جان جاك روسو

من رؤية بيديا
اذهب إلى: تصفح، ابحث
  • جان جاك روسو ((28) يونيو (1712 م) - (2) يوليو (1778 م))
  • فيلسوف وكاتب ومحلل سياسي سويسري، ولد في جنيف وقضى فيها طفولته وشبابه المبكر، وذهب إلى باريس وهو في الثلاثين من عمره، وبعد عدة رحلات استقر فيها وكتب فيها أهم مؤلفاته "العقد الاجتماعي" الذي يوصف بأنه "إنجيل الثورة"، وقد بدأه بالاحتجاج الصارخ على طغيان عصره: ولد الإنسان خيِّرا بطبعه، ولكن المجتمع هو الذي يفسده.
  • وتقوم نظرية روسو على وجود تعاقد بين الإنسان والمجتمع الذي يعيش فيه، وبمقتضى هذا العقد الاجتماعي يتنازل الإنسان عن جزء من حريته وحقوقه الطبيعية لهذا المجتمع، مقابل تعهد المجتمع بصيانة هذه الحقوق وحماية الأفراد.
  • وكان روسو في كتاباته يدعو إلى الديمقراطية والحرية والمساواة، ويرجع تأثير روسو المتعاظم في الناس إلى المشاعر القوية التي كان يشحن بها كتاباته.

حياته

  • ولد في( ۲۸) حزيران (۱۷۱۲ م) في جنيف، وتوفي في (۲) تموز (۱۷۷۸ م) في إرمنوننیل (فرنسا).
  • كان أبوه ساعاتيًا -وحفيدا لبروتستانتي فرنسي مهاجر- يدعی إسحق، ومتزوج من سوزان برنار، التي كانت بدورها مواطنة جنيفية.
  • وقد ماتت الأم يوم ولدت جان جاك، وكانت رزقت قبله بسبعة أعوام ابنًا آخر -فرانسوا- لا نعرف عنه شيئًا سوى أنه اختفى وهو لا يزال طفلًا بدون أن يترك أثرًا.
  • وكان أبوه قد عاش حياة تشرد، ووصل في طوافه إلى القسطنطينية، وكان بطبعه لامباليًا ولا يكترث حتى للمال.
  • وكان درج على أن يقرأ بصحبة ابنه جان جاك، روايات من كل نوع ولون، وكانت هذه المطالعات تلهب مخيلة الطفل وتشحذ حساسيته.
  • ولم يكن جان جاك تجاوز العاشرة من العمر حينما اختصم والده مع أحد أبناء مدينته، واضطر إلى اتخاذ طريق المنفى.
  • وقد عهد به يومئذ إلى خاله برنار الذي سمي وصيًّا عليه.
  • وقد عهد هذا بدوره به وبابنه إلى القس لامبرسيه في بوسي، حيث أمضى جان جاك سنتين انطبعتا في ذاكرته بوصفهما من أعذب سني حياته.
  • وفي بوسي تلقى تينك العقوبتين الشهيرتين على ردفه: فأولاهما كشفت له الحب لأنها أثارت انفعاله، وثانيتهما كشفت له الظلم لأنها لم تكن مستأهلة.
  • ولما رجع إلى جنيف مع ابن خاله، أمضى فيها ثلاث سنوات يدرس الهندسة ويكتب تمثيليات هزلية، ثم عظات لم يجرؤ على إطلاع أحد عليها.
  • وقد شاءت أسرته في أول الأمر أن تجعل منه ساعاتيًّا، ثم قِسًّا، وأخيرًا قر قرارها على أن تضعه لدى كاتب بالمحكمة ليتعلم أصول الإجراءات القضائية، ولكن هذا الأخير ما لبث أن طرده بعد بضعة أشهر، قنوطًا منه.
  • فعادت أسرته ووضعته لدى معلم نقاش، فأغلظ له المعاملة، وفي محترفه حضه أحد زملائه على ارتكاب سرقات صغيرة استدعت معاقبته.
  • وفيما كان ذات يوم يتسكع في الريف، وجد لدى عودته أبواب المدينة مقفلة، فصمم، خوفًا من القصاص، على الابتعاد عن جنيف، كان آنئذ في السادسة عشرة من العمر.
  • ولما ابتعد عنها مسافة فرسخين، التقاه خوري إحدى الضيع، فاستضافه، ودعاه إلى اعتناق الكاثوليكية.
  • ولهذا الغرض سلمه رسالة إلى السيدة دي وارن، وهي امرأة جميلة في مقتبل العمر كانت امتدت إلى الكاثوليكية حديثًا، فأجرى لها ملك سردينيا معاشا بمقدار (۲۰۰۰) فرنك.
  • وكان لقاؤه بها في (۲۱) آذار (۱۷۲۸ م) فكان له في نفسه وقع مشابه لذاك الذي كان للقاء دانتي وبترارك ببياتريس ولورا.
  • بعد أن جحد البروتستانتية علنا وجهارة، عاش الحين من الزمن عيشة مدقعة، ثم عمل غلامًا لدى السيدة دي فرسيلي، وسرق لها شريطًا من الحرير كان يغريه، وترك تهمة النشل تقع على عاتق إحدى الخادمات، ثم سنحت لروسو الفرصة للتعرف إلى الأباتي غيم، وهو من سيجعل منه لاحقا، الخوري السافراني، ثم عمل ساقيا لدى الكونت دي غوفون سائس الملكة.
  • وإذ انكشف ذات يوم أمر معرفته باللاتينية، تعهد معلمه الجديد بتعليمه، ولكنه ما لبث أن فارقه ليطوف بأرجاء العالم متسكعًا برفقة صديق ظريف له من جنيف كان يدعى باكل.
  • ولكن سرعان ما ألجأته القلة إلى اللحاق بالسيدة دي وارن من جديد، كانت في الخامسة والعشرين، وكان في التاسعة عشرة؛ وانعقدت بينهما للحال أواصر الألفة والحنو، فكان يدعوها ماما، وتدعوه صغيري، وأعطت السيدة دي وارن جان جاك نصائح صالحة وأمثلة أقل صلاحية.
  • وقد أرادته على دخول المدرسة الأكليريكية، فدخلها صدوعا بأمرها، وشهد كتابة أنه رأی بأم عينه معجزة اجترحها أسقف أنسي.
  • لكنه رفض من الأكليريكية بعد بضعة أشهر، فوضعته حاميته هذه المرة، نظرا إلى شغفه بالموسيقى، لدى منشد الكاتدرائية، السيد لومتر، فأقام عنده سنة، على مقربة من السيدة دي وارن.
  • تعرف يوما إلى شخص غريب يتزيا بزي رجال الكهنوت ويجمع الصدقات لافتداء العبيد المسيحيين: وما كان يتكلم أو يفهم سوى الإيطالية، فصار جان جاك ترجمانه، ولكن الرجل كان محتالا، ولم يكن أمام روسو بد من الرجوع إلى السيدة دي وارن في شامبري، عاصمة السافوا.
  • ولأول مرة فطن إلى أن کلود آنیه، وهو رسميًّا وصيف حاميته، يلعب دورًا أكثر حميمية لدى هذه الأخيرة، ولم يغير هذا الاكتشاف شيئا في عواطفه، فصار صديقًا لكلود آنية الذي علمه كيف يعتشب الأعشاب.
  • واستبد به حب الموسيقى من جديد ونظم في منزل المحسنة إلى حفلات تولى فيها بنجاح قيادة الفرقة الموسيقية، وأعطى كذلك دروسًا لفتيات صغيرات وفاتنات، وحتى تدرأ السيدة دي وارن عنه شر التجربة قررت، بسائق الحنان الوالدي، أن تعامله معاملة الرجال، كان آنئذ في الحادية والعشرين من العمر، وقبِل كلود آنیه، الذي كان وكيل الأعمال والعشيق معًا، بالأمر؛ وعلى هذا النحو قامت بيننا ثلاثتنا رابطة منقطعة النظير على الأرض، ولدى موت الوكيل، أخذ روسو مكانه وثيابه، وراح يزجي وقته بين التعشب والمطالعة (وكتابات بور- روايال هي أكثر ما حظي باهتمامه في تلك الحقبة).
  • قصد روسو مونبلييه طلبًا للعلاج بعد أن تدهورت صحته، وفي الطريق تعرف إلى السيدة دي لارناج، فوقعت في غرامه، وبعد ستة أسابيع عاد إلى شامبري وقد زادت صحته سوءًا.
  • وهناك وجد أن السيدة دي وارن قد استعاضت عنه بابن بواب قصر شیون.
  • ورفض روسو القسمة، وقبل أن يعمل مؤدبًا لأولاد السید دی مابلی، کبیر قضاة مدينة ليون وشقيق کوندياك، وبعد عام من الإقامة لديه عاد إلى منزل السيدة دي وارن.
  • وأثناء مقامه الأخير هذا لديها اخترع طريقة جديدة في التدوين الموسيقي، تأمل أن تعود عليه بكسب كثير في باريس.
  • وبالفعل، قدم إلى باريس سنة (1741 م)، لكن الأكاديمية رفضت مشروعه، على أنه تعرف هناك إلى رجال ذوي شأن من أمثال فونتنيل وماريفو ودیدرو، واحتج على رفض الأكاديمية برسالة في الموسيقى العصرية.
  • وعاش عيشة كفاف من الدروس التي كان يعطيها في الموسيقى، وألف بعض الأوبرات التراجيدية.
  • ثم عمل كاتمًا خاصًّا للسر لدى السيد دي مونتيغو الذي عين سفيرًا في البندقية، وأمضى بصحبته ثمانية عشر شهرًا أظهر فيها، على ما يقول، مقدرة دبلوماسية كبيرة، وتدله بحب غانية، فنصحنه بأن يترك النساء ويدرس الرياضيات.
  • لدى عودته إلى باريس نزل في فندق وضيع، وأحب القَيِّمة على البياضات فيه، وكانت تدعي تبريز الوفاسور، وكانت في الثانية والعشرين من العمر، ومن بداية الأمر صارحها أنه لن يتزوجها أبدًا وأنه لن يتخلى عنها أبدًا أيضًا، ووفى بوعده وعاش مذ ذاك فصاعدًا مع تلك المرأة الغبية والضيقة الأفق.
  • وأنجب منها خمسة أولاد لم يتحدث عنهم إلا في الاعترافات التي نشرت بعد وفاته، وكان مصيرهم جميعا الهجر والتنشئة في جمعية الأطفال المسعفين، ويقول روسو إن ضميره أنبه على فعلته هذه كثيرًا، ولكن بدون أن يمنعه ذلك من التمادي في السعي وراء مصالحه ولذائذه.
  • کتب روسو لديدرو جميع المواد التي تتصل بالموسيقى في الموسوعة، ولما نظمت أكاديمية ديجون مسابقة حول الموضوع التالي: هل أسهم تقدم العلوم والآداب في إفساد الأخلاق أم في تطهيرها؟ كتب الخطاب في العلوم والفنون الذي أجاب بالإيجاب عن السؤال المطروح مؤكدًا على الدور الإفسادي لتقدم العلوم، وفاز بالجائزة.
  • ونشر الخطاب عام (١٧٥٠ م)، وحظي برواج كبير، وصدرت ضده ردود كثيرة، ومنها رد غفل من الإمضاء بقلم ستانسلاس، ملك بولونيا.
  • وتنطع روسو للرد على الردود بحزم، ثم أصلح مسار حياته ليوفق بينه وبين أفكاره عن الحياة البسيطة والطبيعية.
  • وكتب أوبرا جديدة بعنوان عراف القرية، قدمت في البلاط الملكي، وحازت نجاحًا، واتبعها روسو برسالة حول الموسيقى الفرنسية انتصر فيها للمدرسة الموسيقية الإيطالية.
  • وفي عام (١٧٥٤ م) كتب الخطاب في أصل التفاوت بين البشر، وهاجم فيه المراتب الاجتماعية: وما كان غرضه الإشادة بفكرة طيبة الإنسان الفطرية بقدر ما كان هدفه التنديد بظلم المجتمع، وعارض شهب العلم، الحس الداخلي، وتنطع فولتير للرد عليه.
  • جحد روسو اعتناقه للكاثوليكية واسترد لقبه وحقوقه كمواطن جنيفي، لكنه أبى بعد تسويف ومماطلة أن يتمتع بها، وقفل راجعًا إلى باريس، وأنزلته السيدة ديبيناي في الإرميتاج، عند تخوم غابة مونمورنسي، وكان المكان متوحدًا أكثر منه وحشيًّا، وكان ذلك في ربيع (١٧٥٦ م).
  • وتراءى لروسو أنه وضع في خير الشروط للإيفاء برسالته: قول الحقيقة، فصمم وكتب النصف الأول من جوليا أو إيلوئيز الجديدة.
  • ثم كتب رسالة إلى دالمبير حول المسرح (نشر عام ۱۷۰۸ م)، وشرع بتأليف كتابه عن التربية الذي استغرق منه سنوات ثلاثًا.
  • وصدر له على التوالي إيلوئيز الجديدة (۱۷۹۱ م)، والعقد الاجتماعي (نیسان ۱۷۹۲ م) -وقد صودر- وأخيرًا إمیل (۰) الذي صدر في (٢٤) أيار (١٧٩٢ م)، وأحرق علنًا، وصدر أمر بالقبض على مؤلفه.
  • وحظيت المؤلفات الثلاثة بنجاح هائل، وجعلت من روسو مرشدًا كبيرًا للضمير يمكن التوجه إليه وأخذ مشورته إذا لم يكن طالب هذه المشورة لا من عصبة الفلاسفة ولا من عصبة المتدينين الورعاء.
  • وتعطي مجاهرة الخوري السافراني بالإيمان هذه النصيحة: اجترىء على الاعتراف بالله أمام الفلاسفة، وعلى التبشير بالإنسانية لدى المتعصبين، واضطر روسو إلى الهرب إلى إقليم برن، حيث جاءه العلم بأن إمیل أحرق أيضًا في جنيف، وانسحب إلى مقاطعة نوشاتل التي كانت تابعة لملك بروسيا، وعاش فيها أول الأمر في طمأنينة، لكن أوجاع مرضه، حصاة في المثانة، اشتدت عليه، ولبس الثوب الأرميني لأنه وجده أوفق له.
  • ولما انتقده القساوسة السويسريون، رد عليهم ردًا عنيفًا برسائل مكتوبة من الجبل (۱۷۹۹ م): وهذه استتبعت بدورها ردًّا من فولتير في صورة مقالة مجانية مغفلة من التوقيع بعنوان عاطفة المواطنين.
  • وعندئذ خطرت لروسو فكرة وضع کتاب جامع لتبرير نفسه ومواقفه: اعترافات جان جاك روسو، الحاوية تفاصيل أحداث حباته وأحاسيسه الدفينة في جميع المواقف التي واجهته.
  • بيد أن روسو اضطر، إزاء تعاظم تهديدات الغوغاء ودعوته إلى المثول أمام المحكمة، إلى الهرب إلى إقليم برن والالتجاء إلى جزيرة القديس بطرس حيث أمضى نهاية صيف (۱۷٦٥ م).
  • ولكنه ما لبث أن اضطر إلى الرحيل مرة ثانية، وإذا أسقط في يده وأعياه تحديد وجهة مساره، قبل عرض ديفيد هيوم بالقدوم للإقامة في إنكلترا.
  • غير أن موقف هيوم ما لبث بدوره أن تغير على ما تراءى لروسو الذي داخله الاعتقاد، علاوة على ذلك، بأن مؤامرة تحاك ضده؛ وهكذا حزم متاعه وارتحل إلى فرنسا في أيار (۱۷۹۷ م).
  • وهناك تسمى باسم السيد جان، ثم باسم السيد رونو، وأمضى بضعة أيام في دار میرابو، ومنها انتقل إلى منزل الأمير كونتي.
  • وهناك أنجز الباب السادس من الاعترافات التي كان حرر الأبواب الخمسة الأولى منها في إنكلترا، وتعاظم في أثناء ذلك شعوره بالاضطهاد، فارتحل بعد عام واحد إلى ليون، وغرونوبل وشامبري، حيث قصد قبر السيدة دي وارن ليتأمل في ماضيه.
  • وفي (۲۹) آب (۱۷۹۸ م) عقد قرانه في غرفة في نزل على تبریز لوفاسور، التي صارت امرأته بنعمة الله، والتي خطبت بالمناسبة خطابًا ساميًا سالت له دموع الحضور، ولكنه لم يستعد مع ذلك هدوءه؛ وخيل إليه أنه اكتشف مفتاح المؤامرة الكبرى المحاكة ضده.
  • في ربيع (۱۷۷۰ م) قصد ليون ليحضر تقديم مسرحيته بغمالیون، ثم باريس حيث طفق يقرأ في صالوناتها فصولًا من الاعترافات، فما ابتعثت حماسة ولا أثارت فضيحة، بل قوبلت بالأحرى بالحرج والإشفاق.
  • واعتاش على ريع زهيد، وتقاطر عليه الزوار والفضوليون.
  • وسأله كونت بولوني أن يضع مشروع دستور لبلاده، فكتب اعتبارات حول حكومة بولونيا ومشروع إصلاحها، وحملته نوبة من الشعور بالاضطهاد على كتابة رسالة يبرئ فيها نفسه من الافتراءات المزعومة الموجهة ضده.
  • ثم حرر كتابًا غريبًا بالفعل بعنوان: المحاورات، روسو يقاضي جان جاك.
  • وإذ تعذر عليه نشره، لأن مضطهديه كانوا سيمنعونه من ذلك، قرر أن يضع مخطوطه فوق مذبح كاتدرائية نوتردام: ولكنه عندما قصدها في (۲٤) كانون الأول (۱۷۷۹ م)، وجد المذبح محاطًا بسياج لم يكن رآه من قبل قط، وحمل مخطوطة إلى كوندياك، فلم يفهم هذا منه شيئًا، وعندئذ حرر، وقد استحوذ عليه القنوط، مذكرة موجهة إلى الأمة الفرنسية، ونسخ عدة نسخ منها وزعها في الشوارع، ثم سقط هو وتیریز طريحي الفراش.
  • وفي (٢٤) تشرين الأول (۱۷۷۹ م) صدمته عربة في الطريق، ولما تعافى، شرع بكتابة آخر كتبه: أحلام المتنزه المتوحد، وتساءل عما إذا كان أصاب باختياره شعارًا له: انذر حياتك للحقيقة، وكرس نزهته الرابعة لفحص الأكاذيب التي يمكن أن يكون قارفها، وأخذت قواه تتلاشى أكثر فأكثر، وراح يبحث عن ملجأ لا يكلفه كثيرًا.
  • وفي (۲۰) أیار (۱۷۷۸ م) قبل دعوة تلميذه المركيز دي جيراردان للإقامة في جناح في قبالة نصر إرمنوفيل، وكان المركيز قد أعد للمعلم البستان كما يهواه فؤاده وشاد له نصبة فلسفية صغيرة.
  • ومات روسو بالسكتة الدماغية في (۲) تموز، ودفن في اليوم التالي عند تخوم البحيرة في جزيرة الصفصاف، وكان فولتير قد مات قبله بشهر واحد. معجم الفلاسفة جورج طرابيشي.

قالوا عنه

  • إذا وضعنا جانبًا المرض، أو بالأحرى الأمراض العقلية التي كان يعاني منها روسو، فإن فكره يطرح مشكلة الصدق الجيدية (نسبة إلى آندريه جيد)، فما علاقة الصدق بالحقيقة؟ وهل يتضمن واحدهما الآخر، أم يتطلب على العكس أن يكمل بالآخر؟ جان غرونییه.
  • لقد سما الاضطهاد بنفسي، إنني أشعر أن حب الحقيقة صار عندي غاليًا لأنه يكلفني غاليًا، ولعله لم يكن إلي في البدء سوى مذهب، أما الآن فهو هواي الغالب. روسو.
  • هذا الرجل مسعور، إنني أحاول عبثًا أن أقرض الشعر، لكن هذا الرجل يقطع علي عملي، إنه يشوشني، وكأن بجانبي إنسانًا مالكًا، إنه لمالك، هذا محقق. دیدرو.
  • هذا الممسوس الكئيب! هذا العدو للطبيعة البشرية! فولتير.
  • «فلسفة فولتير في فلسفة الناس السعداء، أما روسو فهو فيلسوف التعساء، إنه يرافع عن قضيتهم، ويبكي معهم، ولكن غالبًا ما نشعر، بعد أن نطالع مؤلفاتهما، أن مرح أولهما يحزننا، وأن حزن ثانيهما يسلينا. (برناردان دي سان - بيير).
  • كل شيء لدى روسو لا بد أن يتخذ شكل المفارقة، وكل شيء جديد، مدهش، مذهل، وما هو جميل بحد ذاته مغالى فيه، وما هو حق معمم أكثر مما ينبغي، فلا يعود هو الحقيقة. (هردر).
  • مع فولتير، فإن العالم القديم هو الذي ينتمي، أما مع روسو، فإن عالمًا جديدة يبدأ. [غوته].
  • لكأن روحك تعرف مسبقًا دروب الصيرورة، تدرك من العلامة الأولى ما سيحدث، فتندفع، أيها الجريء بالروح، مثلك مثل النسر الذي يسبق العاصفة، محومًا في طليعة الآلهة الآتين. (هولدرلن).
  • جان جاك روسو لم يكتشف شيئًا، لكنه ألهب كل شيء. (مدام دي ستال).
  • أفصح كاتب أنجبته أوروبا في القرن الثامن عشر، كان له من الحساسية أكثر مما ينبغي، ومن العقل أقل مما ينبغي. [سنندال].
  • لجان جاك روسو ندين بفصاحة منابرنا، فقد كان استن القول للخطباء الذين سيولدون ويتكلمون بعد موته، وقد كانت رسالته الأدبية أن يعجن أدب فرنسا المدني برسم الثورة والمناقشات السياسية. (لامرتين).
  • هذا الرجل يسخطني، وأعتقد أن تأثيره كان ضارًا، إنه مولد الديموقراطية الحسودة والطغيانية، وقد عتم ضباب كآبته في أذهان الفرنسيين فكرة القانون. (غوستاف فلوبير).
  • كان مشغولًا بنفسه حتى الهوس، ولا يرى في العالم غير ذاته، ويتخيل الإنسان على منوال ذاته. (تین).
  • روسو، ذلك الرجل العصري الأول، المثالي والوغد في شخص واحد، المريض بقرف مسعور من ذاته، ذلك الطرح الذي ضرب أطنابه عند عتبة الأزمنة الحديثة. (نیتشه).
  • ما من فيلسوف كان أقرب من روسو إلى حس الوجود الخالص، فهو يصف لنا تلك الآناء التي نشعر فيها بلذة بوجودنا بدون أن نتجشم مشقة التفكير به، وهكذا، فإن الفلسفة الفرنسية التي تأسست مع ديكارت على الفكر، تتخذ مع روسو أساسًا لها حالة غريبة عن الفكر، فقد كان دیکارت يقول: إني أفكر إذن فأنا موجود، ولكني في تلك الأحوال التي يصفها لنا روسو قد يكون من الأصح لي أن أقول: أنا موجود لأنني لا أكاد أفكر، أو بل لأنني لا أفكر. [جان فال].
  • عن خطأ أو صواب، لم يشأ روسو أن يفصل فكره عن فرديته، ونظرياته عن مصيره الشخصي، وعلينا أن نأخذه كما يعطينا نفسه، في هذا الانصهار وهذا الاختلاط بين الوجود والفكرة. (جان ستاروبنسكي

[١]

تأثيره على الفلاسفة والسياسيين

  • كان لتفكير روسو تأثير عميق على الفلاسفة والمناظرين السياسيين في وقت لاحق، على الرغم من أن التوترات والغموض في أعماله كانت تعني أن أفكاره قد تطورت بطرق غير متناسقة ومتباعدة بشكل جذري؛ في الفلسفة السياسية الحديثة، على سبيل المثال، من الممكن اكتشاف روسو كمصدر إلهام للنظريات الليبرالية، والأفكار المجتمعية، والجمهورية المدنية، وفي نظريات الديمقراطية التداولية والمشاركة، يصور الكتاب العدائيون روسو كمصدر إلهام للجوانب الأكثر استبدادية للثورة الفرنسية، ومن ثم لجوانب الفاشية والشيوعية.
  • كان أهم أثر فلسفي لروسو على إيمانويل كانط، كانت صورة روسو هي الصورة الوحيدة المعروضة في منزل كانط، وتقول الأسطورة أن المرة الوحيدة التي نسي فيها كانط أن يأخذ مسيرته اليومية كان عند قراءة إميل.
  • حالات التأثير المباشر تشمل فكرة كان عن الحتمية القاطعة، وهي الصيغة الثالثة لها في العمل الأساسي للميتافيزيائية للأخلاق (ما يسمى صيغة مملكة النهايات)، تذكر بمناقشة روسو للإرادة العامة في العقد الاجتماعي.
  • ومن المفارقات، أن انفصال كانط عن فكرة التشريع العالمي من سياقه في خصوصية المجتمع الفردي يعكس نهج روسو نفسه، لأن روسو كان، في العمل التحضيري للعقد الاجتماعي، رفض فكرة وجود إرادة عامة للجنس البشري حيث ظهرت هذه الفكرة في مقال ديدرو "الحق الطبيعي" في الموسوعة.
  • ويمكن رؤية تأثير روسو أيضًا في علم النفس المعنوي في كانط، وخاصة في العمل مثل الدين ضمن حدود العقل وحده، وفي تفكير كانط حول التاريخ التخميني، وفي كتاباته حول العدالة الدولية التي تعتمد على مشاركة روسو في عمل آبي. سانت بيير.
  • حالات هيغل وماركس أكثر تعقيدًا، غالباً ما تكون إشارات هيجل المباشرة إلى روسو غير مجانية، في فلسفة الحق، وفي الوقت الذي يشيد فيه روسو بفكرة أنه سيكون أساس الدولة، فإنه يسيء تمثيل فكرة الإرادة العامة على أنها مجرد فكرة التداخل بين إرادات الوحدات الخاصة للأفراد.
  • في "موسوعة المنطق"، يُظهِر إدراكًا بأن هذا لم يكن رأي روسو، كما أن مناقشة هيجل حول جدلية الرقيق والعبد ومشكلة الاعتراف في ظواهر الروح تعتمد أيضًا على روسو، في هذه الحالة على فكرة amour propre والطرق التي يمكن من خلالها أن تؤدي محاولات التقريب والاحترام من الآخرين إلى هزيمة الذات، كما كان يعتقد أن مخاوف كارل ماركس من الاغتراب والاستغلال تحمل نوعًا من العلاقة مع تفكير روسو في المواضيع ذات الصلة، هنا الأدلة غير مباشرة أكثر، لأن الإشارات إلى روسو في عمل ماركس قليلة وغير دقيقة.
  • في الفلسفة السياسية المعاصرة، من الواضح أن تفكير جون راولز، خاصة في نظرية العدل، يعكس تأثير روسو، وخير مثال على ذلك هو الطريقة التي تستخدم بها رولز جهاز "الموقف الأصلي" لوضع خيار المصلحة الذاتية في خدمة تحديد مبادئ العدالة، وهذا يوازي تماماً حجة روسو بأن المواطنين سوف يختارون لاختيار قوانين عادلة كما لو كانت من منظور محايد، لأن عالمية القانون وعموميته تعني أنه عند النظر في مصالحهم الخاصة، سيختارون التدبير الذي يعكس مصالحهم الخاصة على أفضل وجه. [٢]

كتبه

«العقد الاجتماعي»

  • كان لصدور كتاب العقد الاجتماعي لجان جاك روسو في سنة (1762 م) أثر قوي في مشهد الفلسفة السياسية العام، إذ تغيرت، بالكلية، المنظورات التي كان ينظر منها إلى السيادة، والقانون، والحق، والعدل، والدولة، والمواطن، والدستور.
  • وتغيرت كذلك دلالة كلمة شعب لا في حقل فقه القانون وعلم السياسية وحسب، بل في حقل الشعور والوجود أيضا، ومذ ذاك لم يعد للأشياء ولا للكلمات الواقعة في حقل الشأن العمومي للإنسانية الدلالة التي كانت لها قبل روسو.
  • وإن أنت حصرت منتقيات الفلسفة السياسية ألفيت کتاب العقد الاجتماعي من بين أمهاتها، هذا على الأقل في الفكر السياسي الغربي الحديث، فهو كتاب عمدة بين عناوين شهيرة، وهو مدخل لا محيد عنه لقراءة سياسة التنوير وتأولها. وبالمقابل، من الجائز أن يقرأ العقد الاجتماعي، وتحلل تجريداته الحقوقية، وتفكك اعتياصاته الأنتروبولوجية السياسية على ضوء المسار التاريخي الفعلي للفكر السياسي الحديث منذ الثورة الفرنسية (روبسبيير) ومن قبلها الثورة الأميركية (جيفرسون).
  • لقد ألف الفلاسفة وفقهاء القانون نظريات في غاية من الأحكام والصرامة، ولكن قليلة هي النظريات التي كان لها حظ القران مع التاريخ على النحو الذي كان لنظرية مكيافيلي، ولنظرية روسو، أو لنظرية مارکس، وهكذا، فعندما نكون قبالة العقد الاجتماعي نكون قبالة زوج «الحق والواقعة»، و«العقل والحدث»، و«الضروري والحادث»... إلخ، ولهذه القيمة المخصوصة على العقد الاجتماعي عدة أسباب سيسوق هذا التقديم بعضها.
  • ما هي المبادئ والطبائع التي بمقتضاها تكون الحكومة شرعية؟ هذا هو السؤال الرئيس الساري في كلية العقد الاجتماعي، فأما فكرة العقد أو العهد أو الميثاق في حد ذاتها فقديمة قدم النظريات السياسية والدينية والاقتصادية مهما كانت منزلتها باهتة وهامشية في العصور القديمة أو في العصور الوسطى، وأما فكرة الشرعية فارتبطت هي أيضًا، منذ القدم، بفكرة الحق سواء كان الحق مسبقة على القوة أو كانت القوة مسبقة على الحق، فبأي جديد، إذا جاءنا العقد الاجتماعي لجان جاك روسو، والحال أن فقهاء قانون مثل غروسيوس (Grotius)، وفلاسفة مثل هوبز (Hobbes) ولوك (Locke)، قد سبقوه في نظرية الميثاق؟
  • واقع الحال هو أن النظرية الروسوية قد وضعت حدة للابتسارات والاختزالات، بل وللتبسيطات الفقهية الحقوقية كذلك، وأحلت محلها نظرية فلسفية في أشد الاعتياص الأنتروبولوجي الوجودي الحقوقي، اعتياص ما انفك يشير إليه النابهون من شراحه، من ذلك أن الغالب في فقه القانون الكلاسيكي هو قياس الحق (القانون) بمقياس الوقائع.
  • أما روسو فعكس القاعدة بالكلية، فقد جعل الوقائع هي ما يقاس بمیزان الحق والقانون، ففي رأيه أن الحق ليس حقًا إلا لأنه خالص من شائبة التجربة، ومع ذلك فالحق قابل لأن ينطبق على كل تجربة ممكنة، أو قل يجب على كل تجربة ممكنة أن تعمل بمقتضى الحق.
  • إن هذه النزعة المعيارية هي ما يجعل نظرية روسو تدحض ثلاث نظریات مقابلة في وقت واحد: أولاها نظرية القانون العرفي والتقليدي مما يستند إليه حكم الأسياد والملوك، وثانيتها نظرية مكيافيلي القائلة بأولوية القوة على الحق، وثالثتها نظرية مونتسكيو القائلة بحق وضعي وتاريخي، ورأي روسو أن الواقعة لا تسوغ الحق کائنة ما كان هذا الحق؛ وهكذا بعد أن أضعف مكيافيلي من شوكة أصحاب الامتيازات، وقيد السلطان الأميري بأن ذلل علم السياسة، جاعلا منه سلاحا للضعفاء من البشر، ركز روسو المعيار في مركز الدائرة التشريعية.
  • هذا بالضبط ما يجعل الدستور بمثابة القيمة المقدسة فلا يمكن أن يمسه تغییر ما أن تجتمع عليه إرادة الشعب العامة، فينصاع إليه الجميع انصياعهم لإراداتهم الخاصة ما دام من صنع كل واحد منهم ومن صنعهم أجمعين، ومن ينصاع لإرادته يكون حرًا إذ لا ينصاع لأحد بعينه.
  • ومن ذلك أيضًا أنه لما كان الحق سابقة للوقائع وللمؤسسة الوضعية، جاز للناس أن يظنوا أن لهذا الحق قرابة ما بالحق الطبيعي إن لم يكن هو الحق الطبيعي بعينه، صحيح أن روسو لا ينفي وجود عناية ربانية، أو وجود حق طبيعي، ولكنه حق «ضعیف» ومحدود ولا يشتمل إلا على قلة قليلة من المبادئ والقوانين منها، بالخصوص، حرية الفرد الطبيعي وقانون حفظ الذات، خلا ذلك فإن عالم الإنسان من صنع الإنسان.
  • وها هنا يكمن منعطف ذو شأن في الفلسفة السياسية الحديثة: فما يذهب إليه روسو إنما هو اصطناعية المجتمع البشري اصطناعية كاملة.
  • ويأتي هذا الطابع الاصطناعي للمجتمع المدني إما عاقبة مصادفات عمياء، وهو المنظور التاريخي الذي بدوره روسو في الخطاب في أصل التفاوت، أو نتيجة إرادة البشر الحرة والعاقلة، وهو المنظور الحقوقي الذي بلوره في العقد الاجتماعي.
  • وفي هذا الكتاب الأخير تكون السياسة المعيارية إنشاء إنسانية في جوهرها، وكل القيم الأخلاقية والحقوقية والسياسية نابعة من هذا الشرط الأول، وما هو اصطناعي يمكن إصلاحه وإعادة صنعه.
  • لم يكتف روسو بالقطع مع الأرسطية ومع ترسباتها بأن نفی أن يكون المدني تواصلًا للطبيعي، بل أخذ اتجاهًا مخالفًا لاتجاه الحقوقيين الطبيعيين المحدثين بأن أحكم الربط بين العناصر المؤسسة للكائن الاصطناعي الذي هو المجتمع المدني: الإرادة العامة والعقد وثالثهما الصادر ضرورة عنهما، وهو السيادة، والمقصود به، على وجه الدقة، سيادة الشعب.
  • وها هنا، تحديدًا، وفي نظرية روسو السياسية في جدتها وفي أصالتها: لا يوجد ولا يمكن أن يوجد وجودة مشروعا إلا «صاحب سيادة» وحيد (عاهل = souverain / sovereign )، ألا وهو الشعب من حيث هو جسم متحد وواحد.
  • فعلى نحو ما تكون الإرادة العامة واحدة تكون السيادة واحدة أيضًا، وكما أن هذه لا تقبل القسمة، ولا الفناء، ولا التنازل عنها، تكون تلك كذلك.
  • وهكذا، بمقتضى العقد، ينشأ الجسم السياسي ککيان جماعي ومعنوي فنسميه دولة إن كان منفعلًا، ونسميه صاحب سيادة إن كان فاعلًا، ونسميه قوة إن قسناه مع شعوب أخرى (العقد، الكتاب الأول، الفصل 6).
  • أما المتعاقدون فنسميهم شعبًا منظورًا إليهم جماعيًّا، ونسميهم مواطنين منظورًا إليهم فرديًّا كمشاركين في السيادة، ونسميهم رعایا منظورًا إليهم من حيث خضوعهم لقوانين الدولة.
  • وليس للشعب قدرة طبيعية على التنازل عن سيادته، إذ إنه لو فعل ذلك لكان شعبة من المجانين والحال أن «الجنون لا يسوغ الحق»، بل لزاد على ذلك فانحل جسمه بعد أن كان واحدة وتبعثرت أوصاله وعاد إلى العدم الذي أخرجه منه العقد.
  • ولما كانت السيادة غير قابلة للتنازل كانت لا تقبل التمثيل البرلماني أيضًا: هكذا يدعو روسو إلى ضرب من الديمقراطية المباشرة والراديكالية مما لم تعرفه الشعوب والدول إلا في فترات قصيرة ونادرة من تاريخها الطويل، على نحو ما شهدناه أخيرًا في الأزمات الثورية العربية، نرى، بالتبعية، كيف أن روسو لئن انساقت نظريته في السياق العام للمذهب التعاقدي الحديث فإن استنباطاته واستنتاجاته تناقض ما توصل إليه السابقون له.
  • ولما كان فكر روسو يقوم على المفارقة ويتحرك على وتيرتها -كما يفصح عن ذلك هو بنفسه- يتبين لنا أن هنالك وفاقًا غريبًا في طيات كتابه بين النزعة الاصطناعية التي من دونها تفقد النظرية التعاقدية قوتها، والنزعة الإنسانية التي تجعل من كتاب العقد الاجتماعي لا دفاعًا عن الدولة ككل واحد، ولا عن السواد الأعظم من الناس الذين يقتسمون في ما بينهم الشعور والحساسية وحسب، وإنما عن الفرد أيضًا، فرد يكون مستقلًّا استقلالًا ذاتيًّا بقدر ما ينضوي إلى دائرة الكل، ويكون جزءًا من الكل بقدر ما يكون فردًا مستقلًّا بذاته.
  • ومفاد الأمر هنا أن روسو لئن أخذ مفهوم العقد عن منظري التعاقد، ومنهم هوبز بالخصوص، فإن قلقه المتصل بالوضع الوجودي للفرد من الإنسان جعله يخالف السابقين له بأن أقام تمييزًا صارمًا بين عقد يكون على حق، وآخر يكون على باطل من وجهة نظر إنسانية، ولذلك تطرق منذ الكتاب الأول للعقد الاجتماعي إلى أشكال التبعية والسلطة والتواضعات التي يصفها بالباطلة. [٣]

أصل التفاوت

  • وهو من أحب المؤلفات إلى نفس روسو، من دون أن يلقى في بداية أمره ما كان صاحبه يتوقعه من صدوره، ومع ذلك، جاء الاعتراض سريعًا من قِبل فولتير، شیخ الفلاسفة الذي سيصبح الخصم اللدود لروسو، جاء ذلك في رسالة تاريخية بعث بها إلى روسو في (30) آب/ أغسطس (1755 م)، وردت فيها عبارة ساخرة كادت أن تصبح مثلًا دارجًا بين دارسي القرن الثامن عشر: «لم يحدث قط أن استخدم أحدهم كل هذا الذكاء بغية جعلنا أغبياء، حتى لتعترينا الرغبة في المشي على أربع قوائم عندما نقرأ كتابك»؛ ومنذ ذاك الوقت الذي صدر فيه هذا الحكم الأدبي القاسي من قبل أعظم شخصية أدبية في القرن الثامن عشر، والكثيرون من قراء أصل التفاوت المتسرعين يفهمون وكأن روسو من دعاة العودة إلى الحالة الطبيعية.
  • حاشا فولتير ألا يدرك مقاصد روسو الحقانية، بل وألا يفهم ما يقوله بصريح العبارة، فلقد تعمد التغافل عنها لراديكاليتها السياسية المضمرة، وحقيقة الأمر، في رأينا، أن هذا الموقف الذي يرى في أصل التفاوت بيان من أجل التقهقر نحو الطبيعة خاطئ تمامًا: لم ينفك روسو يؤكد أن الحالة الطبيعية بمثابة النموذج النظري، ويسميها الاستدلالات الافتراضية والشرطية لأجل التحليل لا لأجل التقرير؟ وهي حالة ربما لم توجد قط ولن توجد أبدًا، كما يقول هو نفسه.
  • ورَدّ روسو على فولتير برسالة بليغة لا تقل سخرية عن سخرية فولتير المعهودة، ويمكن اعتبار الرسالتين شهادتين أدبيتين لم تفقدا قیمتهما بالرغم من مرور قرنين ونصف القرن عليهما.
  • يتكون أصل التفاوت من «إهداء» و«توطئة»، ودیباجة «الخطاب»، وقسمين رئيسيين أولهما مخصوص على الإنسان الطبيعي وثانيهما على الإنسان المدني، ومن تعليقات» تذيله.

«التوطئة وديباجة الخطاب»

  • يشبه روسو النفس البشرية داخل المجتمع بتمثال غلوكوس ألخت في تشويهه زوابع البحر فأصبح وحشًا ضاريًا أكثر منه إلهًا معبودًا (التوطئة)، فكيف استعاض زمان التاريخ عن نظام الطبيعة» بـ«نظام مصطنع» حوله، بدوره، إلى «نظام طبيعي» ثانٍ؟ أين يجب أن نحفر لاستخراج الأصل الدفين (التوطئة)؟ لا بد من المقابلة بين الأصل والمسيخ حتی نمیز بین ضربين من التفاوت: التفاوت الفيزيقي وهو طبيعي ويخص القدرات الجسدية والذهنية؛ والتفاوت الأخلاقي وهو مدني ويخص علاقات التملك وما يتصل بها (دیباجة «الخطاب»). يتبع ذلك أن المقال يجب أن يكون مركوزًا في الإنسان أولًا وآخرًا، وأن «مدار الخطاب» يجب أن يبين كيف أن زمان التاريخ وقد أحل النظام الشرعي محل علائق القوة الطبيعية، «أكره الطبيعة على أن تذعن للقانون» (دیباجة «الخطاب »)؛ وههنا وجه من أوجه المفارقة القائم عليها فکر روسو.
  • وإذ فعل الزمان الرمزي (ثقافة، لغة، معتقد، دساتير) ذلك، فإنه أحل عنفًا مصطنعًا محل عنف طبيعي، وأحل تفاوت فاحشًا محل تفاوت طفيف ومستحسن، ولئن حدس بعض الفلاسفة بضرورة الارتداد إلى حالة الطبيعة، فلا أحد منهم وصل إليها، فكانوا يتكلمون عن الإنسان المتوحش والحال أنهم يرسمون صورة الإنسان المدني الماثل أمامهم، كمن يتوهم وصف غلوكوس إبان نحته وهو لا يتحدث إلا عن خلقة مسخها البحر! فما العمل إذن؟ يستثيرنا في البداية جواب روسو إذ يأتي في صيغة غير مألوفة: "يجب البدء بإزاحة جميع الوقائع جانبًا"، ويجب ألا يؤخذ الخطاب مأخذ الحقيقة التاريخية، وإنما كاستدلالات افتراضية وشرطية فقط.
  • ثم نتبين بالتدرج كل التماسك وكل المعقولية اللذين يشدان تلك العبارة إلى نسق الكتاب بأكمله. على هذا النحو يمزج روسو في أصل التفاوت بین تاریخ نظري، وهو تاريخ معنوي ومثالي يقيس نفسه على شاكلة الذات المعنوية للكائنات الرياضية والميكانيكية، فيخترع نموذجًا إبستيميًّا لقياس الثابت والمتحول في الطبيعة البشرية، وبين فلسفة تاريخ مستحدثة باحثًا عن معنى وعن اتجاه الحركة التقدم.
  • ما يقترحه روسو من تاريخ، إذن، إنما هو تاريخ لم يحصل وقائعيًّا، ولكنه الحقيقة المعيارية للتاريخ الذي حصل.

الإنسان الطبيعي

الإنسان من منظور فيزيقي
  • فيقتضي من روسو، حتى يستقيم النموذج المعنوي المثالي الذي اخترعه والمشار إليه في الديباجة، ألا يتبع المسلك المألوف الذي عادة ما يقود المحلل من تشریح الحيوان إلى تشريح الإنسان، وإنما ينطلق من الإنسان وحده لا غير ليفترضه متشاكل الهيئة في كل الأزمان، على نحو ما هو ماثل الآن وهنا، ماشيًا على رجلين، ومستعملًا يدیه کما نستعمل نحن أيدينا، ومجیلًا أنظاره في جميع أنحاء الطبيعة، ومقدرا بعينيه امتداد السماء الشاسع (القسم الأول)، فإذا ما جرد هذا الكائن المتشاكل أو العين من كل مسوح الثقافة وإضافات التاريخ والمدنية.
  • استنبط الإنسان الطبيعي: إنسان تتغلب عليه جميع الحيوانات بما لكل نوع من أنواعها من مقدرة جزئية يمتاز بها، ولكن الإنسان بتغلب عليها هو بالكلية التكامل قواه بعضها مع بعض، فكان بذلك أجدى الحيوانات كلها وأصلحها تكوينه، لكل حيوان غريزة تخصه بينما الإنسان لا غريزة تخصه هو بالذات في الامتياز بإحدى الغرائز تحديد، وفي الحرمان من جميعها تحرير.
  • وإن لفي ذلك مرتكز الاقتدار الإنساني: فمزيته أنه يحصل جميع الغرائز بالكسب؛ ولما كان جسد الإنسان المتوحش هو الأداة الوحيدة التي له دراية بها فلقد مرنه على مراس ما صارت أجسادنا تعجز عن القيام به، ولقد رعت العطالة البدائية جسد المتوحش في حضن صفاء إيكولوجي مطلق بعيدًا عن كل سقم وعاهة ومرض، اللهم إلا ما كان بفعل دورة الحياة الطبيعية، وبعيدا عن التشويهات التي اصطنعتها مؤسساتنا الاستهلاكية.
  • إن الآفات التي تحل بنا من صنع أيديناه: يقود هذا التقرير الصارم روسو إلى تلك العبارة التي أثارت حفيظة العقلانيين من معاصریه، ومنهم فولتير والأنسيكلوبيديين بالخصوص: إن حالة التفكير حالة تضاد الطبيعة، وإن الإنسان الذي يتأمل بعقله حيوان فاسد.
  • وإن حكم قيمة كهذا ليستحضر رأسًا الخطاب في العلوم والفنون، وهو الذي أوله خصوم روسو على أنه تقریظ للجهل والجمود لا للحكمة والأنوار! لكن روسو دربته السجالات الحامية التي دارت بينه وبين المعترضين على آرائه وعلى مفارقاته وعلى صيغ تفكيره الشاذة منذ (1750 م)، سنة صدور الخطاب الأول، وشحذت ذهنه خلال أربع سنوات قضاها في قراءة أعلام الفلسفة والقانون والاقتصاد والتاريخ الطبيعي وعلم النبات والموسيقي والطب وغیر ذلك، فكسب في فترة وجيزة معرفة موسوعية أدهشت الشراح.
  • ومفاد الأمر مسألتان:
  1. أولًا أن ليس بين البشر الهائمين في الغابات والمستقلين بعضهم عن بعض بمقتضى الناموس الطبيعي إلا ما اتصل عندهم بالتناسل وبعض الطوارئ الطبيعية، فليس بينهم تفاوت خلا ما تبيحه الطبيعة كالتفاوت في البنية الجسمانية والقوى الحسية والقدرات الذهنية.
  2. ثانيًا أن ليس من ناموس طبيعي کلي عدا قانون البقاء أو حفظ الذات، وهو سبب التفاوت الطبيعي ونتيجته في وقت واحد.
الإنسان من منظور مینافيزيقي وأخلاقي
  • فيأتي أفعاله بصفته فاعلًا حرًّا: أيمتنع على البهيمة أن تحيد عن القاعدة التي شئت لها حتى ولو كان لها تقع في ذلك، بينما الإنسان ينحرف عنها ولو كان في ذلك ضررها، واللغز إنما كامن في ما يمتاز به البشر من ملكة معنوية وأخلاقية، وهي القدرة على التكامل ويسميها روسو قابلية الكمال، (Perfectibilit)، وهي كامنة فينا بالقوة، نوعًا كنا أو أفرادًا، وإلى وجود هذه الملكة عند الإنسان يرد روسو كل سعادة الجنس البشري وكل شقاواته: إن هيأت لها المؤسسات الوضعية ما بوانيها أدنت البشر من أعلى شروط الأخلاقية والخير الأسمى، وإن حادت المؤسسات عن الناموس الطبيعي ردت الإنسان إلى وضع أدنى من وضع البهيمة الذي خرج منه من قبل، وصارت قابلية الكمال وسيلة للتفنن في الشرور واستجادتها، وليس ذلك كل ما في الأمر، فإنما تلك القابلية هي ما به ينفتح الإنسان على المستقبل فیكون وجودًا (Existence) لا كينونة (Etre)، ويكون مشروعًا لا آليات معطاة سلفة: ما يسم الحيوان إنما استمام کیانه منذ بواكير وجوده وثبات هیئته بعد ذلك عدا انحلاله البيولوجي لاحقًا واندثاره في النهاية.
  • لئن كان الحيوان إذن «هو من الفينة الأولى ما سیکونه کامل عهده، فإن الإنسان كائن زمانية غير طبيعية، زمانية محكومة بقاعدة التسارع المتضاعفي باطراد لا متناه فلا يحصل له البتة أن يكون»، فإنما التسارع يصير تسارعًا للتسارع يزداد معه الحد الأقصى تنائيًا فتكبر المسافة الفاصلة بين الكينونة الماثلة والمأمول، يصير الوجود صورة مرجوة على نحو ما تكون الرغبة رغبة في الرغبة، فيکبر تقلب الأوضاع وينمو القلق، من النظر إلى الأجل المتنائي والخوف منه يتقارب معنى الموت من أفهامنا: معرفة الموت وأهواله واحدة من المكتسبات الأولى التي حصلها الإنسان بابتعاده عن الشرط الحيوانية.
  • ومن هذه الفكرة تتأتى ترسانة الرموز وتقنياتها، ليس أقلها قيمة اختراغ اللسان؛ لا يقول روسو صراحة بأن الموت مخترع اللغة، ولا أن اللغة تنزع إلى التورية والنسيان، ولكن يكفي بعض التأمل في ما يقول لنستنتج أن لا اجتماع بلا لغة، ولا ملكية بلا لغة، على وجه الخصوص، هذا من حيث العلة الغائية.
  • بقي أن روسو قد قلب مسألة أصل اللسان واللغة من أوجه عدة من دون أن يجد علة فاعلية تفسر نشأتهما، واكتفى بمساءلة من پرید التبسط في موضوع صعب هذا الموضوع: «أيهما أوجب للآخر: أتراه المجتمع المتآلف قبلًا أوجب لقيام الألسنة، أم الألسنة المستحدثة قبلًا أوجب لإقامة المجتمع؟ أما اليقين في عين روسو، فهو أن الطبيعة إذ حرمت البشر من اللسان، اللهم الصراخ، فإنما قصدت ألا تؤهلهم للاجتماع والتمدن بأن عسرت عليهم الاصطناع والمواضعة.
  • ليس الإنسان إذًا مدنيًا بالطبع البتة كما تدعي الأرسطية، وليس شريرًا البتة كما يزعم هوبز، وإن لم يعرف المتوحش معنى الخير والشر، فإن في سجيته تلك وفي غفلته تلك تكمن طيبته الأصلية، ولكن كان ميله إلى حفظ بقائه يبعث فيه ضربة من حب الذات، وهو هوی معقول وبناء، فإن التحنن (Pitie) شعور طبيعي دفين سابق على العقل وعلى التفكير وهو يقوم، في الحالة الطبيعية، المقام القوانين والأخلاق في الحالة المدنية، فيهيئ للبشر المستقلين شروط الحياد وصون الحدود، ويساعدهم على حفظ بقائهم، يشترط الحب الذاتي، علاوة على حفظ البقاء التناسل الذي تدفع إليه أيضًا الشهوة محتدمة وعارمة تجعل كلًّا من الجنسين ضرورية للأخرة، ضرورة هي بمثابة الثروة المؤقتة إرادة من الطبيعة ألا تيسر الاجتماع على الناس، وشهوة الحب الجنسي هذه كان موضوعهًا مؤقتًّا ومتغيرًا باستمرار، فوحدها أخلاق المجتمع المدني وقواعد الملكية الخاصة ستحمل الحب على موضوع بعينه وتثبته فيه.
  • ما يستنتجه روسو في القسم الأول من كتابه هو أن الإنسان المتوحش لا صناعة له ولا كلام ولا مسكن، ولا يعرف الحرب، ولا ارتباطات له بالغير، في وضع اللاعلاقة هذا لا معنى للقياس وللتقويم وللمقارنة، كل فرد مقياس نفسه، وإذ كان التفاوت في حدود الدائرة الطبيعية (القوى الجسمية والذهنية)، فما كان لأحد أن يحس به أو أن يفطن إليه مادام كل متوحش يحيا في دائرة وجوده الخاص، ولم يكن بين أجيال المتوحشين أي تواصل رمزي، ولم يكن بمقدور المتوحش أن يتعرف حتى بأولادها، فإذا صادف أن اخترع أحدهم شیئًا بلا قصد، فإن فنه يفنی بفنائه.
  • وهكذا لا يبدأ كل جيل من الطور الذي بلغه سابقه وإنما من أعين النقطة الصفر التي بدأت منها جميع الأجيال السابقة، حتى لبات النوع هرمة قبلا، بينما ظل الإنسان طفلًا أبدًا. هذا إذا هو التاريخ المعياري للجنس البشري مطبقًا على مفهوم التفاوت، تاريخ يتأول من الوقائع ما كان دالا على صدق المعيار لا على صدق الحادثة، وإذا ما غاب التاريخ وضاع الربط بين الوقائع فعلى الفلسفة أن تخترع الصلات وأن تقيم السلالات النظرية بالاستنباط والتجريد.

الإنسان المدني

  • فيرصد روسو المصادفات والتطورات العارضة وكيف تحولت إلى حوادث زمان عظمی متسلسلة قادت الجنس البشري إلى التسليم بالملكية الخاصة وإرساء المجتمع المدني: إن أول من سور أرضًا وقال هذه لي هو المؤسس الحقيقي للمجتمع المدني. أدرك روسو، وهرناری الاقتصادي السياسي الإنجليزي، البنية الخفية اللاحمة بين الملكية والمجتمع المدني. [٤]

(إميل)

  • أريد أن أؤكد أن كتابات روسو کانت صورًا شتى من حياته الشخصية فكانت تنعكس فيها تربيته المضطربة - الخالية من كل نظام أو توجيه وكانت تصور لنا خبراته في الحياة سواء أكانت خبرات سامية أو غير سامية.
  • وفي كتاباته جميعها نرى مزاجه المعكوس ووجدانه المتسلط على عقله، وروسو خير من يعبر عن الآمال والأماني الجائشة في عصره، وقد اختارته الظروف والأقدار ليكون خير داع وخير معبر عن المجتمع الذي عاش فيه وعن مرضه ونواحي الضعف فيه، فكتابات روسو قطعة من نفسه، ولست أبالغ إذا قررت أن روسو الكبير كان يكتب عن روسو الصغير فهو في النصف الأخير من حياته كان يكتب عن روسو في النصف الأول منها.
  • وكتاب (إمیل) الذي يُعتبر فاصلًا بين عشرين في التربية: التربية القديمة والتربية الحديثة.
  • وهذا الكتاب قسمه روسو إلى خمسة كتب، كل منها يتحدث عن مرحلة من المراحل، وقد بدأ روسو کتابته في هذا القسم بالمطالبة بجعل وظيفة التربية من البداية مقصورة على إزالة الصعوبات وكل ما يعوق الطبيعة البشرية الخيرة عن النمو الطبيعي، وهذا ما يطلق عليه روسو بالتربية السلبية، وهو يتحدث عن عوامل التربية ويقول أنها ثلاثة: طبيعة الطفل، ثم المعلم ثم الحياة نفسها، فطبيعة الطفل هي التي تساعد على نموه الجسمي وعلى نمو حواسه وقواه العقلية، أما المعلم فهو الذي يرشد ويوجه الطفل إلى ما ينبغي أن يستخدم فيه ذلك النمو الطبيعي، وأما الحياة فهي التي تربينا بما فيها من التجارب والخبرات.

الكتاب الأول

  • من (إميل) يتحدث إلينا روسو عن تربية الطفل حتى سن الخامسة، ويحدثنا عن أهمية العناية بالجسم وضرورة اهتمام الأم بنفسها، وأهمية منح الطفل الحرية منذ ولادته، فهو لا يريد الإنمائية ولا الأربطة التي تفيد الطفل وتشل حركاته، وإنما هو يريد أن يترك الطفل حرًا حتى يحبو وأن يترك يحبو كيف يشاء.
  • وروسو يذكرنا هنا بأن إميل يتيم بلا أب وبلا أم، وهو يربى على يد مرب يربيه بعيدًا عن المدن وصخبها وضوضائها وعبث أهلها، يريد أن يربيه بين الفلاحين حيث الطبيعة وفي القرى الهادئة حيث لا يهتدي بالأنوار الصناعية التي تزعج الإنسان في المدن، وإنما يهتدي بالأنوار الطبيعية: بالقمر والنجوم.
  • ويحدث روسو عن ضرورة عدم التعجل في تعلم الطفل النطق والمشي، وينتهي هذا الطور من أطوار حياة إميل متى عرف كيف يأكل ومتى تعلم النطق والكلام وأتقن المشي بمفرده وبلا مساعدة أحد.

الكتاب الثاني

من إميل فهو الذي يشرح لنا فيه روسو حياة إميل من الخامسة إلى الثانية عشرة، وهنا يعرف الطفل آلام الحياة، ولذا يجب أن يترك مستقلًّا، وعليه أن يتعلم الطاعة على أنها واجب طبیعي، وروسو لا يريد أن يناقش الطفل في الأخلاق.

  • وإنما يرى علينا أن نبعده عن الشر ونرشده إلى العمل الصحيح والتصرف السليم والنزاهة في العمل.
  • وروسو يريد ألا يتعلم الطفل أية لغة حتى سن الخامسة عشرة، إلا لغة واحدة، وألا يدرس الجغرافية وهو عدو «لدود» للمصورات الجغرافية والكرة الأرضية ولا يريد إميل أن يتعلم التاريخ ولا الأدب أو أن يطالع الكتب.
  • ويقول دع إميل يوازن بين الأشياء ويقسمها ويعدها ولا يطالع إلا كتابًا واحدًا هو کتاب الطبيعة، لأن الكتب كما يقول روسو عذاب للطفولة وألم لها.

الكتاب الثالث

  • فيتحدث فيه روسو عن تربية الطفل في دور المراهقة من سن الثانية عشرة إلى الخامسة عشرة، فهو يريد أن يشغل إميل بالدرس.
  • يرید منه أن يدرس الطبيعة وأن نعتمد على رغبته وحاجته الملحة إلى المعرفة والاستزادة من العلم، يريد روسو أن نوجه نظر إميل إلى الطبيعة وأن نشجعه على البحث والاعتماد على النفس في التعليم، يريد أن يسأل إميل عما يريد وأن يتعلم الفلك والهندسة والجغرافية، ولكنه يريد أن يعتمد إميل في هذه الدراسة على ملاحظة النجوم والكواكب وأن يده من الجغرافية عن طريق البيئة المحلية.
  • ويلح روسو في أن يقرأ إميل كتابا في هذه المرحلة ولكنه لا يريده أن يقرأ غير هذا الكتاب، وهو قصة روبنسون کروسو الذي حي حياة طبيعية واعتمد على نفسه وتعلم الحياة بالحياة، فاشتغل وعمل وهو أي روسو يريد أن يتعلم إميل الحرف والصناعات ولكنه يريد منه أن يتقن حرفة التجارة بنوع خاص.
  • إلى هنا لم يتعلم إميل كثيرًا، وهو لا يعرف الصلات الخلقية التي تربط الناس بعضهم ببعض، ولكنه ميال إلى العمل معتدل في مزاجه، صبور ثابت العزيمة كله شجاعة وكله إقدام.

الكتاب الرابع

  • يصف روسو تربية الطفل ما بين الخامسة عشرة والعشرين، وفي هذه الفترة يريد روسو أن يحب إميل وأن يكون حبه شاملًا جميع الناس حتى أعداء الإنسانية، ولا ينتمي إلى طائفة دون أخرى.
  • وفي هذه المرحلة يريد روسو أن يفحص إمیل آراء الناس وأفكارهم وأن يحترم الناس جميعًا وأن يتعرف عليهم من دراسة التاريخ، وهو يريد أن يتعلم إمیل الدین وأن يختار لنفسه دينًا معينًا لا يفرض عليه.
  • وفي هذه المرحلة يريد إميل أن يكثر من المطالعة وقراءة كتب التاريخ والأدب وأن يذهب الى مشاهدة الروايات التمثيلية.

الكتاب الأخير

  • يحدثنا روسو عن تربية البنت (صوفي) وهو يريد أن تكون امرأة صالحة لخدمة الرجل وإرضائه وکسب محبته وتربية الأطفال، وأن تكون زوجة تهتم بالأمور المنزلية وأن تكون حسنة الهندام جميلة المنظر.
  • هذا هو ملخص كتاب إميل أعرضه على القراء، وأرجو ألا أكون قد مسخته أو أقللت من قيمه، فالكتاب كما يراه الكثيرون قصة شائنة لا تخلو من دروس، فهي كما قدمت لك تعرض علينا في تفصيل غير ممل نظرية روسو في التربية.
  • وهي تعرض علينا صورة طفل سليم متوسط الذكاء ربي في الريف وحيدًا وليس في صحبته سوی مدرسه الخاص، وفي هذا الوسط الذي يربى فيه الطفل لن تفسد طباعه الطبيعية وإنما تنمو وتتقدم.
  • وقد ذاع صيت إميل وأقبل الناس على قراءته لأن روسو نادى فيه بالمساواة بين الأفراد وامتدح الرجل العادي ورفع من شأنه واعتمد على إثارة خيال الناس وعواطفهم التي كان لا يعبأ بها الكتاب من قبل.
  • وأهم أثر لقصة إميل أنها نبهت الأذهان الى التربية وجعلت الكثيرين يهتمون بها ويقبلون على آراء روسو مع ما فيها من غلو وتناقض.
  • وفي إميل يتحدث روسو عن أهمية تدريب الحواس، فعن طريق الحواس نحصل على معلوماتنا عن العالم ولذلك يجب أن تقوم الحواس بعملها على أحسن وجه.
  • وفي الحق أن كتاب إميل يعتبر فتحًا جديدًا في التربية، فكان له أثر كبير في توجيه نظرياتها وأساليبها، واستحق أن يطلق على العصر الذي ظهر فيه« عصر الطفل » الاهتمام البالغ بالطفولة، ومطالبته بأن يكون الطفل هو مركز العناية والاهتمام لا المادة كما كان الحالي من قبل.
  • وإمیل یعتبر في نظر بعض الكتاب قصة شعبية، فقد أقبل على قراءتها عامة الشعب وغالبيتهم لا طبقة المفكرين وحدهم، ذلك لأن روسو جعل من التربية موضوعًا شعبيًّا يتحدث فيه الجادون والهازلون من الناس جميعًا.
  • و کتاب إميل هو الذي وجه الأنظار إلى التربية، وجعل الحكومات والشعوب جميعا يعتبرونها عملية قومية يجب أن تكون موضع العناية والرعاية لا من الحكومات وحدها بل من الشعب أيضا. [٥]

«أصل اللغات»

  • ما الذي يمكننا قوله في حدود التصدير الخفيفة عن المقاربة الروسية لأصل اللغات في المحاولة التي نقترح اليوم تعريفًا لها؟ سنقتصر على نقطتين اثنتين، لعلها تكونان مدخلًا للولوج إلى نص روسو، أو يخفف على الأقل ما يقارن الالتقاء الأول به من صدمة مضاعفة: التباس غرضه وغربة عبارته.
  • فنسأل عن موضوع المحاولة وعن وَحدة قصدها العام وذلك سعيًا إلى إدراك مدى تأثير «التداخل المشكلي» على العلاقة بين مسألة «سلطان الموسيقى على القلوب» ومسألة «أصل اللغات»، ثم إدراك مدى تأثير التداخل المشكلي بين هاتين المسألتين باعتبارها مسألتين تقنيتين، أو باعتبارها مسألتين مختصتين، على الأقل، من جهة، والمسألة العامة أو المسألة الفلسفية لأصل المجتمعات، ولمدى ارتباط بِنياتها بلغته ذلك أنه تأتلف في محاولة روسو في أصل اللغات أوجه عدة وأبعاد مختلفة من فكره.
  • فهو الفيلسوف، متسائلًا عن وضع اللغة وأصلها، وعن بنية المجمعات وطبعها، وهو كذلك الفنان المجدل في الرسم التصويري والمحاكاة الموسيقية من حيث أثر جمالها في القلوب فكيف تتوحد هذه المقاصد إذن، بحيث تؤدي إلى طرح مشكلة أصل اللغات في علاقة حميمة بأصل المجتمعات، وتؤدي إلى تصور التعبير اللغوي في علاقة حميمة بالتعبير الفني موسیقی ورسما؟
  • بين البحث عن وسائل تبليغ أفكارنا، كخط لحدود العزلة وخروج من عدم الحاجة، والطغيان على المجال الخاص الذي تركته الحياة المدنية للآخر، من خلال الأقناع كخلق للحاجة، تمتد المحاولة في أصل اللغات، حاكية بذلك قصة المجتمع، وعارضة من مشاهد تكونه ما يكاد يلهيك عن اللغات وأصلها.
  • فهلا تكون إذن محاولة في أصل المجتمعات من خلال المنشور اللغوي؟ ولكن مثل هذا المسعى يستلزم أن يكون المنشور اللغوي قد ناله بعد من التحليل والتركيب ما حصل به على مشروعيته المرجعية التي يقدر بها على أن يمثل منظورًا أو مِنظارًا يمكن تسليطه على الموضوعات المختلفة، ولكن شيئًا من كل ذلك لم يحصل بعد.
  • فهل يكون الكتاب إذن محاولة في النظر إلى أصل اللغات من خلال منشور أصل المجمعات، مثل هذا المسعى يقتضي أن يكون المنشور المجتمع قد ناله ما لم ينل المنشور اللغوي، بحيث أصبح له من التقاليد ما يؤهله لكي يكون منظارًا يسلط على الظاهرة اللغوية، منشئها وتاريخها وعلاقاتها بغيرها من الظواهر.
  • وإن المرء لأمْيَل إلى الانخراط في صف هذا الغرض التالي، إذ تؤكده عدة إثباتات، لعل أهمها ذاك الذي يعمد به روسو إلى الإجابة عن السؤال المعمل بأصل المؤسسات الإنسانية: «وإني لمقدم هنا على استطراد طويل، في موضوع قد أكل عليه الزمن وشرب حتى صار مبتذلا، ومع ذلك فلا بد من الرجوع إليه دائمًا، حتى نقف على أصل المؤسسات الإنسانية».
  • تحدد هذا الموضوع إذن على أنه المرجع والشاهد والحكم، في كل ما يعلق بالمؤسسات الإنسانية عامة، وبالمؤسسة اللغوية على وجه الخصوص.
  • ولكن الأعمال بهذا المرجع والعودة إليه لا تتم ضمن المحاولة إلا على وجه الاستطراد، ولعل الشأن في الاستطراد أن ما له من الشرعية لا يفوق من بعض الوجوه ما للشجون التي للحديث، فإن كان ذلك، فإن المرور بمنعطف «المجتمعات الأولى» لا يكون إلا اصطناعيًا لا خير فيه.
  • ولكن الأمر على خلاف ذلك، فلا ابتذال الموضوع ولا طول الاستطراد مغنيين لنا من الانصراف إلى أصل المجمعات، بل يظل الوقوف على أصل المؤسسات الإنسانية بما في المؤمنة اللغوية مرهونًا بالتذكير بمعطيات قد «أكل عليها الدهر وشرب».

بذلك تنبني المجاملة في أصل اللغات قولًا يتضمن في كل أجزائه إشارة إلى منجز، بل يندرج شوقا إلى أسس الأصل، من أجل المرور به.

  • فيكون الفصلان التاسع والعاشر أول الفصول وآخرها، ونقطة انطلاقها ومالها، متوسطين بذلك مسار الفصول العشرين، لكأنهما من كل واحد منها المدخل والمخرج.
  • ولا يكون الاستطراد ساعتها شجن حديث قد كان يمكن الاقتصاد فيه، بل قصد شوق تنشد إليه الرحال:
  1. فأولى المشاهد مشهد الشوق ومشهد الحاجة، إذ يطل منهما المتوحد على الغير إطلالة الذي «تملكه الرعب» فحاجته نفي الآخر، وهمه الابتعاد عنه، ولكن حده الضيعة. لا تتولد اللغات إذن من الحاجات الطبيعية، «فمن غير المعقول أن يكون مما يفرق بينهم ما يجمعهم».
  2. وثاني المشاهد مشهد الشوق إلى الآخر، حبًا أو كرهًا، شفقةً أو غضبًا، فحاجة الإنسان في الآخر وهمه الفعل فيه.
  • وما بغير هذا الوجه تتولد اللغات: «إن كل الأهواء تقرب بين الناس الذين تجبرهم ضرورة البحث عن العيش على التباعد، فلا الجوع ولا العطش انتزعا منهم أول التصويتات، بل الحب والكره، والشفقة والغضب، إن النار لا تفلت من أيدينا، فيمكننا أن نتغذى بها من غير كلام، كما أننا في صمت نطارد الفريسة التي نقتاتها، ولكن، إذا ما أردنا التأثير في قلب شاب، أو صد معتد أثيم، فان الطبيعة تملي علينا نبرات وصرخات وأصوات».
  • تبدو اجتماعية الإنسان إذن محددة لنطقه باللغة، ولكن هذه الاجتماعية لا تحقق من كل شروط اللغة ألا أحدها، بل تقتفي اللغة أن يصاحب اجتماع الناس تولد للأهواء والعواطف، ذلك أن الحاجات الطبيعية، إذا ما افترضنا أنها قادرة على تجميع الناس، وهو ما ليس دائمًا مؤكدًّا، لا تولد من اللغات إلا لغة الإشارة.
  • أما لغة الصوت فلا تتولد إلا متى فاض القلب بالعواطف، لذلك يحكي تولد الكلام تولد الهوى، ولذلك أيضا يحكي تبلد الكلام تبلد الهوى: فإذا تاريخ اللغات تاريخ تضاؤل حيويتها وتناقض شاعريتها، وإذا إنجاز الأخاذ الذي كان فيها قد أمسى حقيقة حادة، وإذا الفكر الحالم قد أضحى فكرًا مستمرًا يحكم على أحلامه الأولى بأنها أخطاؤه الأولى.
  • ولعل هذا التبلد قد بلغ قراره في الكتابة، إذ تقلب على اللغات عبقريتها، فلا يبقى فيها من طاقة التعبير شيء، بل يتحول كل ذلك إلى وضوح في المعنى ودقة في الأفكار.
  • هكذا ينتقل إيحاء نبرة النطق إلى صمم نبرة الرسم وبكمها، فما عادت تحمل من حياة اللغة إلا ذكراها، ولكنها ذكرى ميتة:

«إذا المرء أضحى كل شيء يقوله كما لو كان يكتبه، لم يعد إلا قارئًا يتكلم».[٦]

«أحلام اليقظة» Les Reveries

  • هي آخر أعمال روسو الأدبية إذ كان لا يزال يكتب مستهل الجولة العاشرة في: الثاني عشر من أبريل عام (۱۷۷۸ م) قبل مغادرته باريس للمرة الاخيرة بزمن قليل.
  • ويرى بعض النقاد أن الفكرة الأولى في تسجيل «أحلام اليقظة» ترجع إلى خريف عام (۱۷۷۹ م) بعد مضي بضعة شهور على الحالة الصحية والنفسية التي استبدت به وغدا فريسة لها حين حاول أن يودع مخطوط الحواز Les Dialogues في كنيسة نوتردام Notre Dame ولكنه لم يفلح إذ حالت الحواجز دون ذلك.
  • وكان يعلم أن أحلامه في سبيل الأفول إذ كان يحس بالبرودة تسري فيها، وأنه كان يقترب من النهاية.
  • وقد كتب السبعة الأولى منها في خط صغير وإن كان مقروءًا، وشاء کرم صديقه المركیز دوجيراردین De Girardin الذي استضافه في آخر حياته بأرموننفيل Ermenonville حيث مات أن يجمع في حرص وعناية كافة الأوراق التي خلفها روسو وسهل للناشرين بعد وفاة الكاتب الكبير نشر ثلاث جولات أخرى استخلصها من مسودات مجموعة في كراسة تشبه الأولى تماما، هذا بالإضافة إلى سبع وعشرين ورقة من أوراق اللعب مودعة في مكتبة نيوشاتل Neuchatel بسويسرا كان يسجل عليها روسو أفكاره خلال جولاته، وتعد مرجعة الأحلام كذلك.
  • ولقد تدرج روسو خلال أعوام حياته في مختلف الحرف والأعمال، واحتفظ لهذه الأعوام الطويلة بذكريات مريرة قاسية، ثم أنتج خبرة ثماره العقلية، وكانت له شهرة واسعة لها دوي.
  • كان ينسخ الموسيقى وكان يكتب وكان يربط الأوراق بشرائط جميلة وكان يرتب النباتات بعناية كان يحيا بحواس.
  • ولكنه الآن في أخريات العمر أصبح يعيش على لون جديد من الحياة لم يمارسه في عمق من قبل وإن اعتاده. بدأ يحس إحساسًا قويًّا بالأصوات الرائعة والسماء الجميلة والريف البديع والبحيرات الفاتنة والأزهار والعطور والعيون: الساحرة والنظرات الحلوة البريئة، إنه لا يزال يذكر زوايا مماثلة من ماضيه البعيد، تنتابه الحسرة أحيانًا على فواتها ويشده الألم أحيانًا أخرى لأنه لم ينهل منها بقدر ما يطيق، أو لأنه لم يدركها إلا بعد فوات الأوان.
  • كانت الاستثارة الحسية تسلمه إلى نشوة عاطفية، وكانت الطبيعة تبدو له وكأنما هي كائن حي يزخر بالجنان فيرتمي بين أحضانها ليجد أجمل العزاء، كان الخيال في صغره يلعب الدور الهام من خيانة أمه بعد أن تقدمت به السن فلم يعد له سوى أن يستسلم للذكريات.
  • ولئن تخللت هذه الذكريات بعض مظاهر الشذوذ العقلي فإنه كان يستشعر فيها الهناء المطلق، كان يحسه في هذه اللحظات القصار التي يجمعها فيها كما كان يحسها في أعماق عقله الباطن تتصاعد فجأة في لذة غامضة تستدعيها أمور عدة.
  • ولئن قصر خياله أحيانًا فإنه أدرك كيف يحيي الذكريات أحيانًا أخرى، ولئن ضاعت الأحداث في غمار النسيان بفعل الزمن فإن تداعي المعاني وبعض صفات معينة وبعض مظاهر الحرارة والضوء كانت كفيلة بإعادتها إلى ذهنه.
  • والواقع أن «أحلام يقظة جوال منعزل» هي في مجموعها ذكريات: أهي ذكريات شبح الماضي البعید غير كثيرًا من نواحي الصورة فيه حتى لتمتزج الأسطورة والخيال بالحقيقة؟
  • أم هي اعتذار عن بعض أخطائه ومحاولة لتبريرها أو الدفاع عنها؟
  • أم هي تفسير لبعض ما مر به؟ أم هي تسجيل الخواطر وخلجات هي ثمرة تجارب و تفكير رجل قدر له أن يفرض نفسه على الفكر الانساني؟
  • لقد كان يلذ لروسو أن يستمد من آلامه متعة، وكان يردد أنه يعيش حقًا في أيام الاضطراب والقلق، إن أشد الساعات ألما تحل في النفس.
  • أعمق الآثار ومع الزمن تغدو ذكراها وهي تحمل فرحًا لاذعًا وتعاسة مع ذلك؛ ومن عجب أن ذاكرة روسو تتوقف كذلك طواعية عند أيامه السعيدة وليس في شيخوخته سعادة أكثر من الشهرين اللذين قضاهما في جزيرة سانت بيير Saint - Pierre وكذا في الشارمیت Les Charmettes.
  • لقد كف روسو بعد كتابة «الحوار» Les Dialogues عن الدفاع عن نفسه أمام مهاجميه وأعدائه فاستسلم لقدره، ثم مال كعادته إلى العزلة، إلى الهدوء والاعتكاف، كان يعلم أنه يقضي أيامه الأخيرة، مستشعرًا دنو أجله، فظل ينتظر الموت في وقار، يتجهز له ويعد للمرة الأخيرة حسابا يمثل به أمام الله ويستعيد ماضيه بما تخلله من لحظات سعيدة فيعيشها بذلك مرتين.
  • عاد إذن يمسك القلم ويعاود الكتابة دون أن يكترث بالناس ودون أن يهتم بما يدبرون بعد أن اعتزلهم إلى عالم هو عالمه وحده لأنه من خلقه، فسطر بذلك صفحات رائعة في موضوع جديد يتفق أولا ومزاجه الطبيعي ويعد أخيرًا خيرة إنتاجه قاطبة.
  • بل إن عنوان هذه الصفحات التي تناولها بالترجمة والتعليق تكشف عن روحه تمامًا، إن فيه لوما وعزاء، لوما يوجهه إلى من أكرهوه على الانفراد والعزلة، وعزاء له في تلك الأحلام الحلوة بحلق فيها في حله وتجواله فتعوضه في سخاء عما حرمه منه معاصروه من هناء وراحة.
  • لقد ضاق المسكين بقسوة الناس فاعتزلهم وباعد ما بينه وبينهم، وراح يضرب في الخلاء منفردًا بنفسه، مستمتعًا بالطبيعة مدركًا للخالق مستغرقًا في أحلام طويلة يسترجع بها بعض أحداث ماضيه، مناقشًا إياها في ضوء الهدوء الذي بلغه والسكينة التي تحيط به.
  • لقد أعادت هذه الذكريات الشيخ إلى نفسه فكانت تعبيرًا عن حقيقة حياته، وهي حياة حواسه وقلبه، أما الأحداث والعالم الخارجي فلم تعد يعد شيئًا مذكورًا بالنسبة له، إنها لم تعد سوى فرصة للاستمتاع وسيلة للتفكير.
  • وهكذا تحققت له أخيرا الحياة المثالية التي طالما تاق لتحقيقها، وهي العالم الذي صاغه النفسية خياله.
  • الأحلام على هذه الصورة ليست موضوعًا واحدًا بل هي مجموعة من الخواطر والخلجات ترابطت أحيانًا وتباعدت أحيانًا أخرى شأنها في ذلك شأن الخواطر، دائما حين تقوم على نبش بعض أحداث الماضي البعيد.

المنابع الفكرية لروسو

  • كان جان جاك روسو مفكرًا متميزًا بجميع المقاييس؛ لأنه يمثل الإنسان الذي كان جزءًا من حركية الأوضاع الاجتماعية والسياسية التي عمت العصر الذي عاش فيه، ولئن كان روسو قد ذكر فيما بعد أنه اضطهد، ففي هذا الدور من الحرب التي أعلنها وشنها على المجتمع بأسره، بلا هوادة، ينبغي أن نلتمس مصدر هذه الكراهية المتقدمة التي كانت ميوله تتجه نحو الفنون والآداب حتى طبعت آراء وأعمال هذا المفكر بنفحة رومانسية مرهفة، وبذلك جسد ذروة التطور للفكر التنويري بجميع جوانب تشكله الفني والأدبي والفلسفي، فأصبح روسو يحتل موقعًا بين فلاسفة التنوير، ويمثل إحدى المحطات التي ليس لأي باحث من مهرب دون الاضطرار للوقوف عنده لكونه فيلسوفًا مقاومًا لكل تصنيف.
  • لقد كان روسو أفضل من عبر عن الأوضاع التي سادت أوروبا عمومًا وفرنسا على وجه الخصوص، ليس لكونه مفكرًا فحسب بل لكونه حاملًا لروح إنسانية فريدة ترسبت لديه بفعل اشتداد تسارع حلقات التداعي الفكري لفلاسفة عصر الأنوار، وما فرضته من سجالات على جميع الأصعدة من جهة، وبلوغ تراكم الأحداث وتداخل الأوضاع في الواقع الفعلي حدًّا يفرض إيجاد طرق جديدة لإعادة ترتيب الأمور المجتمعية، والبحث عن منافذ لصرف الاحتقان الذي ظلت تحبسه القواعد والأعراف المعهودة خاصة من الناحية الاجتماعية والسياسية.
  • لقد كان لعصر التنوير الأثر البالغ في بناء تفكير روسو الذي تفتقت فيه الكثير من العبقريات، وبرزت فيه عظمة العديد من العقول وكان لها الحضور المتميز في شتى مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية؛ على مستوى القيم، كما على مستوى الأفكار، وكذا على مستوى التطورات العلمية المصاحبة لذلك، وكل تلك التطورات كانت تسعى إلى هدف واحد هو إسعاد الإنسان وتخليصه من كل مظاهر الانحطاط. [٧]
  • من البديهي أن يكون للأجواء الفكرية، والحركة العلمية، التأثير الأبرز على التكوين الفكري ورسم معالم التوجه المذهبي في مختلف القضايا المطروحة لأي فيلسوف، والقاعدة لم تستثن روسو من ذلك، لقد كان للفكر السياسي الانجليزي التأثير العميق سواء كان بالسلب أو بالإيجاب.
  • وتنازعته الطروحات المتناقضة خاصة تلك التي نادى بها هوبز ولوك من جانب ثم المنظرين للقانون الطبيعي وعلى الأخص منهم: هوجو غروتيوس، وتأرجح هذا Montesquieu ومونتسكيو، Pufendorf وبوفندورف Hugo Grotius التأثر بين النقد أحيانًا والاستلهام أحيانًا أخرى.
  • غير أن ذلك لا يعني بأي حال عدم أصالة آرائه، ولا يعني أيضًا عدم قدرته على تقبل أفكار الغير، فهو على سبيل المثال يلتقي مع هوبز لتقرير فكرة أن الإنسان ليس حيوانًا اجتماعيًّا بالفطرة، ليختلف معه في كون الإنسان ذئب«homo homini lupus ».. للإنسان [٨]

مفهوم التربية الدينية عند روسو

  • نسجل فقط أن هدفه المعلن من التربية هو تحرير الذهن من الأفكار المسبقة والأحكام المتوارثة؛ هذه، في نظر الفلاسفة، هي تعاليم الكنيسة، يوافقهم روسو في هذه النقطة، لكنه يذهب أبعد منهم ليقول إن المسبقات التي يجب تحذیر النشء من تبنيها هي أيضًا ما قال به الفلاسفة الماديون كحقائق مقررة مع أنها ليست كذلك.
  • هذا موضوع الجزء الأول من العقيدة إذ يبرهن روسو على أن التوقف واجب في كثير من المسائل (الخلق، السكون، الغريزة، إلخ) التي قال فيها الفلاسفة بكيفية تعسفية، كما أن التوقف واجب في مسائل أخرى الوحي، الرسالات، الجنة والنار، إلخ رددها منذ قرون أرباب الكنائس.
  • القس أقل اطمئنانًا لما يقرر في الجزء الثاني منه في الجزء الأول، فيكثر من التحذيرات والعبارات الاحترازية.
  • لكن في الأمرين معًا يطلب من سامعه أن يعتبر كل مقولاته فرضیات أوحت له بها تجربة حياته، على السامع أن يحفظها ليمتصها فيما بعد على ضوء تجربته هو، مرجعه في كل حكم ضميره، نور وجدانه الذي عمل القس على تصفيته من شوائب الاتباع والتقليد حتى يظل بريئة، نقية صافية كما خرج إلى الوجود، وحتى ينعكس فيه ، مباشرة وبصدق، خطاب الصانع الأول.
  • اعتمد روسو على مراجع رومانية ومسيحية. منذ صباه وهو لا يفتأ يطالع فلوطارخوس والتوراة والإنجيل، لهذا السبب حاولت أن أحافظ على النكهة «الكلاسيكية»، بالمعنى الغربي، إليها.
  • دعا إلى التقشف والتعفف، إلى ضبط طموح العقل البشري، إلى تفضيل القناعة وطمأنينة النفس على المغامرة والقلق، إلى مسايرة الطبيعة لا معاكستها، معالجتها لا استنفادها، أولا نجد صدى لكل هذا عند الذين يبحثون عن نظام عالمي بديل؟ وفي ميدان التربية تحذيره من الاعتماد المطلق على الكتب أولا يلتقي مع مخاوف أعداء الحياة الافتراضية التي تغذيها وسائل الإعلام الحديثة؟
  • قد يطول الجدل حول الحي والميت، الخصب والعقيم، في فكر روسو، كما هو الحال بالنسبة لكُتاب آخرين من مستواه، ما لا نقاش فيه هو أنه شخصية وأية شخصية، أسلوب وأي أسلوب، أسلوب ملتصق بشخصية، المثير فيما كتب ليس المقال بل القائل وصفة القول، من القائل؟ ضمير الفرد الحر، صفة القول؟ الصدق والصراحة، شرط نافل في مجال العلم، لكن فيما يخص الإيمان، أي معنى لقول غير صادر عن قلب صادق؟
  • کلام روسو في عقيدة القس الجِبِلي ليس عن الدين بقدر ما هو عن الهم الديني، وهذا الهم عاد بعد أن غاب، وإن قدر له أن يغيب مجددًا فهو لا محالة عائد ما دام الإنسان إنسانًا.

السيادة والمواطنة من منظوره الفلسفي السياسي

  • أن المفكر والفيلسوف "جان جاك روسو" الذي كان له الفضل كما هو معلوم في إبراز الدولة الحديثة، فهذه العبقرية كما يعرفها الكثير قد نبغت في الحقل السياسي الاجتماعي أكثر منه في باقي الحقول المعرفية الأخرى، ومنه انتقينا جدارته في انتقاد معظم الآراء السائدة في عصره.
  • لكن الذي يجلب النظر في هذه الشخصية، هو الاهتمام البالغ بقضايا أمته نتيجة ما رأى من تردٍّ في الأوضاع، فرغم الاضطهاد الذي سمى بنفسه كما قال إلا أنه بحث عن الحلول الممكنة للأزمة التي كانت تعيشها أوربا ككل، بالإضافة إلى إبداعه المتميز في جدوى وضع نظرته حول السيادة والمواطنة بطبيعتها وأنواع حكمها وخصائصها الأساسية التي لم يسبقه إليها أحد.
  • ذلك لأن مهمة التفكير في الحياة تقتضي معرفة الصيرورة الفعلية للمجتمعات، وتقتضي إعادة الاعتبار للحاضر بوصفه حصيلة لمسار طويل ومأسوي خلفته قرون عديدة من صيرورة المجتمعات، أي بعبارة أخرى تقتضي فهم الماضي باعتباره مرحلة من مراحل تكون الواقع الراهن.
  • أما فيما يخص حوصلة النتائج حول موضوع السيادة والمواطنة كحق لطبيعة الإنسان هي نظرة تقليدية لهذه المفاهيم، لإحداث مقومات جديدة تعتمد على سيادة تطبيق القانون على الجميع، وأول من قال أن المساواة هي قاعدة النظام السياسي وهي التي تحمي الحرية والعدالة، التي اجتمعت طوعيًّا أي أن أول من أعطى المضمون الجدي والبعد الأوسع لفكرة العقد الاجتماعي عنده يمتاز بأنه يقوم على تخلي الناس عن حقوقهم الطبيعية للدولة، لكن الدولة تعيدها لهم بعد أن تصبح حقوق مدنية، كما أنه كان يرى أن الحكومة يجب أن تكون ديمقراطية تستمد قوتها وسلطتها من إرادة المجتمع أي الإرادة العامة، ولذلك تكون الحكومة وكيل عن الشعب تخضع لرقابته باستمرار ويكون له حق تغييرها والثورة عليها إذ لم تقم الحكومة وهي أحد طرفي التعاقد.
  • إن فلسفة العقد الاجتماعي عند روسو قد لعبت الدور الأساسي في بناء نمط التفكير السياسي على الصعيد النظري وذلك من خلال محاولة أصيلة وحادة.
  • وهكذا لم يلبث الحديث عن السيادة والمواطنة في الأزمنة الحديثة حتى تطورت معالمها، فأخذت تنتشر نظريتها، ومما أثار الجدل حولها واصطدام مفهوم سيادة الدولة مع التيار الجارف نظام العولمة، الذي اكتسح العالم بمضامين جديدة تخوف منها البعض كونها تعمل على تعويض دور الدولة من حيث الوظائف.
  • هذا ما رجونا الخروج به بالنتائج من هذا البحث بمعنى أن الحضارة التي تتمتع بالمبادئ الروحية مقابل الحضارات المادية الزائلة هو في الحقيقة سر استمرارية السيادة للشعوب الى أن تحقق هدفها المنشود، وهو العيش في سلام عالمي يجمع شتاتهم في حضارة واحدة وهو أمل وحلم الجميع، وفي الأخير يمكن القول أن تحديد وضعية ممارسة السيادة والتمتع بها سيكون في كنف الحضارة التي تبقى محافظة على خصوصياتها الروحية، حيث أن هذا ما جعلناه سندًا لنا في تحريك قضية المواطنة وإثارة مشكلة الهوية دفاعًا عن مزاعم التدخلات وتثبيتا لبقاء خصوصيات السيادة دائمة ومستمرة أمام تحديات العولمة التي تقف وراءها قوى ليس لها من الأمر من شيء سوى الحفاظ على مصالحها الشخصية، من أجل ذلك اعتبار خصوصيات السيادة النابعة من الثوابت الكامنة في الأمة منها الهوية وحق المواطنة واللغة والدين والتاريخ ووحدة المصير المشترك هي إحدى الحصون المانعة لبقاء كيان الدولة ومن ثم إثبات سيادتها، ظاهرة مهما تقدم عليها الزمان من حدث ما حدث، إلى ايجاد ميكانزمات جديدة تتكيف مع روح العصر الذي ستعيش فيه وهو ما يسمى اليوم بالسيادة المشتركة والتي باتت في ظلها حياة الدول كعيش للأفراد. [٩]

المصادر

  1. روسو جان جاك، في العقد الاجتماعي أو مبادئ القانون السياسي، ترجمة بولس غانم، اللجنة اللبنانية لترجمة الروافع، بيروت، (1972 م).
  2. روسو جان جاك، في العقد الاجتماعي أو مبادئ القانون السياسي، ترجمة ذوقان قرقوط، دار القلم، دون طبعة، دون سنة، بيروت.
  3. روسو جان جاك، في العقد الاجتماعي أو مبادئ الحقوق السياسية، ترجمة عادل زعيتر، مؤسسة الأبحاث العربية، طبعة (2)، بيروت، (1990 م).
  4. روسو جان جاك، أصل التفاوت بين الناس، ترجمة بولس غانم، الجزائر، (1991 م).
  5. روسو جان جاك، الاعترافات، ترجمة بولس غانم، الأعمال الكاملة، المجلد (1).

المراجع

  1. معجم الفلاسفة، جورج طرابيشي.
  2. https://plato.stanford.edu/index.html
  3. في العقد الاجتماعي عبد العزيز لبيب.
  4. روسو جان جاك، أصل التفاوت بين الناس، ترجمة بولس غانم تقديم عبد العزيز لبيب.
  5. (إميل) جان جاك روسو، أحمد زكي محمد.
  6. محاولة أصل اللغات، جان جاك روسو، ترجمة محمد محجوب.
  7. د. إسماعيل زروخي، دراسات في الفلسفة السياسية، دار الفجر للنشر والتوزيع، القاهرة الطبعة الأولى، (2001 م) ص (217).
  8. التأسيس الفلسفي في فكرة حقوق الانسان عند روسو، نعمون مسعود.
  9. السيادة والمواطنة من منظوره الفلسفي السياسي عند جان جاك روسو، ديلمي فلاق وحفــــــاف لويزة.