الثورة الجزائرية

من رؤية بيديا
اذهب إلى: تصفح، ابحث

الثورة الجزائريّة

حملت الجمهوريّة الجزائريّة لقب "بلد المليون شهيد" بعد أن روى أبناؤها ثرى وطنهم بدمائهم الطاهرة، وبعد أن ثار الجزائريّون ضدّ الاستعمار الفرنسيّ في الأوّل من شهر نوفمبر سنة (1954 م).

الجزائر

تشكّل الجزائر، على ما هو معروف، القسم المتوسّط من المغرب الإسلاميّ – العربيّ، الذي أطلق عليه العرب قديما اسم (جزيرة المغرب)، ذلك أن البحر المائي يحدّ هذه الجزيرة من الشرق والشمال والغرب ويحدّها البحر الرمليّ من الجنوب، وتمتدّ الجزائر فوق مساحة تزيد على مليوني كيلو متر مربّع، وتتّصل حدودها الشرقيّة مع تونس وليبيا، وفي حدودها الغربيّة مع المغرب وموريتانيا، وفي الجنوب مع النيجر ومالي، وتتميّز الظواهر الطبوغرافيّة للجزائر بمظهرين أساسيّين هما: سلاسل جبليّة في الشمال، متقطّعة، تنحصر بين فكّيها أراض مرتفعة تسمى بالنجود؛ وفي الجنوب قاعدة عظيمة متّسعة الأرجاء، فيها سهول حتّية، وجبال بركانيّة، وكثبان رمليّة وهضاب صخريّة، والانحدار العام لإقليم الشمال الجزائريّ يتّجه من الجنوب إلى الشمال في أغلب الأجزاء.

[١]

أسباب الثورة

الحديث عن الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة في الجزائر لا يكون جدّيّاً إلّا إذا فصلنا بين مجتمعين متمايزين: المجتمع الأوربّي الذي يمثّل حوالي عُشر السكّان، ويملك تسعة أعشار الإنتاج الإجماليّ، والمجتمع الجزائريّ الذي يمثّل تسعة أعشار السكّان، لا يملك سوى عشر الإنتاج الإجماليّ.[٢]

أسباب دينيّة

سجن الاستعمار الفرنسيّ العديد من العلماء، ونفى كثيرين منهم ثمّ هدم المساجد أو حولّها إلى كنائس ومستوصفات وإصطبلات، وانتهى قبل نهاية القرن إلى اعتبار العربيّة لغة أجنبيّة.

الأسباب الاقتصاديّة

كانت معظم الأراضي في الجزائر، قبل الاحتلال الفرنسيّ، ملكاً مشاعاً للأعراش (5) التي كانت تستثمرها جماعيّاً لتحقيق الاكتفاء الغذائيّ الذاتيّ وتصدير الفائض من الإنتاج إلى المشرق وإفريقيا السمراء، وإلى بلاد جنوب أوربّا على وجه الخصوص (6) ثمّ جاءت قرارات القادة العسكريّين الفرنسيّين ومراسيم السلطات الاستعماريّة، فأباحت اغتصاب تلك الأراضي بسبب مشاركة أصحابها في الانتفاضات الشعبيّة المختلفة (7) وتسليمها بالمجان إلى المستعمرين الأوربيّين. وبفعل عمليّات الاغتصاب تلك تحوّل الفلاحون الجزائريّون الذين كانوا، قبل الاحتلال يمثّلون الأغلبيّة الساحقة من السكّان، إلى مجرّد خمّاسين أو أجراء موسميّين أو إلى أناس عاطلين تماماً عن العمل يعيشون من التسوّل أو من الأعشاب والنباتات التي تجود بها الطبيعة. وما كاد يحلّ الاحتفال بمرور قرن على احتلال الفرنسيين للجزائر حتّى فقدت الجزائر قدرتها على تحقيق الاكتفاء الغذائيّ الذاتيّ، وتحوّلت من منتج للحبوب، ومصدّر لها إلى بلد مضطر لاستيراد المواد الغذائيّة الضروريّة لحاجات سكّانه (8). [٣]

الأسباب الثقافيّة

وفي المجال الثقافيّ، فإنّ الثورة قد اندلعت عندما كان الاستعمار قد انتهى تقريباً من مهمّته الأساسيّة، الخاصّة بالمسخ والتشويه والتجهيل (22). ففي السنوات الأولى من الاحتلال وبالتوازي مع ما كان به من نهب للثروات الوطنيّة، واستيلاء على الأراضي الخصبة الشاسعة، يوزّعها على الكولون الجدد، وعلى المؤسّسات الاستعماريّة المختلفة، راح يوظّف كلّ ما لديه من قوّة، ظاهرة أو باطنة، للقضاء على مصادر الثقافة الوطنيّة، فهدم كثيراً من المساجد (23)، وحوّل أعداداً كثيرة منها إلى كنائس أو ثكنات أو مستوصفات (24)، وحتّى إلى ملاهٍ لأجناده وماخورات عموميّة، وفي السياق نفسه وجّه ضربات قاسية للمثقّفين الجزائريّين، فقتل من قتل ونفى من نفى، وزج في السجون بمن شاء، وظلّ يطارد ويضطّهد من بقي طليقاً، قصد منعه من القيام بواجبه نحو المجتمع، وبذلك صارت الإحصائيّات تشير قبل اندلاع ثورة نوفمبر إلى أنّ حوالي (19 %) فقط، من الجزائريّين متعلّمون. [٤]

ولم تكتف السلطات الاستعماريّة بسدّ أبواب التعليم الفرنسيّ في وجه الجزائريّين، بل إنّها بذلت كلّ ما في وسعها لمحاربة اللّغة العربيّة، سواء في المدارس أو في الكتاتيب (30). [٥]

الأسباب الاجتماعيّة

وعندما نريد تقويم الإنسان الجزائريّ، تقويماً مطلقاً، فإنّنا نجد أنّ قيمته عشيّة اندلاع الثورة لم تكن أفضل من قيمة البهائم (43)؛ فالإدارة الاستعماريّة لا توليه أيّ اهتمام، إلا عندما يتعلّق الأمر بفرض مختلف أنواع الضرائب عليه، ونقول مختلف أنواع الضرائب لأنّ "الأهالي" في الجزائر، لم يكونوا يحكمون بقانون، بل إنّ حياتهم اليوميّة تسير وفقاً لمشيئة المستعمر الذي يخطّط للمداخيل والمصاريف، والذي يوزّع المهامّ ويخلق الأوضاع بحسب إرادته، وتماشياً مع مصالحه الخاصّة. إنّ الشرطة في المدن، والحرّاس والشواش في الأرياف، وكذلك القوّاد والباشغوات كلّهم يأتمرون بأوامر غلاة المستعمرين الذين لهم اليد الطولى في التعيين والترقية والعزل، لأجل ذلك، كثيراً ما كنّا نرى فلّاحاً جزائريّاً يُغرَّم لأنّه ركب حماره، أو وُجِدَ يأكل الخبز والعنب في الغابة، أو أنّ أخباراً أفادت بأنّه ذبح خروفاً أو ديكاً دون رخصة خاصّة (44).[٦]

انعدام الخدمات الصحيّة

وبالنسبة إلى الخدمات الطبّيّة والمنشآت الصحيّة، أيضاً فإنّ السلطات الاستعماريّة لم تهتمّ بها إلا في المراكز الآهلة بالمستعمرين، لذلك اندلعت ثورة نوفمبر سنة (1954 م) والأغلبيّة الساحقة من الجزائريّين لا تعرف الطبيب أو المستشفى أو المستوصف، ولا تستعمل الأدوية، بل إنّ التداوي في الأرياف وفي القرى، كان يتمّ بالطرق التقليديّة، مثل استعمال العشب باختلاف أنواعه، وسائر الحبوب النشويّة، واللجوء في كثير من الأحيان، إلى الرقية والتمائم والكيّ بالنار. [٧]

السبب المباشر المحرّض للثورة

إنزال الحلفاء قوّاتهم على الساحل الجزائريّ، ابتداء من الثامن من نوفمبر سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة وألف. تاريخ الجزائر المعاصر (1/ 33).

أسباب خارجيّة

سقوط فرنسا وانهزامها في فيتنام في عام (1954 م)، وانتشار العديد من حركات التحرّر، وتصعيد الكفاح المسلّح في المغرب وتونس.

اقرأ المزيد على[٨]

إعلان الثورة

إنّ إرادة التغيير الشامل باتت متوفّرة لدى معظم مسلمي الجزائر، وتوفّرت (قيادة تاريخيّة) عرفت أهمّيّة (اللحظة التاريخيّة)، وأفاق العالم صبيحة اليوم الأول من تشرين الثاني - نوفمبر- (1954 م)، على نداء يحمل الإعلان عن بداية الثورة، وليس في وسع أيّ ثوريّ أو أيّة فئة ثوريّة، أن تحكم مسبقاً على مدى ما يحقّقه النداء الأوّل من استجابة في نفوس الجماهير، غير أنّ (اللجنة الثوريّة للوحدة والعمل) التي تحوّلت في تلك الليلة إلى (جبهة التحرير الوطنيّ الجزائريّ) كانت على ثقة مطلقة من أنّ النداء الذي وزّعته مع الطلقات الأولى التي أعلنت قيام الثورة، سيلقى استجابة عامّة تساعد الثورة على تطوير أعمالها وتصعيد صراعها، وهذا ما تحقق فعلاً، وقد تضمّن البيان التاريخيّ ما يلي:

(بيان فاتح نوفمبر (1954 م)

أيّها الشعب الجزائريّ أيّها المناضلون من أجل القضيّة الوطنيّة أنتم الذين ستصدرون حكمكم بشأننا، نعني الشعب بصورة عامّة، والمناضلين بصفة خاصّة، نعلمكم أنّ غرضنا من نشر هذا الإعلان هو أن نوضّح لكم الأسباب العميقة التي دفعتنا الى العمل، أن نوضّح لكم مشروعنا والهدف من عملنا، ومقوّمات وجهة نظرنا الأساسيّة التي دفعتنا إلى الاستقلال الوطنيّ في إطار الشمال الإفريقيّ، ورغبتنا أيضاً هو أن نجنّبكم الالتباس الذي يمكن أن توقعكم فيه الإمبرياليّة وعملاؤها الإداريّون، وبعض محترفي السياسة الانتهازيّة، فنحن نعتبر قبل كلّ شيء أنّ الحركة الوطنيّة، بعد مراحل من الكفاح، قد أدركت مرحلة التحقيق النهائيّة، فإذا كان هدف أيّ حركة ثوريّة، في الواقع، هو خلق جميع الظروف الثوريّة للقيام بعمليّة تحريريّة، فإنّنا نعتبر أنّ الشعب الجزائريّ، في أوضاعه الداخليّة متّحد حول قضيّة الاستقلال والعمل؛ أمّا الأوضاع الخارجيّة، فإنّ الانفراج الدوليّ مناسب لتسوية بعض المشاكل الثانويّة التي من بينها قضيّتنا التي تجد سندها الدبلوماسيّ، وبخاصّة من قبل إخواننا العرب والمسلمين. إنّ أحداث المغرب وتونس لها دلالتها في هذا الصدد، فهي تمثّل بعمق مراحل الكفاح التحرّريّ في شمال إفريقيا، وممّا يلاحظ في هذا الميدان، أنّنا منذ مدّة طويلة، أوّل الداعين إلى الوحدة في العمل، إنّ هذه الوحدة التي لم يتح لها مع الأسف التحقّق أبداً بين الأقطار الثلاثة، وقد اندفع كلّ واحد منها اليوم في هذا السبيل، أمّا نحن الذين بقينا في مؤخّرة الركب، فإنّنا نتعرّض إلى مصير من تجاوزته الأحداث، وهكذا فإنّ حركتنا الوطنيّة قد وجدت، نفسها محطّمة، نتيجة لسنوات طويلة من الجمود والروتين، توجيهها سيّئ، ومحرومة من سند الرأي العامّ العالميّ الضروريّ، وقد تجاوزتها الأحداث، الأمر الذي جعل الاستعمار يطير فرحاً ظناً منه أنّه قد أحرز أضخم انتصاراته في صراعه ضدّ الطليعة الجزائريّة. إنّ المرحلة خطيرة، أمام هذه الوضعيّة التي يخشى أن يصبح من المحال علاجها، رأت مجموعة من الشبّان المسؤولين المناضلين الواعين، التي جمعت حولها أغلب العناصر التي لا تزال سليمة ومصمّمة، أنّ الوقت قد حان لإخراج الحركة الوطنيّة من المأزق الذي أوقعها فيه صراع الأشخاص، والتأثيرات، لدفعها إلى المعركة الثوريّة الحقيقيّة، إلى جانب إخواننا المغاربة والتونسيّين، وبهذا الصدد، فإنّنا نوضّح أنّنا مستقلّون عن الطرفين اللذين يتنازعان السلطة، إنّ حركتنا قد وضعت المصلحة الوطنيّة فوق الاعتبارات التافهة كلّها، والمغلوطة لقضيّة الأشخاص والسمعة، ولذلك فهي موجهة فقط ضدّ الاستعمار الذي هو العدوّ الوحيد الأعمى، الذي رفض أمام وسائل الكفاح السلميّ، أن يمنح أدنى حرّيّة. ونظنّ أنّ هذه أسباب كافيّة لجعل حركتنا التجديديّة تظهر تحت اسم (جبهة التحرير الوطنيّ) وهكذا نتخلّص من جميع التنازلات المحتملة، ونتيح الفرصة لجميع المواطنين الجزائريّين من جميع الطبقات الاجتماعيّة، وجميع الأحزاب والحركات الجزائريّة الوطنيّة الفرصة أن تنضمّ إلى الكفاح التحريريّ، دون أيّ اعتبار آخر؛ ولكي نبيّن بوضوح هدفنا، فإنّنا نسطّر فيما يلي الخطوط العريضة لبرنامجنا السياسيّ:

الهدف: هو الاستقلال الوطنيّ بوساطة:

1 - إقامة الدولة الجزائريّة الديموقراطيّة الاجتماعيّة، ذات السيادة، ضمن إطار المبادئ الإسلاميّة. 2 - احترام جميع الحرّيّات الأساسيّة بدون تمييز عرقيّ أو دينيّ.

الأهداف الداخليّة

1 - التطهير السياسيّ بإعادة الحركة الوطنيّة إلى نهجها الحقيقيّ؛ والقضاء على جميع مخلّفات الفساد، وروح الإصلاح التي كانت عاملاً هامّاً في تخلّفنا الحاليّ. 2 - تجميع وتنظيم جميع الطبقات السليمة لدى الشعب الجزائريّ، لتصفية النظام الاستعماريّ.

الأهداف الخارجيّة

1 - تدويل القضيّة الجزائريّة. 2 - تحقيق وحدة شمال إفريقيا في داخل إطارها العربيّ والإسلاميّ. 3 - في إطار ميثاق الأمم المتّحدة: نؤكّد عطفنا الفعّال تجاه جميع الأمم التي تساند قضيّتنا التحريريّة. [٩]

مراحل الثورة الجزائريّة

المرحلة الأولى (54-56)

وتركّز العمل فيها على تثبيت الوضع العسكريّ وتقويته، ومدّ الثورة بالمتطوّعين والسلاح والعمل على توسيع إطار الثورة لتشمل كافّة أنحاء البلاد، أمّا ردّة فعل المستعمر الفرنسيّ فكانت القيام بحملات قمع واسعة للمدنيّين وملاحقة الثوّار.

المرحلة الثانية (56 – 58)

شهدت هذه المرحلة ارتفاع حدّة الهجوم الفرنسيّ المضادّ للثورة من أجل القضاء عليها، بسبب تجاوب الشعب معها، وأقام جيش التحرير مراكز جديدة، إلا أنّ الثورة ازدادت اشتعالاً ونشطت حركة الفدائيّين في المدن، كما تمكّن جيش التحرير من إقامة بعض السلطات المدنيّة في بعض مناطق الجنوب الجزائريّ وأخذت تمارس صلاحيّاتها على جميع الأصعدة.

المرحلة الثالثة (58 – 60)

كانت هذه المرحلة من أصعب المراحل، فقد نفّذ المستعمر الفرنسيّ عمليّات عسكريّة ضخمة ضدّ جيش التحرير الوطنيّ، وفي هذه الفترة، بلغ القمع البوليسيّ حدّه الأقصى في المدن والأرياف، وفرضت على الأهالي معسكرات الاعتقال الجماعيّ في مختلف المناطق، أمّا ردّ جيش التحرير، فقد كان خوض معارض عنيفة ضدّ الجيش الفرنسيّ، واعتمد خطّة توزيع القوّات على جميع المناطق من أجل إضعاف قوات العدوّ المهاجمة، وتخفيف الضغط على بعض الجبهات، بالإضافة إلى فتح معارك مع العدوّ من أجل إنهاكه واستنـزاف قوّاته وتحطيمه، وفي (19) أيلول/ سبتمبر عام (1958 م) إعلنت الحكومة الجزائريّة المؤقّتة برئاسة السيّد فرحات عبّاس، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت هذه الحكومة هي الممثّل الشرعيّ والناطقة باسم الشعب الجزائريّ، والمسؤولة عن قيادة الثورة، وأعلنت في أوّل بيان لها عن موافقتها على إجراء مفاوضات مع الحكومة الفرنسيّة، شرط الاعتراف المسبق بالشخصيّة الوطنيّة الجزائريّة ماديّاً وسياسيّاً وعسكريّاً، وفي تشرين الثاني/ نوفمبر من عام (1958 م) شنّ جيش التحرير الوطنيّ هجوماً على الخطّ المكهرب على الحدود التونسيّة، كما خاض مع الجيش الفرنسيّ معارك عنيفة وبطوليّة في مختلف أنحاء الجزائر؛ وعلى الصعيد السياسيّ، طرحت قضيّة الجزائر في الأمم المتّحدة، وفي مؤتمر الشعوب الإفريقيّة بـ "أكرا" ولاقت التضامن والدعم الكاملين والتأييد المطلق لها، وألقى الجنرال ديغول خطاباً هذا الشهر في الجزائر العاصمة أشار فيه إلى الشخصيّة الجزائريّة، وفي كانون الأوّل/ ديسمبر من (1958 م) أعلن الجنرال ديغول اعتراف فرنسا بحق الجزائر في تقرير مصيرها، وانتخب رئيساً للجمهوريّة الفرنسيّة في (16) أيلول/ سبتمبر (1959 م)، وكان جواب الحكومة الجزائريّة المؤقتة قبولها لمبدأ تقرير المصير واستعدادها للتفاوض المباشر في الشروط السياسيّة والعسكريّة لوقف القتال وتوفير الضمانات الضروريّة لممارسة تقرير المصير.

المرحلة الرابعة (1960 – 1962 م)

المرحلة الحاسمة، خلال هذه الفترة الهامّة والحاسمة من حرب التحرير، حاول الفرنسيّون حسم القضيّة الجزائريّة عسكرياً، ولكنّهم لم يفلحوا في ذلك، لأنّ جذور الثورة كانت قد تعمّقت وأصبحت موجودة في كلّ مكان، وأضحى من الصعب، بل من المستحيل القضاء عليها، ورغم هذا شنّ الفرنسيّون عدّة حملات عسكريّة ضخمة، على مختلف المناطق الجزائريّة، ولكنّها جميعاً في الواقع باءت بالفشل، وتكبّد الجيش الفرنسيّ خلالها خسائر فادحة، وقد جرى في شهر كانون الثاني/ يناير (1960 م) تشكيل أوّل هيئة أركان للجيش الجزائريّ الذي كان متمركزاً على الحدود التونسيّة والجزائريّة، وتمّ تعيين العقيد هوّاري بومدين أوّل رئيس للأركان لهذا الجيش، وفي هذه الفترة بالذات، تصاعد النضال الجماهيريّ تحت قيادة الجبهة، وقد تجسّد ذلك في مظاهرات كانون الأوّل/ ديسمبر (1960 م)، خلال هذه الفترة عقد المؤتمر الثاني لجبهة التحرير الوطنيّ في مدينة طرابلس بليبيا، أمّا على الصعيد السياسيّ، فقد عقدت الدورة (16) للأمم المتّحدة أيلول/ سبتمبر (1961 م) وشباط/ فبراير (1962 م)، وأمام أهميّة الاتصالات المباشرة بين جبهة التحرير والحكومة الفرنسيّة، فإنّ الأمم المتّحدة "دعت الطرفين لاستئناف المفاوضات بغية الشروع بتطبيق حقّ الشعب الجزائريّ في حرّيّة تقرير المصير والاستقلال، وفي إطار احترام وحدة التراب الجزائري" وهكذا انتصرت وجهة نظر جبهة التحرير الوطنيّ، وأُجبرت فرنسا على التفاوض بعد أن تأكدت فرنسا نفسها أنّ الوسائل العسكريّة لم تنفع، بخاصّة بعد الفشل الذريع الذي منيت به حملاتها الضخمة، وعدم فعاليّة القمع البوليسيّ في المدن، ورفض الشعب الجزائريّ المشاركة في الانتخابات المزوّرة، واستحالة إيجاد "قوّة ثالثة" تكون تبعاً للمستعمر بأيّ حال، وقام الفرنسيّون بمناورات عدّة وتهديدات كثيرة لتحاشي التفاوض، وعملوا كلّ ما بوسعهم لتصفية جيش التحرير الوطنيّ كقوّة عسكريّة وقوّة سياسيّة، فتهرّبت فرنسا من محاولات التفاوض النـزيه كلّها، عاملة على إفراغ حقّ تقرير المصير من محتواه الحقيقيّ، متوهّمة أنّها ستنتصر عسكريّاً على الثورة، وكان يقابل سياسة المفاوضات هذه حرب متصاعدة في الجزائر، بهدف تحقيق النصر؛ فقد كان الفرنسيّون يعتقدون أنّ رغبة جبهة التحرير في السلم وقبولها للاستفتاء يعتبر دليلاً على الانهيار العسكريّ لجيش التحرير الوطنيّ، إلا أنّ الجبهة عادت وأكّدت من جديد أنّ الاستقلال ينتـزع من سالبه، ولا يوهب منه، فاتّخذت جميع التدابير لتعزيز الكفاح المسلّح؛ وعادت فرنسا بعد ذلك لتقدم لمندوبي جبهة التحرير صورة كاريكاتوريّة للاستقلال: جزائر مقطوعة عن أربعة أخماسها (الصحراء) وقانون امتيازيّ للفرنسيّين، فرفضت الجبهة ذلك، ولما عجزت فرنسا عن فرض مقترحاتها جملة وتفصيلاً، بانتصار عسكريّ؛ أجرت اتّصالات ومفاوضات جديدة لبحث القضايا الجوهريّة، وقد دخلت هذه المرّة مرحلة أكثر إيجابيّة، وتحدّدت الخطوط العريضة للاتفاق، في أثناء مقابلة تمّت بين الوفد الجزائريّ والوفد الفرنسيّ في قرية فرنسيّة بالقرب من الحدود السويسريّة، وبعد ذلك، عقدت ندوة حول إيقاف القتال في إيفيان من (7) إلى (18) آذار/ مارس (1962 م) تدارست الوفود خلالها تفاصيل الاتفاق، وكان الانتصار حليف وجهة نظر جبهة التحرير، وتوقف القتال في (19) آذار/ مارس بين الطرفين وتحدد اليوم الأوّل من تموز لإجراء استفتاء شعبيّ، فصوت الجزائريّون جماعيّاً لصالح الاستقلال، وبذلك تحقّق الهدف السياسيّ والأساسيّ الأوّل لحرب التحرير، بعد أن دفع الشعب الجزائريّ ضريبة الدم غالية في سبيل الحرّيّة والاستقلال.

نجاح الثورة

وبعد أن استمرّت الحرب قرابة ثماني سنوات سقط خلالها ما يقرب من مليون شهيد، وقد صادف بدء انسحاب القوات الفرنسيّة في (5) تموز/ يوليو (1962 م) في يوم دخولها (5) تموز/ يوليو (1830 م) أيّ بعد (132) سنة من الاستعمار، كما انسحبت هذه القوّات من المكان الذي دخلت منه نفسه إلى الجزائر في منطقة "سيدي فرج" القريبة من الجزائر العاصمة، وفي هذا اليوم تمّ تعيّين السيد أحمد بن بيللا أوّل رئيس لجمهوريّة الجزائر المستقلّة بعد خروجه من السجون الفرنسيّة، مع عدد من قادة الثورة وكوادرها. [١٠]

المراجع

  1. سلسلة جهاد شعب الجزائر (9/ 50-49).
  2. تاريخ الجزائر المعاصر (1/ 23).
  3. تاريخ الجزائر المعاصر (1/ -18-17).
  4. تاريخ الجزائر المعاصر (1/ 20).
  5. تاريخ الجزائر المعاصر (1/ 21).
  6. تاريخ الجزائر المعاصر (1/ 25).
  7. تاريخ الجزائر المعاصر (1/ 27).
  8. موضوع.كوم: https://mawdoo3.com
  9. سلسلة جهاد شعب الجزائر (9/ 94-95-96 -97 -98).
  10. .http://elbassair.net/bouhouth/divers/0507.pdf