ثقافة

من رؤية بيديا
اذهب إلى: تصفح، ابحث

ثقافة | Culture/ culture:

لفظُ الثقافةِ لفظٌ حَمّالُ دلالاتٍ عديدة، كما أنّه يُحيل إلى سِجِلّاٍت معرفيّة مختلفة، لكنْ يمكنُ إرجاعُ مجاله التداوليّ إلى مجالين اثنين، تَرد فيهما الثقافة بمعنيين مختلفين:

  • معنى أكاديميّ: يتحدّر من الإرث الفلسفيّ الأنواريّ، ويستعمل فيه لفظ الثقافة مرادفاً للمعرفة الإنسانيّة في تراكمها التقدّميّ.
  • معنى أنثربولوجيّ: يرجع في منشئه إلى تايلور، الذي يعرّف الثقافة بـ: "ذلك الكلُّ المعقّد الذي يشمل المعارف والمعتقدات والفنون والأخلاق والقوانين والأعراف وسائر القدرات والاستعدادات والعادات التيّ يكتسبها المرء، بوصفه عضواً في المجتمع"

[١] ويحدّدها أ. ل. کروبر في تقابلٍ مع الطبيعة، وذلك بعدها "كلُّ نشاطٍ وكلُّ تظاهرةٍ غير جسديّة من تظاهرات الشخصيّة ونشاطاتها، شرطَ ألّا يكون ذلك غريزيّاً، ولا من فعل الارتكاس الذي يتّم بصورة آليّة"،

الثقافة عند مملثوا النزعة الثقافيّة

وقد ذهب ممثلو الـ نزعة ثقافيّة إلى أنَّ الثقافةَ تستكمل اللاشعور الجمعيّ للأفراد، وتمثّل خلاصةَ التنشئة الاجتماعيّة التي تلقّوها، ومجموع التعليمات والنشاطات التي استبطنوها، فهي بحسب روث بندکتR. Benedict "هذا الكلُّ المعقّد الذي يشمل مجموع العادات التي يكتسبها المرء، بوصفه عضواً في مجتمع ما"، وهذا المعنى نفسه يقوله رالف لنتون Ralph linton إنّ الثقافة: "هي تضافر السلوكات المتعلّمة، وما ينتج عنها من نتائج، وهو تضافرٌ يتقاسم أبناء المجتمع المعيّن عناصره المكوّنة له، ويعملون على نقلها إلى أبنائهم" [٢]

الثقافة في تصور الأنثربولوجيا المعرفيّة

وضدَّ هذا التصور الثقافيّ ترفض الأنثربولوجيا المعرفيّة Anthropologie cognitive النظرَ إلى الثقافة كمحيط متجانس، يسبح فيه أفراد مجتمع ما بصورة لا واعية، أو تتشكّل داخله هويّاتهم الثقافيّة، وأنماط وجودهم وممارساتهم الاجتماعيّة الخاصّة، كما أنّ الثقافة في تصور الأنثربولوجيا المعرفيّة ليست فيصلاً ناجزاً بين الفطريّ والمكتسب، أو بين الوراثيّ والموروث، بل هي نتاجٌ لآليّة الانتخاب الطبيعيّ، وهي مظهر من مظاهر سيرورة تكيّف العضويّة الحيّة مع محيطها الطبيعيّ، يؤكّد إدغار موران Edgar Morin أنّ الثقافة: هي تراث معرفيّ معياريّ ورمزيّ، يمثّل نمط تكيّف الإنسان مع إكراهات المحيط الفيزيائيّ والماديّ، إلا أنّها -مع ذلك -ليست موروثاً، ينتقل عبر الجينات، "بل يرتسم -على العكس من ذلك- في فكر ودماغ الكائنات البشريّة" [٣] [٤]

عناصر الثقافة

يرى بعض العلماء أنّ الثقافة تقسم إلى قسمين رئيسين:

  • عناصر ماديّة: وهي تتضمّن كلّ ما ينتجه الإنسان من مخترعات حسّيّة.
  • عناصر غير ماديّة: تتضمّن الأعراف والعادات والتقاليد والقيم والأخلاق، وهي عناصر سلوكيّة يمارسها الفرد خلال حياته.

ولكن الغالبيّة العظمى ترى أنّ العناصر الثقافيّة ثلاثة، وعلى رأس هؤلاء العلماء رالف لنتون الذي قسّم العناصر الثقافيّة إلى:
- أوّلاً- العموميّات أو العالميّات الثقافيّة: وهي عناصر الثقافة التي تشترك فيها الغالبيّة العظمى من الأمّة (( عموميّات )) أو الغالبيّة العظمى من العالم (( عالميّات )) .. وتشمل هذه العناصر المخترعات الماديّة والممارسات المعنويّة، وهذه العناصر مثل الأفكار العامّة، العادات والتقاليد والنظم، والاستجابات العاطفيّة، والمخترعات التي تخدم الأمّة وتميّزها عن غيرها، وتجعلها متميّزة بأسلوب حياة معيّنة واستعمالات للمخترعات التي بين يديها بطريقة خاصّة بها، فالزواج من حيث المحتوى أو المفهوم يعتبر من العالميّات، أمّا من حيث الشكل والطريقة فيعتبر من العموميّات.
ثانياً- الخصوصيّات أو التخصّصات الثقافيّة: هي العناصر التي يشارك بها بعض الأفراد المجتمع، أو فئة من المجتمع ولكنّ ممارسة تلك الفئة من الناس لهذا النوع من الثقافة يعود بالفائدة دوماً على المجتمع كلّه، ولا يضرّ أحداً، كما أنّه ذو فائدة كبيرة للجماعة .. مثال ذلك: ما يقوم به بعضهم من سلوكيّات أو مهارات أو قدرات تعود بالفائدة على الجميع .. والخصوصيّات أو التخصّصات تقسم إلى عدّة أقسام منها:

  • الخصوصيّات المهنيّة: هي العناصر الثقافيّة التي يمارسها أصحاب مهن معيّنة، دون غيرهم (( كلباس الأطبّاء أو الجنود ..الخ )) أو أسلوب حياة عمّال المناجم، أم طريقة غناء الصيّادين ..الخ .
  • الخصوصيّات الطبقيّة: كتصرّفات ولباس، وطريقة حياة طبقة معيّنة من طبقات المجتمع، أو طريقة حديثهم.
  • الخصوصيّات العقائديّة: يظهر ذلك في ممارسة الأفراد للشعائر الدينيّة أو طريقة الملبس أو المأكل أو اقامة الطقوس الدينيّة المختلفة في المناسبات العامّة.
  • الخصوصيّات العنصريّة: فهناك عادات وقيم وطريقة حياة يوميّة يمارسها جنس معيّن في مجتمع معيّن، ولا يمارسها جنس آخر في المجتمع نفسه، وتعود هذه الممارسة للعنصر الذي انحدر منه هؤلاء الأفراد.

الأنماط الثقافيّة

إنّ العناصر المعياريّة لأيّ ثقافة تأخذ شكل نماذج، تمثّل أنماط السلوك الفرديّ التي يمارسها أعضاء المجتمع. و تعطي هذه الأنماط التماسك والاستمراريّة والشكل المميّز لأسلوب حياة الناس والمتبنّين لها. وللتخطيط الثقافيّ مظهران متكاملان: سلوك ظاهريّ مأخوذ بدلالته المميّزة، وقيم نفسيّة مفهومة ضمناً. إنّ هذه القيم الضمنيّة تؤثّر في الأشكال الظاهريّة الممارسة، والقيم المختلفة تتّضح في أشكال مختلفة، وهذا ما يمكن رؤيته مثلاً من أنماط الزواج بين الأمريكيّين والعرب، فاختيار القرين أو الطرف الآخر يقوم به الأفراد في ثقافة معيّنة، ويفرض من العائلات الأخرى وهكذا. وفي المجتمعات الأوربيّة يعتبر تقديم الأشياء الثمينة خلال الخطبة وفي وقت الزواج ثانويّاً (( وشكليّاً ))، وفي مجتمعات أخرى كالمجتمعات العربيّة يعتبر أساسيّاً ومنظّماً وعادة متّبعة. و مع هذا نتعرّف على الطريقة الصحيحة في كلا المجتمعين ظاهريّاً و(( ضمنيّاً ))، وأكثر من هذا يستطيع أعضاء كلّ من المجتمعين القول: إنّ أنماطهم وطريقتهم في الزواج هي الأصحّ، وهكذا يمكن القول إنّ النمط الثقافيّ هو: " انعكاس العناصر المشتركة على السلوك الفرديّ لهؤلاء الذين يعيشون في الثقافة التي ولدوا في أحضانها.

التغيّر

نقش من القرن 19 يظهر السكّان الأصليين الأستراليّين يعارضون وصول الكاپن جيمس كوك عام 1770.


الكشوفات الحديثة المبكّرة

الرومانسيّة الألمانيّة

دعا يوهان هردر إلى الاهتمام بالثقافات القوميّة.
طور أدولف باستيان النمط العالميّ للثقافة.

الرومانسيّة الإنگليزيّة

الشاعر والنّاقد البريطانيّ ماثيو أرنولد رأى "الثقافة" كزرع للمثل العليا الإنسانيّة.
الأنثروپولوجيّ البريطانيّ إدوارد تايلور كان واحداً من أوائل الدارسين باللّغة الإنگليزيّة الذين استخدموا مصطلح culture بمعناه الشامل العامّ.


علم الإنسان

قالب:Anthropology


علم الاجتماع

الباحثون المبكّرون وتطوّر علم الاجتماع الثقافيّ

الدراسات الثقافيّة

الديناميكا الثقافيّة

الثقافة والحضارة والمدنيّة

نقوش صخريّة في گبوستان، فيما هو اليوم أذربيجان، وتعود إلى سنة 10,000 ق.م. وتدلّ على ثقافة مزدهرة.

لا توجد في الحقيقة حدود فاصلة وحاسمة بين مفهوم الثقافة ومفهومي الحضارة والمدنيّة في اللّغات الأوربيّة الحديثة، فمعانيها متقاربة، وكثيراً ما تستخدم كلمة حضارة بمعنى مدنيّة أو ثقافة وبالعكس. وقد درج الكتّاب والمؤلّفون على استخدام هذه المفاهيم الثلاثة كمترادفات، ولهذا تترجم culture أحياناً بالثقافة أو الحضارة، بينما تترجم civilization بالمدنيّة. إنّ فهم الحضارة في الغرب في القرن الثامن عشر، بأنّها حركة المجتمع ككلّ، التي تشمل الآراء والأعراف الناتجة عن تفاعل الحرف والصناعة مع المعتقدات والآثار الجميلة والعلوم، حيث لا تمييز فيه بين المظاهر المادّيّة والمعنويّة، قد أكسب مفهوم الحضارة أبعاداً جديدة، ميّزته عن المعنى الذي خصّه به ابن خلدون (العمران). ومع ذلك مازال مصطلح الحضارة يستخدم بكثير من عدم الدقّة، ليعبّر تارة عن الثقافة بمعناها الأنثروبولوجيّ، وتارة أخرى عن الانتماء الدينيّ، كأن يقال: الحضارة الإسلاميّة، والحضارة المسيحيّة، والحضارة البوذيّة. وهذا يدلّ على تلازم مفهوميّ الحضارة والثقافة في استيعاب الإنجازات الإنسانيّة الكبرى، ويؤدّي بدوره إلى ضرورة التسليم بوجود علاقة وثيقة بين الثقافة والحضارة، مع افتراض أسبقيّة الأولى زمنيّاًّ على الأخرى؛ لأنّ كليهما إنجاز إنسانيّ يتوقّف أحدهما على الآخر؛ فلا بدّ من ثقافة لوضع التقدّم العلميّ والتقنيّ في مصلحة البشريّة وخدمتها، لا أن يكون على حسابها، ومعيقاً لها، ولهذا تمّ إدراج معظم التعاريف المعطاة لمصطلح الحضارة تحت إحدى المقولتين التاليتين: الأولى تقول بوجود ثقافات قوميّة متعدّدة، وحضارة إنسانيّة واحدة، حيث تتنوّع الثقافات وتتّسع العناصر المكوّنة لها، ومع اتحادها واندماجها وانصهارها في القالب الواحد تصبح حضارة. والثانية تقول بوجود حضارات إنسانيّة عدّة، تصل عند توينبيّ Toynbee إلى نحو عشرين حضارة إنسانيّة، والحضارة في هذه الحال هي ثقافة مجتمع كبير تدوم مدّة طويلة من الزمن. وقد أجاد جورج باستيد في أواسط القرن العشرين رسم خطوط جليّة بين هذه المفاهيم؛ فخصّ كلمة حضارة بالدلالة على الجانب المتحقّق من المطلب الإنسانيّ، في تجربة حياة البشر الاجتماعيّة التاريخيّة، وهو مطلب إبداع إنسانيّة الإنسان، بما تهدف إليه الأخلاق، وقصر كلمة المدنيّة للدلالة على هذا المطلب الأخلاقيّ ذاته، فهي: الجهد الإنسانيّ المشترك الذي يبدع الحضارات، ويحقّق الحضارة العامّة، ويثابر على الاستمرار ماثلاً في مسعى الاستقلال عن أسر الطبيعة وضبط ضروراتها والسيطرة عليها لتحرير الإرادة المبدعة؛ فالمدنيّة هي القيمة العليا والملاذ الوحيد لالتقاء عقول الناس وقلوبهم، على الرغم من تباين عقائدهم وتنوّع ثقافاتهم وتقاليدهم، فهي إذن المثل الأعلى الذي يضطلع بتوحيد النوع البشريّ في مضمار جهد جمعيّ متآزر، غرضه التثاقف acculturation والمعايشة السلميّة والمضيّ في ابتكار مصير إنسانيّ جدير بكرامة الإنسان. أمّا الثقافة فإنّها تدلّ على كلّ معرفة يمكن أن تنقل وتنتقل فتنير الأذهان حول معقوليّة الموضوع (العلم)، أو عمق الهيجانات أو: الانفعالات (الفنّ)، أو أنماط السلوك من حيث غائيّة المصير (الأخلاق والفلسفة، والدِّين)، أو أنّها تتناول جدوى الوسائل (التقنيّة)، وكلّ ثقافة هي عمل مشترك يقتضي أن يثبت في إشارات وأدوات كوسائل تنمية وانتقال، هذا ما أكّده ماكيفر في ربطه بين الثقافة أو الحضارة والغايات، وجعل المدنيّة خاصّة بالوسائل، بينما جعل النظام التقنيّ ضمن إطار النظام الثقافيّ للمعاني والقيم، ومع ذلك لن نعدم الكتب والمؤلّفين الذين يكتبون culture بمعنى ثقافة فقط، أو بمعنى حضارة، وcivilization بمعنى مدنيّة فقط، أو حضارة بشكل عامّ.

هوامش

مصادر

  1. IB.Taylor, primitive culture, 1871
  2. (جاك لومبار، مدخل إلى الإثنولوجيا، الترجمة العربيّة، ط1، 1997)
  3. E. Morin, la vie de la vice, seuilp 245
  4. موسوعة المفاهيم الأساسيّة في العلوم الإنسانيّة والفلسفيّة، عربيّ، إنكليزيّ، فرنسيّ، المؤلّف محمّد سبيلا، ونوح الهرمونيّ، الطبعة الأولى 2017، منشورات المتوسّط ميلانو إيطاليا، بالتعاون مع المركز العلميّ العربيّ للأبحاث والدراسات الإنسانيّة، الرباط