جون لوك

من رؤية بيديا
اذهب إلى: تصفح، ابحث

جون لوك (1632- 1704 م)
هو فيلسوف تجريبي ومفكر سياسي إنجليزي.

  • يعتبر الفيلسوف الإنكليزي (جون لوك) من أهم الفلاسفة الإنجليز، حيث ترك أثرًا كبيرًا على الفلاسفة اللاحقين له، خاصة الفلاسفة التجريبيين، من أمثال جورج باركلي وديفيد هيوم وجون ستيوارت مل وبرتراند رسل.
  • ويعتبر لوك أول فيلسوف يطبق المنهج التجريبي في الفلسفة، خاصة في مجال نظرية المعرفة، ورفض نظرية الأفكار الفطرية التي كانت سائدة بين الفلاسفة، وناقش (لوك) أصحاب هذه النظرية وفند حججهم بأسلوب علمي دقيق، وأكد أن العقل البشري ليس فيه أفكار من هذا النوع، فلو كانت موجودة فيه لكانت محل إجماع الناس بما فيهم الأطفال والبلهاء والقبائل المتوحشة، ولكن الواقع يشير إلى عكس ذلك.
  • واعتبر لوك التجربة المصدر الوحيد للمعرفة، وأن العقل لحظة ولادته صفحة بيضاء ليس فيه أية معلومات، فكل ما لدينا من أفكار مصدرها التجربة، وليس كما يذهب أصحاب المذهب العقلي بأن العقل مزود بأفكار فطرية.
  • ويعتبر لوك من الفلاسفة الذين تأثروا بالمنهج العلمي السائد في عصره وحاول تطبيق المنهج الاستقرائي في الفلسفة، خاصة في نظريته في أصل المعرفة، وفي التفرقة بين الصفات الأولية والصفات الثانوية، ومسألة الكليات وتحليل اللغة، وكذلك في تحليل الأفكار وتقسيم الأفكار إلى بسيطة ومركبة، كل ذلك يثبت تأثر لوك بالمنهج العلمي (الاستقرائي) والذي كان سائدًا في عصره، وكما طبقه العلماء أمثال غاليلو ونيوتن وبریل.
  • ولقد دعا (لوك) إلى دراسة العقل البشري أولًا ومعرفة الأبحاث التي في إمكانه تناولها، والأبحاث التي لا يستطيع العقل أن يخوض بها، وبعد معرفة قدرة العقل وحدود المعرفة البشرية يستطيع الانسان أن يسعى للحصول على المعرفة وهو مطمئن بأن جهوده لا تذهب عبثًا.
  • كانت حياة لوك التي خاض فيها غمار الحياة السّياسيّة والفكريّة في مرحلةٍ -اعتبرها الكثيرون- بفضله مفصليّة في تاريخ إنكلترا كما أشار راسل وغيره ممّن جاؤوا بعده، حاملاً أفكاره الثّوريّة في السّياسة والعلم والمعرفة، والتّربية والتّسامح الدّيني، مستنداً لشخصيّته الواثقة المؤثّرة في الآخرين، والّتي ظهرت جليّةً في مؤلفاته الشاملة لكل نتاجه الفكري.

حياته

  • ولد جون لوك في (29) آب عام (1632 م) أثناء حكم الملك شارل الأوّل ملك إنكلترا، وينتمي إلى أسرة من (المتطهّرين) الطّبقة الوسطى في المجتمع الإنكليزي، وكان مولده في بلدة Sumrest بمقاطعة سومرست Breston على مقربةٍ من برستون، Ringtown رنجتون بإنكلترا.
  • نشأ لوك في بيئة محافظة متديّنة، وقد عمل والده بالمحاماة في الرّيف، وأنشأ نجله بحزمٍ وعنايةٍ، ولم يسمح له بلقاء الأصدقاء إلا بعد أن شبّ عن الطّوق.
  • وقد تأثّر لوك بتعاليم (المتطهرين)، ومن بينها حب الحريّة والرّحمة والشّفقة بالغير، ويقظة الضّمير واتّزان الشّخصية وتماسكها والحذر والاعتماد على النّفس.
  • التحق لوك بكليّة (وستمستر) في لندن بين سنتي (1641 م) و(1651 م)، وبعدها بكليّة (المسيح) في أكسفورد عام (1651 م) حتّى سنة (1659 م)، وعرف عن عميد هذه الكليّة حينذاك (جون أوين) دفاعه الشّديد عن التّسامح الدّيني، ولكنّه لم يفد من دراسته في تلك الجامعة إلّا قليلا، لما كان يسودها من روح جامدٍ عقيم، لا يتّفق مع ما كان ينزع إليه من الحريّة الّتي ظلّ ينشدها حتّى وافته منيّته.
  • وفي وسط الجو المشحون بشتّى الآراء السّياسيّة استطاع لوك أن يتحرّر من التّقليد والتّمسك بآراء جماعة معيّنة فقد ظلّ مستقلّاً عن سائر الجماعات السّياسية، ومع هذا فقد استفاد كثيرًا من محادثاته مع أفراد هذه الجماعات من الطّلبة وغيرهم، كما أفاد كثيرًا من كتابات Descartes ديكارت، Hobbs هوبز، Bacon الّتي عكف عليها، فقد استوعب كتابات بيكون ودرس اللّغات القديمة والنّحو والمنطق الصّوري.
  • وبعد حصوله على البكالوريوس من كليّة (المسيح) بـ (أكسفورد) التحق بقسم الدّراسات العليا في الجامعة حيث كان يتابع أبحاثه، وفي نفس الوقت يلقي بعض الدّروس والمحاضرات، وانصبّت أبحاثه ودراساته الجديدة على علوم الطّبيعة والكيمياء والأنواء الجويّة والطّب.
  • أمّا عمله في التّربية فقد عهد (إيرل شافتسبري) الأول إلى لوك بتربية (إيرل شافتسبري) الثّاني، وكان الأول يمهّد لثورة (1699 م) وساعده لوك في هذا واضطره النزاع بين البرلمان وتشارلس الأول إلى مغادرة إنجلترا، فقصد إلى فرنسا مرّتين.
  • كان معظم وجوده في مونبلييه، ثمّ إلى هولندا، حتّى نشوب الثورة، فعاد إلى وطنه في السّنة التّالية، وقد تعرّف في فرنسا على رجال العلم والفكر، من بينهم (مالبرانش) و(أنطون أرنوجينا).
  • وبعد أن نجحت الثورة تمكّن من العودة إلى إنكلترا على نفس الأسطول الّذي حمل الملكة ماري عام، وقد تقلّد في العشرين سنةً التّالية عدّة مناصب سياسيّة وإداريّة هامّة.
  • أما في سياق الحركة الإنسانيّة فقد تزعّم لوك حركة المطالبة بحقوق الإنسان، فهاجم الحقّ الإلهي للملوك واستبدادهم، ودافع عن الحرية ومبدأ فصل السّلطات، وفي ميدان المعرفة كان من الأوائل الّذين أسهموا في وضع مشكلة المعرفة بمعناها الحديث، وله يعزى الفضل في تطبيق المنهج التّجريبي الاستقرائي في مجال الفلسفة ولا سيّما نظريّة المعرفة.
  • وقد كره لوك المدرسيّة ونزعة التّعصّب، عند المستقلّين، وتبعاً لنظريّاته السّياسيّة يجب أن يُعامل كمؤسّس لليبيراليّة الفلسفيّة بالقدر الّذي يعدّ فيه مؤسّساً للّتجريبيّة في نظريّته المعرفيّة، حيث تعدّ نظريّاته جزءاً لا يتجزأّ من الدّستور الأمريكي، كما تأسّس الدّستور الإنكليزي على نظريّاته حتّى نهايات القرن التّاسع عشر، وكذلك الدّستور الّذي اختاره الفرنسيّون سنة (1691 م)، حيث كان نفوذه في فرنسا ضخماً، ويرجع الفضل في ذلك إلى فولتير الّذي ترجم لأبناء وطنه الأفكار الانكليزيّة في (الرّسائل الفلسفيّة) راسل، Hume وهيوم، Barkly باركلي.
  • وكان استطاع لوك أن يلعب في الحياة الانكليزيّة دورًا خطيرًا، أولاً لقوّة قلمه وذيوع كتاباته وشدّة تأثيرها في النّفوس، وثانياً لما امتاز به من نشاط جم ومقدرة فائقة في توجيه السّياسة وتشكيلها.
  • فلمّا اكتهل وأضعفته الشّيخوخة آوى إلى الرّيف الهادئ الجميل يقضي فيه آخر سنيّه، ثم توفّي عام (1704 م) وله من العمر ثلاثةٌ وسبعون عاماً.
  • وقد شهد له معاصروه جميعاً بالإخلاص للحق والتّفاني في سبيل الحريّة، كما عرف في قومه بالاعتدال والحكمة، وامتازت كتاباته بالقوّة والوضوح ودقّة الأسلوب.

قالوا عنه

  • لوك هرقل الميتافيزيقا. وقد وضع حدود العقل البشريةفولتير.
  • خلق لوك الميتافيزيقا مثلما خلق نیوتن الفيزيقا. دالمبير.
  • لوك أول من سعى إلى فهم عمليات العقل البشري، معتمدا على الطبيعة مباشرة، بدون أن ينقاد إلى آراء تستند إلى المذاهب أكثر منها إلى الوقائع؛ لهذا السبب تبدو فلسفته، بالمقارنة مع فلسفتي دیکارت ومالبرانش، أشبه بالتاريخ بالمقارنة مع الأعمال الروائية. دیدرو.
  • احتقار لوك هو بداية الحكمة، ولسوف يأتي يوم بوضع فيه لوك بالاجماع في عداد الكتاب الذين ألحقوا أفدح الأذى ببني الإنسان. جوزيف دي میستر.
  • لننسى الاحترام الذي ندين به لاسم كانط، ولننظر فقط في النتيجة، فمن المحقق أنه يتعذر علينا أن نعاين ما يتبقى لكانط من فضل بالمقارنة مع الفضل الباقي للوك وكوندیان، لقد كتب لوك محاولة في الفهم البشري، وكتب كانط نقد العقل الخالص؛ ولا ريب أن المؤلف الأخير أكثر منهجية من الأول، لكنه مثله عسير الهضم، بل غير مفهوم فيما يتصل بلب المسألة، وبحسب لوك، فإن جميع التصورات البشرية، بل مفاهيمنا جميعًا، بما فيها المفاهيم العلمية، تنبع من التجربة، وصحيح أن كانط يسلم بوجود بعض المفاهيم مستقلة عن التجربة، ولكن بما أنها غير قابلة للتطبيق إلا على موضوعات التجربة، فإنها لا تجعلنا أكثر استقلالًا عن التجربة، وتلك هي النتيجة عينها التي انتهى إليها لوك. شلينغ.
  • إلى جانب الدحض السلبي للاهوت والميتافيزيقا العائدين إلى القرن السابع عشر، كان لا بد من مذهب مضاد للميتافيزيقا إيجابي، وكانت الحاجة ماسة إلى كتاب بمذهب الممارسة الحية للعصر ويعطيها أساسًا نظريًا؛ وقد جاء كتاب لوك محاولة في الفهم البشري في حينه من وراء المانش. فاستقبل بحماسة وكأنه ضيف طال انتظاره. مارکس.
  • لقد كان لوك معلم هلفتيوس، مثلما كان معلم فيورباخ ودیدرو وفولتير. بليخانوف.
  • أنه أول من عرض الفلسفة الليبرالية على نحو مفهوم، إنه أكثر الفلاسفة المحدثین نفوذًا، إن لم يكن أكثرهم عمقًا. برتراند راسل.
  • إن الاستقلال البروتستانتي والثوري لعقل لوك يعطينا مذاقًا أوليا عن داروين وحتى عن نيتشه. سانتایانا.[١]

أشهر أقوال جون لوك

  • لقد قضيت أكثر من نصف العمر في محاولةٍ للتعبير عن اللحظة المأساوية.
  • لا يمكن أن يكون هناك وقاحة أكثر من مقاطعة الآخر في خطابه.
  • كل المعرفة بما في ذلك أفكارنا عن الله وعن الصواب والخطأ مستمدة من الخبرة، وليست جزءًا من التركيب الفطري للعقل.
  • تحسين الفهم هو لغايتين: أولًا، لزيادة معرفتنا الخاصة؛ وثانيًا، تمكيننا من إيصال تلك المعرفة إلى الآخرين.
  • يعتبر دخلنا شبيه بالأحذية، إذا كانت صغيرة تسبب لنا المرارة والضغط وإذا كانت كبيرة جدًا تسبب لنا التعثر.

أهم المؤلفات

  • من أهم المؤلفات التي تركها جون لوك تتمثل في التالي:
  1. مقالة في العقل البشري (الإنساني) (1671 م).
  2. مقالة تتعلق بالأصل الحقيقي واستمرار ونهاية الحكومة الأهلية.
  3. بعض الأفكار عن التربية (1693 م).
  4. كيف يعمل العقل.
  5. روح التسامح (1692 م): ظهرت باللغة اللاتينية وترجمت عام (1689 م)، ونشرت رسالة ثانية في التسامح عام (1690 م)، ثم ثالثة عام (1692 م).
  6. معقولية النصرانية (1695 م): وله في ذلك دفاعان عن رأيه، ظهر الأول عام (1695 م)، بينما ظهر الثاني في عام (1697 م).
  7. رسالتان عن الحكومة (1690 م) وتضم موضوعات سياسية وثورية دفعته لكتابتها الأحوال السياسية وخبرته في العمل السياسي.
  8. تاريخ البحث.
  9. بعض الاعتبارات لنتائج انخفاض الاهتمام ورفع قيمة المال.
  10. دراسة لرأي مالبرانش في رؤية الأشياء في الله (1706 م).
  11. بحث في المعجزات (1706 م).
  12. ذكريات تتعلق بحياة شافتسبرى (1706 م).
  13. الآثار الباقية من جون لوك (1714 م).

رسالتان في الحكومة

  • كتابه: «بحثان في الحكومة» في جزأين يضم نظريته السياسية.
  • وتنطوي هذه النظرية في صميمها على خصال مفكر يؤمن بكرامة الإنسان وحرية الفكر والصحافة ويدعو إلى التسامح في مجال العقائد الدينية، والعمل على أن يكون للدولة التوجيه والإشراف في المجالات الاقتصادية من أجل النهوض بالمجتمع.
  • ويعتبر هذا الكتاب تقنينًا لأصول الثورة التي تمت سلمية سنة (۱۹۸۸ م)، وكانت تستهدف إخضاع الملك للرقابة البرلمانية وإشراف البرلمان على الميزانية والجيش، هذا إلى تعزيز استقلال القضاء، والأخذ بفكرة مسئولية الوزراء.
  • بيد أننا ينبغي أن ننبه إلى أن هذه الثورة قد تبلورت في تصور أرستقراطي للمجتمع، فقد كان معظم الناس في تلك الفترة حريصين على أن يدفعوا عن أنفسهم بحماس بالغ تهمة اعتناق الديمقراطية وكأنها رجس من عمل الشيطان.
  • ويعد «جون لوك» فيلسوف هذه الثورة، وتمتاز آراؤه بالاعتدال والتبصر، وفي هذا الكتاب الذي يشغل مكانة مرموقة في تراث الفكر السياسي، يعرض «لوك» في جزئه الأول عرضًا تحليليًا نقديًا للنظريات المنصبة على شكل الحكم.
  • فالحكومة تنهض على أحد الأسس التالية:
  1. إما أن تستمد سلطتها من الله.
  2. وإما أن تكون هذه السلطة مرتكزة إلى القرابة.
  3. أو أن تكون مستندة إلى العقد.
  • وقد وضح «لوك» أن فیلمر أثبت أن الشكلين الأولين متماثلان، سواء أكانت السلطة منبثقة من الله أم مستمدة من القرابة.
  • وعلى هذا يرى «لوك» أن ثمة احتمالين جوهريين الأساس الحكم:
  1. إما أن تكون الحكومة تعبيرًا عن إرادة الله.
  2. أو أن تنهض على أساس عقد بين المواطنين.
  • اختار «لوك» الاحتمال الثاني، فوضع أسس نظرية العقد الاجتماعي، باسطًا هذه النظرية في الجزء الثاني من كتابه مهاجمًا الحق الإلهي للملوك، مدافعًا عن حرية المواطنين.
  • وقد ارتأى أن الحكم لا يمكن أن يكون مشروعًا إلا إذا أتى استجابة لرضا المواطنين وتلبية لرغباتهم. [٢]

«معقولية المسيحية»

  • ويعد بحث «لوك» في «معقولية المسيحية» وقد صدر سنة (۱۹۹۰ م) دراسة جريئة لمفكر حر، توخى أن يستخلص مبادئ المسيحية صافية نقية، من الكتاب المقدس.
  • وقد بين أن العقيدة تصفو إذا تحررت من شوائب الطقوس المعقدة ونأت عن المناقشات اللفظية العقيمة.
  • وتعتبر دراسة «لوك» للمسيحية في تلك الفترة زيادة عن وقار الدين واستنكارًا صريحًا لألوان التعذيب والاضطهاد التي كان يسام بها الناس أحيانًا من رجال الكنيسة، وتبسيطًا للعقيدة بحيث لا تجثم على الأنفاس صيغة جوفاء تشوه جمال التقوى.
  • لذلك لا نعجب إذ يغدو «لوك» هدفًا لحملات شديدة من رجال الدين في عصره، اتهموه فيها بالمروق على العقيدة الدينية والتهكم على الكنيسة.
  • والإنصاف يقتضينا القول بأن فيلسوفنا كان مسيحيًّا مخلصًا تقيًّا، تشهد حياته كما تنم رسائله وكتاباته عن عمق مشاعره الدينية.
  • ولم يقصر رجال الكنيسة هجومهم على آرائه الدينية، بل طعنوا كذلك فلسفته، لأنهم رأوا أن هذه الفلسفة هي أساس نظرته للدين.
  • وليس من شك في أن النزاع بين الكنيسة والفلاسفة على أيام لوك، كان مظهرًا من مظاهر التعارض الصارخ بين العرف المدرسي وبين حركة الاستنارة والتجديد: وليس أدل على ذلك من شدة العنف في حملة رجال الكنيسة على «لوك»، على حين أنه يعد من أصحاب الآراء المعتدلة.
  • وقد أفضت هذه الحملة إلى تحريم الاطلاع على كتابه «مبحث في الفهم الإنساني» في جامعة أكسفورد.
  • كان لهذا أسوأ الأثر على الفيلسوف، فاستبد به الحزن، ولم يكن يملك إلا الحسرة والسخرية المرة من هذا الموقف الشائن، وأنفق أيامه الأخيرة في هدوء ودعة إلى أن وافته المنية في (۲۷) أكتوبر سنة (۱۷۰4 م).[٣]

«مبحث في الفهم الإنساني»

  • وقد ظهر مؤلفه الضخم «مبحث في الفهم الإنساني» في مستهل سنة (۱۹۹۰ م).
  • ويعد هذا الكتاب بحق عملًا من الأعمال الفلسفية الخالدة.
  • يذكر لنا صاحبه في مقدمته أنه عكف على تأليفه إثر مناقشة جرت بينه وبين بعض الأصدقاء حول إشكالات تتصل بالدين والأخلاق.
  • وقد ارتأى أن من الخير لنا أن نشرع في تحديد طبيعة تصوراتنا وفي تحليل أصول مفاهيمنا، قبل أن يناقش بعضنا البعض الآخر في مشكلات شائكة ضاربة في صميم حياتنا، ولو فعلنا لاستطعنا أن نجعل مناقشاتنا مثمرة مفضية إلى نتائج مقنعة.
  • ويلاحظ أن «لوك» قضى فترة طويلة في إعداد هذا الكتاب أثناء مقامه في فرنسا وإبان منفاه في هولندا، ولئن كان هذا السفر القيم قد صدر سنة (۱۹۹۰ م)، فإن «لوك» قد أنجزه بالفعل سنة (۱۹۸۷ م).
  • وهو يضم أربعة أبواب:

الباب الأول نقد نظرية الأفكار والمبادئ الفطرية

  • يستنكر «لوك» رأيًا شاع بين عدد من المفكرين -ومن الواضح أنه يشير إلى «دیكارت» والديكارتين وإلى أفلاطونيي «كمبردج»- مفاده أن ثمة مبادئ فطرية من قبيل أن الشيء لا يناقض ذاته وأن الكل أكبر من الجزء.
  • والحجة التي يحتجون بها على فطرية معرفتنا بهذه المبادئ هي أننا جميعا نوافق عليها؛ ولئن كانت الموافقة الكلية ليست في ذاتها دليلًا على فطريها، فالثابت مع ذلك أن هذه الموافقة الكلية غير مسلم بها، ذلك أن عددًا كبيرً من أفراد الجنس البشري لم يسبق لهم البتة أن تصوروا مثل هذه المبادئ، کالأطفال والبدائيين.
  • ويمضي بنا هذا إلى نقطة أخرى، فقد تحتج بأننا قادرون على الأقل على معرفة هذه المبادئ بالقوة؛ فإذا كان هذا يعني أننا نملك من البداية قدرة على معرفتها فإن «لوك» لا يعترض على ذلك إذ يقر بالقدرات الطبيعية أو الملكات، أما إذا كان معنى هذا أن ثمة قضايا مضمرة في الذهن، من قبيل الشيء هو ذاته، ولكنها لم يصرح بها بعد، كان رد «لوك» أنه ليس ثمة قضية يمكن أن يقال إنها في الذهن الذي لم يعرفها وليس على وعي بها، فإذا كان المقصود بعد ذلك أننا سنعرف هذه المبادئ حين نستدل، يجيب «لوك» بأننا سنعرف أيضا أن (۷+ 5 = ۱۲) حين نستدل، ولكن لا أحد يفترض هذه معرفة فطرية.
  • ويضيف «لوك» فضلًا عن هذا أننا لا نعرف هذه المبادئ بالاستدلال مع أننا نستخدمها فيه؛ فإن من تجشم نفسه مشقة النظر بشيء من الانتباه في عمليات الفهم، سيجد أن هذا القبول الحاضر للذهن لبعض الحقائق لا يعتمد على سحل أصلي في العقل أو استخدامه (أي في الاستدلال)، بل على ملكة للذهن متميزة تمامًا منهما، وهي ملكة الحدس كما سيتضح لنا ذلك فيما بعد.
  • ليس في مستطاعنا إذن أن نتخذ من الموافقة الكلية -على فرض قيامها- حجة على فطرية معرفة المبادئ، كما أنه ليس من الممكن أيضا أن نطلب لهذه المعرفة أية أولية في الزمن، فمن الواضح أن معرفة المبادئ من حيث هي مجردة تأتي فيما بعد؛ فالإحساس وتمييز الأحمر من الأبيض، كل ذلك سابق على معرفتنا مبدأ عدم التناقض، فمن الغريب أن يوصف هذا المبدأ بأنه مطبوع في العقل أصلا.
  • بيد أن الحجة ليست خاصة بالسبق الزماني، بل بالضرورة المنطقية، فالمبادئ ضرورية ضرورة منطقية وواضحة بذاتها، وما نكاد نفهم ما تعنيه الكليات في القضية «الشيء هو ذاته» حتى يتعين تصديقها؛ فهل مثل هذه الضرورة وهذا الوضوح الذاتي يفسران فقط بالأخذ بأن المبادئ مطبوعة فطرية في الذهن؟ يرى لوك أن من المسلم به أن المبادئ واضحة بذاتها، ولكن الأمر كذلك في حقائق أخرى كثيرة لا تعتبر حقائق فطرية، مثل ذلك، الحقائق الرياضية، فسواء أكانت هذه الحقائق ضرورية أم واضحة بذاتها فليس هذا دليلًا على فطريتها.
  • إن المبدأ «الشيء هو ذاته» مبدأ ضروري مسلم به لا لأنه مبدأ فطري، بل لأن اعتبار طبيعة الأشياء المشمولة في هذه الكلمات لا تجعلنا نفكر فيها على نحو آخر، إننا نتقبلها بالحدس كما نتقبل کون (۲ + 2 = 4).
  • تخلص «لوك» من هذا بأن ليس ثمة ما يظهر أن المبادئ المستخدمة في التأمل كمبدأ الهوية ومبدأ عدم التناقض تعرف معرفة فطرية، فماذا يكون الأمر بالنسبة للمبادئ العملية التي يدعي کونها فطرية! يبدأ لوك بالتساؤل عما إذا كان هنالك مبادئ من هذا القبيل نتفق عليها جميعًا، فيجد من الضروري التسليم بوجود بعض میول مشتركة في الجنس البشري، فمن المشترك عند الناس جميعا «الرغبة في السعادة وكراهة الشقاء»، بيد أن هذه نزعات وليست انطباعات للحقيقة في الفهم؛ أما فيما يختص بالمبادئ الأخلاقية، فهناك اتفاق أكبر على المبادئ التأملية منه عليها، وبالتالي فإذا كنا قد تبينا أن هذه الأخيرة ليست فطرية فالأولى ليست بالأحرى كذلك.
  • ومن غاية الوضوح أن منبع مبادئنا الأخلاقية هو عقلنا، أو التربية التي نتلقاها من الآخرين أو آراء الأصدقاء المحيطين بنا، وعرف البلاد التي نعيش فيها.
  • ويعتقد «لوك» أن ثمة قوانين للأخلاقية ثابتة وسرمدية، ولكنها لا تعرف بأية معرفة غامضة فطرية وهي ليست مغروسة ابتداء في الأذهان.
  • ومن الأكيد أنه إذا كان الناس جميعًا قد عرفوا المبادئ الأخلاقية معرفة فطرية لما شاهدنا كثيرًا من آلام تخرق بعض هذه المبادئ أو معظمها ولا تخجل من ذلك.

الباب الثاني تحليل للتجربة الحسية

  • وقد شبه الذهن بصفحة بيضاء ليس فيها خصائص ولا أفكار، وهنا يحق لنا أن نتساءل من أين جاءت كل هذه الذخيرة من الأفكار التي شكلتها مخيلة الإنسان التي لا تنفد لها طاقة؟ يجيب «لوك» على هذا التساؤل بأنها تأتي من التجربة.
  • فبالملاحظة التي نديرها على الموضوعات الخارجية المحسوسة وحول النشاط الداخلي للذهن نتزود بالإدراك والتفكير وهما الركنان اللذان يرتكز علهما النشاط العقلي.
  • وبناء على ما تقدم فهنالك مصدران أساسيان لجميع الأفكار التي تشكل وحدها دون غيرها خامات النشاط العقلي بأسره:
  1. أولًا: الإحساس الخارجي: فالحواس تنقل إلى الذهن إدراكات عديدة متميزة تميز الطرائق المتنوعة التي أثرت بها الموضوعات الخارجية عليها، ومن ثم تصل إلينا أفكار الأصفر والأبيض والحار والبارد والصلب واللين والمر والحلو، وهي ما ندعوه صفات حسية تشكل في الذهن الإدراكات، هذه الإدراكات هي مصدر معظم الأفكار التي لدينا، وهي تعتمد تمامًا على الحواس، هذه الإدراكات هي الإحساس الخارجي.
  2. ثانيًا: الإحساس الباطني: ويتمثل في ذلك النشاط الذي تمارسه الذهن بعملياته التي تدور حول الأفكار التي انتقلت إليه من الحواس، من إدراك وتفكير وشك واعتقاد، وينجم عن ذلك بعض انفعالات مثل الرضا والضيق ونستقبل من هذا النشاط أفكارًا متميزة، تميز الأفكار التي نستقبلها من الموضوعات الخارجية التي تؤثر على حواسنا مثل هذه الأفكار لا علاقة لها بالإحساس الخارجي فهي تنشأ من ثم عن الإحساس الباطني.
  • هذان هما المصدران الوحيدان اللذان تأتي منهما الأفكار البسيطة وليس في الذهن أدنى فكرة لم تأت إليه عن أحد هذين المصدرين؛ وإذ تنجم معرفتنا عن مصدرين متميزين ، الإحساس والإدراك ، نرى «لوك» يتخذ موقفًا مختلفًا تمامًا عن موقف المدرسة الحسية.

الباب الثالث صلة الفكر باللغة

بحث في صلة الفكر باللغة وتأثير الألفاظ في التفكير، وتحليل للفلسفة المدرسية على ضوء هذه العلاقة بين اللغة والفكر، فهي في نهاية الأمر فلسفة ألفاظ وليست فلسفة معانٍ ومضامین.

الباب الرابع تحديد الإطار العام للمعرفة

  • يعني «لوك» بتحديد الإطار العام للمعرفة، وبذلك نجد أن نظرية المعرفة تتبلور في هذا الباب الأخير، ومن هنا يذهب كثير من الباحثين إلى أن هذا الباب والباب الثاني أي تحليل التجربة الحسية كتبا قبل البابين الأول والثالث.
  • إن فلسفة «لوك» كما بينا وجدت غذاء دسمًا في مغامراته وتجاربه وخبراته، وفي مواجهته للمشکلات الدينية والأخلاقية والسياسية، ولا ريب في أن نظراته في الدين والسياسية والتربية والأخلاق قد تأثرت بنظريته في المعرفة، بحيث يمكننا أن نقول إن هناك في صميم فكر لوك الفلسفي تجاوبًا أصيلًا بين هذه الجوانب المختلفة التي امتد إليها نشاطه الفكري، ومن هنا جاء إنتاجه غزيرًا متنوعًا. [٤]

فلسفته

المعرفة، والاعتقاد، والإيمان

  • على حدِّ معرفتنا، لم يشكَّ لوك خلال أي مرحلة من حياته في أن بعض الأفراد على علم بالفعل بواجبهم تجاه لله؛ إذ كانت هذه ببساطة حقيقة نابعة من واقع تجربته.
  • لكنه أيضًا لم يوضِّح خلال أية مرحلة من حياته الفكرية أسبابَ هذه القناعة على نحو واضح وسهل التفسير، وفي أوائل عام (١٦٥٩ م)، قبل أن يَشْرع في كتابة أيٍّ من مؤلَّفاته الرسمية، وضع بحماس -وتخيُّل- تصوُّرًا للعلاقة بين معتقدات الإنسان ورغباته التي يُنظَر فيها إلى العقل بوضوح بوصفه عبدًا للعواطف؛ فبدلًا من أن يسيطر العقل ببساطة على أفعال الإنسان وتصرفاته، فإنه لا يعدو أن يكون أكثر من مجرد وسيلةٍ لتبرير رغباته.
  • وأسوأ من ذلك أن فشله لم يكن مجرد فشل في السيطرة، وإنَّما نَقيصة أخلاقية؛ وقد شابَ الفشلُ الأخلاقي بدوره الفهمَ الإنساني في مُجمله، وأخَلَّ بكل مفهوم راسخ يقضي بأنَّ لكل إنسان هويته الفردية الخاصة به (رسالة في التسامح).
  • وتتكرَّر هذه المفاهيم الثلاثة طوال حياة لوك الفكرية؛ تارةً بثقة أكبر، وتارةً بعناءٍ أكبر، وكان رأيه بأن الكثير من المعتقدات البشرية تستحق اللوم، وأن الأفراد مسئولون في المقام الأول عن معتقداتهم، واحدة من أكثر القناعات رسوخًا في فِكره، لكنه كان أيضًا من الآراء التي وجد صعوبةً بالغة في تبريرها.
  • ولكي يكون ثمة ترابط منطقي في أفكاره، كان لا بد من وضع تصوُّرٍ واضح للكيفية التي يمكن بها مبدئيًّا أن يتخلص الأفراد من المعوقات العاطفية التي تعترض عمليةَ الفهم؛ أي الكيفية التي يمكن أن يفهم بها الأفرادُ عالمَ الله وذواتهم، ويستوعبوها بالصورة التي هي عليها وليس كما يُؤثِرون أن تكون.
  • وإلى جانب ذلك، كان لا بد أيضًا من وضع تصوُّر واضح لكل إنسان بوصفه كائنًا قادرًا على تحمل مسئولية أفعاله، وثمة ارتباط وثيق بين مفهومَي التفويض الأخلاقي ونطاق الفهم البشري وحدوده في فِكر لوك، وحيثما كان يحتدم الصراع بينهما كان لوك يختار تعقُّب « مقال في الفهم البشري » حدث في السنوات التي أعقبت نشر الآثار المترتبة على مفهوم التفويض الأخلاقي، لكن من بين هذين المفهومين، بالطبع، هو « مقال في الفهم البشري » كان تصوُّرُه لنطاق الفهم البشري وحدوده الذي طرحه في المفهومَ الذي أقرَّ هو نفسه بأنه رائعته الفكرية؛ وكان هذا هو نفسه المفهوم الذي عَلِقَ في مخيِّلة الأجيال القادمة.
  • كان العمل الأول الذي حاوَلَ لوك فيه أن يستكشف هذه الموضوعات عبارة عن مقالات حول قانون مجموعة من المحاضرات التي ألقاها في كلية كنيسة المسيح بعنوان إذ كان يرى أن القانون الطبيعي مصدره مشيئة لله، وأنه يمكن -بل يجب أيضًا- إدراكه بنور الطبيعة من خلال إعمال العقل البشري، وفي إطار النظام الطبيعي، يوضِّح القانون الطبيعي للإنسان ما ينبغي أن يفعله وما لا ينبغي؛ ما يتطلَّبه هذا النظام من الإنسان باعتباره مخلوقًا عاقلًا يتمتع بإرادة حرَّة (مقالات حول القانون الطبيعي).
  • كان موقف لوك غامضًا تجاه الجدل الرئيسي في النظرية الأخلاقية المسيحية منذ العصور الوسطى، المتمثِّل في الخلاف القائم بين أولئك الذين رأوا الالتزامات البشرية على أنها تعتمد اعتمادًا أساسيًّا على مشيئة لله، وبين أولئك الذين رأوا أنها تعتمد فقط على مقتضيات العقل والخصائص الفعلية للعالم الطبيعي، ومن الواضح أنه شعر (بل ظل بالفعل يشعر طوال حياته) بقوةِ كلٍّ من هذين الرأيين، لكن كلما كان يُضطر إلى الاختيار بينهما (وعلى نحوٍ أكثر وضوحًا، كلما كان يشعر أن امتثال البشر لقانون مقالات » الطبيعة أمرٌ مشكوك فيه عن جدٍّ)، كان يختار مشيئة لله التي يثق فيها. وفي حول القانون الطبيعي قدَّم محاولةً بسيطةً -لكنها غير حاسمة- لبحث التعارُضات الواضحة بين هذين الرأيين، ولم يكترث لوك كثيرًا بالدفاع عن وجود قانون الطبيعة وقوته المُلزِمة في مواجهة الاعتراضات المشكِّكة فيه.
  • لكن من الجدير بالذكر أن استجابته الأخيرة لمثل هذه الشكوك، تمثَّلَتْ في الجزم بأن غياب قانون الطبيعة من شأنه أن يجعل كلَّ إنسان الحَكَمَ المستقلَّ والأعلى على أفعاله (مقالات حول القانون الطبيعي)؛ وهو اعتراض له وقعٌ بالغ الغرابة على آذان الإنسان في العصر الحديث).
  • بدلًا من ذلك، ركَّزَ لوك على السؤال عن الكيفية التي يمكن بها للإنسان أن يعرف بالضبط ماهيةَ قانون الطبيعة، وأوضحَ أربعَ طرق محتمَلة للمعرفة: الكتابة، والتقاليد، والتجربة الحسية، والوحي الخارق للطبيعة أو الوحي الإلهي.
  • لكنه استبعد الطريقةَ الأخيرة؛ ليس لأي سبب يدعو إلى التشكيك في وجوده، وإنما لأنه من الواضح أنه ليس بالشيء الذي يمكن للإنسان أن يدركه بفِكره أو عقله أو تجربته الحسية فقط.
  • ومع ذلك، يعود لوك إلى هذه الاحتمالية بعد مرور أكثر من ثلاثين عامًا في معقولية المسيحية
  • استُبعِدت فكرة النَّقشُ؛ فلو كان قانون الطبيعة منقوشًا حقٍّا في قلوب كل البشر، إذن لاتَّفَقَ البشر أجمعين ببساطة على كلٍّ من المبادئ الأخلاقية والتأمُّلية التي آمنوا بها، ولَاستطاع الشباب وغير المتعلمين والهمجيون استيعابَ تلك المبادئ بوضوح بالغ (مقالات حول القانون الطبيعي).
  • كما استُبعِدت التقاليد؛ لأن القناعات الأخلاقية للمجتمعات المختلفة تختلف اختلافًا هائلًا؛ فما يراه مجتمعٌ على أنه ملكية له، يراه مجتمع آخَر على أنه سلبٌ وسطو، وما يراه شعبٌ على أنه فسق، يراه شعبٌ آخَر على أنه صُحبة جيدة أو عبادة دينية، بل يمكن أيضًا أن يُمتدَح القتل والانتحار في ظل ظروف معينة، وفي بعض البلدان.
  • وحْدها طريقةُ التفسير العقلاني للتجارب الحسية هي التي نَجَتْ من الانتقاد، ولكن لم يتحدَّث لوك إلا قليلًا عن رؤيته لآلية عملها، لكنه يؤكِّد بقوة على أن الدروس الرئيسية التي تطرحها تتعلَّق بقدرة لله ومشيئته (مقالات حول القانون الطبيعي).
  • كما يشير بوضوح إلى سبب اعتقاده بأن هذه الطريقة وحدها يمكن أن تقوم بدور حجر الأساس لقانون الطبيعة؛ فالقانون المتسق مع الآليات الواضحة للفهم البشري، الذي يراعي جيدًا الخصائص الفعلية للعالم الطبيعي، هو وحده الذي بمقدوره أن يمنح سلطةً عقلانيةً للبشر باعتبارهم مخلوقات طبيعية.
  • وبما أنَّ معتقدات الإنسان موجودة بالفعل، فإنها -كما يصرُّ لوك مرارًا وتكررًا- تأتي للإنسان في المقام الأول عن طريق كلام غيره من البشر (مقالات حول القانون الطبيعي).
  • يشوب كلامَ الآخرين فسادُ الخطيئة البشرية، وفقط عندما تعتمد معتقدات الإنسان على فهمه والعِبرات المستمدَّة من تجاربه الخاصة، حينها فقط يكون لديه مبرر منطقي للوثوق في الآخرين [٥]

التسامح عند جون لوك

ألف الفيلسوف التجريبي الانجليزي رسالة في التسامح عام (1685 م) باللاتينية وهي من المناخ الطائفي الفكري المصحوب بالاضطهاد الديني في القرن السابع عشر فكرتها المحورية تدور على مسألتين:

  1. إحداهما دفاع عن الليبرالية في السياسة والدين.
  2. والأخرى الدفاع عن التسامح الديني ومحدودية العقل الانساني التي لا تسمح لأحد لفرض عقيدته على الاخر".[٦]
  • وكان هدف جون لوك حين أصدر رسالة في التسامح عام (1689 م) والتي دافع بها عن التسامح الإنجليزي ولقد "أضاف ثلاث رسائل أخرى حول التسامح لكي يتم بحثه ووضعه وكان جوهر فكرته أن مهمة الحكومة المدنية تختلف اختلافًا بينًا عن مهمة الدين، وأن الدولة هيئة تكونت لغرض واحد هو إنماء مصالح أفرادها المدنية، وذلك عن طريق التسامح، فالتسامح هو المبدأ الذي يتيح للإيمان الصحيح أفضل فرصة لأن يسود. أحمد عبد الحليم عطية: الفلسفة والمجتمع المدني، جون لوك، رسالة في الحكومة المدنية، نصوص فلسفية.
  • وجون لوك يقصد بالتسامح التسامح الديني والذي كان يقصد به "أنه ليس من حق أحد أن يقتحم باسم الدين الحقوق المدنية والأمور الدنيوية".
  • ولهذا فإن فن الحكم ينبغي ألا يحمل في طياته أنه معرفة عن الدين الحق... فالتسامح الديني يلزم ألا يكون للدولة دين، لأن الخلاص من شأن الله وحده، ثم إن الله لم يفرض أحدًا في أن يفرض على أي إنسان دينًا معينًا، ثم إن قوة الدين الحق كامنة في اقتناع العقل، أي كامنة في باطن الإنسان". [٧]
  • كما أكد جون لوك على ضرورة قبول كل أشكال التدين والإيمان، فالاختلاف في الدين ليس أمرًا هامًّا ما دام لا يتعارض مع الاخلاق، كما أشار إلى دور الدين في المجتمع السياسي في غرس الأخلاق المدنية السليمة، ومن أهمها مسؤولية الآباء تجاه أبنائهم، لكن دون أي تطبيق سياسي للدين. أحمد عبد الحليم عطية: الفلسفة والمجتمع المدني، جون لوك، رسالة في الحكومة المدنية، نصوص فلسفية.
  • وجون لوك يقول بأنه: ما أقوله عن التسامح المتبادل بين الاشخاص الثابتين دينيًّا، أقوله أيضًا عن الكنائس التي تكون علاقتها فيما بينها مثل العلاقة القائمة بين الأشخاص وليس مثل أي من هؤلاء حق التشريع للآخر، بل ليس للحاكم هذا الحق -كما يحدث أحيانًا- سواء كان حاكمًا لهذه الجماعة أو تلك.
  • دعا لوك إلى ضرورة فصل الدولة عن الدين، كما نادى بضرورة الفصل بين السلطات مما ينجم أن تقوم الحكومة المدنية بتقسيم السلطات ponner إلى ثلاث سلطات: التشريعية legislative، التنفيذية excutive الفيدرالية federative؛ وكانت دعوته هذه قائمة على أسس التسامح التي أعلنها في رسائله المختلفة، ونادى بضرورة ألا تضطهد الكنيسة أي إنسان بسبب عقيدته، لأن الحرية مكفولة للجميع، فضلًا عن ضرورة أن تعمل الدولة والكنيسة من أجل سعادة المواطنين.
  • كذلك نجد في كتابه (في التسامح) فقد دافع فيه عن حق الأفراد في الحرية الشخصية، وهو يحتم أن يكون لكل إنسان الحق الكامل في إبداء آرائه حرًّا من كل قيد، فليس من الحكمة أن ترغم الناس على عقيدة معينة أو رأي خاص.
  • ونجد أنه رغم اعتراف لوك بشرعية اختلاف المذاهب الدينية، إلا أنه رفض الإلحاد، إذ ميز بين الإيمان الديني والإلحاد، مؤكدًا على شرعية كل أشكال الإيمان الديني ما عدا الإلحاد، وذلك أن الإلحاديين لا أخلاقيين من وجهة نظره، كما وضع لوك بذور عدم تأكيد أو النسبية بتأكيد على ان الدين الحقيقي غير معروف، وهذه الفكرة التي استفاض فيها بايل من بعده واعتبرها إحدى أساسيات تعزية التسامح.
  • ولإتمام التسامح الديني حسب جون لوك، هناك تحفظات ضرورية والتي تتدرج تحت عناوين ثلاثة:
  1. أولًا: إنه لا يسمح بإكثار الآراء التي تتناقض مع المجتمع البشري أو تلك التي تناقض القواعد الأخلاقية الضرورية لحفظ المجتمع المدني.
  2. ثانيًا: هو لم يقل بصورة محددة كيف بل من الناحية الظاهرية من حيث أنه ضروري من الناحية العملية لأمن الحكومة تقييد أنشطة أولئك الذين يعتقدون أنه يجب عدم حفظ العهد مع الزنادقة أو الملوك الذين يحمون الناس من الكنيسة يضيعون ممالكهم.
  3. ثالثًا: إن هذا الحفظ والذي يعتقد به الملوك أنه ضروري لإتمام التسامح هو الملاحدة وأنه يجب عدم التسامح مع هؤلاء على الإطلاق فهم ينكرون وجود الله، إن الوجود والمواثيق التي تكون روابط للمجتمع البشري لا يمكن أن تستحوذ على الملحد والتخلي عن الله... فإن أولئك الذين يقومون ويدمرون بإلحادهم كل دين، لا يكون لهم ادعاء الدين، وعندئذ يعترضون على ميزة التسامح؛ وينتج استعباد الملحد من اعتقاد لو كانت الأخلاق تقوم من الناحية المنطقية على وجود الله وأنكر ذلك سيفرض جميع الإلزامات الخلقية والمدنية.
  • فجون لوك ظهر في رسالته حول التسامح ملتزمًا بالإيمان الديني، ومدافعًا عن التجربة الدينية ومتمسكًا بالتعاليم الأخلاقية، كما أنه مفكر ديني وينتمي إلى الفكر الديني، أما الرسالة فهي أقرب إلى مجال الفكر الديني، وإنها تقف على نحوه، ولا تتفرق معه أو تعانده أو تخاصمه. [٨]

فلسفة لوك السياسية

  • يعتبر لوك بحق مؤسس المدرسة التجريبية البريطانية (British Empiricism ) التي أنجبت، إلى جانب مؤلفنا، اثنين من أعظم المفكرين البريطانيين ما بركلي George Berkeley (۱۹۸۰ - ۱۷۰۳ م) وهيوم David Hume (۱۷۱۱ – ۱۷۷۹ م)، الفيلسوف الكتلندي الذي اشتهر بشکوکیته المطلقة.
  • قامت هذه المدرسة تناوئ، المدرسة العقلية التي وضع دیکارت (۱۰۹۰ – ۱۹۰۰ م) أسسها، لاسيما مذهبها في فكر الفطرية (Innate Ideas)، طيلة القرن الثامن عشر.
  • ويمكن القول أن المشادة بين هاتين المدرستين استمرت على أشدها، حتى قيام كانت Emmanuel Kant ( ۱۷۲٤ – ۱۸0۰ م)، الفيلسوف الألماني الأكبر، الذي عمل على التوفيق بينها توفيقًا رائعًا، ورغم بعض مآخذ كانت على فيلسوفنا، فهو يسند إليه شرف السبق إلى إثارة مشكلة المعرفة، ووضع أسس علم المعرفة (Epistemology)، الذي طبع الفلسفة الحديثة كلها بطابعه، والتي كتب لها السيطرة على الفكر السياسي عامة منذ أواسط القرن السابع عشر، والتي کرستها ثورات ثلاث في العالمين الجديد والقديم .
  • يرد لوك في المقالة الأولى الموسومة في بعض المبادئ، الفاسدة في الحكم على السير روبرت فلمر مؤلف كتاب «الحكم الأبوي» (Patriarcha)، وهو عبارة عن دفاع عن حق الملكية الإلهي (Divine Right of Kings) المنحدر بالوراثة عن آدم، ظهر سنة (۱۹۸۰ م)، ولولا تصدي لوك للرد على هذا الكتاب كما قيل لعفا عليه النسيان.[٩]

أسس الحكم وأصوله

يعالج أسس الحكم وأصوله إذ لما بطل الأصل الإلهي للسلطة عنده، فقد تحتم عليه أن يبحث عن أساس عقلي طبيعي للسلطة على الأرض.

  • وأول ما يلاحظ أن لوك يتفق مع عامة المفكرين السياسيين، أشباه روسو (۱۷۱۲ – ۱۷۷۸ م) وهوبز (۱۰۸۸ – ۱۳۷۹ م) وحتى فيبر نفسه، على أن السلطة لا مفر منها على الأرض.
  • فالإنسان، إذ يولد، إنما يولد على الطور الطبيعي، وهو عند لوك -خلافًا لتوماس هوبز- طور من الحرية والمساواة التامتين بين جميع البشر يخضعون فيه لسلطة العقل وسنة الطبيعة.
  • وإلى الطور الطبيعي هذا ثلاث آفات أخری:
  1. أولًا: انعدام قانون معروف ثابت تواضع عليه أبناء المجتمع، يحدد حقوق الفرد ومسؤولياته بوضوح؛ ومع أن السنة الطبيعية التي تهيمن على هذا الطور واضحة كل الوضوح فالناس يتوانون عادة عن درسها ويتجاوزون عنها في الكثير من الأحوال لأنانيتهم وأثرتهم.
  2. ثانيًا: انعدام حكم منصف نزيه، يقضي بينهم ويفصل في خلافاتهم، بناءً على ذاك القانون، إذ لما كان البشر مطبوعين في القضايا التي تعنيهم على الأثرة والأنانية، استحال عليهم التجرد في الحكم.
  3. ثالثًا: انعدام سلطة قادرة على تنفيذ أحكام القانون بصرامة وإنصاف، إذ لما كان مرتكب إساءة ما لن يرتدع طوعًا، اقتضى أن تكون السلطة الحاكمة قادرة على إرغامه على الامتثال، والمرء عاجز عن فعل ذلك بمفرده.

في سلطات الدولة وحدودها

  • قلنا أن الدولة (أو المجتمع المدني بمعنى أدق) تنشأ عن تنازل المرء عن الصلاحيات التي كان يتمتع بها إبان الطور الطبيعي، وتتلخص هذه الصلاحيات عند لوك في اثنتين:
  1. صلاحية المحافظة على ذاته وعلى ذوات سائر البشر، وفقًا للسنة الطبيعية القاضية بضرورة بقاء النوع البشري.
  2. وصلاحية إنزال العقوبات بالخارجين على تلك السنة.
  • وهو إذ يتنازل عن هذه الصلاحيات يتخلى أيضًا عن قسط من حريته الطبيعية، لقاء المنافع التي يجنيها من التحاقه بالمجتمع: وهي مؤازرة أبنائه مجتمعين له في تنفيذ بنود السنة الطبيعية والاقتصاص من المجرمين وكف أذاهم عنه والتعاون على تبادل أسباب المعاش والأنس بحياة الاجتماع والألفة.
  • ولكن ذلك لا يكسب المجتمع (أو السلطة التشريعية والتنفيذية فيه) حق الاستبداد به أو تقييد حريته، إلا بمقدار ما يقتضيه الخير العام، وإلا خرج عن الغرض الذي وجد من أجله، فكان للفرد حق التمرد عليه).

فسلطات الدولة إذن لا تختلف في جوهرها عن السلطات (أو الصلاحيات) التي كانت للفرد في ظل المجتمع الطبيعي، وكل ما في الأمر أن الدولة (أو المجتمع المدني) تصلح المساوئ، التي قد يتعرض لها المرء، بحكم أنانيته وأثرته، في تطبيق بنود السنة الطبيعية على أقرانه في القضايا التي تعنيه.

  • وهذه السلطات هي سلطة التشريع العليا، وسلطة تنفيذ القوانين الموضوعة، ثم سلطة دفع العدوان الخارجي وعقد المعاهدات والأحلاف -ويدعوها لوك بالسلطة الاتحادية (Federative) بينما تعرف في القانون الدولي، اليوم، بالسلطة الدولية أو الدبلوماسية.[١٠]
فصل السلطات
  • وهذه السلطات ينبغي أن نكون منفصلة عند لوك:
  1. أولًا: دفعًا لخطر استئثار هيئة أو شخص واحد بالسلطة واستخدامها في أغراضه الخاصة.
  2. ثانيًا: لضرورة قيام سلطة تنفيذية دائمة تسهر على تنفيذ القوانين التي تسنها الهيئة التشريعية كلما التأمت، خلافا للسلطة التشريعية، لأن لوك يرى أنه ليس من الخير للمجتمع ان تكون السلطة التشريعية قائمة أبدًا وهو يعهد إلى السلطة التنفيذية بصلاحية استدعائها إذا دعت الحاجة أو في مواعيد معينة.

ولكن لا يخالف أحد أن السلطة التنفيذية تتقدم على السلطة التشريعية عند لوك، فالتشريعية، هي السلطة العليا الوحيدة في الدولة، لأنها تنبثق من إرادة الشعب مباشرة، وتوجد من أجل التعبير عن رغباته وتحقيق أهدافه، وليس فوقها إلا سلطة واحدة: هي سلطة الشعب مجموعه.[١١]

حدود السلطة
  • ورغم ذلك فالسلطة التشريعية ليست سلطة مطلقة وتلك قيود جميع أشكال السلطة عند مؤلفنا، وهو يبسطها على الوجه التالي:
  1. أولًا: لا يحق للسلطة العليا إهلاك أبناء المجتمع أو استعداده أو إفقارهم عمدًا، لأن ذلك يتنافى مع السنة الطبيعية، كما مر.
  2. ثانيًا: لا يحق للسلطة العليا أن تحكم على أساس قوانین مرتجلة، بل يتحتم عليها إقرار العدالة على أساس قوانین قائمة، يطبقها القضاة الشرعيون.
  3. ثالثًا: لا يحق للسلطة العليا أن تغتصب شيئًا من أملاك أي فرد من أفراد المجتمع، وذلك لقدسية الملكية عند لوك، وکون حمايتها أحد الأغراض الكبرى التي وجدت من أجلها الدولة.
  4. رابعًا: لا يحق للسلطة التشريعية أن تتنازل عن صلاحية وضع القوانين لأية هيئة أخرى. وعلة ذلك، عند لوك، أن السلطة التشريعية إن هي إلا سلطة تفويضية منبثقة عن الشعب، فالشعب وحده صلاحيته خلعها على من اختار من الأفراد أو الفئات.
  • وهذه السلطة قد تستند إلى الأكثرية، فيكون شكل الحكم عندها ديمقراطيًا صرفًا، أو قد تستند إلى فئة محدودة من الناس، وعندها تكون الحكومة أوليغاركية، أو لرجل فرد، وعندها تكون حكومة ملكية أو فردية، وهي قسمان: الملكية الانتخابية التي تستمر ما دام الحاكم حيًّا، فإذا توفي انتخب خلفه؛ أو الوراثية وهي التي لا ينتخب الحاكم فيها انتخابًا بل يرث الملك ميراثًا، وعن هذه الثلاثة تنبثق الأشكال المركبة الأخرى.
  • إلا أن من الإنصاف أن يقال أن لوك إنما يعني الديمقراطية الصرفة (لا الديمقراطية التمثيلية) التي يعرب فيها الشعب مجموعه عن إرادته في القوانين التي يسنها.
  • ورغم تبرير لوك لحق الشعب بالثورة على حكامه متى خرقوا الأمانة الأصلية التي اؤتمنوا عليها فهو يتردد بعض الشيء في إطلاق حرية الشعب في التمرد على حكامه -لا سيما وقد كان مثل الحرب الأهلية الدامية التي انتهت بمقتل شارل الأول سنة (11) ما يزال ماثلًا أمام مخيلته.
  • فهو يتساءل: كيف نأمن -إذا أطلقنا هذه الحرية- تفشي الفوضى والبلبلة واضطراب الأحوال السياسية، في المجتمع؟ يجيب لوك على ذلك: إنه إنما يدعو إلى دفع القوة الغاشمة غير المشروعة فقط، بالقوة، ومن يتمرد على السلطة المشروعة فإنما يستحق جزاءه العادل عند الله وعند الإنسان، لذلك استحال قیام الخطر المشار إليه؛ ثم يجب ألا يتناول حق الثورة شخص الملك ذاته، الذي يعتبره القانون في الكثير من البلدان مقدسًا. [١٢]

في الملكية وصلتها بالعمل

  • لعل من أهم المواضيع التي يطرقها والتي يبني عليها سلسلة من النتائج الخطيرة، هي حق الفرد بالملكية الذي يعتبره من حقوق الإنسان الطبيعية السابقة لقيام المجتمع المدني، فدليل العقل ودليل الوحي معًا يؤیدان حق الإنسان بامتلاك خيرات الأرض على سبيل الشراكة أو على سبيل التملك الفردي.
  • وبناء على هذه النظرية في الملكية يعتبر لوك، - شيمة آدم سميث (۱۷۲۳ – ۱۷۹۰ م) أبي الاقتصاد الكلاسیکی، وشيمة كارل مارکس (۱۸۱۸ – ۱۸۸۳ م) مؤلف كتاب الرأسمال المشهور وأبي الاشتراكية الحديثة- أن العمل هو أساس قيم الأشياء ومبدأ تفاوتها. [١٣]

أهم الانتقادات لفلسفة جون لوك

  • في كتابه،"مبادئ المعرفة البشرية"، هاجم بيركيلي تقسيم جون لوك الأفكار، إلى أفكار إبتدائية وأفكار ثانوية.
  • الأفكار الإبتدائية تأتي من الأشياء المادية، عن طريق الحواس مباشرة، وتوجد مستقلة عن العقل. مثل الشكل والحجم والموضع.
  • أما الأفكار الثانوية، فهي التي توجد فقط في المخ أو الذهن. مثل الإحساس بالألوان والأصوات والروائح العطرية. اللون الأحمر لا يوجد إلا في الذهن، أما في الواقع، فلا توجد سوي الموجات والترددات الضوئية المنعكسة من الأجسام.
  • يقول بيركيلي، إن الأفكار الإبتدائية، هي الأخري، لا توجد إلا في الذهن. مثل الأفكار الثانوية. لأن الأفكار الإبتدائية، هي مجرد تفسير لأفكار أخري، للإحساس بالشئ الموجود أمامنا.
  • ولشرح فكرته، قام بيركيلي بالتفرقة بين التصور المباشر والتصور الغير مباشر للأشياء. التصور المباشر، يأتي عن طرق الحواس في صورة قراءات وبيانات مباشرة.
  • نلاحظ هنا أن بيركيلي لم يدخل مفهوم المادة في الموضوع. إنه يتحدث عن أفكار فقط. معرفتنا بالعالم من حولنا أصبحت أسيرة الكلمة واللغة. نحن نعلم أولادنا الكلمات، والكلمات ترتب الأفكار في عقولهم وتحولها إلى أشياء.
  • كل منا يعيش في عالمه الشخصي. الذي يتكون من القراءات الحسية التي تأتينا عن طريق الحواس.
  • نحن أيضا نتعلم اللغة، ونتعلم كيف نقرأ الكلمات. اللغة والكلمات هي بمثابة كباري وأنفاق توصل عالمي الخاص بعالمك الخاص وعالم الأشخاص الآخرين. بدون اللغة، كيف أستطيع أن أبثك أفكاري التي أضعها في هذا المقال. سوف يصبح كل منا جزيرة عقلية معزولة عن الآخرين.
  • يعتقد بيركيلي أنه عن طريق القراءات الأولية الحسية واللغة، تصبح المعرفة الإنسانية ممكنة.
  • الإعتقاد بوجود أشياء مادية ترسل هذه البيانات والقراءات الحسية، هو الخطأ الذي وقع فيه جون لوك من قبل. خطأ جون لوك، كما يقول بيركيلي، يتمثل في عدم رؤيته لما يمثل الحقيقة والوجود من حولنا.
  • هنا يقوم بيركيلي بإلغاء الوسيط بالمرة. نظرية بيركيلي في الوجود، تشبه إلى حد كبير نظرية جون لوك. لكنها أبسط. وهنا يدخل مبدأ "موس أوكام" الذي يقول أن الأبسط هو الأجمل والأصح. لذلك قام بيركيلي بإلغاء المادة من الوجود كلية الموجود فقط قراءات وبيانات تأتي من الأشياء. [١٤]

نتائج فكر جون لوك في الثورة الإنجليزية (1688 م)

كان من ثمار المنجزات الفكرية والثورية لجون لوك انتصار الديمقراطيين على السلطة الملكية متمثلة بجيمس الثاني وريث شارل الثاني فيما عرف بالثورة المجيدة عام (1688 م) وتغير نظام الحكم من ملكي مستبد إلى نظام ملكي مقيد بقوانين يشرعها البرلمان حيث: أُنشئ مجلسان هما العموم واللوردات، وأعطيت الصلاحيات الأوسع للعموم - ظهور الانتخابات والمجالس والتمثيل النيابي - تقييد الملك والحد من صلاحياته. وثيقة إعلان الحقوق (1689 م) التي أصدرها البرلمان:

  1. قسم جون لوك سلطات الدولة إلى ثلاث السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة الاتحادية، وأكد على ضرورة الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بحيث تتولى كل منها هيئة مستقلة عن الأخرى.
  2. حق الملك بالتاج مستمد من الشعب وليس الله.
  3. لا يقوم أي ملك بالانتقاص من حقوق الشعب.
  4. ليس لملك إصدار قوانين جديدة إو إلغاؤها دون العودة للبرلمان.
  5. حرية الرأي والتعبير في البرلمان مصانة.

[١٥]

المصادر

  1. زكي نجیب محمود، قصة الفلسفة الحدیثة، مطبعة لجنة التألیف والترجمة والنشر.
  2. عبد الرحمان بن زید الزنیدي، مصادر المعرفة في الفكر الدیني والفلسفي،(1992 م)، مكتبة المؤید، الریاض، المملكة العربیة السعودیة، ط (1).
  3. محمد علي أبو ریان، تاریخ الفكر الفلسفي، الجزء (4)، دار المرعفة الجامعیة، السویس، ط (1996 م).
  4. مهدي فضل الله، فلسفة دیكارت ومنهجه، دار الطلیعة، بیروت، لبنان،(1986 م)، ط (2).
  5. ولیمكلي اریت، تاریخ الفلسفة الحدیثة، ترجمة محمود سید أحمد، التنویر(2010 م) للطباعة والنشر والتوزیع، بیروت، لبنان، ط (1).
  6. یحيى الهویدي، قصة الفلسفة الغربیة، دار الثقافة للنشر والتوزیع، القاهرة،(1993 م).
  7. یوسف كرم، تاریخ الفلسفة الحدیثة، دار المعارف للطبع والنشر.

المراجع

  1. معجم الفلاسفة، جورج طرابيشي.
  2. مبحث في الفهم الانساني جون لوك محمد فتحي الشنيطي
  3. مبحث في الفهم الانساني جون لوك محمد فتحي الشنيطي.
  4. مبحث في الفهم الانساني جون لوك محمد فتحي الشنيطي.
  5. مقدمة قصيرة جدا جون لوك تأليف جون دن ترجمة فايقة جرجس حنا.
  6. مراد وهبة: المعجم الفلسفي.
  7. جون لوك: رسالة في التسامح، منى ابوسنة، المجلس الاعلى للثقافة، مصر.
  8. فلسفة التسامح عند جون لوك، إيمان بومعراف قتاتلية نوال.
  9. جون لوك، في الحكم المدني، ماجد فخري.
  10. جون لوك في الحكم المدني ماجد فخري.
  11. جون لوك، في الحكم المدني، ماجد فخري.
  12. جون لوك، في الحكم المدني، ماجد فخري.
  13. جون لوك، في الحكم المدني، ماجد فخري.
  14. http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=198779&r=0
  15. قراءة في أوراق فلسفية، جون لوك بين فلسفة العقل وحرية الفكر، خضر عواد الخزاعي.