حداثة

من رؤية بيديا
اذهب إلى: تصفح، ابحث

الحداثة: استقطب مفهوم الحداثة La modernité اهتمام الأدباء والفلاسفة وعلماء الاجتماع، منذ عصر النهضة حتّى اليوم، واحتلّ مكانه المميّز في الأنساق الفكريّة الكلاسيكيّة عند كارل ماركس K.Marx، وإميل دوركايم E.Durkheim، وماكس فيبر M.Weber، واستطاع لاحقاً أن يأخذ مركز الأهميّة في أعمال المحدثين، ولا سيّما هابرماس J.Habermas، وجيدن A.Gidden، وليوتار J.F.Lyotard، وتورين A.Touraine. تتعدّد معاني كلمة الحداثة بحسب سياقاتها، فقد تنحصر في دلالاتها الزمانيّة لتعني المعاصرة
وقد تعني التغيّر والتطوّر وإعادة النظر بشكل دائم في الأفكار وأشكال التنظيم الاجتماعيّ.
كما قد تعني عندما تتّصل بالمجتمع ما تعنيه كلمة إصلاح.
وفي ميدان الأدب والفنّ تكاد تطابق معاني الإبداع والابتكار؛ أمّا في الاستعمال اليوميّ الشائع فهي لا تتجاوز معنى الجدّة الشكليّة بغضّ النظر عن مضمونها ومردودها.


محتويات

بداية الحداثة

الحداثة تشمل مجموعة من التغييرات الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة، بالإضافة إلى أخذ تلك التغييرات على أنّها عصريّة، فالجدل حول الحداثة يتناول هذه التغييرات التي يبدو أنّها بدأت في أوروبا في أواخر القرن الخامس عشر، أو بداية القرن السادس عشر.

بعض المفكّرين يؤرّخون بداية الحداثة عام (1436 م)، مع اختراع غوتنبرغ للطابعة المتحرّكة.
وبعضهم الآخر يرى أنّها تبدأ في عام (1520 م) مع الثورة اللوثريّة ضدّ سلطة الكنيسة.
مجموعة أخرى تتقدّم بها إلى عام (1648 م) مع نهاية حرب الثلاثين عاماً، ومجموعة خامسة تربط بينها وبين الثورة الفرنسيّة عام (1789 م) أو الثورة الأمريكيّة عام (1776 م)، وقلّة من المفكّرين يظنّون أنّها لم تبدأ حتّى عام (1895 م) مع كتاب فرويد "تفسير الأحلام"؛ وبدأت حركة الحداثة (modernism) في الفنون والآداب.[١]

الحداثة والتحديث

فإذا كان تحديث المجتمع يعبّر عن صيرورة تاريخيّة لا تتوقّف، فإنّ الحداثة هي الفكر النظريّ أو المقولات العلميّة والفلسفيّة التي تحكم ديناميّات التحديث وتدفعها باتجاه الحفاظ على الذات، فهي بهذا المعنى «تجربة وعمليّة نشطة لتغيير شروط الإنتاج النظريّ والمادّيّ وتحسين ظروف حماية الذات وازدهارها وتطويرها».
ومع ذلك فهي ليست بمثابة تجديد مضمون أو محسوم سلفاً، ولكنّها معركة ذاتيّة تخوضها الشعوب والثقافات حتّى تستطيع أن تتحوّل من مستهلك للحضارة إلى منتج لها.
إنّ مفهوم الحداثة، انسجاماً مع هذا التطوّر، ينطوي على عمليّات معقّدة عديدة ومتداخلة، تطال مختلف مستويات الوجود الإنسانيّ، بما فيها المستويات التقنيّة والاقتصاديّة والسياسيّة إلى جانب المستويات الإداريّة والاجتماعيّة والثقافيّة والفلسفيّة والفنّيّة، وتبعاً لذلك لا يمكن فهمها كظاهرة تاريخيّة شاملة إلا بدراستها دراسة استقصائيّة دون إهمال أيّ جانب من جوانبها.

الملامح التاريخيّة لمفهوم الحداثة:

من حيث المبدأ يختلف العلماء في تحديد المرحلة التاريخيّة التي بدأت فيها الحداثة.

عصر الاكتشاف

مارتن لوثر
  • يرى المؤرّخون أنّ العصر الحديث بدأ مع اكتشاف أمريكا من قبل كريستوف كولمبس Cristoph Colombs عام (1492 م).
  • وينظر المفكّرون أنّ تخوم العصر الحديث تبدأ مع الأحداث التاريخيّة الكبرى، التي تمثّلت بادئ بدء في اكتشاف جاليلو لمركزيّة الشمس.
  • وسقوط القسنطينيّة في أيدي الأتراك العثمانيّين عام (1453 م).
  • وإذا كان التحديث أو العصر الحديث يبدأ مع هذه المؤشّرات التاريخيّة، فإنّ مفهوم الحداثة يتجلّى في حركة الإصلاح الدينيّ في أوروبا التي قادها مارتن لوثركينغ في عام (1517 م).
  • ومن ثمّ بدأ هذا المفهوم يأخذ أبعاده الفلسفيّة والسياسيّة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، حيث تتجلّى خصائصه في ولادة التفكير الفرديّ والعقلانيّ الذي أرسى مقوّماته رينه ديكارت ومن ثمّ فلاسفة التنوير بعامّة.

عصر الطباعة

يوهان جوتنبرغ

وغالباً ما يرتبط عصر الحداثة باختراع الحداد الألمانيّ جوتنبرغ لآلة الطباعة في منتصف القرن الخامس عشر، هذا الاختراع الذي استطاع أن يبدّل ذاكرة الإنسانيّة، كان سبيل الإنسانيّة إلى بناء ذاكرة جديدة تعتمد الكتابة سجلّاً تاريخيّاً، استندت إليه الأمم، في حركة نهضتها، وبناء تقدّمها العلميّ والمعرفيّ.
لقد شكّل اختراع الطباعة المرحلة التي انتقلت فيها الإنسانيّة من حضارة المشافهة إلى حضارة الكتابة، بهذا استطاع الإنسان توظيف التراكم المعرفيّ في خدمة الثورات العلميّة المتعاقبةـ التي توّج في أصل الحداثة.

منهج الشكّ

ومن المنطقيّ في هذا السياق أن يشار إلى الفيلسوف الفرنسيّ رينيه ديكارت (Rene Descartes (1596-1650) بوصفه أبا الحداثة، ولا سيّما في مجال التفكير الفلسفيّ.
لقد كان لعبقريّته التاريخيّة الفذّة أن تؤدّي إلى اكتشاف المنهج العقليّ الذي قدّر له أن يبدّد ظلام العصور الوسطى، وأن يحرّر العقل من عبوديّة الأنساق الفكريّة، وهمجيّة الأفكار والمعتقدات القدسيّة التي حاصرت العقل ودفعت به إلى زنزانات العبوديّة والقهر.
فكان لمنهج الشكّ والشكّ المنهجيّ أن يشكّل معول الهدم الجبّار الذي تناثرت تحت صدماته الأوهام التاريخيّة التي صنعتها الكنيسة ورجال الإكليروس ورجال الإقطاع على مدى أجيال وأجيال، امتدّت لتشمل القرون العشرة التي بدأت منذ القرن الخامس الميلاديّ.
فديكارت أكّد روح البحث العلميّ الحرّ، والقناعة الفكريّة الواعية محلّ المعتقدات العمياء.
والشكّ المنهجيّ يعتمد لديه على قواعد مهمّة تقول:

  • أولاها: ألا نقبل شيئاً ونعتقد بصحّته ما لم يتبيّن لنا بالبداهة كذلك.
  • وثانيها: ألا نضمّ إلى أحكامنا حكماً، ما لم يره فكرنا بيّناً واضحاً متميّزاً، وما لم يكن في مأمن من كلّ شبهة وشكّ.

ومثل هذا المبدأ كما يقول عبد الله عبد الدايم: "لا يصلح به العلم ويقلب الفلسفة فحسب، بل يهدم مذهب السنّة القديمة والطرق الآليّة ويوقظ أفكاراً، ويحرّض الحكم والتفكير".[٢].
وهذا المنهج الذي ينطلق من الشكّ ويدعو إليه هو الأصل في تبديد ظلام الأفكار والمعتقدات والأوهام الخاطئة التي رُفعت إلى مرتبة القدسيّة في العصور الوسطى المسيحيّة.
وفي هذه المنهجيّة وفي ذاك التأثير تمثّلت واحدة من أهمّ لحظات الحداثة ومقوّماتها في الحضارة الغربيّة.

منهج التجريب

عندما دعا فلاسفة التنوير في أوروبا في القرن الثامن عشر إلى تغليب حكم العقل والاهتداء به في الحكم على الأشياء، كانوا يدركون بأنّ الإنسانيّة عبر تاريخها اهتدت بالعقل إلى اكتشافاتها وحضاراتها المتعاقبة.
ولكن بيت القصيد أنّهم كانوا يقصدون بدعوتهم هذه اعتماد المنهج العلميّ التجريبيّ في النظر إلى الكون والوجود والحياة، ومن ثمّ التحرّر من أسر الأوهام والخرافات والتحيّزات المسبقة التي تضرب أسس التفكير، وتشلّ قدرة العقل في الكشف عن ماهيّة الأشياء.
دعوتهم هذه كانت حرباً ضدّ كلّ أشكال السحر والتخريف والشعوذة والتعصّب التي فرضتها الأنظمة الكنسيّة الإقطاعيّة التي وضعت تاريخ أوروبا الوسيط في دائرة الظلام. [٣].

عصر الأنوار

وفي عصر الأنوار تضاعف ومض الحداثة وبريقها، ولا سيّما في نظريّات كانط وأعماله الفكريّة الفذّة، ففي كتابه المعروف (ما الأنوار) [٤]، يحاول كانط أن يحدّد طبيعة وماهيّة عصر التنوير في القرن الثامن عشر.
وهو في هذا السياق يبين أنّ عصر التنوير هو منظومة الوضعيّات التي يحاول فيها الإنسان أن يحطّم الأغلال التي وضعها هو نفسه في معصمه، إنّها الحال التي يسعى فيها الإنسان إلى تحطيم دائرة الوصاية التي تسبّب بها لنفسه بنفسه، إنّها في نهاية الأمر العمليّة التي حقّق فيها لعقله التحرّر من الوصاية التاريخيّة التي فرضت عليه من الخارج.
ويؤكّد كانط في أعماله كلّها أنّ شرط التنوير والحداثة هو الحرّيّة، ومن بين الحريّات يؤكّد على هذه التي تتّصل بحرّيّة العقل وحرّيّة التفكير. [٥].
إنّ الجوهريّ في مقولات كانط أنّ العقل يجب أن يتحرّر من سلطة المقدّس ورجال الكهنوت والكنيسة وأصنام العقل، كي يستطيع الإنسان أن يبني نهضته نحو الحضارة والحرّيّة والمدنيّة والحداثة.

يعرّف الفيلسوف الألمانيّ كانط الحداثة في سياق إجابته عن سؤال (ما الأنوار؟) في مقولته المشهورة: "الأنوار خروج الإنسان من حال الوصاية التي تتمثّل في عجزه عن استخدام فكره دون توجيه من غيره" ولذا كان شعار الأنوار عبارة تقول: "أقدم على استخدام فكرك". [٦]. وفي عصر الأنوار وما يليه بدأت الدولة المركزيّة بتقنيّاتها الإداريّة تأخذ مكان النظام الإقطاعيّ، والتأكيد على العلوم والفيزياء الطبيعيّة التي توجد في أصل العطاءات التكنولوجيّة، وحيث بدأت الفنون تأخذ ظلالها الإبداعيّة في أوروبا؛ وفي هذا الصدد يقول بومدين بوزيد: "البداية الحقيقيّة لكلّ حداثة هي تفكيك أسس مناهج تفكيرنا والكشف عن العوائق الإبيستمولوجيّة التي تحجب عنّا عيوبنا المنهجيّة والنظريّة". [٧].

الثورة الفرنسيّة

وبحسب الفيلسوف الألمانيّ فريدريك هيغل (1770/ 1831 م) فإنّ الحداثة بدأت مع "عصر الأنوار بفعل هؤلاء الذين أظهروا وعياً وبصيرة، باعتبار أنّ هذا العصر هو حدّ فاصل ومرحلة نهائيّة من التاريخ" [٨]؛ لقد أكّدت الثورة الفرنسيّة في عام (1789 م) حضور الدولة البرجوازيّة والقيم الليبراليّة والديمقراطيّة التي سجّلت نفسها في منطق الحداثة، لقد أدخل التقدّم المستمرّ للعلوم والتقنيّات وتقسيم العمل إلى الحياة الاجتماعيّة بعد التغيير المستمرّ وانهيار المعايير والثقافة التقليديّة.
وبالتالي فإنّ التقسيم الاجتماعيّ للعمل أدّى إلى اتصالات سياسيّة واسعة، وإلى إحداث نوع من الصراعات الاجتماعيّة التي شهدها القرنان التاسع عشر والعشرون.
وظهرت على التوالي أهميّة النموّ السكانيّ ومركزيّات المدن والتطوّر الهائل لوسائل الاتصال والمعلوماتيّة، هذه العوامل مجتمعة سجّلت انطباعاتها في مفهوم الحداثة، وأبدتها على أنّها ممارسة اجتماعيّة ونمط من الحياة يقوم على أساسي التغير والابتكار، وعلى أساس القلق واللااستقراريّة والحركة الدائمة والأزمة.

لقد استطاعت الإنجازات الحضاريّة التي تجسّدت بتطوّر العلوم والتقنيّات والتطوّر العقلانيّ والمنظّم لأدوات الإنتاج، أن ترسم حدود الحداثة وتخومها حيث تبدّت هذه الحداثة في تكثيف العمل الإنسانيّ، وتأكيد الهيمنة الإنسانيّة على الطبيعة، وتلك هي خاصّة أغلب المجتمعات الحداثيّة التي أدّت إلى تغيير عميق وشامل في شروط الحياة والتفكير في آن واحد، وقد تمثّل هذا التأثير في انتقال الحضارة من حضارة العمل والتقدّم إلى حضارة الاستهلاك والفراغ.

خصائص الحداثة

وثمّة تعارض قائم بين الحداثة والتحديث، فالمفهوم الأوّل يتّخذ شكل بنية فكريّة جامعة للخصائص المشتركة بين المستويات سالفة الذكر، من خلال منظور أقرب ما يكون إلى المنظور البنيويّ، بينما يكتسب مفهوم التحديث مدلولاً جدليّاً وتاريخيّاً يشير إلى الخصائص المشتركة، وكذلك إلى التفاعل بين مستويات الوجود الإنسانيّ.

وتتمثّل الخصائص الكبرى للحداثة كما عكستها التجربة الغربيّة وحدّدها لوي ديمون في الآتي:

مارتن هايدغر
  1. التركيز على الفرد في مقابل الجماعة.
  2. وأولويّة العلاقات مع الأشياء مقابل أولويّة العلاقات الإنسانيّة.
  3. والتمييز الصارم بين الذات والموضوع.
  4. وفصل القيم عن الوقائع والأفكار.
  5. تقسيم المعرفة إلى مستويات وفروع مستقلّة متناظرة ومتجانسة، وبروز الذاتيّة والرغبة في السيطرة عبر المعرفة، وذلك من منطلق أنّ المعرفة التي تنشدها الحداثة إنّما تستهدف السيطرة على الطبيعة والتحكّم في التاريخ وضبط المجتمع.

وقد سبق لجان مارى دوميناك أن ربط بين ظاهرتين أساسيّتين في تطوّر الحداثة الغربيّة هما: المعرفة والقوّة، على أساس أنّ الحداثة تتميّز أوّلاً بإرادة المعرفة.[٩] ويحدّد مارتن هايدغر خمسة مظاهر للأزمنة الحديثة وهي: العلم، والتكنولوجيا، والفنّ، والثقافة، ومن ثمّ الانسلاخ عن المقدّس. [١٠]

انعكاسات أفكار الحداثة

يمكن إجمال هذه الانعكاسات فيما يلي:

  • . الزحف الكبير للثقافة الاستهلاكيّة والمادّيّة ومنطق الربح السريع وتصاعد النزعة الفرديّة الذي قابله تراجع مماثل لدور الدين والأخلاق في الحياة، وانهيار للقيم بسبب الإنجازات العلميّة الهائلة للعقل البشريّ، في الصناعة والعلوم التجريبيّة.
  • . تزايد الإحساس بغربة الذات الفرديّة وتمزّقها بسبب التحوّلات الكبيرة التي شهدتها المدينة الغربيّة وما حملته من عزلة للذات، وبسبب إحساس الإنسان الغربيّ بفقدان القدرة على التحكّم في العالم بعد تراجع أهميّته في العالم الحديث.
ملف:جريجوريّ بيتسون.jpg
جريجوريّ بيتسون

تقول الكاتبة جريجوريّ بيتسون: (في فترة الثورة الصناعيّة ربّما كانت أهمّ الكوارث هي الزيادة الضخمة في الغطرسة العلميّة، كنّا قد اكتشفنا كيف نصنع القطارات والآلات الأخرى، ورأى الإنسان الغربيّ نفسه كأوتوقراطيّ يملك قوّة السيطرة على عالم مكوّن من الفيزياء والكيمياء، وفي النهاية كان مقدّراً للظواهر البيولوجيّة أن يتمّ التحكّم فيها مثل عمليّات في أنبوبة اختبار (...) لكنّ تلك الفلسفة العلميّة مضى عليها الزمن الآن، وحلّ محلّها اكتشاف أنّ الإنسان ليس سوى جزء من أنظمة أكبر، وأنّ الجزء لا يمكن أبداً أن يتحكّم في الكلّ). [١١]

  • . أدّى هذا الإحساس بتراجع دور الإنسان وقيمته، إلى تكريس مذهب الشكّ في الحقيقة المطلقة واليقينيّة، وتزايد الاعتقاد بمذهب النسبيّة في كلّ شيء.
  • . انتقلت هذه النسبيّة إلى مجال قراءة النصوص الدينيّة وغيرها، وتأويلها، فتراجع الاعتقاد بالمعنى المسبق في النصّ، الذي يقوم القارئ باستخراجه منه، نتيجة لتغيّر الموقف من اللّغة في علاقتها بما تحيل إليه، ليحلّ محلّه القول بالدلالات غير النهائيّة، كما ظهرت مقولة موت المؤلّف وانتهاء سلطته في تحديد معنى النصّ، ليتمّ ربط القراءة بالمتلقّي وما يعطيه هو للنصّ من دلالات.
  • . أدّى تراجع دور الدِّين وتقدّم البيولوجيا، وما حملته من اهتمام بجسم الإنسان، إلى انتقال التقديس إلى مجال الجسد، فحلّ الجنس محلّ الدِّين [١٢]، فأصبح الجسد مقدّساً بعد تمكّن الغربيّين من الثورة على غيبيّات الكنيسة.
  • . انتشار مفاهيم الحرّيّة الفرديّة والثورة على السلطات كلّها، وما كان لذلك من تأثير كبير على مجال التعبير الفنّيّ؛ وكلّ هذا يدلّ على أنّ الحداثة تعكس في جوهرها خصوصيّة غربيّة، وتعبّر عن حضارة وإنسان مأزومين، بسبب التطوّر العلميّ والتطوّر الفكريّ الذي استمرّ ثلاثة قرون من الزمان، لهذا جاءت هذه الحداثة موسومة بسمة أساسيّة تميّز المجتمع الغربيّ الحديث، هي سمة التجاوز المستمرّ، يقول الكاتب الفرنسيّ لوفيفر: (داخل عالم منقلب رأساً على عقب تأتي الحداثة لتكمل مهمّة الثورة بتجاوز الفنّ والأخلاق والأيديولوجيّات)[١٣]

النقد الموجّه للحداثة الغربيّة

تميّزت هذه الحداثة بظهور عدد من المذاهب الفنّيّة والفلسفيّة التي تعبّر عن هذه الأزمة – كالرمزيّة والسرياليّة والوجوديّة- والتي تختلف فيما بينها، لكنّها تشترك في مجموعة من الخصائص التي تعدّ مميّزة للحداثة الغربيّة، منها:

  • . التمرّد على القوانين وطرق التعبير اللّغويّ والتقاليد الفنيّة المألوفة، باعتبار أنَّ الفنّ حركة مستمرّة إلى الأمام، والتجاوز المستمرّ لكلّ ما يتمّ إنتاجه وتكريس منطق القطيعة؛ تقول موسوعة يونيفارساليس: (لقد أوجدت الحداثة في كلّ المستويات جماليّة القطيعة والاكتشاف، وذلك بتأثير من ظاهرة التقدّم الاجتماعيّ (الذي شمل الثقافة وطرق العيش) وبتأثير من الهدم المستمرّ للأشكال التقليديّة والمألوفة كالأجناس الأدبيّة وقواعد الانسجام الموسيقيّ وقوانين التعبير والتصوير في الفنون التشكيليّة وبشكل أعمّ: هدم سلطة الأنماط السابقة في العيش والجنس والمعاملات الاجتماعيّة وشرعيّتها).[١٤]
  • . تحرير الفرد من سلطة المؤسّسات بكلّ أنواعها، ومن ضمنها مؤسّسة الأسرة التي تعدّ في نظرها صورة من صور القهر، مع ما يعنيه ذلك من إخراج العلاقة بين الجنسين من دائرة الأسرة واعتماد مقاربة النوع التي لا تؤمن بالفروق الجوهريّة بين الجنسين، وتدعو إلى حقّ الشذوذ الذي يصل إلى المطالبة بحقّ الزواج المثليّ[١٥](الذي صادقت عليه مجموعة من الدول الأوروبيّة انسجاماً مع هذا المفهوم الجديد للحريّة).
  • .إلغاء المعنى المسبق في النصوص، بما فيها النصوص الدينيّة وربط الدلالة بالمتلقّي -انطلاقاً من مقولة موت المؤلّف- والقول بالدلالات غير النهائيّة للنصّ، وتكريس مذهب الشكّ في كلّ الحقائق والمفاهيم.
  • . اعتبار الدِّين تجربة بشريّة قابلة للتجاوز ضمن ما تتجاوزه الحداثة، وإلغاء سلطته من خلال علمنة المجتمع، وإلغاء سلطة الأخلاق في مجال الإبداع.
  • . تمجيد التجارب المتأخّرة زمنيّاً والمبالِغة في التمرّد داخل كلّ مذهب.
  • . تمجيد العقلانيّة والتفكير العقلانيّ، ووضعه في مقابل التفكير الدينيّ، واعتبار هذا الأخير عائقاً أمام الحداثة لاعتماده على المعرفة الوثوقيّة واليقينيّة، وإحلال العقل ومنجزاته العلميّة محلّ الله في مركزيّة المجتمع.
  • . تمجيد الجسد والارتفاع به إلى مستوى التقديس.
  • . التعبير عن مفاهيم تعكس وضعيّة التشرذم والأزمة التي يعيشها الإنسان الغربيّ كمفاهيم الغربة واليأس والضياع...

ذلك هو مفهوم الحداثة الغربيّة، وتلك هي أهمّ الانتقادات التي تعكس وضعيّة حضاريّة متأزّمة يعيشها الإنسان الغربيّ على مستوى القيم، وهي خصائص تمّ بناؤها -كما تمّت الإشارة- عبر ثلاثة قرون من التطوّر الحضاريّ الذي شمل كلّ مجالات الحياة وتميّز بالإجهاز على المكتسبات الروحيّة للمجتمعات الغربيّة.

وبسبب خاصّيّة التجاوز التي تميّز الحداثة، فقد بدأت في الغرب منذ النصف الثاني من القرن العشرين مرحلة جديدة هي مرحلة ما بعد الحداثة، التي تأتي في سياق تجاوز الحداثة لنفسها، ويتميّز فكر هذه المرحلة بالتشكيك في قيم الحضارة، والسعي المستمرّ للتحرّر منها والتحرّر من كلّ سلطة، يقول الكاتب الأمريكيّ العربيّ الأصل إيهاب حسن (وهكذا انتقالنا من موت الإله إلى موت المؤلّف وموت الأب يوصلنا إلى إفراغ الثقافة من قيمها المفروضة علينا، وإلى تحرير المعرفة من نظامها التمويهيّ).[١٦]

أفكار الحداثة عند مفكّري الغرب

ديكارت ورحلة الشكّ إلى اليقين:

يعدّ الفيلسوف الفرنسيّ رينيه ديكارت (1596- 1650 م) أوّل من سعى إلى تأسيس رؤية جديدة للعالم والأشياء انطلاقاً من معايير عقليّة مجرّدة واعتماداً على التجربة، رؤية تقطع مع ما كان سائداً وقتئذ من هيمنة للخرافة والفكر الميتافيزيقيّ، مما سيغيّر الإنسان الأوربيّ من كائن لاهوتيّ إلى كائن عقلانيّ.
[١٧]

أبدع ديكارت منهاجه المعروف بالشكّ المنهجيّ بناء على عدّة قواعد عقليّة، تتوخّى الوصول للمعرفة الموضوعيّة واليقين العقليّ، إنّه يرمي إلى "قيادة أفعال العقل لكي تصل إلى اكتشاف الموضوعات، وإلى التقدّم المتوالي في هذا الاكتشاف" [١٨]؛ الأمر يتعلّق لدى ديكارت بأسبقيّة العقل وقواعده وعمله في الحياة على أيّ شيء آخر، "فالعقل السليم أعدل الأشياء قسمة بين الناس" [١٩]، إذن فالعقل هو المعيار الوحيد للحقيقة وهو المرجع في الفهم، لذلك كانت القاعدة الأولى من قواعده في المنهج بالصيغة التالية: لا أقبل من أحكامي إلا ما ظهر لي في وضوح وتميّز، أنّه لا يمكن الشكّ فيه، ماذا يمكن أن نقرأ في هذه القاعدة؟

لعلّ ديكارت هو أوّل من زرع في الوعي الأوربيّ الحديث قول: لا، وحثّ على التساؤل، حيث أنّه من المعروف أنّ القرون الوسطى الأوروبيّة كانت لا تعترف سوى بـ: نعم، أي الخضوع لكلّ أنواع السلطة: الإقطاع، الكنيسة، القيم الاجتماعيّة... وهكذا أتى ديكارت ليعلن الرفض والعصيان لهذه الثقافة والبدء في زرع بذور تغييرها.

مشروع ديكارت مشروع علميّ وفلسفيّ أساساً، جاء "ليجعلنا سادة على الطبيعة ومسخِّرين لها" [٢٠]، إنه نواة منطق الحداثة من حيث إحكام السيطرة على الطبيعة وتحويلها لفائدة الإنسان بواسطة العلم الرياضيّ والتقنيّ.
غير أنّه تبقى الإشارة أنّ ديكارت لم يجازف بالبحث في السياسة! إذ ترك جانباً المجتمع ذاته بمؤسّساته الأخلاقيّة والسياسيّة والدينيّة ولم يخضعها للشكّ المنهجيّ، وهو ما يعني أنّ مبدأ الصراع ضدّ الطبيعة، كما انبثق في الوعي الأورب وا يّ، لم يمس بدايّة المجتمع والدولة.

كانط وسؤال التنوير والتأسيس للعلمانيّة

انطلقت عقلانيّة "التنوير" مع الفيلسوف الألمانيّ إيمانويل كانط (1724- 1804 م) ليس باعتبارها تيّاراً فكريّاً واسعاً يؤمن بالعقل كمبدأ معرفيّ وأخلاقيّ فحسب، بل كمذهب فلسفيّ وكحركة ثقافيّة جعلت من العقل والعقلانيّة قضيّة حيويّة، تناضل من أجل توطيده في كلّ المجالات الطبيعيّة والإنسانيّة والدينيّة.

يورغن هابرماس

يرى (هابرماس) في تأويله لكانط أنّه من خلال تحليل أسس المعرفة "يتكّفل نقد العقل الخالص بانتقاد الاستعمال السيئ لملكة المعرفة لدينا، لأنّها صيغت على مقياس الظواهر، فيعوّض كانط المفهوم الجوهريّ للعقل الموروث عن التقليد الميتافيزيقيّ، بمفهوم للعقل تفتّتت عناصره، فصارت وحدته وحدة صوريّة" [٢١].


كما يفصل ملكات العقل العمليّ وملكات الحكم، واضعاً كلّ ملكة من الملكات على أسس خاصّة بها "وفي الحدود التي يؤسّس فيها العقل النقديّ إمكانيّة المعرفة النظريّة والقدرة على التمييز الأخلاقيّ والتقييم الجماليّ" [٢٢].

إيمنول كانط

ورغم أنّ (هابرماس) يرى أنّ كانط قد عبّر عن العالم الحديث من خلال مشروعه الفكريّ، إلى درجة أنّ أبرز سمات ذلك العالم تنعكس على فلسفته كما لو كانت مرآة، غير أنّه يستدرك أنّ كانط "لم يدرك الحداثة كما هي" [٢٣].
الشيء الذي يدفعنا إلى استنتاج أنّه ليس من اليسير تقديم موقف حاسم لمسألة علاقة كانط بالحداثة، ومدى وعيه بها إبّان العمل على بلورة مشروعه الفلسفيّ العقلاني.


هذا من جهة الأساس المعرفيّ النظريّ في المشروع النقديّ التنويريّ لكانط، ومن جهة أخرى، اهتمّ كانط بالتأسيس للحداثة السياسيّة وتوجهاتها الكبرى كما تمّت قراءتها وإعادة صياغتها داخل ميتافيزيقا الحقّ، وبطرح سؤاله الحاسم: ما التنوير؟.


يقصد (كانط بالتنويرAufklarung ): "خروج الإنسان من القصور الذي يرجع إليه هو ذاته، ويعني بالقصور هو عدم قدرة المرء على استخدام فهمه دون قيادة الآخر" [٢٤]، فليس من العبث إذن أن يكون شعار التنوير هو: "تجرأ على استخدام فهمك الخاص"! وتجدر الإشارة إلى أنّه تحريّاً للدقّة ينبغي ترجمة كلمة (Aufktarung) بلفظ "التنوير" وليس "الأنوار" مثلاً، وذلك ليس فقط لأنّه يوافق اللفظ الألمانيّ من حيث الصيغة، بل لأنّه علاوة على ذلك، يشير إلى أنّ الأمر لا يتعلّق بحال أو وضعيّة تسود فيها "الأنوار"، بل بعمليّة أو سيرورة يتمّ في إطارها نشر العلم والمعرفة المستندة إلى العقل، والتحرّر من الأحكام المسبقة والمعتقدات المستندة إلى مختلف أشكال السلطة غير تلك التي تمتح شرعيّتها من العقل ومبادئه.

إنّ الكسل والجبن هما السبب الذي يجعل طائفة كبيرة من الناس يظلّون برغبة منهم "قاصرين طوال حياتهم، حتّى بعد أن تكون الطبيعة قد حرّرتهم من كلّ قيادة خارجيّة" [٢٥]، معنى ذلك أنّ غاية التنوير هي:
"الوصول بالإنسان إلى أن يصبح غاية لذاته، الوصول إلى حال يستطيع فيها الإنسان أن يقود نفسه بنفسه بوصفه ذاتاً فرديّة قائمة بذاتها"[٢٦]
بواسطة هذه الدعوة إلى إعمال العقل بجرأة، يكون كانط قد ساهم في نقد الأوضاع السياسيّة في بلده بروسيا إبّان حكم الملك فريدريك الثاني (1740- 1786 م)، بحيث لا يحقّ له "مراقبة أو منع الكتابات التي يعمل رعاياه من خلالها على توضيح تصوّراتهم"[٢٧]، بل إنّ على الملك على العكس من ذلك أن "يحول دون أن يستعمل شخص العنف لمنع شخص آخر من العمل لخلاص نفسه".[٢٨]
كما انتقد كانط الهيمنة والسيطرة باسم الدِّين واللاهوت موجّهاً خطابه للسلطتين الزمنيّة والروحيّة، بل حتّى لأيّ متنوّر يمكن أن يقول ما لم تتجرّأ جمهوريّة على قوله: "فكّروا، بمقدار ما تريدون وفي كلّ ما تريدون، ولكن أطيعوا!".[٢٩]


لقد كان كانط صارماً في رفضه لأيّة محاولة لتثبيت أيّ نظام دينيّ، مهما كانت صلاحيّته ومصداقيّته، "حتى لو كان هذا النظام نتيجة تعاقد اجتماعيّ وتوافق سياسي".

بناء على ما سبق؛ إنّ أهمّ نتائج مفهوم التنوير مع كانط، هو نسف إيديولوجيا الكمال والثبات ممثلة في الدولة والإقطاع والكنيسة، التي كانت تحتكر وتهيمن على كلّ مناحي الحياة، واعتبار التقدّم المبنيّ على العقل جوهر الطبيعة البشريّة، وغاية حركة التنوير باعتبارها صيرورة دائمة البناء وإعادة البناء وهو بذلك يؤسّس بشكل عميق للعلمانيّة كحلّ لافتكاك الدولة عن الكنيسة والإقطاع.

هيجل والوعي بالحداثة

يتبدّى أنّ أوّل مفكّر وفيلسوف تحقّق لديه وعي واضح بمجموع التحوّلات والأحداث العميقة والمؤثّرة في أوروبا الحديثة هو الألمانيّ (فريدريك هيجل 1770- 1831 م)، مبلوراً إحساساً ناضجاً بالدلالات والمعاني التي تجمع تلك التحوّلات والأحداث في بوتقة واحدة هي: الحداثة.

فرديرك هيغل

يبين (هابرماس) كيف أنّ الحداثة لم يتحصل لها الوعي الذاتيّ بشكل صريح إلا مع هيجل، حيث وظف مصطلح "العصور الحديثة[٣٠]" توظيفاً مميّزاً عن المفهوم الزمنيّ المتداول لدى المؤرّخين عادة، ذلك أنّ "اكتشاف "العالم الجديد" والنهضة والإصلاح، الأحداث الثلاثة الكبرى التي حدثت حوالي (1500 م)، كانت تشكّل العتبة التاريخيّة بين العصر الوسيط وبين الأزمنة الحديثة". [٣١]
هذا الوعي الثاقب هو ما سيحدو به إلى القول إنّه "ليس من الصعب أن نرى أن عصرنا هو عصر ميلاد عهد جديد، وهو حقبة الانتقال إلى هذا العهد الجديد"[٣٢].


إنّ الحداثة لم تطرح مسألة البحث في ذاتها عن ضماناتها الخاصّة إلّا في أواخر القرن الثامن عشر، حيث جعلها هيجل أمّ المشكلات الفلسفيّة مقتنعاً تماماً بأنّه "من غير الوارد أن نصل، خارج مفهوم الحداثة، إلى مفهوم تستطيع بواسطته الفلسفة أن تستوعب ذاتها" [٣٣].
فبعد اكتشافه مبدأ الأزمنة الحديثة يفسّر هيجل تفوّق العالم الحديث وبيان الأزمات التي تعترضه، محاولاً أوّلاً صياغة الحداثة مفاهيميّاً ثمّ نقدها بشكل جادّ ثانياً.

دلالة مبدأ الذاتيّة عند هيغل

لا يقصد هيجل بمبدأ الأزمنة الحديثة أو العالم الحديث سوى مبدأ الذاتيّة وأولويّته على أيّ شيء آخر، حيث يحوي مبدأ الذاتيّة أربع دلالات:


  • أ- النزعة الفرديّة: ومفادها تفرّد الإنسان بذاته واستقلاله بها عن السلطة الخارجيّة عنه.
  • ب- الحقّ في النقد: إنّ من حقّ كلّ شخص ألّا يقبل إلّا ما يبدو له مسوّغاً ومعقولاً.
  • ج- استقلاليّة الفعل: أي أنّ الأزمنة الحديثة كفيلة بالإجابة عن كلّ ما يفعل الإنسان.
  • د- الفلسفة المثاليّة ذاتها: فهي بالنسبة إلى هيجل من صنع الأزمنة الحديثة ذاتها.

مبدأ الذاتيّة هذا، وراءه عدّة أحداث تاريخيّة فارقة فرضته، تتمثّل في: "الإصلاح الدينيّ والأنوار والثورة الفرنسيّة، إذ أصبح الإيمان الدينيّ لدى "لوثر" تأمليّاً، وفي عزلة الذاتيّة انقلب العالم الدينيّ إلى واقع مشيد من طرفنا نحن".[٣٤]

الدِّين في فكر هيغل

مع (هيجل) تحوّل الدِّين إلى فكر، وتحوّل هذا الأخير إلى وجود، حيث أنّه لم يكتف "بتأسيس الإيمان بالله وبخلود النفس على أساس عقليّ كما فعل ديكارت، كما لم يكتف بالحديث عن الدِّين في حدود العقل كما فعل كانط، بل تحدّث عن الدِّين باعتباره هو الفلسفة، كما نظر إلى العقيدة باعتبارها هي الوجود"[٣٥]، فتحوّل الله إلى مطلق، والوحي إلى معرفة مطلقة والشريعة إلى قانون مجرّد.


إنّ الأزمنة الحديثة هي ما يسمو فيه الإنسان إلى مرتبة القدرة والإرادة الحرّتين، ممّا يخوّله أن يمتلك كنوزاً كان القدامى ينسبونها للآلهة، من الواضح إذن، أنّ مبدأ الأزمنة الحديثة ومبدأ الذاتيّة يؤسّسان للحداثة الواعية بذاتها من خلال فعل الإنسان في التاريخ، عكس ما كان عليه الأمر مع (كانط) حيث لم يكن مبدأ الذاتيّة فاعلاً بوعي واضح.

فمفهوم التاريخ بالنسبة إلى هيجل يلعب دوراً أساسيّاً للغاية، ويختلف عمّا كان يفهمه من الكلمة فلاسفة القرن الثامن عشر، لا يعني التاريخ عنده مجرّد الماضي الموروث، بل يعني منطق الأحداث ومحرّكها الباطنيّ، أي المجال الذي تتبلور فيه الحقيقة المطلقة كسيرورة، وبالتالي لا ينعكس في الذهن بمجرّد ما يتحرّر المرء من الأوهام الموروثة، إنّ المطلق يتجسّد في أدوار تاريخيّة مطّردة، يتمثّل كلّ دور في دولة تنتج حضارة متمثّلة في أعمال فكريّة وفنيّة وثقافيّة... إلخ.

الدولة هنا عند هيجل لا تحضر كتحليل لتجارب تاريخيّة، بل "كتحليل لفكرة الدولة، أي كيف نفهم الدولة كشيء عقليّ؟ وهو لا يفعل ذلك على نحو مجرّد، وإنّما بنظرة نقديّة للطبيعة البشريّة من ناحية، والتاريخ الفعليّ للدول من ناحية أخرى"، ذلك لأنّ المهمّ في تنظير الدولة ليس هو إنتاج بنية سياسيّة مثلى، وإنّما اكتشاف المبادئ الأساسيّة طبقاً للمطالب العليا للعقل والأخلاق مع الاهتمام بالتطبيق والممارسة.

الحداثة عند المفكّرين العرب

في غالبيّة التحليلات والدراسات التي تتناول التاريخ العربيّ والإسلاميّ الحديث، يتّضح أنّ هناك ما يمكن أن نسميّه بالاتفاق أو التصوّر العام، بأنّ القرن التاسع عشر -منذ بداياته- مثّل لحظة صدمة الحداثة في العالم الإسلاميّ، فتحْت تأثير ضربات الدول الغربيّة الاستعماريّة بدأ العالم الإسلاميّ يدرك أنّه ليس مركز الكون، ولا كوناً قائماً بذاته، وقادراً على الاستمرار وحده؛ كما تخيّل نفسه طيلة تاريخه الطويل. ويُشير الدكتور برهان غليون [٣٦] إلى أنّ الوعي بالصدمة الحضاريّة -الذي بدأ تدريجيّاً داخل دَوائِر النُخب الحاكمة والنُخب العلميّة والدينيّة- ما لبث أن انتشر بين شرائح واسعة من الجماهير الإسلاميّة، فقد "شعر الجميع أنّ عالماً كاملاً قد تبدّل فجأة من دون أن يتسنّى لأناس ذلك العصر الوقت الكافي لمعرفة كيف حصل هذا وما هو أصله وما مصدره، وفي ضوء هذا التبدّل والانهيار اكتشف العالم الإسلاميّ هرمه وترهّل بُناه"، وساد شعور بالخطر والتهديد الوجوديّ الذي نجم عن الإحساس بانعدام الوزن وغياب أيّ فاعليّة سياسيّة، وسيطرت مشاعر القلق والخوف الأكثر عنفاً، وبات المسلمون والعرب يعيشون مُترقّبين العُدوان الخارجيّ الوَشيك.


ويضيف المفكّر السياسيّ والمؤرّخ طارق البشريّ [٣٧] أنّ المواجهة السياسيّة والعسكريّة -التي كانت التلاقي الأوّل والأوسع بين الغرب والعالم الاسلاميّ- قد شحذت همم المفكّرين والقادة السياسيّين العرب والمسلمين؛ فأخذوا يُفتّشون عن مكامن القوّة في الغرب ويحاولون نقلها، وعن مكامن الضعف في العالم الإسلاميّ للعمل على تلافيها، وجرى ذلك كلّه، سواء في مجال الإنتاج والدفاع العسكريّ أو في النظم والأساليب والأفكار والقيم، وكان من الطبيعيّ في مثل هذا السعي -بحسب البشري- أن تتنوّع وجهات النظر والتجارب.

تنوّعت مواقف المفكّرين العرب من الحداثة بين من يتّخذ موقف الرافض للحداثة بكلّ ما فيها كالدكتور عبد الوهاب المسيري وبين من ينتقي ويميّز بين روح الحداثة وتطبيقاتها، مثل الدكتور طه عبد الرحمن، وبين من يدعو لنسف التراث والالتحاق بالغرب مثل الدكتور محمد أركون وأدونيس.

الحداثة وروح الحداثة في فكر طه عبد الرحمن

يميّز الدكتور طه عبد الرحمن بين الحداثة كمنتج وروح الحداثة كمبدأ.

فروح الحداثة هي جملة القيم والمبادئ القادرة على النهوض بالوجود الحضاريّ للإنسان في أيّ زمان وأيّ مكان.
أما واقع الحداثة فهو تحقق القيم والمبادئ في زمان مخصوص ومكان مخصوص
وبالطبع فإنّ هذه التحقّقات سوف تختلف باختلاف الظروف الزمكانيّة، يترتّب على هذا التمييز نتائج من بينها:

طه عبد الرحمن
  • أنّ الحداثة ليست تطبيقاً واحداً، بل تطبيقات متعدّدة باعتبارها روحاً لا تتجلّى في مظهر واحد، فهذه الروح عبارة عن جملة من المبادئ، ومعلوم أنّ المبدأ لا يستنفذه أبداً تطبيق واحد، إذ هو بمنزلة القاعدة العامّة التي تجري على حالات مختلفة.
  • وأيضاً التفاوت بين واقع الحداثة وروحها، فهذا الواقع الذي يجسّده التطبيق الغربيّ للحداثة ما هو إلّا وجه من وجوه التطبيقات الممكنة لهذه الرّوح، وبالتالي فإنّ الواقع الحداثيّ غير الروح الحداثيّة تبعاً لخصوصيّة المجتمع الذي يطبّقها.[٣٨]

ولدفع شبهة التقليد عن الفكر العربيّ الإسلاميّ، وتحقيق شرط الاستقلال في القول الفلسفيّ المبدع، نادى د. طه عبد الرحمن إلى ضرورة التحرّر من الحداثة الوافدة، وتحقيق الحداثة المبدعة الأصليّة، أي الخروج من واقع الحداثة في تطبيقاتها الغربيّة المشهودة إلى روح الحداثة في قيمها الإنسانيّة ذات الاحتمالات التطبيقيّة اللامحدودة.
وبناء على هذا فإنّ د. طه عبد الرحمن يؤكّد أنّ روح الحداثة التي يفترض أنّ واقع الحداثة يطبّقها أو يحقّقها، تقوم على ثلاثة مبادئ أساسيّة هي:

  1. - مبدأ النقد: وهو الذي يخرج الحداثيّ من حال الاعتقاد إلى حال الانتقاد، وهو بدوره يقوم على ركنين أساسَيْنِ هما (التعقيل/ والتفصيل والتفريق).
  2. - مبدأ الرشد: وهو الذي يخرج الحداثيّ من القصور واختيار التبعيّة للغير بمختلف صورها إلى الرشد ويقوم بدوره على ركنين أساسين هما (الاستقلال وقوّة الذات/ والإبداع في الأفكار والأقوال والأفعال)
  3. - مبدأ الشمول: وهو الذي يخرج صاحبه من الخصوص المجاليّ والمجتمعيّ إلى دائرة الشمول، وهو بدوره ينبني على ركنين أساسين هما (الامتداد أو التوسّع/ والتعميم). [٣٩]

نقد عبد الوهاب المسيري للحداثة الغربيّة

يذهب الدكتور عبد الوهاب المسيري إلى الاعتقاد أنّ مصطلح “الحداثة“ الغربيّ الوارد من الغرب ليس بريئاً، بخاصّة أنّ الاعتقاد السائد لدى الكثير من النّخب العربيّة أنّه محايد ومحدّد المعنى والدلالة، وأنّه ليس له تاريخ على الإطلاق، أو أنّ تحوّلاتها لا تختلف من حضارة لأخرى، أو من حقبة تاريخيّة لأخرى، وأنّ هناك حداثة واحدة، ونحن عادة ما نعود للمعاجم الغربيّة لنعرف معنى أيّ مصطلح، وما المقصود منه على وجه الدقّة، وبعد أن نقرأ التّعريفات كلّها تصبح الإشكاليّة التي تواجهنا هي كيف نترجمه، دون أن نختبرها أو أن نعرف مدى مطابقتها للواقع، [٤٠]وبالرغم من كثرة و تنوّع التعريفات لمصطلح الحداثة إلّا أنّ هناك:” ما يشبه الإجماع على أنّ الحداثة مرتبطة تماماً بفكر حركة الاستنارة الذي ينطلق من فكرة أنّ الإنسان هو مركز الكون وسيّده، وأنّه لا يحتاج إلّا إلى عقله، سواء في دراسة الواقع أو إدارة المجتمع أو للتّمييز بين الصّالح والطّالح.
هذا التّعريف يبدو جامعاً مانعاً، أو على الأقل كافيّاً، لكن في الحقيقة أنّه لا يفيّ بالغرض شأنه شأن جلّ التّعريفات الأخرى، لماذا؟ لأنّه إذا عرّفناه بأنّه: استخدام العقل والعلم والتّقنيّة في التّعامل مع الواقع، فإنّنا بذلك نستبعد البعد المعرفيّ الكلّيّ والنّهائيّ، ولكي نعرّفه تعريفاً دقيقاً مركّباً لا بدّ من استعادة البعد المعرفيّ له”. [٤١]
بمعنى أنّه خلف كلّ مصطلح ومفهوم هناك بعد معرفيّ خفّيّ يختبئ خلف المعنى الظاهريّ المعروف، لذلك فإنّ إدراك كنهه يحتاج منّا إلى بحث كثير.

عبد الوهاب المسيريّ

ومن خلال التّحديد الغربيّ للمفهوم يتّضح أنّ جوهر الحداثة الغربيّة هو تنميط الواقع (الطّبيعة والإنسان)، وفرض الأحاديّة الماديّة عليه، بهدف إدارته وتوظيفه على أحسن وجه باعتباره مادّة استعماليّة.
فالأحاديّة المادّيّة تعبّر عن منحى إدراكيّ مادّيّ حسّيّ، يستوعب الواقع من خلال مقولات إدراكيّة وتحليليّة وتصنيفيّة مادّيّة، واختزال الواقع بأسره إلى مستوى ماديّ واحد لا يعرف أيّ شكل من أشكال الثّنائيّة. [٤٢]
أي: أنّ له زاوية واحدة يُنظر إليه بها دون باقي الزّوايا الأخرى، لذا لابدّ لنا من البحث في زواياه غير المبحوث فيها لنعرف حقيقته وماهيّته.
وبعد أن فعل ذلك اكتشف المسيريّ أنّ الحداثة الغربيّة ليست مجرّد استخدام العقل والعلم والتقنيّة.
وإنّما استخدامها خارج نطاق إنسانيّ أو أخلاقـيّ.[٤٣] أي: أنّها وعلى وجه الدّقة والتّحديد “استخدام العقل والعلم والتّقنيّة المنفصليـن عن القيمة (*)value-free في التّعامـل مع الواقـع“؛ هذا ما يحيلنا إلى البعد المعادي للإنسـان، الذي تمّ إخفـاؤه عن وعي تامّ أو غير وعي، وفي هذا الإطار أصبح العالم الغربيّ منفصلاً عن القيمة، بمعنى: لا توجد معايير إنسانيّة أخلاقيّة أو دينيّة تحكم مختلف التعاملات والمعاملات الإنسانيّة، بحيث أصبح من الصّعب التّمييز بين العدل والظّلم وبين الحقّ والباطل بل وبين القبيح والجميل [٤٤]، بل وبين الجوهريّ والنّسبيّ بل وبين الإنسان والطّبيعة، أو بين الإنسان والمادّة.

أدونيس والثورة على التراث

يقول أدونيس: "ومبدأ الحداثة هو الصراع بين النظام القائم على السلفيّة، والرغبة العاملة لتغيير هذا النظام، وقد تأسّس هذا الصراع في العهدين الأمويّ والعباسيّ، حيث نرى تيّارين للحداثة:

أدونيس
  • الأوّل سياسيّ فكريّ، يتمثّل من جهة في الحركات الثوريّة ضدّ النظام القائم، بدءاً من الخوارج وانتهاءً بثورة الزنج، مروراً بالقرامطة، والحركات الثوريّة المتطرّفة، ويتمثّل من جهة ثانية في الاعتزال والعقلانيّة الإلحاديّة في الصوفيّة على الأخـصّ.
  • أمّا التيار الثاني ففنّيّ، وهو يهدف إلى الارتباط بالحياة اليوميّة كما عند أبي نواس، وإلى الخلق لا على مثال، خارج التـقليد، وكلّ موروث عند أبي تمّام، أبطل التيّار الفنيّ قياس الشعر والأدب على الذي أبطل -بتعبير آخر- القديم، من حيث إنّه أصل للمحاكاة أو نموذج.

أخذ الإنسان يمارس هو نفسه عمليّة خلق العالم، هكذا تولّدت الحداثة في تاريخنا، من التفاعل والتصادم بين موقفين أو عقليّتين في مناخ من تغيّر الحياة ونشأة ظروف وأوضاع جديدة، ومن هنا وصف عدد من مؤسّسي الحداثة الشعريّة بالخروج"[٤٥]. ولا يخفي أدونيس إعجابه: ببشّار بن برد، وأبي نواس، لأنّ في شعرهما الكثير من نسف ثوابت التراث الإسلاميّ، والتشكيك في العقائد والسخرية منها، والدعوة للانحلال الجنسيّ، وحين يتحدّث أدونيس عن أبي نواس وعمر بن أبي ربيعة، وعن سبب إعجاب الحداثيّين بشعرهما، يقول: "إنّ الانتهاك ـ أيّ تدنيس المقدّسات ـ هو ما يجذبنا في شعرهما، والعلّة في هذا الجذب أنّنا لا شعوريّاً نحارب كلّ ما يحول دون تفتّح الإنسان، فالإنسان من هذه الزاوية ثوريّ بالفطرة، الإنسان حيوان ثوريّ". [٤٦]

نقد الطيّب بوعزّة للحداثيّين العرب

يقول الطيّب بوعزة كان الأولى بدعاة الحداثة وهم الذين يكرّرون مقولات التجديد وينزعون نحو كسر النماذج الجاهزة بحسب قولهم أن يدركوا:

  • أنّ النهوض هو حصيلة فعل إبداعيّ ذاتيّ لا تقليد جاهز.
  • وأن يسائلوا أنفسهم ابتداء عن حقيقة الحداثة الغربيّة ومدلولها، وعن الشروط التاريخيّة التي أنتجتها، وينتبهوا إلى الصيرورة التطوّريّة التي لحقتها حتّى أدخلتها -في الواقع الغربيّ- داخل خناق أزمة فتحت أمام لحظة مراجعة نقديّة، وتأسيس فلسفيّ وثقافيّ لما بعد الحداثة.
الطيب بوعزة

الأخذ بالحداثة الغربيّة من نهايتها، دون إدراك صيرورتها التاريخيّة

الحداثة الأوروبيّة ليست كينونة جوهريّة معزولة عن سياق التاريخ بإحداثيّاته الزمانيّة والمكانيّة، بل هي نتاج صيرورة تاريخيّة تمتدّ بجذورها إلى قرون عديدة، ولذا لا يمكن فهم مشروع الحداثة الغربيّة إلّا باستحضاره عبر:


الفكر الحداثيّ العربيّ في مزلق التقليد

إنّ مقاربة مشروع الحداثة كفكرة مفصولة عن حقل التاريخ إخلال بمنهج الفهم، وعطالة في الوعي التاريخيّ، وتغييب لآليّاته، وهو ما يسقط الفكر الحداثيّ العربيّ في مزلق التقليد والمناداة، باستنساخ النموذج الغربيّ، لأنّه يراه برؤية أفلاطونيّة، أي بوصفه نموذجاً مثاليّاً متعالياً عن شرط التاريخ وسياقه السوسيولوجي.
لذا لا بدّ من إعمال الوعي التاريخيّ النقديّ، فهذا الوعي الغائب هو الشرط المنهجيّ الأوّل لفهم الحداثة بوصفها نبتة ذات جذور وبيئة خاصّة بها.
[٤٨]

غياب الفكر النقديّ للحداثة الغربيّة

نتساءل: هل حقّق الفكر العربيّ بالفعل هذا الشرط المنهجيّ ولو في أدنى صوره؟ يا للأسف ليس ثمّة إنجاز فعليّ لهذا الشرط المنهجيّ.
ويكفي دليلاً على ذلك أن نراجع المكتبة العربيّة، حيث سنفاجأ بكمّ هائل من المقالات والكتب التي تعرض لمنتجات العقل الغربيّ بحسّ الاندهاش والانبهار، مع تغييب الفكر النقديّ القادر على فهم التجربة الغربيّة وإدراك خصوصيّتها، ونقد مزالقها، والتأسيس لإمكانيّة الاعتبار بها والاستفادة الواعية منها لا تقليدها.
ليس في مكتبتنا المعاصرة إلّا كتب تقرّظ الغرب، إن لم نقل تدعو إلى تبجيله، وما عندنا من بحوث تستلهم الحسّ النقديّ المطلوب، هي بسبب قلّتها دليل يحقّ أن يدرج ضمن الاستثناء المؤكّد للقاعدة. [٤٩]

غياب الوعي التاريخيّ في قراءة الحداثة الغربيّة

يقول الدكتور الطيّب بوعزة إنّ ما ينقص الفكر العربيّ في قراءته لمشروع الحداثة الغربيّة هو الوعي التاريخيّ.

  • فماذا أقصد بالوعي التاريخيّ؟
  • وما وجه ضرورته؟
  • وما ثمار تشغيله في قراءة الحداثة الغربيّة؟

يعرف الطيّب بوعزة الوعي التاريخيّ ذاك الأسلوب في التفكير الذي يعامل الفكرة بوصفها نتاج لحظتها التاريخيّة، ومشروطة بأفق تلك اللحظة وأحلامها وإخفاقاتها.
ولا نقصد بالمشروطيّة هنا ذاك المعنى الآليّ الذي يجعل علاقة الفكر بالواقع علاقة متبوع بتابع، أو علاقة معلول بعلّة.
فتلك النظرة الفلسفيّة التي ترجع الفكرة إلى المادّة نظرة مختلة في طبيعة فهمها للفكر وللمادّة على حدّ سواء.
فالفكر لا يتأثّر بالواقع فحسب، بل يؤثّر فيه أيضاً، ويغيّره ويتجاوزه بطاقة التخييل والاستبصار.
لكن مهما كانت هذه القدرة التجاوزيّة يظلّ الفكر في نشأته وتبلوره وصيرورة تطوّره متعلّقاً بشرطه التاريخيّ، ومستجيباً لهواجسه وأسئلته، الأمر الذي يسوّغ بل يفرض معاملته وتحليله ضمن سياقه المجتمعيّ وصيرورته التاريخيّة.
وفيما يخصّ الحداثة باعتبارها مشروعاً ثقافيّاً، نحتاج إلى هذا الوعي التاريخيّ أشدّ الاحتياج، إذ به نتحرّر من النظرة الماهويّة الأفلاطونيّة للحداثة بوصفها مقولات مثاليّة مفصولة عن سياقها التاريخيّ، وقابلة من ثمّ للتكرار في كلّ سياق مجتمعيّ، مهما اختلفت الظروف والشروط.
إضافة إلى هذا فإنّ الوعيَ التاريخيّ يعلّمنا أنّ كلّ مجتمع له خلفيّته التاريخيّة التي تعبّر عن خبرته وتراكمات تجاربه ومثله ورموزه.
تلك الخلفيّة التي لابدّ من وعيها واستثمارها في كلّ فعل يستهدف النهوض بالمجتمع، ودفق حوافز النموّ داخله.
ومن ثمّ فإنّ الوعي التاريخيّ يدفعنا إلى إعادة قراءة الحداثة الغربيّة بوصفها نتاج واقع وتجربة تاريخيّة خاصّة.
ومن هنا يغدو السؤال ضروريّاً حول الصيرورة التاريخيّة لمشروع الحداثة الغربيّة، أي نشأتها ولحظات تطوّرها. [٥٠]


مواضيع ذات صلة

اقرأ هنا مقال ما بعد الحداثة http://cutt.us/blvUp

هوامش

  • (سزيف (Sisyphe)، شخصيّة أسطوريّة يونانيّة وردت في أدب هوميروس، وسيزيف هو بطل محارب ابن الإله أبولوس إله الرياح، وصوّره هوميروس بأنّه أخبث الكائنات والمخلوقات على وجه الأرض، أجبره الإله زيوس على دحرجة صخرة عملاقة إلى قمّة جبل، وما إن يصل إلى قمّته حتّى تتدحرج مرّة أخرى إلى القعر، وهكذا يظلّ في هذا العذاب الأبديّ. [٥١]

مصادر

  1. ستيفن تولمن (1992 م): "كوسموبولس: الأجندة المخفيّة للحداثة"، مطبعة جامعة شيكاغو: شيكاغو. Toulmin, Stephen 1992; Cosmopolis: The Hidden Agenda of Modernity, University of Chicago Press : Chicago.
  2. عبد الله عبد الدايم، التربية عبر التاريخ: من العصور المسيحيّة حتّى أوائل القرن العشرين، دار العلم للملايين، بيروت، (1978 م)، ص (354).
  3. جلال أمين، حول مفهوم التنوير، ضمن قضايا التنوير والنهضة في الفكر العربيّ المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت، ص (19- 31)، ص (76).
  4. E.Kant, Réponse à la question : Qu’est-ce que les lumières ? Flamaration, Paris, 1990
  5. - E.Kant, Réponse à la question : Qu’est-ce que les lumières ? ibid
  6. عياض بن عاشور، الضمير والتشريع، العقليّة المدنيّة والحقوق الحديثة، المركز الثقافيّ العربيّ، الدار البيضاء، الطبعة الأولى (1998 م)، ص (13).
  7. بومدين بوزيد، الفكر العربيّ المعاصر وإشكاليّة الحداثة، ضمن مركز دراسات الوحدة العربيّة، قضايا التنوير والنهضة في الفكر العربيّ المعاصر، العدد (18)، بيروت، ص (22).
  8. محمّد محفوظ، الإسلام، الغرب وحوار المستقبل، المركز الثقافيّ العربيّ، الدار البيضاء، (1998 م)، ص (32).
  9. قاموس المصطلحات المدنيّة والسياسيّة، تحرير الدكتور صقر الجباليّ، الدكتور أيمن يوسف، الدكتور عمر رحال، طبعة (2014 م)، الناشر مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطيّة.
  10. محمّد سبيلا وعبد السلام بن عبد العالي، الحداثة، دفاتر فلسفيّة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، (1996 م)، ص (62).
  11. المرايا المحدّبة، ص (60).
  12. المذاهب الأدبيّة والنقديّة عند العرب والغربيّين، محمّد شكري عياد، سلسلة عالم المعرفة، سبتمبر (1998 م)، ص (62).
  13. 7. ;universalis. Modernitè /une ambiguïté spectaculaire
  14. . modernité /la rhétorique de la modernité; universalis
  15. المرايا المقعرة، ص (64-65).
  16. معنى الحداثة، هشام شرابي، ضمن كتاب "الإسلام والحداثة"، ندوة مجلّة مواقف، ط (1)، دار الساقي، لندن (1990 م)، ص (379).
  17. Alexis Nouss, La Modernité, collection que sais-je ? Paris, PUF, 1995,P. 11.
  18. نجيب بلديّ، دروس في تاريخ الفلسفة، أعدّها للنشر الطاهر واعزيز وكمال عبد اللطيف، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، (2004 م)، ص (78).
  19. رينيه ديكارت، مقال عن المنهج، ترجمة محمود محمد الخضيريّ، دار الكتاب العربيّ، القاهرة، الطبعة الثانية، (1968 م) ص (109).
  20. نجيب بلديّ، دروس في تاريخ الفلسفة، ص (75).
  21. Habermas, Le Discours philosophique de la Modernité, P. 22
  22. Ibid, P 22
  23. Ibid, P 23
  24. إيمانويل كانط، ما هو التنوير؟، ترجمة إسماعيل المصدق، مجلّة فكر ونقد: السنة الأولى، العدد (04)، ديسمبر (1997 م)، ص (144).
  25. كانط، ما هو التنوير، مجلّة فكر ونقد، ص (144).
  26. محمد المصباحيّ، مفهوم التنوير من خلال مقالة كانط، "ما هو التنوير"؟ المفاهيم تكونها وسيرورتها، (ندوة) منشورات كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بالرباط، سلسلة ندوات ومناظرات رقم (87)، الطبعة الأولى (2000 م)، ص (129).
  27. كانط، ما هو التنوير، ص (148).
  28. نفسه، ص (147).
  29. نفسه، ص (149).
  30. Habermas, Le Discours philosophique de la Modernité, P. 6
  31. هيجل، ظاهريّات الروح، ص (162)، محمّد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي: الحداثة وانتقاداتها، ص (45).
  32. هيكل، ظاهريّات الروح، ص (162)، محمّد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي: الحداثة وانتقاداتها، ص (45).
  33. Habermas, op , cit , P 19
  34. Habermas, P 20
  35. حسن حنفيّ، في الفكر الغربيّ المعاصر، المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الرابعة، (1990 م)، ص (145).
  36. راجع كتاب المحنة العربيّة الدولة ضدّ الأمّة، د. برهان غليون، صادر مركز دراسات الوحدة العربيّة.
  37. راجع كتاب ماهيّة المعاصرة، د. طارق البشريّ، طبعة دار الشروق.
  38. روح الحداثة، المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلاميّة، د. طه عبد الرحمن، ص (24) طبعة المركز الثقافيّ العربيّ، الطبعة الأولى (2006 م) الدار البيضاء المغرب.
  39. روح الحداثة، المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلاميّة د. طه عبد الرحمن، (ص 24 - ص 54) طبعة المركز الثقافيّ العربيّ، الطبعة الأولى (2006 م) الدار البيضاء المغرب.
  40. عبد الوهاب المسيريّ، دراسات معرفيّة في الحداثة الغربيّة، ط (1)، القاهرة، مكتبة الشروق الدوليّة، (1427 هـ/ 2006 م)، ص (33- 34).
  41. عبد الوهاب المسيريّ، دراسات معرفيّة في الحداثة الغربيّة، المصدر نفسه، ص (34).
  42. عبد الوهاب المسيريّ، التعدّديّة والترشيد العلمانيّ“، مجلة قراءات سياسيّة، بيروت، عدد صيف بيروت، (1995 م)، ص (105).
  43. سوزان حرفيّ، العلمانيّة والحداثة والعولمة، (حوارات عبد الوهاب المسيري)، ط (1)، دمشق، دار الفكر، (1430 هـ/ 2009 م)، ص (190).
  44. عبد الوهاب المسيريّ، دراسات معرفيّة في الحداثة الغربيّة، مصدر سابق، ص (35).
  45. أدونيس من كتابه (الثابت والمتحوّل) ج (3) صفحة (9ـ 11)، طبعة دار الساقي، (1994 م).
  46. انظر كتاب الثابت المتحوّل، أدونيس، ج (1) صفحة (216) طبعة دار الساقي، (1994 م).
  47. موقع مغرس، مقال للدكتور الطيّب بوعزة، الحداثيون العرب مقلّدون https://www.maghress.com/attajdid/38737
  48. موقع مغرس، مقال للدكتور الطيّب بوعزة، الحداثيّون العرب مقلّدون https://www.maghress.com/attajdid/38737
  49. موقع مغرس، مقال للدكتور الطيّب بوعزة، الحداثيّون العرب مقلّدون https://www.maghress.com/attajdid/38737
  50. موقع مغرس، مقال للدكتور الطيّب بوعزة، الحداثيّون العرب مقلّدون، https://www.maghress.com/attajdid/38737
  51. ألبير كامو، أسطورة سيزيف، تر: أنيس زيّ حسين، ط (1)، بيروت، منشورات دار مكتبة الحياة.