تحليل سياسي

من رؤية بيديا
اذهب إلى: تصفح، ابحث

التحليل السياسيّ political analysis هو عمليّة البحث في الاحتمالات الممكنة لمسارات التفاعلات بين القوى السياسيّة في المجتمع وتفسير علميّ واضح لنوع العلاقات بين هذه القوى السياسيّة الداخليّة والخارجيّة.

وهو أيضاً الطريقة التي نحكم بها على الظواهر والأحداث السياسيّة محلّيّاً وإقليميّاً وعالميّاً، ولذلك فهو يحتاج إلى فهم الواقع السياسيّ للبلد، وعلاقة هذا الواقع السياسيّ بالسياسة الدوليّة.

والتحليل السياسيّ ليس شرحاً للأوضاع فقط، وإنّما هو فهم وإدراك لما يحدث، ومعرفة الأسباب والدوافع لما حدث وسيحدث في المستقبل، للوصول الى رأي يساعد في صنع قرار لحلّ مشكلة أو ظاهرة لها شأن سياسيّ في المجتمع.[١]

مسارات التحليل السياسيّ

يتضمّن التحليل السياسيّ ثلاث مسارات أساسيّة يجيب كلّ واحد منها عن سؤال رئيس لا يمكن تصور تحليل سياسيّ لا يجيب عنهما:

  • الشقّ الأوّل: هو فهم مسار الأحداث فهماً دقيقاً، وهو يجيب عن السؤال الأوّل: ماذا حدث؟

ونقصد بالفهم الدقيق هنا سبر أغوار الحدث السياسيّ، وعدم الوقوف عند حدّ المعرفة السطحيّة، فقد يحتمل الحدث السياسيّ أكثر من معنى، وقد يكون ظاهره شيئاً غير باطنه، وهكذا.. ومسار الحدث ليس المقصود به اللحظة الراهنة للحدث، أو صورته الأخيرة الظاهرة فقط، بل المقصود به المعرفة والإلمام بالجزء التاريخيّ، والوقائع الراهنة ذات الارتباط، بالإضافة إلى إدراك طبيعة الشخصيّات والدول الفاعلة ذات الصلة بالحدث، أو الظاهرة محلّ الدراسة أو التحليل.

  • الثاني: هو إدراك الأسباب الدافعة لهذا الحدث، ويجيب عن السؤال الثاني: لماذا حدث؟

وهنا لا يقف المحلّل عند مجرّد الدوافع الظاهرة البادية فقط، بل يعتني بها بداية، ثمّ يذهب يبحث عن الأسباب الأخرى الخفيّة التي ربّما لا يدركها غير المتخصّصين والعارفين بأصول التحليل السياسيّ.

  • الثالث: هو الوقوف على المآلات المحتملة للأحداث.

جوهر التحليل السياسيّ على الاستشراف والقدرة على رسم سيناريوهات محتملة تنبّه صانع القرار السياسيّ إليها لاتخاذ التدابير اللازمة لمواجهتها. فالإدراك مرحلة تفوق مرحلة العلم والمعرفة، كون مرحلة الإدراك تفيد الإحاطة والشمول بكافّة الأسباب والدوافع الممكنة والمحتملة وعدم الركون إلى بعضها فقط.

آليّات التحليل السياسيّ

فيما يتعلّق بآليّات التحليل السياسيّ، فقد قسّمها العديد من المفكّرين إلى الأقسام والمراحل التالية:

  • 1ـ تحديد القضيّة وتعريفها:

فلا تحليل من دون تحديد القضيّة، والقضيّة في التحليل السياسيّ يجب أن تكون واضحة مشخّصة، وليست ضبابيّة هلاميّة.

  • 2ـ تحصيل الأخبار السياسيّة المتعلّقة بالقضيّة:

فالمحلّل السياسيّ يهتمّ بالخبر السياسيّ أيّما اهتمام، يفتّش عنه، ويتتبّع مصادره، ويفكّك عناصره الأساسيّة، ويستطلع المزيد في خصوصه، ويسبر دلالاته، ويدرك أنّ قيمة الخبر السياسيّ لا تعتمد على مدى الطول والقصر، بل بمقدار ما يحمل من معلومات.

  • 3ـ توظيف المعلومات لخدمة التحليل:

وبعد حصول المحلّل على معلومة ممحّصة إلى حدّ يمكّن من الاعتماد عليها، تأتي مرحلة أدقّ وأعقد، وهي توظيف تلك المعلومات، وحسن ربطها في منظومة تكون صورة قريبة من الواقع، بحيث تفسّر الحدث ودوافعه، وتعطى الأدلّة والبراهين العلميّة والموضوعيّة على مصداقيّة هذه النتائج والمخرجات التي توصّل إليها المحلّل.[٢]


أدوات التحليل السياسيّ تتضمّن:

  • أوّلاً: الخبرة التاريخيّة والمعلومات السابقة عن الموضوع المطروح للتحليل.
  • ثانياً: المعلومات الحاليّة مثل أقوال المسؤولين – المفكّرين – صانعي الأحداث – الأخبار الموثّقة المتداولة في وسائل الإعلام إذاعة – صحافة – تليفزيون – إنترنت … الخ
  • ثالثاً: المصالح التي تربط القوى المتفاعلة ومدى تأثيرها في شكل العلاقة.
  • رابعاً: المعلومات الخاصّة التي يمكن أن يحصل عليها كاتب التحليل السياسيّ بحكم موقعة أو اتصالاته أو بحثه، وكذلك مدى عمق خبرته في المجال الذي يكتب فيه.[٣]

عشر قواعد في التحليل السياسيّ

بعد هذا نتساءل: كم سيكون معنا من المحلّلين والخبراء الاستراتيجيّين في نشرات الأخبار والبرامج الحواريّة؟

  • القاعدة الأولى: احترم التخصّص والخبرة التي تملكها، وهذا يتطلّب منك إلّا تتحّدث إلّا فيما تجيد، فلكلّ قضيّة سياسيّة موضوع رئيس، وتشعّبات تحتاج مع الاستعداد إلى إدراك أبجديّاتها العلميّة ومفاهيمها في التطبيقات السياسيّة.
  • القاعدة الثانية: لا تبني تحليلك السياسيّ على مقدرتك البلاغيّة وحدها، تأكّد أنّ مهارتك اللّغويّة مهما كانت فريدة ستخذلك حين يتطلّب الموقف تلخيصاً محدّداً لحدث أو تقديم رؤية محدّدة الأركان.
  • القاعدة الثالثة: تذكّر أنّ المعلومات الحصريّة والمصادر الخاصّة هي أغلى ما يملك المحلّل السياسيّ، وهي سلعته الثمينة في مهنته، لا يكفي أن

تعيد تدوير ما يقرؤه الناس دون إضافاتك من مخزنك المعلوماتيّ الخاصّ الذي اكتسبته من مصداقيّتك مع المؤثّرين ووسط الجماهير.

  • القاعدة الرابعة: تنبّه جيّداً حتّى لا تستهويك شهوة الميكرفون، فتدّعي شيئاً غير حقيقيّ، سواء كانت المغامرة بمعلومة، أو التلميح إلى توجّه

سياسيّ معيّن.

  • القاعدة الخامسة: عزّز التحليل السياسيّ بالأرقام والوقائع واربط بين الأحداث ونظّم أفكارك حتّى تصل مضامينها لمتابعيك مكتملة وثريّة،

موقناً أنّك (وسط) عصر المعلومات ومجتمع المعرفة.

  • القاعدة السادسة: اعتمد اللّغة الهادئة والعبارات الرصينة دون رتابة أو إملال، واحترم محاوريك والمشاركين معك، واعلم أنّ الصراخ والشتيمة في وجه معارضيك (انفعال) لا علاقة له بالتحليل السياسيّ ولن يكسبك إلّا جماهير المصارعة الحرّة، وهؤلاء لا يصنعون نجماً ولا يحافظون على من صنعه الغضب نجماً.
  • القاعدة السابعة: كن على يقين أنّ الأزمات السياسيّة هي جزء من صراع الإرادات السياسيّة في عالم اليوم، فلا تظنّ أنّ حماستك غير المرشدة

ستكسر إرادة خصم، أو تغيّر مجريات قضيّة. ومن هنا عليك أن تفرّق بين التحليل السياسيّ أمام الجماهير، والمشورة السياسيّة الوطنيّة التي قد تبادر بها أو تقدّمها بناء على طلب.

  • القاعدة الثامنة: اعلم أنّ المحلّل السياسيّ الناجح هو في الحقيقة قارئ ثاقب النظر، ومتابع حصيف. ومن هنا فالنجاح في تحليل الأحداث السياسيّة لن يتأتّى إلّا برصيد كبير من المعرفة وبعد النظر.
  • القاعدة التاسعة: تذكّر أنّ السياسة تعني" فنّ الممكن" وهذا يعني إلّا مستحيل في السياسة، فلا تجازف بالأحكام القطعيّة مدركاً أنّ التحليل

السياسيّ في مجمله هو فنّ استشراف المآلات، وتوقّع الاحتمالات.

  • القاعدة العاشرة: اعلم أنَّ الظهور المتكرّر محرقة إعلاميّة علنيّة، فلا تكن مكثاراً ثرثاراً تتنقل بذات البضاعة من محطّة تلفزيونيّة إلى أخرى،

ومن ندوة جماهيريّة إلى ملتقى. إذا لم تتنبه فسيأتي عليك يوم وستسمع بأذنك عبارة فلان احترق.[٤]

الحاجة للتحليل سياسيّ

يثير وجود التجمّع الإنسانيّ في صيغة المجتمع قضيّتين:

  • الأولى وتتحدّد بالسؤال التالي: كيف يمكن حلّ الصراعات الناتجة عن وضعيّة التجمّع؟
  • والثانية وتتحدّد في السؤال كيف يمكن المحافظة على التجمّع واستمرار بقائه؟

لقد قدّم المتخصّصون في علم السياسيّة والاجتماع عدّة نظريات تقترح تفسيراً للإجابة عن هذين السؤالين.

التحليل المؤسّسيّ القانونيّ

هو أوّل مناهج التحليل وأقدمها، حيث يركّز فقط على دراسة المؤسّسات السياسيّة من حيث هيكلها وطريقة عملها والقواعد التي تنظّمها وأبعادها القانونيّة، ومن ثمّ، فإنّ هذا المنهج ينصبّ اهتمامه على الجوانب الشكليّة للظاهرة السياسيّة؛ أي تلك الجوانب المعروفة مسبقة، التي قد لا تكون هي السبب الأساس في حدوث الظواهر أو تطوّرها، لكن يظلّ هذا الجانب غاية في الأهمّيّة، لأنّه يساعد في فهم الأسس والقواعد التي تنطلق منها الحركة السياسيّة.
ويساعد كذلك في فهم أسس تلك الحركة ومدى شرعيّتها، إذ إنّ محاولة فهم أو تفسیر قرار سیاسيّ معيّن في دولة معيّنة يستلزم بداية فهم المؤسّسة أو المؤسّسات التي تصنع القرار، أو تشارك في صنع القرار من حيث تقديم المعلومات واقتراح البدائل وغيرها، كذلك يستوجب لفهم هذا القرار أن تفهم من الذي اتّخذ القرار، وموقعه في إطار البنية القانونيّة للدولة.

منهج النخبة

هو منهج قديم أيضاً، يركّز على دراسة النخبة السياسيّة الحاكمة؛ أيّ تلك المجموعة من الأفراد التي تمارس الحكم بصورة مباشرة، أو تؤثّر فيمن يمارسه، وذلك من خلال دراسة خلفيّاتهم، وأصولهم وتعليمهم ووظائفهم واهتماماتهم وانتماءاتهم الإيديولوجيّة أو العرقيّة أو الطائفيّة أو الحزبيّة، وعلاقاتهم بعضهم ببعض، والقوى التي تؤثّر فيهم سواء كانت تلك القوى داخليّة أم خارجيّة، وعلاقاتهم بالمجتمع... إلخ، تلك الأبعاد كلّها يعتبرها أصحاب هذا المنهج أساسيّة لفهم العمليّة السياسيّة، لأنّ تلك العمليّة في رأيهم ليست سوى نتاج لهذه النخبة، ومن ثمّ فإنّ فهم النخبة السياسيّة الحاكمة يساعد في فهم وتفسير العمليّة السياسيّة برمّتها.

على الرغم من أهميّة هذا المنهج إلّا أنّه ليس كافياً، لأنّه قد تكون النخبة السياسيّة ليست سوى واجهة لقوى تقف خلف الكواليس، هي التي تصنع القرار، وتحدد السياسة وتقود الدولة، إذ إنّ دراسة النخبة السياسيّة في العالم العربيّ لا تساعد كثيراً في الفهم الدقيق، لأنّ معظم السياسات العربيّة تحدّدها قوی دوليّة، سواء كانت حكومات أجنبيّة أو مؤسّسات دوليّة، مثل المصرف (البنك) الدوليّ وصندوق النقد الدوليّ.
كذلك، فإنّ الدول التي پوجد فيها جيش قويّ لا يصلح لدراستها استخدام هذا المنهج، لأنّ الفاعلين السياسيّين الحقيقيّين لا يعرفهم أحد، مثل حال تركيا قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، وحال الجزائر، وحال باكستان، وغيرها. وتزداد الصعوبة شدّة في حال الدول التي تحكمها نظم عائليّة أو طائفيّة أو دينيّة مغلقة، لكن يظلّ هذا المنهج مفيداً لأنّه يساعد في فهم جزء أساسيّ في العمليّة السياسيّة، ومن دونه لا يستطيع الباحث دراسة الواقع السياسيّ دراسة صائبة، لأنّ النخبة هي أهمّ مكوّنات العمليّة السياسيّة؛ لأنّها هي الأداة أو الوسيط الذي تتمّ من خلاله ترجمة الضغط والمصالح والاهتمامات إلى سياسات وقرارات.

منهج تحليل الجماعات

ينطلق هذا المنهج من اعتبار أنّ النظام السياسيّ يتكوّن من مجموعة من الجماعات المتنافسة المتصارعة بحيث تكون العمليّة السياسيّة نتيجة هذا الصراع والتنافس، ومن ثمّ، فإنّ فهم هذه الجماعات يعتبر المقدّمة الضروريّة لفهم العمليّة السياسيّة.
وقد تكون هذه الجماعات عبارة عن أحزاب أو نقابات أو اتحادات أو تجمّعات رجال أعمال أو جماعات عرقيّة أو دينيّة أو إيديولوجيّة. وعلى الرغم من أنّ هذا المنهج تقليديّ قديم، إلّا أنّه يعتبر منهجاً مناسباً لفهم بعض النظم السياسيّة المعاصرة، فالنظام السياسيّ الأمريكيّ لا يمكن فهمه إلّا من خلال هذا المنهج، ذلك لأنّه بغضّ النظر عن الأحزاب الموجودة والمؤسّسات التي تدير الدولة، والانتخابات التي تشغل العالم، إلّا أنّ الواقع السياسيّ يقول إنّ هناك مجموعة من الجماعات المنظّمة هي التي تحدّد السياسة العامّة للدولة الأمريكيّة داخليّاً وخارجيّاً. وهذه الجماعات هي التي تتحكّم بالمرشّحين من خلال تمويلهم، وتتحكّم بسلوك السياسيّين من خلال سيطرتها على وسائل الإعلام، وتتحكّم بالسياسة الخارجيّة للدولة من خلال ضغطها الذي تمارسه على صانع القرار، سواء كان في البيت الأبيض أو في الكونغرس، وهنا ينبغي ألّا يتبادر إلى الذهن أنّنا نتحدّث فقط عن اللّوبي الصهيونيّ، ذلك لأنّه مجرّد واحد فقط من هذه الجماعات التي تمارس الضغط في كلّ ما يتعلّق بالسياسة الخارجيّة تجاه الشرق الأوسط، وهناك أمثلة كثيرة مثل جماعات المعارضة الكوبيّة أو اللّوبي الهنديّ أو جماعات الضغط المتخصّصة.
لكنّ الجماعات الأساسيّة بالمركب الصناعيّ العسكريّ؛ أيّ مجموعة الشركات الصناعيّة العسكريّة، وهو واحد من أخطر هذه الجماعات على الإطلاق، وظهر أخيراً اليمين المسيحيّ والكنيسة والمحافظون الجدد... إلخ، تلك الجماعات كلّها هي الفاعل الحقيقيّ في السياسة الأمريكيّة، وما الأحزاب والمؤسّسات إلّا واجهة في بعض الأحيان، وأداة في أحيان أخرى.

منهج النظم

يقوم هذا المنهج على فكرة بسيطة مستعارة من علم الميكانيكا، ثمّ علم البيولوجيا؛ وهي أنّ النظام السياسيّ، مثل أيّ نظام، له مدخلات أو مواد خام، يخرج منها شيء جديد بعد أن يكون قد أنتجها في صورة معيّنة تماماً مثل أيّ آلةٍ (ماكينة)، ولذلك يجب النظر في ثلاثة أمور، وهي المدخلات؛ أي المطالب التي تأتي للنظام السياسيّ من المجتمع الداخليّ، أو العالم الخارجيّ، وسواء كانت هذه المطالب مصحوبة بضغط وتهديد أو مصحوبة بتأييد ومساندة، فإنّ النظام السياسيّ يستلم العديد من المطالب يوميّاً، وفي كلّ ساعة، ثمّ يقوم بعمليّة دراسيّة وتقویم لها، فيختار من بينها ما يتبنّاه ويصدره في صورة قرارات وسياسات، ولذلك -حتّى نفهم العمليّة السياسيّة- لا بدّ من أن نفهم هذه العمليّات الجزئيّة الثلاث؛ وهي المدخلات والتحويل والمخرجات.
وقرار دولة من الدول بتغيير مناهج التعليم، أو إنشاء جمعيّات حقوق إنسان لم يأت من فراغ، وإنّما كان نتيجة مجموعة من المطالب جاءت للنظام السياسيّ، فقام النظام بدراستها والتعامل معها، ثمّ أصدر قراره فيها، وهذا المنهج يعتبر من أكثر المناهج انتشاراً، نظراً إلى سهولة استخدامه وواقعيّته وشموله للمناهج الأخرى، التي سبقت الإشارة إليها.


منهج صنع القرار

هو واحد من أهمّ المناهج في دراسة السياسة الخارجيّة والعلاقات الدوليّة، لكنّه أيضاً يستخدم في دراسة السياسة الداخليّة، ويهتمّ هذا المنهج بالطريقة التي يتمّ بها صنع القرارات السياسيّة، ابتداء من بروز مشكلة تستوجب أن تتمّ معالجتها والتعامل معها، مروراً بعمليّة جمع المعلومات عن المشكلة التي سوف يتمّ اتخاذ القرار بخصوصها، ثمّ عرض البدائل المختلفة لمواجهة هذه المشكلة، والحلول المناسبة لها، ثمّ وزن كلّ حلّ من الحلول أو بديل من البدائل وتحديد إيجابيّاته وسلبيّاته أو الفوائد والمضارّ المتعلّقة بكلّ بديل، وأخيراً اختيار البديل الذي يحقّق أكثر المصالح، وأقلّ المضارّ، أو المفاسد، وهذا المنهج أيضاً هو منهج عمليّ، لكنّه جزئيّ يتعلّق بالقرارات والمشكلات، ولا يساعد في فهم كيف تعمل المؤسّسات، أو كيف يمكن فهم التوجّهات العامّة للدولة.

المنهج الإحصائيّ الكمّيّ

يعتمد هذا المنهج أساساً على المعلومات الرقميّة المتعلّقة بأيّ ظاهرة من الظواهر، ثمّ يقوم بتحليلها، والخلوص إلى نتائج محدّدة، ويتعامل هذا المنهج مع الأرقام والبيانات والإحصائيّات بغضّ النظر عن مدى تعبيرها عن الحقيقة، كأن يقيس مستوى التنمية في دولة من الدول بالدخل الفرديّ الذي هو متوسّط عامّ لأعلى الدخول، وأقلّ الدخول، وهنا قد يكون مضلّة، لأنّ هناك دولاً يمتلك فيها 80 بالمائة من الثروة 10 بالمائة من الشعب، والعكس صحيح، ومن ثمّ يكون المتوسّط العامّ للدخل تضليلاً كاملاً، وأحياناً يركّز هذا المنهج على قضايا قد لا تكون هي الأهمّ، مثل عدد المدارس بغضّ النظر عن نوعيّة التعليم، وعدد المستشفيات بغضّ النظر عن مدى تقدّم الطبّ والعلاج، وعدد الصحف بغضّ النظر عن محتواها... إلخ، لكن في كلّ الأحوال، فإنّ هذا المنهج يقدّم مادّة خاماً يجب عدم الوقوف عندها فحسب، وإنّما يجب الغوص في ما وراءها، واستخدامها في سياقها، واعتبارها مجرّد أدلّة ومؤشّرات على بعض من الواقع، وليس كلّه، تلك هي طائفة من أهمّ المناهج التي يستخدمها باحثو العلوم السياسيّة في فهم الواقع وتحليل ظواهره، لكن يجب تأكيد أنّ هناك العديد من المناهج الأكثر تعقيداً وعمقاً، التي لا يحتاجها إلّا المتخصّص في العلوم السياسيّة تخصّصاً دقيقاً.

كيف نفهم الواقع السياسيّ المعاصر؟

بداية لا بدّ من أن نؤكّد أنّ العالم الواقعيّ المحيط بنا غاية في التعقيد، بل إنّ الإنسان في ذاته كائن معقّد التركيب يصعب الإبحار في عقله لفهم دوافع سلوكه ومحدّداته، ومن ثمّ فإنّ محاولة فهم الواقع فهماّ سياسيّاً تستوجب الإقرار بأنّنا لن نستطيع الوصول إلى الحقيقة كاملة، ولن نستطيع الادّعاء بأنّنا قد قلنا القول الفصل في أيّ موضوع من الموضوعات، أو أيّ قضيّة من القضايا. لفهم الواقع السياسيّ أو أيّ من ظواهره، يجب في البداية تقديم مجموعة من الأسس العامّة، ثمّ تنطلق للتركيز على حال محدّدة تتّخذها نموذجاً للإجابة عن هذا السؤال المتعلّق بكيفيّة فهم الواقع السياسيّ المعاصر، وأهمّ هذه الأسس العامّة لفهم الواقع ما يأتي:

الأساس الأول : فهم الإطار الزمني

  • - ضرورة ربط أيّ ظاهرة واقعيّة نريد فهمها وتحليلها بالإطار الزمانيّ الذي وجدت فيه هذه الظاهرة، ففهم أزمة جنوب السودان يستلزم الإلمام بالتطوّر التاريخيّ لهذه الأزمة، وبذورها الأولى و كيف نشأت، وفي أيّ ظروف تطوّرت...

الأساس الثاني : فهم الإطار المكاني

  • - ضرورة وضع الظاهرة موضع البحث في إطارها المكانيّ؛ أيّ تحديد البيئة المكانيّة للظاهرة، وتحديد تشابكات هذه الظاهرة في هذا الإطار المكانيّ؛ والبيئة المكانيّة ليست مفهومة جغرافيّة جامدة، فمثلاً دراسة حزب الله» في جنوب لبنان وحربه مع الكيان الصهيونيّ تستلزم الإلمام ببيئته المكانيّة التي تشمل سوريّة وإيران، بالإضافة إلى البيئة اللبنانيّة. كذلك، فإنّ البيئة المكانيّة لأيّ موضوع يتعلّق بالصراع العربيّ - الإسرائيليّ تكون مشتملة على الولايات المتّحدة وبعض دول غرب أوروبّا.

الأساس الثالث: فهم التداخلات كاملة

  • ۔ ضرورة الإلمام بالتداخلات الموضوعيّة للظاهرة، فأزمة العنف السياسيّ في العالم العربيّ الآن ليست قضيّة إرهاب أو تطرّف دینيّ فحسب، بل إنّها قضيّة تتداخل فيها مجالات الاقتصاد والتعليم والسياسة والقانون والدِّين؛ أي إنّها ظاهرة تتداخل فيها مجالات الاقتصاد والتعليم والسياسة والقانون وعلم أصول الفقه وعلم التفسير وعلم الحدیث... إلخ، أيّ إنّها ظاهرة تتداخل في تشكيلها علوم مختلفة، ولهذا لا بدّ من تحديد الأوزان النسبيّة لهذه التداخلات الموضوعيّة، ومن ثمّ دراستها دراسة معمّقة معزولة حول الموضوع السياسيّ

الأساس الرابع : البحث فيما وراء الظاهرة

  • - ضرورة الإلمام بعالم غیب الظاهرة، لأنّ لكلّ ظاهرة عالم غيب خاصّاً بها، أو ماوراءها؛ بمعنى أنّ هناك العديد من الأبعاد الكامنة غير المرئيّة في هذه الظاهرة، التي لا يكفي الوصول إليها بسهولة لأنّها تشكّل عالم الغيب الخاصّ بها، الكامن وراءها، فمثلاً عالم الغيب الخاصّ بالأزمة الكرديّة، هو كلّ ما يتعلّق بمفهوم القوميّة وعلاقته بالرابطة العقديّة أو الرابطة الإسلاميّة، وعالم الغيب الخاصّ بقضيّة التنمية والتخلّف، هو كلّ ما يتعلّق بمفهوم استخلاف الله للإنسان في الأرض، وعالم الغيب الخاصّ بالأزمة الفلسطينيّة هو مفهوم السموّ العرقيّ، ورسالة العالم المتحضّر، وهكذا، فإنّ لكلّ ظاهرة عالمَ غيبٍ خاصّاً بها، يمثّل المفتاح الذي من خلاله يتمّ الدخول إلى هذه الظاهرة وإلى مرکزها وإلى جوهرها وحقيقتها مباشرة من أقرب الأبواب، ومن أقرب الطرق.

الأساس الخامس: فهم البيئة الداخلية والبيئة الخارجية للظاهرة

  • - ضرورة الإلمام بجدليّة الداخليّ والخارجيّ، لأنّه لا توجد أيّ ظاهرة من الظواهر السياسيّة في الواقع المعاصر، لا يتداخل فيها الداخل مع الخارج، حتّى وإن تعلّق الأمر بقضايا سياسيّة على مستوى محلّيّ ضيّق، والخارج موجود في كلّ الجزئيّات، حاضر سواء بصورة واعية أو غير واعية، متعمّدة أو تلقائيّة.

الأساس السادس :ملاحظة الإطار الخاص والإطار العام

  • - ضرورة الإلمام بجدليّة الخاصّ والعامّ؛ أي إنّ في كلّ ظاهرة سياسيّة مكوّنة شخصيّة خاصّة تتعلّق بالأطراف المتصارعة فيها أو حولها، ومن ثمّ لا يمكن الفصل بين الخاصّ والعامّ، أو بين العنصر الإنسانيّ والعنصر الاجتماعيّ، أو بين الفرد والدولة، الدولة يعبّر عنها فرد، والسياسة يقرّرها في النهاية فرد، لكن يجب عدم الوقوع في فخّ شخصيّة الأحداث، أو الإخلال بالأوزان النسبيّة للعناصر المكوّنة لأيّ ظاهرة من الظواهر، إذ قد يكون للعنصر الشخصيّ مجرّد نسبة ضئيلة في بعض الأحيان، وقد يكون جزءاً أصيلاً فيها في أحيان أخرى.
  • حتّى تكتمل الإجابة عن هذا السؤال المتعلّق بكيفيّة فهم الواقع، سنضرب مثلاً واحداً من أهمّ الموضوعات المطروحة بقوّة على الساحة العربيّة والإسلاميّة المعاصرة؛ وهو موضوع الإصلاح السياسيّ، وسنرى من خلال مقاربة هذا الموضوع كيف يمكن الوصول إلى فهم أفضل لظاهرة واقعيّة معاشة، وذلك من خلال التركيز على المفاصل الموضوعيّة الآتية:

هوامش

مصادر

  1. مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجيّة: [١]
  2. مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجيّة: [٢]
  3. مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجيّة : [٣]
  4. موقع قناة العربيّة : [٤]