ديمقراطية

من رؤية بيديا
اذهب إلى: تصفح، ابحث

الديمقراطيّة يُعدُّ مصطلح الديمقراطيّة من أقدم المصطلحات السياسيّة، وأكثرِها تداولاً واستعمالاً؛ وقد ظهرت البوادرُ للنظام الديمقراطيّ في العهد اليونانيّ في إطار دولة المدينة. ومصطلح الديمقراطيّة يتكوّن بحسب أصله اليونانيّ من كلمتين Démos وتعني الشعب، و Kratos وتعني الديمقراطيّة، فهو إذن: حكم الشعب. وتذهب أغلب الدراسات إلى تعريف الديمقراطيّة، بكونها تعني حكم الشعب، بوساطة الشعب، ومن أجل مصلحة الشعب (حكمُ الشعبِ نفسَهُ، بنفسِهِ، ولنفْسِهِ). وبذلك يكون المعنى سلطة الشعب أو حكمه.[١]

محتويات

طوباويّة التعريف الفلسفي وواقعيّة التعريف البديل

لكن تعريفها أنّها حكم الشعب، بالشعب، من أجل مصلحة الشعب يعتبر تعريفاً طوباويّاً بشكل كبير، ولا يعكس حقيقة الواقع، فالديمقراطيّة عرفت تطوّرات متسارعة سواء على مستوى النظريّات أو على مستوى الممارسة.
ولهذا يمكن تعريفها حاليّاً بأنّها نظام حكم في إطاره، يتولّى جزءٌ من الشعب ممارسة الحكم باسم الشعب، ولمصلحة الشعب، وتحت مراقبة الشعب.
وتتميّز الديمقراطيّة بكونها تقوم على أساس:

  • تمكين الشعب من ممارسة السلطة السياسيّة في الدولة، إمّا بشكل مباشر، أو عن طرق من ينتخبهم الشعب لهذا الغرض.
  • كما أنَّ الديمقراطيّة هي الأساس المتين لفرض المساواة أمام القانون، ولحماية الحقوق والحرّيّات المدنيّة والسياسيّة.

الديمقراطيّة والاستبداد

وتُعدُّ الديمقراطيّة أهمّ سلاح ضدّ الاستبداد والتسلّط، واحتكار السلطة، والمساس بالحقوق والحرّيّات، كما أنَّ الديمقراطيّة تُعدُّ شرطاً أساسيّاً لتحقيق التنمية في سائر المجالات البشريّة والسياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافي ة...

المبادئ التي يعكسها تعريف الديمقراطيّة

ويعكس مفهوم الديمقراطيّة مجموعة من المبادئ الأساسيّة تتمحور حول الإيمان بحرّيّة الفرد وسيادة الشعب، والمساواة القانونيّة، والتعدّديّة الحزبيّة، والمشاركة السياسيّة، والتداول السلميّ للسلطة والانتخاب الحرّة... إلخ. وإذا كانت الأبعاد السابقة ذات طبيعة سياسيّة، فإنّ ثمّة أبعاداً اقتصاديّة - اجتماعيّة للمفهوم تركّز على الحقّ في العمل، وفي الضمان الاجتماعيّ، وفي المساواة في الأجور... إلخ؛ وتعتبر هذه الأبعاد جوهر الديمقراطيّة عموماً، وفي شقّها السياسيّ خصوصاً على أساس أنّ الجائع لا يشارك سياسيّاً. في هذا الإطار تدّعى كلُّ النظم السياسيّة في العالم الديمقراطيّة، وتعمل على تلميع المفهوم بتسميات محلّيّة مثل ديمقراطيّة الاستفتاءات عند النازيّين، والديمقراطيّة المركزيّة عند ماوتسي تونج، والديمقراطيّة الموجّهة عند سوكارنو، والديكتاتوريّة الديمقراطيّة عند سيكوتوري، والديمقراطيّة الحقّة عند كاسترو.

الديمقراطيّة المباشرة وغير المباشرة

والديمقراطيّة قد تكون غير مباشرة، أي أنْ يحكم الشعب بوساطة ممثّليه أو نوّابه، وهي الصورة الشائعة، أو قد تكون مباشرة بمعنى أن يحكم الشعب نفسه بنفسه وهو ما مثّل النمط المتّبع في النموذج الأثينيّ، لكنّ التضخّم الكبير في عدد السكان أدّى إلى استحالة اللجوء إليه، إلّا من خلال الاستفتاء الشعبيّ على قرارات أو مشروعات قوانين لها أهمّيّتها الخاصّة، ومن الملاحظ أنّ الدعوة إلى الديمقراطيّة اكتسبت أبعاداً جديدة بعد انهيار الاتحاد السوفيتيّ، وتجلّى ذلك في التحوّل الديمقراطيّ في العديد من دول أوروبا الشرقيّة، فضلاً عن أمريكا اللاتينيّة وآسيا، فيما أطلق عليه: الموجة الثالثة للديمقراطيّة. وأحرزت الجهود الدوليّة ذات الصلة تقدّماً ملموساً في هذا المجال، فيذكر أنّ لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتّحدة عنيت بالديمقراطيّة في قرارها رقم (46 / 2002).

عناصر الديمقراطيّة، المشكّلة لها

بتحديد عناصر النظام الديمقراطيّ خطوة لا غنى عنها لضبط ممارسات النظم السياسيّة وتلك العناصر هي:

ولم يتضمّن ميثاق الأمم المتّحدة أيّة إشارة مباشرة إلى الديمقراطيّة، لكن المنظمة الدوليّة شرعت اعتباراً من عام (1988 م) في اعتماد قرارات وتنفيذ برامج وتدابير لتعزيز الديمقراطيّة، وتدخل في هذا السياق تجاربها المتعدّدة في التحقّق من سير العمليّة الانتخابيّة في عدد من دول العالم.

الديمقراطيّة وحقوق الإنسان

وفي عام (1999 م) وقع تطوّر حريّ بالتسجيل، مع إقرار الأمم المتّحدة أوّل نصّ يؤكّد على الحقّ في الديمقراطيّة، إذ يشير قرار لجنة حقوق الإنسان رقم (57/ 1999) إلى اتجاه القانون الدوليّ نحو الاعتراف بالديمقراطيّة واحدةً من القيم التي تحظى بحماية قانونيّة دوليّة من جهة، وإلى الترابط بين الديمقراطيّة وحقوق الإنسان من جهة أخرى، وأورد القرار مجموعة من الحقوق التي تمثّل أساس نظام الحكم الديمقراطيّ وجوهره، وتلك هي: الحقّ في حريّة الرأي والتعبير والفكر والمعتقد، وتكوين الجمعيّات السلميّة والتجمّع السلميّ، والحقّ في الوصول إلى المعلومات وتداولها، وسيادة القانون، والحقّ في الاقتراع العامّ على قدم المساواة في انتخابات حرّة نزيهة، والحقّ في المشاركة السياسيّة بما في ذلك حقّ إقامة المؤسّسات الحكوميّة على أساس من الشفافية والمساءلة، والحقّ في اختيار المواطنين لنظامهم الحكوميّ، بالوسائل الدستوريّة أو سواها من الوسائل الديمقراطيّة، والحقّ في تكافؤ فرص تولّي الوظائف العامّة؛ ومن بعد توالت جهود المنظمة الدوليّة ذات الصلة، حيث صدر قرار لجنة حقوق الإنسان رقم (2002 / 46) بعنوان “زيادة التدابير الرامية إلى تعزيز الديمقراطيّة وتوطيدها”، وهو القرار الذي تجنّب وضع تعريف خلافيّ للديمقراطيّة وتجاوزها إلى تعريف خصائص الديمقراطيّة وذلك في تأكيد على مضمون القرار رقم (57/ 1999) مع إشارة خاصّة إلى الأحزاب السياسيّة والمنظّمات السياسيّة، كما أضاف قرار اللجنة نفسها رقم (2000 / 47) إلى كلّ ما سبق من أركان النظام الديمقراطيّ: زيادة فعّاليّة إجراءات وضع السياسات، وتعزيز التنمية المستدامة، وزيادة التلاحم والتضامن الاجتماعيّين.

الديمقراطيّة بعد أحداث (11) سبتمبر

على صعيد آخر، بدأت قضيّة الديمقراطيّة تكتسب أبعاداً جديدة بعد أحداث سبتمبر/ أيلول (2001 م)، إذ ذهبت بعض التحليلات الغربيّة إلى أنّ غياب الديمقراطيّة في بعض البلدان أدّى إلى شيوع الإرهاب وتصديره للخارج، ومن ثمّ إلى إلحاق الأذى بالمجتمعات الغربيّة، وفي هذا السياق طرحت الولايات المتّحدة عدّة مشروعات لإشاعة الديمقراطيّة، وطرح مفاهيم جديدة للسيادة خفّضت مضمونها إلى حدّ بعيد، بما يسمح بالتدخل الخارجيّ لفرض أشكال معيّنة من التطوّر السياسيّ والثقافيّ والاجتماعيّ، الأمر الذي يثير جدلاً كبيراً داخل منطقة الشرق الأوسط التي اختصّها هذا التصوّر بتركيز شديد.[٢]

ماهيّة الديمقراطيّة وتطوّرها التاريخيّ

سنتطرق في هذا المبحث إلى تعريف الديمقراطيّة، والبحث عن الأصل التاريخيّ لها، زيادة إلى ذلك التطوّر التاريخيّ لظهور الديمقراطيّة. المطلب الأوّل: تعريف الديمقراطيّة وأصلها التاريخيّ.

تعريف الديمقراطيّة

تعني كلمة الديمقراطيّة: حكم الشعب: وهي ترجع إلى أصل يونانيّ، مكوّن من مقطعين أحدهما demos ويعني: الشعب، والآخر crates ويعني حكماً أو سلطة، وبذلك تعني الكلمة: الشعبُ هو صاحب السلطة أو حكم الشعب.
وقد ظهر الكثير من التعريفات لهذا المصطلح فقد عرفها الرئيس الأمريكيّ السابق أبراهام لينكون في إحدى خطبه بأنّها حكم الشعب بوساطة الشعب ومن أجل الشعب، وتدلّ كلمة الشعب على أن يكون الحكم مِلكاً للشعب ويختصّ به.
وتشير عبارة "بواسطة الشعب" إلى اشتراك المواطنين في صنع السياسة، وممارسة الرقابة على ممثّليهم أو نوّابهم، وتعني عبارة من أجل الشعب أنّ الحكومة في خدمة الشعب، فليس الشعب مجرّد رعايا لهذه الحكومة.
وذهب لورد برايس إلى أنّ الديمقراطيّة شكل من أشكال الحكم تكون فيه السلطة الحاكمة في الدول ممثّلة قانونيّاً بأعضاء الجماعة ككلّ، وليس في طبقة أو طبقات معيّنة. وعرّفها جون سنيوارت قبله بأنّها شكل من أشكال الحكم يمارس فيه الشعب كلُّه أو القسم الأكبر منه سلطة الحكم من خلال نوّاب ينتخبونهم بأنفسهم بصورة دوريّة. وعرّفها سيلي بأنّها الحكم الذي يشارك فيه كلّ فرد من أفراد المجتمع.

مضمون الديمقراطيّة السياسيّ والدستوريّ

المشاكل الفعليّة والمباشرة والمستمرّة للمواطنين في تحديد اختبارات وسياسة البلاد، وفي تطبيقها ضمان الحرّيات الفرديّة والجماعيّة العامّة، وهي سياسة تسمح للمواطنين بمراقبة السلطة الحاكمة والتعبير عن رفضهم لسياستها عند الحاجة، وبعزلها إن استدعى الأمر ذلك، ويمتدّ ضمان الحرّيّات إلى حرّيّة الإعلام الذي يجب أن يعبّر عن كافّة الآراء والاتجاهات التعدّديّة السياسيّة، فعن طريقها يصبح ممكناً تعدّد الاختيارات والبدائل والحلول لمختلف المشاكل؛ العمل برأي الأغلبيّة الذي يجب أن تنصاع له الأقليّة، غير أنّ ذلك لا يعني اضطهاد ومحو وجهة نظر الأقلّيّة، بل لا بدّ من احترام رأيها بصفتها معارضة، وهي ضروريّة للديمقراطيّة فهي تحقّق التوازن وتسمح بمراقبة الأغلبيّة، وتطبّق تطرّفها إن أمكن ذلك، ويمكن القول إنّ كلّ أغلبيّة ليست لها معارضة دليل على قمع الآراء، وانعدام حرّيّة التعبير. تعدّد المؤسّسات الممارسة للسلطة من أجل منع الاستبدال، لا يجب تركيز كامل السلطة السياسيّة بيد شخص واحد، أو هيئة واحدة، بل يجب توزيع السلطة على مؤسّسات متعدّدة تراقب بعضها بعضاً، وتمنع استحواز إحداها على السلطة، وفي هذا الإطار يلعب مبدأ الفصل بين السلطات دوراً أساسيّاً على المستوى الدستوريّ، لتحقيق هذه الغاية.

التطوّر التاريخيّ لظهور الديمقراطيّة

تطوّر الديمقراطيّة في العصر القديم

الديمقراطيّة في اليونان وروما: ظهر التطبيق الأوّل للديمقراطيّة في بعض المدن اليونانيّة مثل: أثينا التي يتكوّن سكّانها من ثلاثة طبقات هي: 1-الأرقّاء، 2-الأجانب، 3-المواطنين الأحرار. وقد انفردت الطبقة الأخيرة دون (النساء والأطفال) بممارسة السلطة في المدينة، بوساطة جمعيّة الشعب، صاحبة السلطة العليا في سنّ القوانين، وتعيين الحكومة، والنظر في المسائل الخارجيّة بطريقة مباشرة، حيث يجتمع المواطنون الأحرار الذين بلغوا سنّ العشرين سنة، في هيئة جمعيّة شعبيّة، لاتخاذ القرارات اللازمة لتسيير شؤون المدينة، وما يجب ملاحظته هو أنّ الديمقراطيّة هاته كانت ضيّقة تفتقر إلى المواطنين، وتبعد الأغلبيّة الكبرى من السكّان من النساء والأرقّاء والأجانب، فضلاً عن ذوبان الفرد في الجماعة التي يمكنُها تقييدُ حقوق الفرد وحرّيّاته، إذا كانت تتعارض مع مصلحة الجماعة، إن تبيّن لها أنّ وجوده سيكون سبباً في ظهور حكم فرديّ، نتيجة تأييد مجموعة له، وهو الوضع الذي ساد أيضاً في روما، سواء في عصرها الملكيّ أو الجمهوريّ، حيث كانت تسير الدولة بوساطة اللجان والمجالس الشعبيّة، إلى أن استأثر القياصرة بالسلطة، وأطلقوا يدهم في ممارستها دون قيد. وبالنسبة إلى دور الأديان السماويّة في تأكيد مبدأ الديمقراطيّة والمطالبة بتطبيقها، فإنّنا نلاحظ أنّ الديانة المسيحيّة رغم أنّها تفصل بين المسائل الدينيّة والدنيويّة تطبيقاً لقول المسيح عليه السلام "دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله". إلّا أّنّها طالبت بالفضيلة والأخلاق الحميدة، وضرورة تطبيق العدالة بين أفراد المجتمع، كما أنّ المسيحيّة كانت تطالب بتجنّب عبادة الملوك، ممّا ساعده على تحقيق الفصل بين صفة المواطن الذي عليه أن يتقبّل سلطة الحاكم الزمنيّة واصفة الإنسان الذي يتمتّع بقيمة في ذاته، له عقل وروح وضمير، يفكّر بحريّة، ويؤمن ويعتنق الحريّة التي اختارها لنفسه، وهذا كلّه ساعد على تأكيد كرامة الإنسان، التي خصّ بها من عند الله، فأدّى ذلك إلى الحدّ من سلطان على الفرد في الشؤون الدينيّة، ممّا ولّد في نفوسهم نتيجة حرّيّة العقيدة والفكر اتجاهاً إلى المطالبة بالعديد من الحقوق والحرّيّات. وبعد سقوط الإمبراطوريّة في الغرب سنة (476 م) أصيبت الأفكار تلك بنكسة رهيبة، فقامت الإقطاعيّة وانقسم المجتمع إلى مُلّاك وأقنان، تمّت سيطرة رجال الدين على السلطة الدينيّة، ثمّ السلطة فقامت الكتوليكيّة بأعمال بشعة ضدّ من لا يؤمن بالديانة المسيحيّة، ومن يخرج عن تعاليمها فقد الإنسان ما حقّقه في أثناء ظهور المسيحيّة، وحلت السلطة المطلقة الدينيّة محلّ السلطة المطلقة الزمنيّة السابقة على الديانة المسيحيّة، ومع ذلك يمكن اعتبار الديمقراطيّة اليونانيّة الباردة الأولى للديمقراطيّة الحديثة التي نادى بها الفلاسفة بعد النهضة الأوربيّة، للوقوف ضدّ الملكيّة المطلقة، وتطبيق مبدأ تقييد السلطة، وخضوع الحاكم للقانون، وظهر تطبيق هذه الأفكار فيما بعد، على أثر الثورات التي قامت في أمريكا وأوربا، التي ضمنت إعلاناتها ودساتيرها مبدأ سيادة الأمّة، والمساواة بين المواطنين، وأنّ القانون يعدّ التعبير عن الإرادة العامّة للأمّة.

الديمقراطيّة في الإسلام

بين ظهور المسيحيّة والثورات الأوربيّة ظهر دين جديد لعب دوراً كبيراً في تصوير وتدعيم الديمقراطيّة، إنّه الدين الإسلاميّ الذي كان ثورة على العبوديّة والطغيان، بتقريره الحريّة والمساواة بين الأفراد، وأصبحت الحرّيّة والمساواة نتيجتين متلازمتين لاعتناق الإسلام، وإذا قلنا إنّ للإسلام دوراً في تدعيم الديمقراطيّة، فهذا لا يعني أنّ الدولة الإسلاميّة طبقت المبادئ الديمقراطيّة الحديثة المعروفة في الدول الليبراليّة، ذلك أنّ ديننا منح الفرد حقوقاً اتجاه الجماعة والعكس، وهذا ما لم تفعله الديمقراطيّة الحديثة، رغم اختلاف أساليب التطبيق بين الديمقراطيّة الإسلاميّة والديمقراطيّة الليبراليّة، فإنّنا نجد عناصر متقاربة بينهما، وإن كان النظام الإسلاميّ ليس عقداً أو تنازلاً أو منحة، وإنما هو حقوق وواجبات أقرّها الإسلام، على الحاكم والمحكوم الالتزام بها، وإن كان مبدأ الشورى الذي يطبع النظام الإسلاميّ بطابعه يجد تطبيقاً نوعيّاً له قبل الإسلام، وبعد الخلفاء الراشدين. وإن كان المقصود بالديمقراطيّة في الإسلام هو اعتماد مبدأ الشورى، الذي يعني لغويّاً تبادل الرأي حول موضوع أو مواضيع معيّنة. ويقصد بها في الاصطلاح: فلسفة في الحكم، والتعامل بين أفراد المجتمع، والذي يعتبر أحد مبادئ فلسفة الحكم في الإسلام، فإنّ أنظمة الحكم التي كانت سائدة قبل الإسلام رغم اعتمادها في كثير من الحالات على التنظيم القبليّ، حيث فقد الفرد قيمته داخل الجماعة، اعتمدت هي الأخرى مبدأ الشورى وهذا ما أكّده القرآن الكريم إذ أنّنا نجد أنظمة اليمن قديماً أقرّت الشورى نظاماً للحكم، وهذا في عصر الملكة بلقيس، فقد جاء في القرآن الكريم "يأيّها الملأ أفتوني في أمري، ما كانت قاطعة أمراً حتّى تشهدون" وكذلك موسى عليه السلام "و اجعل لي وزيراً من أهلي، هارون أخي، اشدد به أزري وأشركه في أمري" وقد ثبت أنّ مجالس الشورى كانت موجودة قبل الإسلام، فقد كان لقبيلة تدمر مجلسان أحدهما: للشيوخ، يضمّ المتقدّمين في السنّ من ذوي الثروة والجاه، والثاني للعشائر: يضمّ الشباب، ولدى القبانيّين في اليمن أيضاً مجلس للشورى يسمّى (دار الشورى) أو المشاورة، المتكوّن من رؤساء القبائل، ومهمّتهم تقديم المشورة للملك، ولكن لهم دستور ينظّم العلاقات بين الأفراد والحكّام، وفي مكّة أقام بن كلاب حكماً يعتمد الشورى بعد أن طرد بني خزاعة، حيث أسّس دار الندوة بالقرب من الكعبة، وكان أوجه فريق يتداولون حول شؤون المدينة مهما كانت طبيعتها. وإن انتقلنا إلى منطقة المغرب العربيّ قبل الإسلام أيضاً، فإنّ الأمر لا يختلف عن المشرق، ذلك أنّ هذه المنطقة لم تكن تخضع كلّيّاً للبيزنطيّين، وإنّما هناك بعض منها بقي محتكراً بوساطة أبنائه حكماً اعتمد مبدأ الشورى بين مختلف القبائل التي تعاونت فيما بينها لحكم تقسّمها بوساطة الثورة في ظلّ القبيلة، والغرض من هذا الأسلوب في الحكم هو كفالة التوازن بين القبائل من جهة والحفاظ على حقّ كلّ قبيلة أو جزاء منهما من جهة أخرى، ويسمّى ذلك في تمثيل كلّ عائلة أو قبيلة في مجلس أعيان القبيلة التي ينتخب شيخها من قبل الأعيان، والذي لا يتّخذ أيّ قرار هامّ إلّا بعد استشارتهم.

الشورى في الإسلام

وبمجيء الإسلام تأكّد مبدأ الشورى لكن بمفهوم أوسع وأوضح، حيث عدّ جزءاً من نظام الحكم، قصد تعويد المسلمين على معالجة الأمور بحكمة، بعد التشاور الذي ينير ويوضّح الصواب من الخطأ، ومن ثمّ فهي (الشورى) جزء من فلسفة الحكم في الإسلام، وهذا ما أكّده القرآن الكريم والسنّة "وشاورهم في الأمر" سورة (3) الآية (159)، "وأمرهم شورى بينهم" السورة (42 - الشورى) الآية (38)؛ وكان الرسول صلّى الله عليه وسلّم يشاور أصحابه في الأمور الهامّة، وأخذ برأي وتبعه في ذلك الخلفاء الراشدون، فقد جاء في حديث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم "استعينوا على أمركم بالشورى " وطبّق المبدأ أوّل الأمر في عصر الرسول صلّى الله عليه وسلّم بعد المبايعة الأولى في العتبة للرسول صلّى الله عليه وسلّم من قبل وفد ضمّ جماعة من الأوس والخزرج، ذلك الوفد الذي وصف بالوفد العقائديّ وليس القَبَلِيّ، حيث بموجب تلك المبايعة أعلنوا عن انضمامهم ودخولهم في الإسلام، على أساس عقائديّ والذي تأكّد بالدستور الأوّل الذي وضع يوم هاجر مسلمو مكّة إلى المدينة "هذا كتاب محمّد النبيّ (ص) بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم، أنّهم أمّة واحدة من دون الناس" ومن هنا نجد هذه الوثيقة قد أكّدت مبدأ الشورى الذي جاء في القرآن الكريم وجعل منه فلسفة حكم وحياة.

التطوّر الديمقراطيّ في العصر الحديث:

لقد كان للحرب العالميّة الأولى وما أصاب العالم الرأسماليّ من نكسات أثر بالغ الغور على النظام السياسيّ الديمقراطيّ الليبراليّ، فقد أشارت مرحلة ما بين الحربين بالصراعات السياسيّة الاقتصاديّة ممّا أدّى إلى ظهور نظام رغم ارتكازه على النظام الفرديّ مغاير في قيمه من الواقع، فحلّ نظام الإدارة الجماعيّة والتخطيط محلّ المنافسة الحرّة، واعتمد على وسائل الإعلام في فرض منتوجه، والمطالبة بقيام دولة قرية تنظّم الإنتاج والتوزيع والتبادل، وإنشاء أحزاب جماهيريّة منظّمة بدلاً من اقتصارها على الدور التقليديّ، والمنافسة بين أحزاب غير منتظمة، وهو ما أدّى بالعديد من الكتّاب إلى إطلاق تسمية جديدة على هذا النظام الجديد "إنّه الديمقراطيّة الفنيّة "فضلاً عن ظهور جديد لنموذج من الديمقراطيّة هو الديمقراطيّة الماركسيّة".

صور الديمقراطيّة وميزاتها:

المطلب الأوّل: أشكال الديمقراطيّة:

الفرع الأوّل: الديمقراطيّة المباشرة:

الديمقراطيّة المباشرة هي أقدم صور الديمقراطيّة، وكانت متّبعة في المدن اليونانيّة القديمة، ولكنّها اختفت في العصور الحديثة، وفي ظلّ الديمقراطيّة المباشرة يكون للمواطنين حقّ التعبير المباشر إرادة الدولة وتحكم الحكومة الشعبيّة، وفي هذا الشكل من الديمقراطيّة يمارس الشعب جميع السلطات التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة فيضع القوانين ويتولّى تنفيذها وإدارة المرافق العامّة، كما يتولّى القضاء والفصل في المنازعات. ولا يأتي هذا الشكل من الحكم إلا إذا كانت الدولة صغيرة في مساحتها، قليلة في عدد سكّانها، وبالتّالي يستطيعون أن يجتمعوا لمناقشة قوانين ودستور الدولة، وهذا النوع كان منتشراً في المدن اليونانيّة القديمة، التي كانت تسمّى دولة المدينة city state وهي تختلف عن الديمقراطيّة الحديثة. كانت دولة المدينة في أثينا خلال القرن الرابع والخامس قبل الميلاد تحكم حكماً مباشراً بوساطة عقد اجتماعات منظّمة للجمعيّة، والتي كانت تتكوّن من (30.000) من المواطنين الذكور، وكان عدد الأعضاء الكافي لإصدار قرار (6.000)، وكانت القرارات تؤخذ عن طريق أغلبيّة الأصوات، وكان الأجانب والعبيد والنساء لا يمثّلون في الجمعيّة وكان المواطنون في النموذج الديمقراطيّ هم الحكومة.

الفرع الثاني: الديمقراطيّة غير المباشرة والشبه مباشرة:

وتعني الديمقراطيّة غير المباشرة النظام السياسيّ الذي قوامه برلمان، حيث يختار الشعب نواباً لممارسة السلطة، ويتمّ ذلك بوساطة الأحزاب السياسيّة، ويعهد بالسلطة إلى هيئات تتولى ممارستها نيابة عنه. ومن مزايا الحكم النيابيّ أنّه سهل التطبيق، وبخاصّة في الدول كثيرة السكّان، وأنّ اختيار النوّاب يكون الأصلح، وبخاصّة في المسائل الفنيّة أو العلميّة التي تحتاج إلى متخصّصين، ذوي خبرة ويوصف النظام بأنّه نيابيّ في ضوء النقاط الآتية: يتعيّن أن يكون البرلمان منتخباً من الشعب، أن يعتبر عضو البرلمان ممثّلاً للأمّة كلّها إلّا لناخبي دائرته، فيجب أن يستقيل عضو البرلمان عن ناخبيه إبّان نيابته، فلا يكلّف بتقديم حساب لهم عن أعماله وليس لهؤلاء حقّ عزله أن ينتخب عضو البرلمان مدّة معيّنة، وذلك حتّى لا يترتّب على استقالته عن ناخبيه إبّان نيابته أن تفقد الأمّة كلّ رقابة على البرلمان، فإذا كان العضو معيّناً مدة قصيرة، حمله هذا على أن يعمل جهده على الاحتفاء بثقة ناخبيه، حتّى يعاد انتخابه، ولا يكون المجلس نيابيّاً إذا كانت له سلطات جدّيّة فلا تعتبر مجالس نيابيّة المجالس الاستشاريّة حتّى لو كان أعضاؤها يعيّنون بالانتخاب، إذ المفروض في المجالس النيابيّة في منطق النظام النيابيّ إنذما ينوب عن الأمّة في مباشرة سلطاتها، إنّ الأمّة في النظام الديمقراطيّ هي مصدر السلطات جميعاً، ولذلك تتولّى المجالس النيابيّة السلطة التشريعيّة إما منفردة كما هو الحال في الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وإمّا بالاشتراك كما هو الحال في إنجلترا، و قد يكون نظام الحكم خليطاً من النظامين السابقين (مباشرة ونيابيّة) وذلك بأن ينتخب الشعب هيئة نيابيّة تمثّله، وتتولّى السلطة باسمه على أن ترجع هذه الهيئة النيابيّة إلى الشعب تستفتيه في بعض الأمور الهامّة، ويسمّى هذا النظام بالديمقراطيّة شبه المباشرة، أو شبه النيابيّة، وتستخدم وسائل عديدة لتطبيق الديمقراطيّة شبه المباشرة. وهي الاستفتاء الشعبيّ، فالبرلمان يضع مشروع القانون، ثمّ يعرض على الشعب لأخذ رأيه فيه، فإذا وافق عليه أصبح واجب التنفيذـ وإذا اعترض عليه يسقط المشروع، وهذا يسمّى بالاستفتاء التشريعيّ، وقد يكون الاستفتاء سياسيّاً إذا كان متعلّقاً بمسالة سياسيّة. الاعتراض الشعبيّ: وذلك إذا اعترض الشعب على قانون معيّن أو إجراء معيّن، اتخذه البرلمان خلال فترة معيّنة، يحدّدها الدستور. الاقتراح الشعبيّ: ويقصد به اقتراح الشعب مشروع قانون، يتقدّم به إلى البرلمان. إقالة الناخبين لنوابهم: وهذا المبدأ مطبّق في الولايات المتّحدة. وهناك طرق مختلطة للديمقراطيّة، فقد تجمع الدولة فيما يتعلّق باختيار حكمها بين الديمقراطيّة الأوتوقراطيّة، فتلجأ الدولة لنظام وسط بينهما، فقد تلجأ الدولة إلى اتّباع طريقة ديمقراطيّة في اختيار الآخرين، مثال ذلك أن يوجد في الدولة حاكم وراثيّ (ملك)، بجوار البرلمان، يعيّن أعضاءه بالانتخاب، كما كانت الحال في مصر، في ظلّ النظام الملكيّ وبقدر اتباع سلطة الملك أو البرلمان، يقترب من الأوتوقراطيّة أو الديمقراطيّة. وإذا كان رئيس الدولة منتخباً ويتمّ انتخاب رئيس الجمهوريّة بطرق عديدة تختلف باختلاف الدساتير، فبعضهم ينتخب بوساطة الشعب، وبعضهم الآخر عن طريق البرلمان. ويعاب على الانتخاب عن طريق الشعب أنّ الرئيس المنتخب قد يستأثر بالسلطة مادام يتمتّع بنيابيّين شعبيّين، وهو ما فعله شارل لويس نابليون الذي اختاره الشعب الفرنسيّ فاستبدّ بالسلطة وعيّن نفسه إمبراطوراً على فرنسا مدى الحياة، أمّا الانتخاب عن طريق البرلمان فيجلس رئيس الجمهوريّة بخاصّة للسلطة التشريعيّة (البرلمان) ولحزب الأغلبيّة في البلاد ومن ثمّ تخضع السلطة التنفيذيّة لسيادة القانون.

المطلب الثاني: ميزات الديمقراطيّة:

الفرع الأوّل: تطوّر التمثيل الشعبيّ:

ساد العصر القديم نظام يسمّى بالديمقراطيّة المباشرة الذي يعني تسيير شؤون الدولة بوساطة الشعب مباشرة، دون إنابة غيره، وقد ساد هذا النظام في اليونان فقد كان يجتمع المواطنون الأحرار على شكل جمعيّات كالجمعيّة الشعبيّة eclesia لاتخاذ القرارات الضروريّة لتسيير شؤونهم، فضلاً عن تعيين القضاء ومراقبة مجلس الخمسمائة، وبعد انهيار هذا النظام ساد الحكم الفرديّ، باستثناء فترات معيّنة في روما والدولة الإسلاميّة، إلى أن جاءت الثورة الفكريّة التي اعتمدت الديمقراطيّة أساساً للحكم الشعبيّ، وارتبط مفهومها بالانتخاب، حتّى إنّ الكتّاب المحدثين لا يطلقون تسمية النظام الديمقراطيّ إلا على تلك التي يتمّ فيها انتخاب الهيئات الحاكمة بوساطة الشعب؛ وقد استطاعت البرجوازيّة أن تفرض هذا المبدأ للقضاء على الطبقات الوراثيّة والارستقراطيّة والدينيّة، إلّا أنّها كانت متخوّفة هي الأخرى من الطبقات الشعبيّة، فحاولت وضع قيود على الانتخابات، حفاظاً على سلطتها ومصالحها، ولكنّها أقرّت أنّ الأفراد أحرار متساوون، وأنّه لا يحقّ وفقاً لذلك أن يسيروا من طرف شخص واحد، دون الرضا عنه بالانتخاب عليه، وللتوفيق بين الحريّة والمساواة من جهة، والقيود التي يجب فرضها على الانتخابات في حالات معيّنة، إذ كانت تظهر مصالح الطبقة الحاكمة، اجتهد الفقه وجاء بنظريّات تتماشى والمبدئيّة، وهما نظريّتان: الوكالة الإلزاميّة والوكالة العامّة التي سبق الحديث عنها.

الفرع الثاني: مضمون الانتخاب:

لقد عرفت نظم الحكم القديمة والحديثة بخاصّة الديمقراطيّة الليبراليّة منها الانتخاب، إلا أنّ هذه الوسيلة اشتهرت في النظم الغربيّة نتيجة استحالة تطبيق الديمقراطيّة المباشرة بعد أن انتقدت من قبل الدولة اليونانيّة القديمة باعتبارها لا تحقّق المساواة بين للمواطنين في تولّي السلطة، فاعتمدوا القرعة في تولّي الوظائف العامّة، وكذلك الديمقراطيّة المباشرة في ممارسة السلطة، تكون بوساطة الجمعيّة الشعبيّة المكوّنة من المواطنين الأحرار. والانتخاب كما سبق أن رأينا كيف من قبل بعضهم على أنّه حقّ، في حين أنّ بعضهم الآخر اعتبره وظيفة، وقد استند أيضاً الرأيان على الحجج التالية: الرأي القائل إنّ الانتخاب حقّ شخصيّ لكلّ مواطن، نتيجة تمتّعه بحقوقه السياسيّة، إلى جانب الحقوق المدنيّة وبالتالي امتلاكه لجزء من السيادة يمارسه عن طريق الانتخاب، ممّا يقرّر حقّ الاقتراع العامّ، وعدم حرمان أيّ مواطن يتمتّع بالحقوق السياسيّة من ممارسته وكذلك له حريّة استعماله أو الامتناع عن ممارسته. أمّا الرأي القائل إنّ الانتخاب وظيفة، فيرتكز على وحدة السيادة غير القابلة للتجزئة ممّا يحرّم المواطن من التمتّع بحقّ الانتخاب، فالمواطنون يمارسون وظيفة كلّفوا بها من طرف الأمّة، والتي لها الحقّ في تحديد من يمارس تلك الوظيفة، سواء نتيجة انتماءاتهم الوظيفيّة أو الماليّة، وكذلك إجبارهم على ممارستها، والحقيقة أنّ الرأيين تنقصهما الدقّة، فاعتبار الانتخاب حقّاً شخصيّاً يحول دون تقييده مع أنّ المشرّع يستطيع تقييده وتنظيمه، أمّا اعتباره وظيفة فإنّ ذلك لا يمنع المشرّع أيضاً من توسيعه على أكبر عدد من المواطنين، باسم المصلحة العامّة، وإن كان بعضهم يتساءل أيضاً عن مدى شرعيّة تنظيم المشرّع لوظيفة هي التي كانت سبباً في نشأته أو ظهوره. وقد ظهر نتيجة لذلك موقف جديد كيّف الانتخاب على أنّها سلطة قانونيّة يقرّرها المشرّع للمواطنين للمشاركة في اختيار السلطات العامّة في الدولة، السلطة القانونيّة مقرّرة من أجل الجماعة وليس من أجل الفرد، وللمشرّع سلطة تعديل مضمونها وطرق استعمالها.

الفرع الثالث: أساليب أو نظم الانتخاب

توجد عدّة أساليب أو نظم للانتخاب يمكن إجمالها فيما يلي:

الاقتراع المقيّد

لم يظهر الاقتراع العامّ في الدول الديمقراطيّة إلّا بعد تطّور أصاب الاقتراع المقيّد، الذي أخذ شكلين أساسيّين: القيد الماليّ وقيد الكفاءة: وهما القيدان الواردان في الدستور أو قانون الانتخاب، اللذان يتطلّبان توافر شروط معيّنة في الشخص حتّى لا يتمكّن من ممارسة هذا الحقّ، وأهمّ هذه الشروط هي توافر نصاب ماليّ معيّن أو كفاءة أو هما معاً.

  • القيد الماليّ: فبالنسبة إلى توفر نصاب ماليّ معيّن، نجد أنّ القانون يشترط لكي يمارس المواطن تلك السلطة، أن يكون ملكاً لثروة ماليّة معيّنة، قد تكون نقداً أو عقاريّة، والسبب في ذلك أنّ الثروة شريطة أكثر من غيره بالوطن، وأن يساهم خلافاً لغير المالك في تحمّل نفقات الدولة، وله المصلحة في الدفاع عن الوطن، كما أنّ امتلاك تلك الثروة تدلّ على كفاءته وإدارة شؤون الدولة، لأنّه أثبت قدرته وإدارة وحفظ أمواله، إلا أنّ هذا القيد كان يخالف مبدأ المساواة، ويسمح لطبقة البرجوازيّة لتولّي السلطة، وإبعاد غيرها، ممّا كان سبباً في إلغاء هذا القيد باستثناء بعض الولايات الجنوبيّة والولايات المتّحدة الأمريكيّة، الغرض منها إبعاد السود من ممارسة حقّ الانتخاب.
  • قيد الكفاءة: أمّا تقييد الانتخاب بالكفاءة، فيهدف إلى منح سلطات أوسع للمواطن الكفء على المواطن البسيط، ومثل ذلك اشتراط قانون الانتخاب مستوى من التعليم، أو شهادة معيّنة، وقد أتيحت هذه الطريقة في الولايات المتّحدة الأمريكيّة في الجنوب، كذلك كانت تشترط للتمتّع بحقّ الانتخاب أن يكون المواطن عالماً بالقراءة والكتابة، أو يكون قادراً على تفسير الدستور.

والملاحظ أنّ هذه الطريقة كانت تتنافى هي الأخرى مع الديمقراطيّة، إلّا أنّها استعملت في بعض الدول مثل فرنسا في عصر الملكيّة سنة (1830 م) التي اعترفت للأعضاء الأكاديميّة وضبّاط الصفّ من أجل التخفيف من شرط النصاب الماليّ بحقّ الانتخاب. ونظراً للعيوب السالف ذكرها وضغط الرأي العامّ، ظهر أسلوب الاقتراع العامّ أوّل الأمر في سويسرا سنة (1830 م) وفي فرنسا (1848 م) ثمّ ألمانيا سنة (1871 م) وبريطانيا سنة (1918 م).

الاقتراع العام ّ

إذا كان الاقتراع العامّ مقدّساً في معظم دول العالم، إلّا أنّ هذا لا يعني انتقاء قيود معيّنة تفرض على الشخص لممارسة حقّ الانتخاب. الخاتمة: ومنه نستخلص أنّ الديمقراطيّة شكل من أشكال الحكم، تكون فيه السلطة الحاكمة للدول للجماعة ككلّ، بطريقة أو بأخرى، أو بشكل من الأشكال، ولهذا تعتبر الديمقراطيّة أحسن نظام معمول به وأنجعهم لحدّ الآن.[٣]

ديمقراطيّة اجتماعيّة

Social Democracy/ Démocratie: ظهرت الديمقراطيّة الاجتماعيّة أواخر القرن التاسعَ عشرَ وبداية القرن العشرين، وقد نشأت من طرفِ أنصار الماركسيّة من أمثال "روزا لوكسمبورغ" و"فلادميرلينين". وتعتمد على مقومّات أساسيّة، من أهمّها ضمان المساواة الاقتصاديّة والاجتماعيّة بين مواطني الدولة، وضمان الاستفادة العادلة من ثروات ومقدَّرات البلاد، والرفع من المستوى الماديّ لكلّ الفئات الاجتماعيّة.

الفرق بين الديمقراطيّة التقليديّة والديمقراطيّة الاجتماعيّة

في حين أنَّ الديمقراطيّة التقليديّة كانت تهدف أساساً إلى تحقيق المساواة السياسيّة بين الأفراد فقط، وقد تطوّر مفهوم الديمقراطيّة الاجتماعيّة بعد التطوّر الصناعيّ والتجاريّ الذي عرفته الدول الغربيّة، وأخذت به الدول التي تعمل بالديمقراطيّة السياسيّة الليبراليّة؛ حيث نصّت دساتيرُ العديد من هذه الدول على بعض الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة، كالحقِّ في العمل والحقوق والحرّيّات النقابيّة، والحقِّ في التعليم، والحقِّ في الصحّة، والحقِّ في الحماية الاجتماعيّة.

ومن هذه الدساتير، نذكر الدستور الفرنسيّ، والدستور الألمانيّ، والدستور الكنديّ، والدستور الأمريكيّ؛ والديمقراطيّة الاجتماعيّة، هي بمثابة إيديولوجيا أو فكر سياسيّ، يجمع بين الليبراليّة السياسيّة من جهة، والعدالة الاجتماعيّة من جهة ثانية، تسمح للدولة وللأفراد بالتدخّل في المجال الاقتصاديّ، وذلك بهدف تحقيق المصلحة العامّة وضمان تكافؤ الفرص بين مواطني الدولة. وتعتمد الديمقراطيّة الاجتماعيّة على عدّة أُسسٍ ومقوّمات، نذكر منها:

  • 1. ضمان الحرّيّات الفرديّة والجماعيّة.
  • 2. المساواة والعدالة الاجتماعيّة.
  • 3. التضامن الاجتماعيّ.
  • 4. الديمقراطيّة وحقوق الإنسان.
  • 5. السلام والأمن.


هوامش

مصادر

  1. موسوعة المفاهيم الأساسيّة في العلوم الإنسانيّة والفلسفي ة، عربيّ،إنكليزيّ،فرنسيّ،المؤلف محمد سبيلا، ونوح الهرمونيّ،الطبعة الأولى (2017 م)، منشورات المتوسط ميلانو إيطاليا، بالتعاون مع المركز العلميّ العربيّ للأبحاث والدراسات الإنسانيّة، الرباط.
  2. الموسوعة السياسيّة، المشرف، د. عبد الوهاب الكياليّ،الجزء الأوّل، صادرة عن المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر.
  3. دكتور بو شعير سعيد، القانون الدستوريّ والنظم السياسيّة، الجزء الثانيّ الطبعة السابعة (2005 م)، ديوان المطبوعات الجامعيّة الجزائر (2) دكتور حسين عبد الحميد أحمد رشوان، الديمقراطيّة والحريّة وحقوق الإنسان، طبعة (2006 م)، المكتب الجامعيّ الحدي.