إلقاءها على كواهل الأخرين.
  2. مهما بلغت قوّة دولة أو جماعة فإنّها تظلّ بحاجة إلى مساندة ومظاهرة الرأي العامّ، حيث إنّ الشعوب تظلّ منبعاً لطاقات لا تنفد، والخطط الدعويّة والحضاريّة الناجحة هي التي استطاعت إشراك أعداد كبيرة من الناس في التعاطف معها والمشاركة فيها، ومن هنا احتلّت الدعاية وفنون الإعلام أهميّتها المتزايدة في العصر الحديث، وإن كان كثير منها يوجّه توجيهاً سيئاً! وكان من الأسباب المهمّة في إخفاق التجربة الاشتراكيّة، عدم الاكتراث بآراء الناس في الخطط التي تنفّذها الدولة، ومحاولة إبراز رأي عامّ مزوّر، من أجل كسب الدعاية والاستحواذ على تعاطف مستحيل! وفي المقابل فإنّ الإسلام قد استطاع أن يحوّل العرب إلى جيوش من الفاتحين، ويزجّهم في ساحات الصراع العالميّ، ليمكّنوا دين الله في الأرض، حيث أصبح الجهاد الشغل الشاغل للرجل والمرأة والصغير والكبير، ولا تستطيع أمّة أن تنجز المشروعات الكبرى دون حشد قاعدة عريضة من أبنائها خلفها، ولا يتمّ ذلك إلّا من خلال تشكيل رأي عامّ عريض أوّلاً.
  3. يعدّ الرأي العامّ الركيزة التي تستند إليها الأنظمة والقوانين، وقد أثبتت التجربة أنّ خضوع الناس لقوانين لا يؤمنون بها، ولا يرتاحون لها، يظلّ شكليّاً ومحدود الفائدة، ومع أنّه لا يوجد فراغ قانونيّ في أيّة دولة من دول الأرض، إلّا أّن الواضح أنّ فاعليّة القوانين في دفع الناس في الاتجاه الصحيح، وكفّهم عن الجرائم، تكاد تكون معدومة في بلدان كثيرة، وذلك بسبب عدم مساندة الرأي العامّ له.
  4. قبل أن تنشأ الدول والسلطات كانت المجتمعات تحكم عن طريق الأعراف والتقاليد، وكانت المجتمعات تعتمد على الرأي العامّ في محاصرة الجريمة والأفعال الشائنة، ولم تتناقص أهميّة الرأي العامّ بعد وجود الدول والأنظمة واللوائح، إذ إنّ القوانين مهما تكن مفصّلة، فإنّها تترك مساحات من الفراغ التي لا يمكن تغطيتها إلّا عن طريق العرف والرأيّ العامّ، كما أنّ القوانين مهما بلغت من القوّة والصرامة والوضوح، تظلّ قابلة للتأويل والتفسير، لأنّ طبيعة صياغتها تسمح بذلك، أمّا الرأي فانّه يصعب تجاهله أو تأويله، وليس أمام الناس سوى الخضوع له، أو دفع الثمن غالياً في مقابل عدم الاكتراث به.

وليس بخاف من وجه آخر أنّ الرأي العامّ أقوى سلطاناً من القانون، بسبب أنّ المجتمع كلّه يتولّى الرقابة على مراعاة الأعراف والاتجاهات والقيم الجماعيّة، على حين أنّ الدولة وحدها هي التي تتابع تطبيق النظم والقوانين. بقي أن نقول إنّ الرأي العامّ ـ بخلاف الدولة ـ يبدو للناس في مظهر مقبول بعيد عن القهر والإكراه، وهذا يخفّف من التوتّرات الاجتماعيّة، وفي ذلك خير عظيم. و لا بدّ من القول في نهاية المطاف: إنّ تحسَّسنا لأهميّة الرأي العامّ الدوليّ والمحليّ ما زال ضعيفاً، وإنّ ممّا يؤسف له أنّ بعض الشباب ـ الذين لا ينقصهم الإخلاص ـ يقومون على الساحة الدوليّة بأعمال طائشة، تحشد الرأي العامّ العالميّ في مواجهة الإسلام وأهله، دون أدنى شعور بالمسؤوليّة تجاه ذلك..

هوامش

مصادر

  1. موسوعة المفاهيم الأساسيّة في العلوم الإنسانيّة والفلسفيّة، عربيّ، إنكليزيّ، فرنسيّ، المؤلّف محمّد سبيلا، ونوح الهرمونيّ، الطبعة الأولى 2017، منشورات المتوسّط ميلانو إيطاليا، بالتعاون مع المركز العلميّ العربيّ للأبحاث والدراسات الإنسانيّة، الرباط
  2. موسوعة المفاهيم الأساسيّة في العلوم الإنسانيّة والفلسفيّة، عربيّ، إنكليزيّ، فرنسيّ، المؤلف محمّد سبيلا، ونوح الهرمونيّ، الطبعة الأولى 2017، منشورات المتوسط ميلانو إيطاليا، بالتعاون مع المركز العلميّ العربيّ للأبحاث والدراسات الإنسانيّة، الرباط
  3. موسوعة المفاهيم الأساسيّة في العلوم الإنسانيّة والفلسفيّة، عربيّ، إنكليزيّ، فرنسيّ، المؤلّف محمّد سبيلا، ونوح الهرمونيّ، الطبعة الأولى 2017، منشورات المتوسّط ميلانو إيطاليا، بالتعاون مع المركز العلميّ العربيّ للأبحاث والدراسات الإنسانيّة، الرباط
  4. موسوعة المفاهيم الأساسيّة في العلوم الإنسانيّة والفلسفيّة، عربيّ، إنكليزيّ، فرنسيّ، المؤلّف محمّد سبيلا، ونوح الهرمونيّ، الطبعة الأولى 2017، منشورات المتوسّط ميلانو إيطاليا، بالتعاون مع المركز العلميّ العربيّ للأبحاث والدراسات الإنسانيّة، الرباط