القرآن

من رؤية بيديا
(بالتحويل من القرآن الكريم)
اذهب إلى: تصفح، ابحث

القرآن الكريم هو كلام الله سبحانه المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، هداية للبشر ورسالة للعالمين، وهو الكتاب الأقدس عند المسلمين، وله مجموعة من الخصائص التي يتميز بها، كما نشأت لدراسته وتفسيره وخدمته مجموعة من العلوم التي ما زالت تتطور منذ زمن السلف حتى يومنا هذا. يتضمن هذا المبحث تعريفا بالقرآن الكريم وخصائصه ونزوله وجمعه وإعجازه، وأهم علومه، ورسالته إلى العالم، وأسلوبه في الدعوة.

القرآن

محتويات

تعريف القرآن

القرآن لغة

سمى الله عز وجل الكتاب الذي نزله على نبيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (القرآن)، قال الله تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ} [البروج:21] وقال: {طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} [طه: 1-2]، وكلمة القرآن مصدر مرادف للقراءة، ثم نقل من معناه اللغوي إلى معناه الاصطلاحي الدال على الكلام المعجز المنزل على النبي صلّى الله عليه وسلّم. وقال آخرون: القرآن اسم غير مشتق من شيء، وهو اسم خاص بكلام الله، مثل التوراة والإنجيل، وروي هذا الرأي عن الشافعي، وقال البيهقي: كان الشافعي يهمز «قرأت» ولا يهمز القرآن ويقول: هو اسم لكتاب الله. وذهب الأشعري إلى أنه مشتق من قرنت الشيء بالشيء إذا ضممته إليه، وسمي القرآن بذلك لأن السور والآيات مجموعة فيه .

وقد تعددت تأويلات كلمة القرآن عند علماء العربية للأصل اللغوي الذي تعود إليه هذه الكلمة نتيجة لعدم شيوعها في لغة العرب، ولكن الأرجح عندهم أنه مصدر بمعنى القراءة.

القرآن اصطلاحا

هو كلام الله تعالى المعجز المنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم المكتوب في المصاحف المنقول بالتواتر المتعبد بتلاوته.

أسماء القرآن

للقرآن أسماء عدة وصفات كثيرة، من أسمائه التي سماه الله بها في القرآن: الكتاب والقرآن والكلام والنور والهدى والرحمة والفرقان والشفاء والموعظة والذكر والحكمة والصراط المستقيم وأحسن الحديث والتنزيل والبيان والتذكرة والعروة الوثقى والبلاغ والأمر، وقد بالغ بعض العلماء في التسميات حتى أوصلها بعضهم إلى نيف وتسعين اسما، ويبدو أنهم لم يفرقوا بين الأسماء والصفات، واعتبروا كل لفظة وردت في إطار الدلالة على القرآن من أسماء القرآن، وهذا أمر مبالغ فيه.

أسماء القرآن الكريم

القرآن: ورد هذا الاسم في القرآن نحو 70 مرة منها {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر 17].

الفرقان: وسمي بذلك لتفرقته بين الحق والباطل قال الله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1].

الكتاب: كما في قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة:2].

الذكر: قال الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل:44].

النور: قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [النساء: 174].

الحق: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} [الأنعام:66].

وأسماء القرآن بمجموعها تعطي صورة للمسلم عما ينبغي أن يستفيده من القرآن، فهو نور وحق وذكر وموعظة وهدى وحكمة.

صفات القرآن الكريم

للقرآن صفات كثيرة وردت في القرآن الكريم، منها:

كونه هدى وبينات: قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة:185].

من صفاته الهداية للتي هي أقوم وتبشيره للمؤمنين: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء:9].

سمعته الجن ووصفته بالعجابة والهداية للرشد، أخبر القرآن بأنهم قالوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ} [الجن: 1-2].

نزول القرآن

القرآن كلام الله نزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل الأمين، ادعى بعض كفار العرب أنه من كلام محمد أو أنه تلقاه من بعض الرهبان العجم فنقض القرآن دعوتهم وتحداهم أن يأتي أحد بمثله، قال الله تعالى في نقض نسبته إلى بعض الرهبان: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل:103].

وقال في تحديهم: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (37) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [يونس:37-38]، فأثبت لهم أنه منزل من الله على نبيه.

تناول القرآن الكريم قضية نزوله على النبي صلى الله عليه وسلم من زوايا متعددة، منها إثبات نزوله من عند الله، وواسطة النزول وزمن نزوله.

الوحي واسطة نزول القرآن

نزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة الوحي، وهو: ما يلقي الله إلى أنبيائه ورسله ما يريد أن يعلموه من المعارف الدينية. ويكون على أنواع حسبما دل عليه قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى:51]، والوحي في هذه الآية بمعنى الإلهام، وقد كانت وسيلة نزول القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم هي الطريقة الثالثة المذكورة في الآية، وهي إرسال جبريل بالقرآن بطريقة غيبية لا يعلمها إلا الله، ولكن آثار الوحي كانت تظهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أخبر عن ذلك صحابته، قال الله عن ذلك: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [البقرة:97]، وقال: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 192-195]. وقد نسب بعض الطاعنين الوحي إلى الهيستيريا، ورده أهل العلم بأن الهستيريا تكون مصحوبة بأنواع من الاضطراب والصياح وهذيان وهو ما لم يحصل للنبي صلى الله عليه وسلم، كما أن الهاذي يذهل عن نفسه ولا يذكر ما يصيبه في صرعته، ولا يأتي بكلام غاية في الدقة والجمال والحكمة والإعجاز الذي كان يزول عنه الوحي وقد حفظ ما ألقي عليه، فيستدعي أصحابه ويأمرهم بتدوينه.

تفريق نزول القرآن

نزل القرآن مفرقا في مدة تزيد على عشرين سنة رافق فيها أحداث الدعوة الإسلامية من مبتدئها حتى منتهاها، وقد كان لذلك التفريق حكم وأسرار، منها تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم والتدرج في الأحكام وتربية الأمة، والإجابة على أسئلة السائلين، وتيسير حفظه على المسلمين. أشار القرآن إلى هذه الخصيصة فقال: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} أي: شيئا فشيئا. كما ذكر أن أول نزول له كان في ليلة القدر: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1] قال السعدي: وذلك أن الله تعالى ابتدأ بإنزاله في رمضان في ليلة القدر، ورحم الله بها العباد رحمة عامة.

أول ما نزل من القرآن وآخر ما نزل

اهتم العلماء بتاريخ نزول الآيات وأسباب نزولها لمعرفة الناسخ من المنسوخ والسابق من اللاحق لضبط تفسير القرآن واستنباط الأحكام والعبر منه، وانطلاقا من أهمية ذلك اهتموا بأول ما نزل منه وآخر ما نزل. وأكد جمهور العلماء أن أول ما نزل من القرآن مطلع سورة العلق { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}، عن عائشة رضي الله عنهاقالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يأتي حراء، فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة رضي الله عنها، فتزوده لمثلها، حتى فجأه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه، فقال: اقرأ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فغطني الثانية، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق، حتى بلغ «ما لم يعلم» فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترتجف بوادره ... ». وأخرج الحاكم في المستدرك والبيهقي في الدلائل وصححاه عن عائشة، قالت: «أول سورة نزلت من القرآن اقرأ باسم ربك». وأما آخر ما نزل فإن أرجح الروايات الواردة في ذلك تقول بأن قوله تعالى: { وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة:282]روى ابن حاتم عن سعيد بن جبير قال: آخر ما نزل من القرآن كله: {وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} وعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية تسع ليال.

سور القرآن وأجزاؤه

يتكون القرآن من 114 سورة وتتكون كل سورة من آيات، أول سورة في القرآن هي (الفاتحة)، وآخر سورة فيه هي (الناس). وتتوزع سور القرآن على ثلاثين جزءا تتساوى في الحجم إلى حد ما، ويقسم كل جزء منها إلى أربعة أحزاب. وتم ترتيب القرآن بوحي من جبريل وتعليم من النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، وضمانا لدقة ترتيب القرآن وكتابته وحفظه كان جبريل يعارض القرآن أي يقابله مع النبي صلى الله عليه وسلم في كل سنة في شهر رمضان مرة، وقابله في آخر سنة مرتين، روى البخاري بسنده إلى السيدة عائشة رضي الله عنها: (أسر إلي النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل يعارضني بالقرآن كل سنة وإنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي). ورغم أن القرآن كله منزل من عند الله فقد اختصت بعض سوره وآياته بفضائل وخصائص تميزها عن باقي القرآن.

مواضيع القرآن الكريم

المواضيع التي يعرض القرآن الكريم لها كثيرة تغطي الكثير من شؤون الحياة الحسية والمعنوية، فمنها ما يتعلق بالغيب ومنها ما يتعلق بعالم الشهادة، ومواضيع القرآن المتعلقة بالبشر شاملة لكل جوانب الحياة الإنسانية. معظم المواضيع التي عرض القرآن الكريم تناولها بالعموم مكتفيا بالإشارة إلى مقاصد الخير فيها أو عارضا لآيات الله فيها، باستثناء بعض المواضيع التي عرض لها بالتفصيل الدقيق في مقدمتها ما يتعلق بعقائد الدين وأصوله وقصص النبيين، فقد حظيت بأوسع تفصيل في القرآن الكريم، وتبعها في ذلك بعض القضايا التشريعية منها الذبائح والكتابة العقود والزواج والطلاق والميراث والحدود والكفارات وأحكام الحرب والسلم. ورغم ذكر القرآن لجملة من العلوم الدينية والإنسانية وحتى المادية إلا أنه يبقى كتاب هداية وتشريع، فموضوعاته قسمان في ذلك: الأول منها: ما يتكلم عنه القرآن لكونه مقصودا بحد ذاته، وهو توحيد الله وتنزيهه عن النقائص والتدليل على البعث والجزاء، وقصص الأنبياء وأحكام العبادات والمواريث والقصاص والإرشاد إلى حسن الخلق والكف عن الظلم. الثاني: ما يُذكر في معرض التدليل على شيء من المواضيع الأساسية في القرآن، كالحديث عن الزرع والمطر وجغرافيا الأرض والأفلاك والحيوان والإنسان، فهذه ليست مقصودة بذاتها، وإنما لأخذ العبرة منها، لهذا يرى العلماء أنه من الخطأ المبالغة في البحث عن كل قضية جغرافية ومادية وعلمية أو فلكية في القرآن، مما يوقع في ربط كلام الله الحق بنظريات علمية قد تخطئ وتصيب، والقرآن لم يأت لذلك وإنما جاء للهداية.

من مواضيع القرآن

العقيدة:

قال في أصول الإيمان: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء:136] قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [الأنعام:12]

قصص الأمم:

قال الله تعالى في سورة الحجر: {وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (79) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (82) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} وقال في سورة سبأ: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ 15 فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ}

آيات الله في الكون:

وتحدث عن آيات الله في الخلق فقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } [فاطر:27-28]، وقال في سورة الأنعام: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}

الأموال وزكاتها وأحكامها:

قال الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة 103]، وقال: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4]، وقال في ذم المحتالين في البيع والشراء في سورة المطففين: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ المطففين}.

أحكام السلم والحرب:

قال الله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} [الأنفال:67]، وقال: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [الأنفال 61]، وقال: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال 60].

أحكام الرضاعة والأسرة:

قال الله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:233]، وقال في سورة النور: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ58} . وقال في الحث على بر الولد بوالديه: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23-24]

الأخلاق:

حث على الأمانة والعدل فقال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء:58]، ورغب بحسن الخلق فقال: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت:34].

عموم رسالة القرآن

من خصائص القرآن عموم رسالته إلى العالم كله بكافة أجناسه وأعراقه وأديانه، بل وإلى الإنس والجن كونه الدين الخاتم الذي نسخ الله به الرسالات، قال الله تعالى عن نبيه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107] وقال في سورة سبأ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ:28] وقال عن القرآن: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان:1]. وذكر شموله الجن بالدعوة فقال الله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأحقاف: 29-32]

معجزة القرآن

إن القرآن بحد ذاته دليل على كونه من عند الله فقد اجتمعت فيه أصناف من الإعجاز البلاغي والبياني والتشريعي والعلمي لا توجد في كتاب غيره مما أنزل الله أو كتب الحكماء والعلماء، ولهذا تحدى الله العرب أن يأتوا بمثله عندما قالوا إنه من كلام البشر فقال الله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} [الطور: 33-34]، وتحداهم أن يأتوا بمثله حتى ولو اتحد الإنس والجن على معارضته فقال: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء 88]، ثم نزل بهم إلى عشر سور في التحدي وإظهار عجزهم وإثبات ربانية المصدر فقال: {أمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [هود:13]، ثم نزل بهم بالتحدي إلى سورة منه فقال: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [يونس:38]. يقول الدكتور محمد عياش الكبيسي: (تحداهم القرآن بهذا الأسلوب الاستفزازي الذي يبعث في نفس الخصم روح الإصرار والاستنفار والجدية القصوى في المواجهة، ومع هذا لم يقم للقرآن أحد من خصومه فثبت إعجازه وثبت أنه معجز).

حفظ القرآن الكريم من التغيير

من خصوصيات القرآن أنه محفوظ من التغيير والتبديل، على خلاف الكتب السابقة، جاء في سورة النحل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]، وقال الله تعالى في سورة فصلت: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت:41-42]. وقد سخر الله لحفظه صحابة نبيه صلى الله عليه وسلم فحفظوه بالمئات عن ظهر قلب، وحفظ أجزاء منه الآلاف منهم بقراءاته المختلفة التي تلقوها منه، وهم حفظوها لأعداد لا تحصى من التابعين فتواتر نقله بألفاظه حتى يوم الناس هذا، وقد ترافق الحفظ مع وجود المصاحف المكتوبة، وقيام الأئمة العظام بحفظه والعناية بعلومه، فتم ما وعد الله به من حفظه من التغيير أو التبديل. وذلك ثابت بالواقع والتاريخ والآثار.

محكم ومتشابه

القرآن قطعي الثبوت لأنه منقول بالتواتر ولهذا من أنكر منه شيئا فقد كفر، ولكنه من جهة الدلالة قسمان قطعي وظني، لهذا لا يقع بين المسلمين خلاف على إثبات سورة منه أو نفيها، وإنما يقع الخلاف في تفسير ألفاظه. فمن خصوصيات القرآن التي ذكرها الله أن فيه محكما ومتشابها يختبر به إيمان عباده، قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران:7]. يطرح البعض هنا سؤالا كيف يكون في القرآن متشابه وهو كتاب الله الذي وُصف بالإحكام ونُفِي عنه كل ريب وشك؟ وكيف يؤمن الإنسان به؟ تجيب الآيات الكريمة عن هذا بأن المحكم والظاهر والبين من القرآن هو الأصل، فلا يوجد شيء متشابه في أصول الدين والعقيدة، حيث أكد بأن الآيات المحكمة هي الأصول، فقال: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ}، وأما المتشابه فهو في بعض الفروع فعبر عنها بـ {أخر} في مقابل {أم الكتاب}، وذكر بأن الذين في قلوبهم مرض أو نفاق يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء التفتيش عما أراده الله مشكلا لاختبار إيمان عباده وصدقهم. والفتنة تحصل بالمتشابه عندما يحاول الإنسان قطعه عن أمهات الكتاب وتفسيره مستقلا عن أصول الديانة الواضحة، أما فهم المتشابه في ضوء الأصول المحكمة فلا يوقع الإنسان في الشبهات، فالشبهة تأتي من ضلال النفس الأمارة بالسوء التي تترك اليقين وتركض خلف الشك، كما أخبر الله {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} أما المؤمن فيكتفي بالمحكم ويقف عند المتشابه قائلا كما أخبر الله { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ }.

المكي والمدني

تنقسم آيات القرآن من حيث زمن نزولها أو مكانه إلى نوعين مكي ومدني، فالمكي ما نزل قبل الهجرة ولو كان نزوله في غير مكة، والمدني ما نزل بعد الهجرة ولو كان نزوله في غير المدينة، على ما قال جماهير أهل العلم، ولكل من هذين النوعين خصائصه التي يتميز بها عن النوع الآخر، ويعرف ذلك بنص القرآن الكريم على زمن وقوع الحادثة أو مكانها، أو بالنقل عن الصحابة الذين شهدوا تنزل القرآن ولا سبيل إلى معرفته بالاجتهاد وإعمال الفكر. ولكل من القسمين ما يميزه -غالبا- عن الآخر من حيث أسلوب نظم الآيات أو من حيث المواضيع التي يتناولها، فالآيات المكية يغلب عليها أسلوب التعنيف والتهديد لأن أهل مكة كانوا مشركين أشداء معاندين لله، وقد كثر في المكي استخدام كلمة "كلا" للزجر، والنداء بـ "يا أيها الناس"، بينما غلب على الآيات المدنية اللطف في الخطاب لأنه توجه إلى أناس يؤمنون بالله، وقد وجه الله إليهم الخطاب بـ "يا أيها الذين آمنوا" كما وجه الخطاب إلى جيرانهم من اليهود والنصارى بـ "يا أهل الكتاب". ومن الفوارق بين النوعين أن الآيات المكية يغلب عليها القصر بينما يغلب على الآيات المدنية الطول.

مواضيع السور المكية

وأما من حيث المواضيع التي تناولتها الآيات المكية فقد كانت في الغالب تدور حول أصول الإسلام والإيمان وتصحيح المعتقدات، ونبذ الشرك، والإيمان بالله وحده، وبالبعث والجزاء بعد الحساب. كما أكثرت الآيات المكية من الدعوة إلى الالتزام بالأخلاق والاستقامة ومحبة الغير، ورفض كل أنواع الفسوق والعصيان والإضرار بالغير والاعتداء على حقوق الآخرين. وقد اقترنت دعوة القرآن إلى الفضائل بالتنديد بالعادات التي كانت سائدة في العصر الجاهلي من وأد البنات وعبادة الأصنام وظلم القوي للضعيف، وشرب الخمر وإتيان الفواحش، وأكل مال اليتيم واضطهاد الرجل للمرأة. كما كثرت في الآيات المكية المقارنات بين الإيمان والكفر، والدعوة إلى استخدام العقل البشري كأداة للتمييز والترجيح، ولهذا استعمل القرآن الكلمات المعبرة عن ثقة الدعوة الإسلامية بالعقل والعقلاء والاحتكام إلى أهل البصيرة.

مواضيع السور المدنية

على الجهة المقابلة تمحورت الآيات المدنية حول التشريع ووضع قواعد المجتمع المسلم الناشئ والحكم في الإشكاليات والخلافيات التي تحدث في عملية البناء، فتحدثت عن أحكام الجهاد والمال والحكم والأسرة والعقوبات والتكافل بين المسلمين، كما تحدثت كثيرا عن معارك المسلمين وعن أعداء الخارج وأعداء الداخل من المنافقين .

سمات مشتركة بين المكي والمدني

ويشترك النوعان في بعض السمات التي لم تتغير في كلا الخطابين المكي والمدني، منها: التوجيه دائما عبر الترغيب والترهيب وربط العقائد بالعمل، وربط التشريع بالوازع الأخلاقي والإيماني. والسور المكية الخالصة اثنتان وثمانون سورة، والسور المدنية الخالصة عشرون سورة، والسور المشتركة بينهما اثنتا عشرة سورة.

جمع القرآن وكتابته

يستعمل مصطلح "جمع القرآن" لمعنيين: الأول: حفظ القرآن وجمعه في الصدور. والثاني: كتابته في الصحف مفرقا أولا ثم جمعه في مصحف واحد مرتبا. ولكل من الحفظ والكتابة قصته الخاصة به، وشاع في استخدام الناس اليوم استعمال لفظة "جمع القرآن" للدلالة على الكتابة والتدوين وترتيب الآيات والسور في مصحف واحد.

أولا: جمع القرآن بمعنى حفظه في الصدور

عندما كان ينزل جبريل بالقطعة من القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم؛ كان يجهد نفسه بالتكرار خوف نسيان شيء منها، أداء منه صلى الله عليه وسلم للأمانة الملقاة عليه، حتى نزلت عليه الآية القرآنية التي دعته إلى الاطمئنان، ووعدته بأن الله تعالى تكفل بحفظ القرآن وبيانه، قال تعالى: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ [القيامة: 16 - 19]، وقال أيضا: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه: 114]، فاطمأنت نفسه بذلك. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن ويعيد قراءته، ويقرئه لأصحابه، ويحضهم على حفظه في الصدور، وكان جبريل يكرره معه لتأكيد ما نزل به، والاطمئنان على حفظه وترتيبه، روت السيدة عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان جبريل يعارضني القرآن في كل سنة مرة». وقد حفظ الصحابة القرآن الكريم بالمئات وحفظ أجزاء منه الآلاف منهم وهم أدوه إلى من بعدهم بأعداد لا تحصى كثرة، قال الزركشي في البرهان في بيان من جمع القرآن حفظا في عهده صلى الله عليه وسلم: «حفظه في حياته جماعة من الصحابة، وكل قطعة منه كان يحفظها جماعة كثيرة أقلهم بالغون حد التواتر». وقال ابن الجزري صاحب كتاب النشر في القراءات العشر المتوفى سنة 533 هـ: «ثم إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على خط المصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة»

ثانيا: مراحل جمع القرآن (بمعنى كتابته)

لكتابة القرآن وجمعه في المصاحف ثلاث مراحل، الأولى في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، والثانية في عهد أبي بكر الصديق، والثالثة في خلافة عثمان رضي الله عنهما. المرحلة الأولى: جمع القرآن وكتابته في العهد النبوي: في هذه المرحلة كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه شيء من القرآن دعا بعض كتاب الوحي فأمرهم أن يكتبوا ما أنزل عليه، روي عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزلت عليه سورة دعا بعض من يكتب فقال: ((ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا)). وكان من أشهر كتاب الوحي أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وأبي بن كعب ومعاوية وثابت بن قيس وخالد بن الوليد وكانوا يخطونه على ما اتفق لهم يومئذ من جريد النخل والحجر الرقيق وعظام الأكتاف، والأضلاع من الشياه والإبل وكل ما أصابوا من مثلها كالكتابة على الجلد أو الخشب . وهذه الرقاع بعضها بقي عند النبي صلى الله عليه وسلم وبعضها بيد الصحابة، حتى جاء عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه. المرحلة الثانية: جمع القرآن في عهد أبي بكر بدأت المرحلة الثانية في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه بعد أن رأى مقتل الكثير من حفاظ القرآن في حروب الردة وخاصة في معركة اليمامة ضد مسيلمة الكذاب، روى البخاري بسنده إلى زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، - وَكَانَ مِمَّنْ يَكْتُبُ الْوَحْيَ - قَالَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَعِنْدَهُ عُمَرُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِالنَّاسِ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فِي الْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ إِلاَّ أَنْ تَجْمَعُوهُ وَإِنِّي لأَرَى أَنْ تَجْمَعَ الْقُرْآنَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قُلْتُ لِعُمَرَ كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ عُمَرُ هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِيهِ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ لِذَلِكَ صَدْرِي وَرَأَيْتُ الَّذِي رَأَى عُمَرُ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَعُمَرُ عِنْدَهُ جَالِسٌ لاَ يَتَكَلَّمُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ ، وَلاَ نَتَّهِمُكَ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ قُلْتُ كَيْفَ تَفْعَلاَنِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ أَزَلْ أُرَاجِعُهُ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللَّهُ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الرِّقَاعِ وَالأَكْتَافِ وَالْعُسُبِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ حَتَّى وَجَدْتُ مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهُمَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} إِلَى آخِرِهِمَا وَكَانَتِ الصُّحُفُ الَّتِي جُمِعَ فِيهَا الْقُرْآنُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ. المرحلة الثالثة: جمع القرآن في عهد عثمان: روى البخاري بسنده إلى أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: (أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ ، وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ ، فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ ، مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلاَفُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ ، اخْتِلاَفَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ ؛ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ، ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ ، فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ، وعَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ، وسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ ، وعَبْدَ الرَّحْمَانِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ ، وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلاَثَةِ : إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وزَيْد بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ ، فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ ، فَفَعَلُوا ، حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ ، رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا ، وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ ، أَوْ مُصْحَفٍ ، أَنْ يُحْرَقَ).

مقاصد نزول القرآن

أنزل الله تعالى القرآن الكريم على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لمقاصد سامية من أهمها: المقصد الأول: أن يكون هداية للناس يهديهم إلى ما يسعدهم في دنياهم وفي آخرتهم، وتمتاز هداية القرآن بتمامها وعمومها ووضوحها، فتمامها لاشتمالها على جميع ما تحتاج إليه البشرية في عقائدها وعباداتها ومعاملاتها وسلوكها وآدابها وأخلاقها ومطالبها الروحية والمادية. وعمومها بشموليتها لجميع الإنس والجن، ووضوحها في كونها مدركة لعامة الناس وعلمائهم. المقصد الثاني: أن يكون معجزة ناطقة بصدق النبي صلى الله عليه وسلم، فقد تحدى الله الناس أن يأتوا بمثله أو بعشر سور أو سورة مما فيه فعجزوا، قال الله تعالى في سورة البقرة: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} وإذا كان العرب وهم أرسخ الناس قدما في البلاغة قد عجزوا عن معارضة القرآن فغيرهم أعجز.. ولو عارض أحدهم القرآن بشيء لتكلم عنه أعداء الإسلام ونشروه، ولكن شيئا من ذلك لم يقع. ودقة القرآن وهدايته شاهدة بإعجازه: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء:82]. المقصد الثالث: التقرب إلى الله بتلاوته، فقراءة القرآن ترفع درجات المسلم وتزيد في ثوابه وفي تهذيب أخلاقه وتنقية ظاهره وباطنه، قال الله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} [فاطر:29]، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)). المقصد الرابع: توحيد الدين وجعله كله لله الواحد. المقصد الخامس: إقامة النظام الرباني على الأرض بواسطة الإنسان الذي كرمه واستخلفه. المقصد السادس: تحرير الإنسان والمساواة بين الناس، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات:13]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى)) . وهو المعنى الذي عبر عنه ربعي بن عامر عندما قال لقائد الفرس رستم: (اللَّهُ ابْتَعَثْنَا لِنُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَمِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سِعَتِهَا، وَمِنْ جَوْرِ الْأَدْيَانِ إِلَى عَدْلِ الْإِسْلَامِ) . وكان من مقاصد القرآن العقدية بناء العقيدة الصحيحة للإنسان، وتحويل الإيمان إلى واقع عملي يتمثل بإقامة العدل ورفع الظلم والجد في النافعات والبعد عن المضرات، وتعليم الناس الصبر على الحق ومواجهة الباطل وأهله.

أثر القرآن على المؤمنين

من مظاهر تميز القرآن الكريم ما كان له من أثر إيجابي على حياة الأمم والشعوب التي آمنت به.

لقد كان للقرآن أثر كبير في حياة البشرية عامة والمؤمنين به خاصة، فعندما ساد الفساد وانتشر الظلم واضطهد أهل الإيمان أرسل الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم برسالة القرآن، إلى أمة أمية جاهلة فوضوية لا قائد يحكمها ولا دولة تجمعها ولكنها صافية تعشق المكارم، فوحدها وعلمها ووجهها نحو خدمة الإسلام وتطبيق أوامره بحسن الخلق وإقامة العدل ورفع الظلم والتحرر من الخرافات والأوهام وعبادة العباد إلى عبادة رب العباد، انقلبت نفوس من آمن به واطمأنت وتعبدت لله وحده، وتوجهت نحو العمل المثمر فأنتج المؤمنون به في عشرات من السنين حضارة ملؤها العلم والعدل، وقد حفظ القرآن وحدتهم، ولا زال يجمعهم إلى اليوم مع ما يعرض لهم من فتن الحياة والسياسة والأهواء.

ولم يُصِب من آمن به ما أصابهم من البلاء إلا بمقدار ما ابتعدوا عن روح هديه وتعلقوا بظواهر منه، فاستغنوا بألفاظها عن الإيمان والعمل الذي جاءهم به. مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ))

العلوم التي نشأت لخدمة القرآن

بوجود النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن الصحابة الكرام بحاجة إلى علوم تفسر لهم القرآن، إذ كانوا يرجعون إليه إذا أشكل عليهم شيء منه، وقد ورثتهم صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحضورهم الوحي كما كبيرا من المعلومات عن القرآن نقلوها إلى من بعدهم من التابعين، فاحتاج الناس إلى قواعد لحفظ أوجه قراءة القرآن وشروحه أو تفسيره واستنباط أحكامه فنشأت علوم عدة خاصة بالقرآن أو متعلقة به نوع تعلق. والعلوم التي نشأت لخدمة القرآن الكريم كثيرة أشهرها علم التفسير والقراءات والتجويد وإعجاز القرآن وإعراب القرآن وعلم الناسخ والمنسوخ وعلم أسباب النزول، ورسم القرآن وغريب القرآن وكان من آخرها تدوينا الفن المسمى بعلوم القرآن.

علم التفسير

علم التفسير هو أحد أهم علوم الشريعة الإسلامية لتعلقه بنصوص القرآن الكريم، وهو نوعان أصليان هما: التفسير بالمأثور، والتفسير بالرأي، وزاد إليهما جماهير أهل العلم التفسير الإشاري، ولكل من هذه الأنواع شروطه وخصوصياته التي يقوم عليها. عرَّف الزركشي علم التفسير بأنه: (علم يُفهم به كتاب الله المُنَزَّل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه). التفسير بالمأثور: يشمل التفسير المأثور ما جاء في القرآن نفسه من البيان والتفصيل لبعض آياته، وما نُقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وما نُقِل عن الصحابة رضوان الله عليهم، أو عن التابعين، من كل ما هو بيان وتوضح لمراد الله تعالى من نصوص كتابه الكريم. ومن أشهر كتب هذا النوع تفسير الإمام ابن جرير الطبري، وتفسير الدر المنثور للسيوطي. لتفسير بالرأي: وهو عبارة عن تفسير القرآن بالاجتهاد بعد معرفة المفسِّر لكلام العرب ومناحيهم في القول، ومعرفته للألفاظ العربية ووجوه دلالاتها، واستعانته في ذلك بالشعر الجاهلي ووقوفه على أسباب النزول، ومعرفته بالناسخ والمنسوخ من آيات القرآن، وغير ذلك من الأدوات التي يحتاج إليها المفسِّر . من أشهر التفاسير من هذا النوع تفسير الكشاف للزمخشري، والتفسير الكبير للرازي. التفسير الإشاري: وهو تفسير الآية بما لا يظهر لكل عالم بالتفسير من معانٍ، وقد ردته فرقة من أهل العلم وقال به جمهورهم، قال الزركشي في كتابه "البرهان في علوم القرآن" عنه (فَأَمَّا كَلَامُ الصُّوفِيَّةِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ فَقِيلَ: لَيْسَ تَفْسِيرًا وَإِنَّمَا هِيَ مَعَانٍ وَمَوَاجِيدُ يَجِدُونَهَا عند التلاوة كقول بعضهم في: {يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} إِنَّ الْمُرَادَ: النَّفْسُ فَأَمَرَنَا بِقِتَالِ مَنْ يَلِينَا لِأَنَّهَا أَقْرَبُ شَيْءٍ إِلَيْنَا وَأَقْرَبُ شَيْءٍ إِلَى الْإِنْسَانِ نَفْسُهُ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ: وَقَدْ وَجَدْتُ عَنِ الْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْوَاحِدِيِّ أنه صَنَّفَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ حَقَائِقَ التَّفْسِيرِ فَإِنْ كَانَ اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ تَفْسِيرٌ فَقَدْ كَفَرَ. قَالَ: وَأَنَا أَقُولُ: الظَّنُّ بِمَنْ يُوثَقُ بِهِ مِنْهُمْ إِذَا قَالَ شَيْئًا مِنْ أَمْثَالِ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ تَفْسِيرًا وَلَا ذَهَبَ بِهِ مَذْهَبَ الشَّرْحِ لِلْكَلِمَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَانُوا قَدْ سَلَكُوا مَسْلَكَ الْبَاطِنِيَّةِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْهُمْ ذِكْرٌ لِنَظِيرِ مَا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ فَإِنَّ النَّظِيرَ يُذْكَرُ بِالنَّظِيرِ فَمِنْ ذَلِكَ مِثَالُ النَّفْسِ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَمَرَنَا بِقِتَالِ النَّفْسِ ومن يلينا من الكفار، ومع ذلك فيا ليتهم لَمْ يَتَسَاهَلُوا فِي مِثْلِ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِبْهَامِ وَالِالْتِبَاسِ) . ومن أشهر التفاسير من هذا النوع تفسير روح البيان في تفسير القرآن/ لإسماعيل حقي (ت 1127 هـ)

علوم القرآن

كلمة علوم القرآن في الأصل تشمل كل العلوم السابقة، لكن استخدمها العلماء للدلالة على علم خاص بالقرآن بمواضيع عامة تخص القرآن الكريم. وتعريفه: مباحث تتعلق بالقرآن الكريم من ناحية نزوله وترتيبه وجمعه وكتابته وقراءته وتفسيره وإعجازه وناسخه ومنسوخه ودفع الشبه عنه ونحو ذلك .

علم القراءات

القراءات جمع قراءة وهي في اللغة مصدر سماعي لقرأ. وفي الاصطلاح مذهب يذهب إليه إمام من أئمة القراء مخالفا به غيره في النطق بالقرآن الكريم مع اتفاق الروايات والطرق عنه سواء أكانت هذه المخالفة في نطق الحروف أم في نطق هيئاتها . وقد نشأت القراءات بالتلقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشافهة، وعمل كتاب القرآن في عهد عثمان أن يكتبوه بما يوافق أكثر القراءات، وما لا يمكن فيه ذلك أثبتوه في نسخة بما يوافق مجموعة من القراءات وفي نسخة أخرى بما يوافق باقيها. وقد كان هذا تبعا للقراءات المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتلقي، وليست المصاحف سبب ظهور القراءات كما يرى البعض، ونشأت مصطلحات عدة للتعبير عن أوجه القراءات، فقيل القراءات السبع والقراءات العشر والقراءات الأربعة عشر.

أسباب النزول

سبب النزول هو ما نزلت الآية أو الآيات متحدثة عنه أن مبينة لحكمه أيام وقوعه. والمعنى أنه حادثة وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أو سؤال وجه إليه فنزلت الآية أو الآيات من الله تعالى ببيان ما يتصل بتلك الحادثة أو بجواب هذا السؤال . ولهذا العلم أهمية كبيرة في الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية، وتنزيل النصوص والأحكام على الوقائع.

القرآن الكريم المصدر الأول للتشريع والفكر عند المسلمين

القرآن الكريم هو المركز الذي يدور حوله التشريع الإسلامي، والسنة النبوية هي المصدر الثاني إذ تدور في فلكه وتشرحه وتبينه، وكون القرآن المرجع الديني الأول عند المسلمين هو ما يحفظ مجموعهم من الانحراف الذي حدث للأديان الأخرى، فإنه رغم اختلاف عموم المسلمين في بعض تفاصيل الدين -الأصلية أو الفرعية- إلا أن الأصول العقدية والتشريعية والفكرية العامة بقيت واحدة لديهم إلا قلة ممن شذت من طوائف عبر التاريخ. والقرآن بسعة نصوصه وانضباطها خطاب إلهي مستمر يتجدد بما فيه عبر كل الأجيال والعصور حتى يوم القيامة، يقول الدكتور محمد فاروق النبهان: (القرآن هو المصدر الأول للتشريع الإسلامي، وهو المصدر الأصيل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يتطرق الشك إلى أيّة آية من آياته، ينسخ المصادر الأخرى ولا تنسخه، ويحتج به على ما عداه ولا يحتج عليه، وما ورد في القرآن فهو قرآن وهو كلام الله، وتتمثل مهمة البشر في تفسيره وبيان ما ورد فيه... ومن حق كل جيل بل من واجب كل جيل أن يسهم في تفسير القرآن، ولا يجوز لجيل أن يستبد بحق التفسير مانعا أجيالا لاحقة من حقها الطبيعي في الفهم، كما لا يجوز لجيل أن يعتبر نفسه وصيا على الخطاب القرآني، معلنا أنه الأحق بالتفسير والأقدر عليه، فالأجيال متكافئة، وكل جيل مسئول عن نفسه، وهو الأقدر على الفهم والتفسير، وهكذا يتجدد التفسير بتجدد الأجيال، ويظل الخطاب القرآني متواصل العطاء دائم الإشعاع يعطي ويلهم ويعلم ويهدي، مؤكدا عظمة التواصل بين القرآن والإنسان، في رحلة الحياة المستمرة وفي مسيرة الإنسان من أمس إلى غد) .

انظر أيضا

علم التفسير

تفسير بالمأثور

تفسير بالرأي

تفسير إشاري

علوم القرآن

علم الحديث

علم العقيدة

علم الفقه

المصادر

1- معجم مصطلحات العلوم الشرعية – (القرآن) ص 1258

2- الموسوعة الإسلامية العامة – (القرآن الكريم) ص 1125 إلى 1127

3- تعريف عام بدين الإسلام – (الإيمان بالكتب: القرآن) ص 181 – 183

4- الفكر الإسلامي في مواجهة الفكر الغربي – (أصول الفكر الإسلامي: القرآن الكريم)

6- روح الدين الإسلامي (الفصل الثاني: القرآن الكريم، بعض وجوه إعجازه و...)

7- المحكم في العقيدة د. محمد عياش الكبيسي - (سمات العقيدة 25) (أثره على المؤمنين 41) (الوحي 127).

8- محمد فاروق النبهان - المدخل إلى علوم القرآن الكريم، طبعة دار عالم القرآن– 2005م، ص (16).

9- التفسير والمفسرون - محمد حسين الذهبي - (1/122) و (1/183).

10- البرهان في علوم القرآن للزركشي (2/171).

11- مناهل العرفان في علوم القرآن، المؤلف: محمد عبد العظيم الزُّرْقاني (المتوفى: 1367هـ)، طبعة عيسى البابي الحلبي، الطبعة الثالثة، (1/27).