الثورة الفرنسية

من رؤية بيديا
اذهب إلى: تصفح، ابحث

الثورة الفرنسيّة:

الثورة الفرنسيّة إنجاز حضاريّ أوروبيّ كبیر، تجاوز حدود الجغرافيا في الأرض الفرنسيّة، ليشمل بفكره الجريء، وأطروحاته العقليّة، فیبهر العقول، ويأسر القلوب، بما يحصّله هذا الانجاز من المعاني الحضاريّة، والمقاصد الإنسانيّة والغايات العالميّة، فالحرّيّة والمساواة والعدالة والقانون والأمّة كلّها مفردات مثیرة للعقول والعواطف، فمازالت مبادئ الثورة الفرنسيّة مقاصد كثیر من الشعوب المستضعفة المتطلّعة للخلاص من الظلم والاضطهاد، فیجد المستضعفون خلاصهم في تبنّي مبادئ الثورة الفرنسيّة، والأخذ بآراء فلاسفتها الذین أسّسوا لفكرها، ومهّدوا لمبادئها في بداية القرن الثامن عشر الموصوف بعهد الأنوار، ولهذا فقد اتخذت الثورة الفرنسيّة وقبلها الثورة الأمريكيّة مثالین للثورات التي قامت بعدهما.

أسباب الثورة

الأسباب الفكريّة

ويرجع ذلك لعهد الاستنارة الذي عمّ أوربا كاملة وتميّز بنقد شديد لحصون المجتمع الثقافيّة، وأبرز المفكّرين في هذا العهد:

فولتير

وقد شارك فولتير في اندلاع الثورة الفرنسيّة بإضعاف احترام الطبقات المثقفة للكنيسة، وإيمان الطبقة الأرستقراطيّة بحقوقها الإقطاعيّة، ولكن تأثير فوليتر السياسيّ بعد عام (1789 م) طغى عليه تأثير روسو، فقد بدا فولتير شديد المحافظة، شديد الازدراء لجماهير الشعب، شديد الاتسام بطابع السادة الإقطاعيين؛ وقد رفضه روبسير، أما بونابرت فأحسّ التأثيرين في تعاقبهما العاديّ، قال متذكّراً تلك الحقبة "كنت حتّى عامي السادس عشر على استعداد لمقاتلة أصدقاء فولتير دفاعاً عن روسو، أمّا اليوم فقد انعكس موقفي ... فكلّما أمعنت في قراءة فولتير ازددت شغفاً به، فهو رجل معقول دائماً، لا بالمهرّج ولا بالمتعصّب أبداً" (42)، وبعد عودة ملوك البوربون أصبحت مؤلّفات فولتير أداة للفكر البورجوازيّ ضدّ النبلاء والأكليروس المنبعثين من جديد. [١] وهو مثل من الأمثلة الواضحة للبرجوازيّة في فرنسا، بل من أشهر كتّاب القرن الثامن عشر. لاحظ فولتير أنّ الطبقة الثالثة العامّة تمثل الأساس الذي يرتكز عليه تكوين الأمّة، ويقول فولتير عن الحرّيّة: حب الناس لها طبيعيّ. ومن أهمّ ما قاله: (القطيعة لا بدّ أن تصير مطلقة مع الأزمنة الماضية وكأنّها لم تكن). [٢]

مونتسيكو

رجل من طائفة النبلاء الفرنسيّين باحث دستوريّ. أثار مسألة فصل السلطات الثلاثة ضمانا للعدالة والحريّة المدنيّة والسياسيّة مع الخضوع للقوانين. أ.ه[٣] مونتسكيو، وهو رجل أرستقراطيّ، تنقّل أكثر ما تنقل بين أقطاب النبالة أو العلم، وهو يخبرنا أنّه في هذه الجماعات "إذا ذكر الدين ضحك الجميع". [٤] كتب جيبون: "على مدى أربعين عاماً منذ صدور روح القوانين لم يقبل الناس على قراءة كتاب أو نقده أكثر منه، وليست روح البحث والتحقيق التي أثارها أقلّ مآثر الكاتب علينا (138)" وكان جيبون وبلاكستون وبيرك من بين من أفادوا من روح القوانين وعظمة الرومان واضمحلالهم وعدّه فودريك الأكبر أحسن كتاب بعد كتاب الأمير، ورأت كاثرين الكبرى أنّه ينبغي أن يكون كتاب الصلوات اليوميّة لدى الملوك (139)، واقتبست فقرات منه للرجال الذين عينتهم لمراجعة القوانين الروسيّة، ولم ينقل واضعو مسودّة الدستور الأمريكيّ عن مونتسكيو نظريّة فصل السلطات فحسب، بل استبعاد أعضاء الوزارة من الكونجرس كذلك، وتضمّنت كتاباتهم كثيراً من الاقتباسات من الكتاب، وأصبح روح القوانين، الكتاب المقدّس عند الزعماء المعتدلين في الثورة الفرنسيّة تقريباً، ونشأ عن كتاب عظمة الرومان واضمحلالهم بعض إعجابهم بالجمهوريّة عند الرومان، ويقول فاجيه: إنّ كلّ الأفكار الحديثة العظيمة بدأت بمونتسكيو (141) وعلى مدى جيل من الزمان كان مونتسكيو، لا فولتير، هو صوت العقل، وبطله في فرنسا. قصّة الحضارة: ويل ديورانت (36/ 175).

جاك جاك روسو

وأوّل علامة على تأثيره السياسيّ كانت في موجة التعاطف العام الذي أيّد المعونة الفرنسيّة الفعّالة للثورة الفرنسيّة، وقد اقتبس جفرسن إعلان الاستقلال من روسو كما اقتبسه من لوك ومونتسكيو، واستوعب الكثير من كلّ من فولتير وروسو حين كان سفيراً لدى فرنسا (1785 – 89 م)، وردّد صدى جان جاك في افتراضه أنّ هنود أمريكا الشماليّة "يتمتّعون في جملتهم بقدر من السعادة يفوق بمراحل أولئك الذين يعيشون في ظلّ الحكومات الأوربيّة"، وقد رفع نجاح الثورة الأمريكيّة مكانة فلسفة روسو السياسيّة. وتزعم مدام دستال أنّ نابليون عزا الثورة الفرنسيّة إلى روسو أكثر من أيّ كاتب آخر، وقد ذهب إدمند بيرك إلى أنّ في الجمعيّة التأسيسيّة للثورة الفرنسيّة (1789 – 91 م) خلافاً كبيراً بين زعمائهم على أيّهم أقرب شبهاً بروسو، والحقّ أنّهم جميعاً يشبهونه ... فإيّاه يدرسون، وإيّاه يتأمّلون، وإليه يرجعون في كلّ الوقت الذي يستطيعون اقتناصه من شرورهم المجهدة نهاراً أو فجورهم وعربدتهم ليلاً، فروسّو هو كاهن كتابهم المقدّس ... وله يقيمون أوّل تماثيلهم. وفي (1799 م) استعاد ماليه دويان إلى الأذهان أنّ "روسّو كان له قراء من الطبقتين الوسطى والدنيا أكثر مائة مرّة ممّا لفولتير، فهو وحده الذي لقّح الفرنسيّين بعقيدة سيادة الشعب، ومن الصعب ذكر ثوريّ واحد لم ينتشِ بهذه النظريات الفوضويّة ولم يشتعل بغيرة تحقيقها، وقد سمعت مارّاً في (1788 م) يقرأ "العقد الاجتماعيّ" ويعلّق عليه في الشوارع العامّة، فيقابله السامعون المتحمّسون بالتصفيق". واستشهد الخطباء في طول فرنسا وعرضها بأقوال روسو في التبشير بسيادة الشعب؛ وبعض الفضل في استطاعة الثورة أن تعيش عقداً من الزمان رغم خصومها وشططها راجع إلى الترحيب العارم الذي لقيته هذه العقيدة. [٥] ويعتبر الممهّد لقيام الثورتين الأمريكيّة والفرنسيّة وهو فرنسيّ من أصل سويسريّ يكره كلّ قيود الحضارة، ويحبّ الرجوع للطبيعة ووصف مؤرخو الثورة كتابه العقد الاجتماعيّ (إنجيل الثورة الفرنسيّة ودستورها).

الأسباب الاجتماعيّة

وكان الشعب الفرنسيّ مقسّماً إلى ثلاث طبقات:

  • طبقة الإكليروس clergy أو رجال الدين، وكان عددهم يبلغ نحو (130,000) نفساً.
  • وطبقة النبلاء وكان عددهم يبلغ نحو (400,000).
  • وطبقة العامّة، وهي الطبقة التي لا ينتمي أفرادها لواحدة من الطبقتين السابق ذكرهما.

وكانت الثورة الفرنسيّة هي المحاولة التي بذلتها هذه الطبقة الثالثة (العوام) التي كانت مهضومة الحقوق السياسيّة، رغم ازدهارها الاقتصاديّ، بغية الوصول إلى ما يتلاءم مع ثروتها النامية من سلطان سياسيّ وقبول اجتماعيّ، وكانت كلّ طبقة من هذه الطبقات السابق ذكرها منقسمة بدورها إلى طبقات أو شرائح يعلو بعضها الآخر، حتّى إنّ كلّ فردٍ تقريباً كان يمكنه أن ينعم بالنظر إلى من هم دونه، أو بتعبير آخر كان في مكنة كلّ شخص تقريباً أن ينظر من عَلٍ إلى أشخاص هم دونه. [٦]

  • أ‌-طبقة النبلاء.
  • ب‌-طبقة رجال الدين. عكاش

كانت الدولة تدعم الكنيسة لأنّ رجال الحكم بشكل عام كانوا متّفقين على أنّ رجال الدين (الإكليروس) إنّما يقدّمون لهم عوناً لا غنى عنه، لحفظ النظام الاجتماعيّ. فقد كان رجال الدين (الإكليروس) يرون أنّ الاختلاف الخلْقيّ Natural بين الناس، يجعل حظوظهم تختلف من حيث الثراء، فقد بدا مهمّاً لطبقة الملّاك أن يستمرّ رجال الدين في تقديم نصائحهم للفقراء، تلك النصائح التي تحثّهم على الإذعان المسالم، لقاء دخول الفردوس تعويضاً لهم عمّا يلاقون. وكان ممّا يعنيّ كثيراً لفرنسا أنّ نظام الأسرة -وهو النظام الذي يدعمه الدّين ويكثّف أهمّيّته- ظلّ كمرتكز للاستقرار الوطنيّ في أثناء التقلّبات كلها التي شهدتها الدولة. [٧]

  • ت‌-طبقة العامّة.

وفي نشرة بعنوان "ما هي طبقة العوامّ؟ أو الطبقة الثالثة؟ Qu'est-ce que le Tiers etat?" صدرت في شهر يناير سنة (1789 م) طرح الراهب الفرنسيّ إمانويل جوزيف سييز Emmanuel Joseph Sieyés ثلاثة أسئلة، وأجاب عنها:

  • ما هي الطبقة الثالثة؟ أو طبقة العوام؟ إنّها كلّ شيء.
  • ما حالها حتّى الآن؟ لا شيء.
  • ماذا تودّ هذه الطبقة أن تكون؟ تريد أن تكون شيئاً ما -أو على وفق لتصحيح تشامفورت Chamfort- كلّ شيء.

لقد كانت تقريباً كلّ شيء، فقد ضمّت البرجوازيّة أو الطبقة الوسطى التي تتكوّن من (100,000) أسرة وطبقاتها وشرائحها layers العديدة -رجال البنوك والسماسرة والوسطاء والصنّاع والتجّار والمديرين والمحامين والأطباء والعلماء والمدرسين والحرفيّين والصحفيّيٍن (تشكّل الصحافة السلطة الرابعة) وطبقة عامّة الشعب Menu peuple والعبارة تعني قليلي الأهمّيّة (وأحياناً يطلق عليهم لفظ عامّ: هو الشعب) ويقصد بهم البروليتاريا proletariat وحرفيّو المدن وعمال النقل البريّ والبحريّ والفلاحون. [٨]

الأسباب السياسيّة

المَلِكُ مطلقُ اليدِ في التشريع والقرار والتنفيذ. ومن التصرّفات السياسيّة التي أثارت الشعب المعاهدة السيئة بينهم وبين النمسا سنة (1756 م).

الأسباب الاقتصاديّة والإصلاحات الفاشلة المتتالية

أ‌- إصلاحات لويس

  1. - ضرائب عقاريّة
  2. - ضريبة الرأس
  3. - ضريبة الدخل
  4. - ضريبة الملح

ب‌- إصلاحات تيرجو

  1. - تحقيق نظام ضريبيّ عادل
  2. - إطلاق الحرّيّة التجاريّة
  3. - القضاء على مظاهر الفساد
  4. -الحدّ من سلطات الكنيسة وامتيازات الأشراف ورجال الدين

ت‌- إصلاحات كالون

  1. - تحقيق المساواة بتوزيع الضرائب
  2. - المساواة بين الأقاليم
  3. - يرى الطبقة الثالثة ما عادت تحتمل المزيد من الأعباء

أثر نجاح الثورة الامريكيّة (1775 م) على الثورة الفرنسيّة

تطوّرات الثورة الفرنسيّة

مرحلة الملكيّة الدستوريّة (1789-1792 م)

  1. - تأسيس الجمعيّة الوطنيّة وأهمّ قراراتها.
  2. - سقوط حصن الباستیل وأهمّ نتائجه.
  3. - إعلان حقوق الإنسان.
  4. - وضع أوّل دستور للبلاد.
  5. - محاولة فرار الملك وتأسيس الجمعيّة التشريعيّة.

مرحلة إعلان الجمهوريّة الأولى (1792-1795 م)

  1. - تشكیل المؤتمر الوطنيّ وإعلانه للجمهوريّة.
  2. - إعدام الملك والأصداء الداخليّة والخارجيّة.
  3. - تشكیل لجنة الأمن العامّ.

أ. فترة رئاسة دانتون.

ب. فترة رئاسة رويسییر وعهد الإرهاب.

مرحلة الجمهوريّة الثانية (1795 -1799 م)

1- وضع دستور (1795 م) وتشكیله حكومة الإدارة. 2- التحدّيات التي واجهتها حكومة الإدارة: أ. التحدّيات الداخليّة. ب. التحدّيات الخارجيّة (الحملة الايطاليّة والمصريّة نموذجاً).

نتائج الثورة

نتائج دينيّة

أهمّها:

  1. تجريد الكنيسة من ممتلكاتها باعتبارها موارد ماليّة للدولة لاسيما أن الدولة في حاجة إلى موارد ماليّة جدیدة.
  2. إلغاء نظام العشور، التي كانت تحصّلها الكنيسة من الناس، بغیر وجه حقّ.
  3. إعلان فرنسا بأنّها دولة علمانيّة، الذي عمل به منذ عام (1794 م) ليس لها دین رسميّ، رغم أنّ عامة الشعب یدینون بالمذهب الكاثوليكيّ.

نتائج اجتماعيّة واقتصاديّة

أهمّها:

  • 1- أصبحت الحرّيّة حقّاً مطلقاً لجميع المواطنین لا تتقیّد بحدود إلا ما فيه مخالفة للقانون أو ضرر على الآخرين.
  • 2- أصبحت الحريّة تعبیراً عن حقّ الإنسان الطبيعيّ لكون الإنسان إنساناً.
  • 3- اشتمل نطاق الحرّيّة على الحقّ في اختبار المعتقدات الدینيّة والآراء الشخصيّة، والأفكار والتصوّرات والتعبیر عنها بأريحيّة عبر وسائل مختلفة.

نتائج عسكريّة وسياسيّة

1- ظهور نظام جمهوريّ بشكل عصريّ حدیث یختلف عن أشكال النظم السياسيّة التي سبقته (1) ليصيح الأكثر انتشاراً بین دول العالم، وانتهى معه عهد الملكيّة المطلقة. 2 - كتابة أوّل دستور يقرّ بفصل السلطات الثلاث التشريعيّة، والتنفیذيّة والقضائيّة، ممّا يحجّم ويقلّل من هيمنة سلطة على السلطات الأخرى، رغم الانقلابات اللاحقة على الدستور الفرنسيّ، كما أنّه أوّل دستور علمانيّ في العصر الحدیث، كونّه أقّر بفصل الدین عن (2) الدولة. 3- تحرّر السياسة الفرنسيّة من سلطة الكنيسة ورجال الدین. 4 - تمّ تأريخ الثورة الفرنسيّة من قبل المتخصّصین السياسیّین كتأريخ لنشوء الدول القوميّة الحدیثة التي تمثّل الأنظمة فیها إرادة شعورها بالرغم من التعثّر الذي أصاب مسار الثورة بسبب ملوك أوروبا المستبدّين ومحاولة إجهاضها.

هوامش

مصادر

  1. قصّة الحضارة (42/ 361).
  2. تطوّر الثورة الفرنسيّة، منى لمياه.
  3. تطوّر الثورة الفرنسيّة.
  4. قصّة الحضارة (35/ 168).
  5. قصّة الحضارة (42/ 377).
  6. قصّة الحضارة (ملحق/ 33).
  7. قصّة الحضارة (ملحق/ 35).
  8. قصّة الحضارة (ملحق/ 35).