ابن رشد

من رؤية بيديا
اذهب إلى: تصفح، ابحث

ابن رشد (520- 595 هـ/ 1126- 1198 م) هو أبو الوليد محمّد بن أحمد بن محمّد بن رشد، الفيلسوف الأندلسيّ، يسمّيه الإفرنج [ Averroes ]أبرز فلاسفة الإسلام العقلانيّين، والشارح الأكبر لأعمال أرسطو الفكريّة، عاش في ظلّ دولة الموحّدين بالمغرب والأندلس، وولي قضاء قرطبة، وعهدت إليه الدولة بشرح أعمال أرسطو، فقدّم لكلّ عمل منها شرحاً مطوّلاً، وآخر متوسّطاً، وثالثاً مختصراً، وهي الشروح التي عرفت أوربّا أرسطو من خلالها، وبنت على أساسها فكرها العقلانيّ الذي نهضت به، على حين كانت هذه الشروح موضع هجوم الكنيسة وتجريمها، ولابن رشد مؤلّفات هامّة، غير شروحه على أرسطو، وله كذلك في الشروح إضافات وانتقادات تعبّر عن ذاتيّته المستقلّة، وعقيدته الإسلاميّة، وثمرات عصره الفكريّة، وفي السياسة كانت له ممارسات يرجع إليها بعضهم المحنة المؤقّتة التي مرّ بها، عندما نفي وأحرقت كتبه، وحرّمت دراستها، وله فيها أيضاً كتابات، أحدها: شرحه «جمهوريّة أفلاطون»، وشرحه لعقيدة إمام دولة الموحّدين؛ المهديّ بن تومرت، كما تحدّثت في تلخيص الخطابة، وغيره من شروحه عن نظم الحكم وأنواعها، ودور الجيوش في المجتمعات الحرّة، إلخ...[١]

وتعكس آثاره الفكريّة نبوغه في الفلسفة، وأيضاً في الطبّ والفقه، فله فيهما أيضاً مؤلّفات كانت ولا تزال من أمّهات المراجع في بابها. اتّهمه خصومه بالزندقة والإلحاد، فأوغروا عليه صدر المنصور، فنفاه إلى مراكش، وأحرق بعض كتبه، ثم رضي عنه وأذن له بالعودة إلى وطنه، فعاجلته الوفاة بمرّاكش، ونقلت جثّته إلى قرطبة، قال ابن الأبار: كان يفزع إلى فتواه في الطبّ، كما يفزع إلى فتواه في الفقه. ويلقّب بابن رشد «الحفيد»، تمييزاً له عن جدّه أبي الوليد محمّد بن أحمد (المتوفى سنة 520) وممّا كتب فيه: «ابن رشد وفلسفته - ط» ل فرح أنطون، و «ابن رشد - ط» ليوحنّا قمير، و «ابن رشد الفيلسوف - ط» لمحمّد يوسف موسى، و «ابن رشد - ط» لعبّاس محمود العقّاد [٢].

الفقيه الفيلسوف.jpg

فلسفة ابن رشد

على الأصحّ إنّهما فلسفتان لا فلسفة واحدة: فلسفة ابن رشد كما فهمها الأوروبيّون في القرون الوسطى، وفلسفة ابن رشد كما كتبها هو واعتقدها، ودلَّتْ عليها أقواله المحفوظة لدينا.

وفلسفة ابن رشد كما فهمها الأوروبيّون في القرون الوسطى يلاحظ عليها ثلاثة أمور:

  • أوّلها: أنّهم اعتمدوا في فهم فلسفته على شروحه لأرسطو وتلخيصاته لبعض كتبه، ومهما يكن من إعجاب ابن رشد بأرسطو فآراء الفيلسوف العربيّ لا تطابق آراء الفيلسوف الإغريقيّ في كلّ شيء.
  • وثانيها: أنّهم اعتمدوا على تلك الشروح والتلخيصات مترجَمة إلى اللّغة اللاتينيّة أو العبريّة، ولا تخلو الترجمة من اختلاف.
  • وثالثها: أنّ فلسفة ابن رشد ذاعت بين الأوروبيّين إبَّان سلطان محكمة التفتيش التي كانت تتعقّب الفلسفة العربيّة الأندلسيّة على الخصوص، وتحرّم الاشتغال بالعلوم التي تخالف أصول الدين في تقديرها، فمن الطبيعيّ أن تنسب إلى ابن رشد كلّ معنى يسوّغ ذلك التحريم، ويقيم الحجّة على صوابه، وأن تؤكد كلّ فكرة تلوح عليها المخالفة وإن جاز تأويلها على عدّة وجوه.


لخَّص موريس دي ولف آراء ابن رشد في كتابه عن تاريخ فلسفة القرون الوسطى [٣] فقال: «كانت إسبانيا في القرن العاشر ملتقى أجناس كثيرة مختلفة أشدّ اختلاف؛ فكان اليهود والمسيحيّون في دول المسلمين يعيشون جنباً إلى جنب مع العرب … وساعد هذا على جعل إسبانيا مركزاً لحركة فلسفيّة قويّة إلى القرن الثالث عشر.

ويرجع أصل الفلسفة العربيّة الإسبانيّة إلى القرن التاسع، حين جدَّد ابن مسرة آراء أمبدوقليس المزعومة، ونجد في القرن الحادي عشر اسمَي ابن حزم القرطبيّ وابن باجة السرقسطيّ … والأخير مؤلّف كتب في المنطق، ورسالة في النفس وشروح عدّة لأرسطو، وكتاب عن هداية المتوحّد يصور درجات الاتصال عند المتصوّفة، ونجد كذلك اسم ابن الطفيل وعنده مثل هذه الميول الصوفيّة.


ثمّ استطرد المؤلّف إلى تلخيص فلسفة ابن رشد بعد بيان كُتُبه التي كانت متداولة بين قرَّاء اللاتينيّة، فقال:إنّ وجود الكائن الأعلى –الله- هو موضوع فلسفة ما بعد الطبيعة، وإثبات وجوده قائم بالبراهين الفعليّة، وهو الذي تَصْدُر عنه العقول منذ الأزل، وكلّ موجود غير الله لا يفسّر وجوده بغير عمل خالق، فليست العقول صادرة على التتابع واحداً بعد الآخر بحسب مذهب ابن سينا، بل هي من خلق الله أصلاً، وإنّما يأتي تعدّدها من أنّها لا تتساوى في الكمال والصفاء، وهي في الخارج متّصلة بالأفلاك، فالسموات جملة من الأفلاك كلٌّ منها له صورة [٤]من أحد العقول، والمحرّك الأوّل يحرّك الفلك الأوّل، وهذا يحرّك الأفلاك الأخرى، إلى القمر الذي يحرّكه العقل الإنسانيّ؛ لأنّه يتّصل بمداركنا ومعقولاتنا، وله عمل على اتصال بما فوق الطبيعة كما في مذهب ابن سينا.

قِدَم العالم

يقول ابن رشد عن قِدَم العالم في كتابه «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال»: «وأمّا مسألة قِدَمه أو حدوثه، فإنّ الاختلاف فيها عندي بين المتكلّمين من الأشعريّة وبين الحكماء المتقدّمين يكاد يكون راجعاً للاختلاف في التسمية، وبخاصّة عند بعض القدماء؛ وذلك أنّهم اتّفقوا على أنّ هاهنا ثلاثة أصناف من الموجودات: طرفان ووساطة بين الطرفين، فاتّفقوا في تسمية الطرفين واختلفوا في الوساطة. فأمّا الطرف الواحد فهو موجود، وجد من شيء غيره، وعن شيء: أعني عن سبب فاعل ومن مادّة، والزمان متقدّم عليه … وهذه هي حال الأجسام التي يدرك تكوُّنها بالحسّ، مثل تكوُّن الماء والهواء والأرض والحيوان والنبات وغير ذلك، فهذا الصنف من الأصناف اتّفق الجميع من القدماء والأشعريّين على تسميتها محدثة (هكذا). وأمّا الطرف المقابل لهذا فهو موجود لم يكن من شيء، ولا عن شيء ولا تقدّمه زمان، وهذا أيضاً اتّفق الجميع من الفرقتين على تسميته قديماً، وهذا الموجود يُدرَك بالبرهان، وهو الله تبارك وتعالى، وهو فاعل الكلّ ومُوجِده، والحافظ له سبحانه وتعالى قدره. وأمّا الصنف من الوجود الذي بين هذين الطرفين، فهو موجود لم يكن من شيء، ولا تقدّمه زمان، ولكن موجود عن شيء، أي عن فاعل، وهذا هو العالَم بأسره، والكلّ منهم متّفق على وجود هذه الصفات الثلاث للعالم، فإنّ المتكلّمين يسلّمون أن الزمان غير متقدّم عليه أو يلزمهم ذلك؛ إذ الزمان عندهم شيء مقارن للحركات والأجسام. وهم أيضاً متّفقون مع القدماء على أنّ الزمان المستقبل غير متناهٍ، وكذلك الوجود المستقبل، وإنّما يختلفون في الزمان الماضي والوجود الماضي؛

  1. فالمتكلّمون يرون أنّه متناهٍ، وهذا هو مذهب أفلاطون وشيعته.
  2. وأرسطو وفرقته يرون أنّه غير متناهٍ، كالحال في المستقبل، فهذا الموجود الآخر الأمر فيه بيِّن؛ إنّه قد أخذ شبهاً من الوجود الكائن الحقيقيّ، ومن الوجود القديم، فمَن غلب عليه ما فيه من شبه القديم، على ما فيه من شبه المحدث، سمّاه قديماً، ومَن غلب عليه ما فيه من شبه المحدث سمَّاه محدثاً.

وهو في الحقيقة ليس محدثاً حقيقيّاً ولا قديماً حقيقيّاً؛ فإنّ المحدث الحقيقيّ فاسد ضرورة، والقديم الحقيقيّ ليس له علّة. ومنهم مَن سمَّاه محدثاً أزليّاً وهو أفلاطون وشيعته؛ لكون الزمان متناهياً عندهم من الماضي. فالمذاهب في العالم ليست تتباعد كلّ التباعد، حتّى يكفّر بعضها ولا يكفّر، فإنّ الآراء التي من شأنها هذا، يجب أن تكون في الغاية من التباعد …وإنّ ظاهر الشرع إذا تصفّح ظهَرَ من الآيات الواردة في الأنباء عن إيجاد العالم؛ أنّ صورته محدثة بالحقيقة، وأنّ الوجود والزمان أنفسهما مستمرّان من الطرفين -أعني غير منقطع- وذلك أنّ قوله تعالى:وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ يقتضي بظاهره وجوداً قبل هذا الوجود، وهو العرش والماء، وزماناً قبل هذا الزمان، أعني المقترن بصورة هذا الوجود الذي هو عدد حركة الفلك. وقوله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ يقتضي أيضاً وجوداً ثانياً بعد هذا الوجود، وقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ يقتضي بظاهره أنّ السماء خُلِقت من شيء. والمتكلّمون ليسوا في قولهم أيضاً في العالم على ظاهر الشرع بل متأوِّلون؛ فإنّه ليس في الشرع أنّ الله كان موجوداً مع العدم المحض، ولا يوجد هذا فيه نصّاً أبداً، فكيف يتصوّر في تأويل المتكلّمين في هذه الآيات أنّ الإجماع منعقد عليه …»٥ وقد تناول الغزاليّ هذه المسألة في تهافت الفلاسفة، فقال: إنّ وجود الزمان قبل وجود العالم غير لازم، «ولو كان الله ولا عيسى مثلاً، ثمّ كان الله وعيسى لم يتضمّن اللفظ إلّا وجود ذات وعدم ذات، ثمّ وجود ذاتين، وليس من ضرورة ذلك تقدير شيء ثالث وهو الزمان». فأجابه ابن رشد، فقال: «صحيح، إلّا أنّه يجب أن يكون تأخُّره عنه ليس تأخُّراً زمانيّاً.» إلى أن قال: «وهذا كلّه ليس يبيّن هاهنا ببرهان، وإنّما الذي يتبيّن هاهنا أنّ المعاندة غير صحيحة.»

ونرى أنّ ابن رشد يقول هنا إنّ المسألة غير برهانيّة، ولكن فلاسفة الأوروبيّين في القرون الوسطى يعيدون هذا القول ويحسبونه ردّاً عليه، كما فعل القدّيس توماالإكويني [٥] في الفصل الذي عقده على مبادئ الخليقة من كتابه مجمل اللاهوت TheSumma Theologiea فإنّه ذكر قول أرسطو في قِدَم العالم، ثمّ أشار إلى كلامٍ له في كتاب الجدل، فقال: «والوجه الثالث -أيْ من وجوه الردّ على قِدَم العالم- أنّه قال صريحاً: إنّ ثمّة مسائل جدليّة لا يتأتّى حلّها بالبرهان كمسألة قِدَم العالم.»


وقد ردَّد ابن رشد نقده لبراهين معارضيه فقال: «إنّ الطرق التي سلك هؤلاء القوم في حدوث العالم، قد جمعت بين هذين الوصفين معاً، أعني أنّ الجمهور ليس في طباعهم قبولها، ولا هي مع هذا برهانيّة؛ فليست تصحّ لا للعلماء ولا للجمهور.»[٦] وتناول في كتابه «منهاج الأدلّة» هذا المبحث من رسالة أبي المعالي الموسومة بالنظاميّة، حيث يقول أبو المعالي:

«… إنّ العالم بجميع ما فيه جائز أن يكون على مقابل ما هو عليه، حتّى يكون من الجائز مثلاً أصغر ممّا هو، وأكبر ممّا هو، أو بشكل آخَر غير الذي هو عليه، أو عدد أجسامه غير العدد الذي هو عليه، أو تكون حركة كلّ متحرّك منها إلى جهةٍ ضدّ الجهة التي يتحرّك إليها، حتّى يمكن في الحجر أن يتحرّك إلى فوق، وفي النار إلى أسفل … وإنّ الجائز محدث وله محدث، أي: فاعل صيّره بإحدى الحالين.»

فأجاب ابن رشد على هذا بما فحواه: أنّ المصنوع لحكمة إنّما يكون على الوجه الذي يحقِّق تلك الحكمة، ولا يكون عبثاً -تنزَّهَ الخالق عن العبث- ثمّ قال: إنّ «ما يعرض للإنسان في أوّل الأمر عند النظر في هذه الأشياء، شبيه بما يعرض لمَن ينظر في أجزاء المصنوعات، من غير أن يكون من أهل تلك الصنائع، وذلك أنّ الذي هذا شأنه قد سبق إلى ظنّه أنّ كلّ ما في تلك المصنوعات أو جلّها ممكن أن يكون بخلاف ما هو عليه، ويوجد عن ذلك المصنوع ذلك الفعل بعينه الذي صنع من أجله -أعني غايته- فلا يكون في ذلك المصنوع عند هذا موضع حكمة، وأمّا الصانع والذي يشارك الصانع في شيء من علم ذلك، فقد يرى أنّ الأمر بضدّ ذلك، وأنّه ليس في المصنوع إلا شيء واجب ضروريّ، أو ليكون به المصنوع أتمّ وأفضل إن لم يكن ضروريّاً فيه، وهذا هو معنى الصناعة والظاهرات المخلوقات شبيهة في هذا المعنى بالمصنوع، فسبحان الخلَّاق العظيم».[٧] وواضح من مذهب ابن رشد في جميع كتبه، أنّه لا خلاف في خلق الله للعالَم، ولكن الخلاف في سبق الزمان للعالَم، أو أنّ الزمان والعالَم وُجِدا معاً، وعند ابن رشد أنّ العالَم قديم؛ لأنّه موجود بمشيئة الله، ولا رادَّ لمشيئته، وليس لها ابتداء. وموضع اللبس في مذهب ابن رشد أنّه لم يفرِّق بين الزمان والأبديّة، وهما مختلفان. فالزمان لا يتصوّر إلا مع الحركة، والأبديّة لا تتصوّر مع الحركة بحال من الأحوال؛ إذ الكائن الأبديّ لا يتحرّك من مكان إلى مكان، ولا من زمان إلى زمان، وليس قبله شيء ولا بعده شيء فيتحرّك ممّا قبله إلى ما بعده.

ومذهب أفلاطون في الزمان أصحّ من مذهب معارضيه؛ فإنّه يرى أنّ الزمان محاكاة للأبديّة، أنعم الله به على الموجودات؛ لأنّها لا تستطيع أن تشبه الله في صفة الدوام، بلا ابتداء ولا انتهاء، وكلام الغزاليّ حين قال: إنّ وجود العالم بعد وجود الله لا يقتضي وجود الزمان بينهما غاية في الدقّة؛ فإنّ هاهنا ذاتين فقط، ولا محلّ لفرض وجود الزمان بين الوجود الأوّل والوجود الثاني، وإنما هو -كما قال- من أغاليط الأوهام.[٨]

== علم الله بالجزئيات == عكاش أمّا القول بأن الله لا يعلم الجزئيّات، فلم يحفل ابن رشد به كثيراً؛ لأنّ هذا القول «ليس من قولهم» -أي الفلاسفة- كما قال في آخِر كتاب «تهافت التهافت»، وعرض لهذه المسألة في كتاب «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال»، فقال: «إنّ أبا حامد -أي الغزاليّ- قد غلط على الحكماء المشَّائين فيما نسب إليهم من أن!هم يقولون إنّه -تقدَّس وتعالى- لا يعلم الجزئيّات أصلاً، بل يرون أنّ الله -سبحانه وتعالى- يعلمها بعلم غير مجانِس لعلمنا؛ وذلك أنّ علمنا معلول للمعلوم به، فهو محدث بحدوثه ومتغيِّر بتغيُّره، وعلم الله سبحانه بالوجود على مقابل هذا، فإنّه علّة للمعلوم الذي هو الموجود… وكيف يتوهّم على المشّائين أنّهم يقولون: إنّه سبحانه لا يعلم بالعلم القديم الجزئيّات، وهم يرون أنّ الرؤيا الصادقة تتضمّن الإنذارات بالجزئيّات الحادثة في الزمان المستقبل، وأنّ ذلك العلم المنذر يحصل للإنسان في النوم، من قبل العلم الأزليّ المدبّر للكلّ والمستولي عليه، وليس يرون أنّه لا يعلم الجزئيّات فقط على النحو الذي نعلمه نحن، بل ولا الكلّيّات، فإنّ الكلّيّات المعلومة عندنا معلولة أيضاً على طبيعة الموجود، والأمر في ذلك بالعكس؛ ولذلك ما قد أدّى إليه البرهان أنّ ذلك العلم منزَّه عن أن يُوصَف بكلِّيٍّ أو بجزئيٍّ، فلا معنى للاختلاف في هذه المسألة، أعني في تكفيرهم أو لا تكفيرهم …»[٩] وواقع الأمر أنّ مذاهب الفلاسفة الإلهيّين لم يَرِدْ فيها قَطُّ ما يدعو إلى هذه الشبهة، وأنّ ابن رشد على الخصوص كان في طليعة القوم تنزيهاً لعلم الله، بل إنّه قال في غير موضع من كُتُبه: إنّ علم البرهان نفسه إنّما هو من وحي الله.

خلود النفس

ولتمحيص القول بخلود النفس عند ابن رشد ينبغي الرجوع إلى مذهب أرسطو في النفس والعقل؛ لأنّه إذا صحّ ما قيل من أنّ توما الإكويني نصر أرسطو، فأصحّ من ذلك أنّ ابن رشد حنّفه -أي: جعله مسلماً حنيفاً- واجتهد في تنقيته من كلّ ما يخالف العقيدة الإسلاميّة غاية اجتهاده.


وقد أعان ابن رشد على ذلك أنّ كلمة الروح عندنا تشمل معنى النفس والعقل معاً في معظم معانيها، فالنفس تقرن بالشر والذنب في كلامنا، وقلّما تقرن الروح بمثل ذلك، فإذا قيل نفس شريرة على العموم، فمن النادر أن يقال ذلك عن الروح وعن الروحانيّ؛ لأنّ الروحانيّات أشرف وأصفى من ذاك.

وقد تكلّم أرسطو عن النفس والعقل في كتاب الأخلاق وفي كتاب النفس، ووضّح في كلامه عن العقل أنّه: ينطبق أيضاً على الروح، كما قال في كتاب الأخلاق عن السعادة العليا للإنسان، وهي سعادة التأمل، ثم قال: «مثل هذه الحياة ربما كانت أرفع جداً مما يستطيعه الإنسان؛ لأنّه لا يحيا هذه الحياة باعتباره إنساناً، بل يحياها بمقدار ما فيه من النفحة الإلهيّة، والفرق بين هذه النفحة الإلهيّة وبين تركيبنا الطبيعيّ؛ كالفرق بين عمل ذلك الجانب الإلهيّ وعمل الفضائل الأخرى، وإذا كان العقل إلهيّاً فالحياة على مثاله إلهيّة بالنسبة إلى المعيشة الإنسانيّة، وعلينا ألَّا نتّبع أولئك الذين ينصحون لنا ما دمنا بشراً أن نشتغل بهموم البشر، وما دمنا فانين أن نعمل عمل الفانين، بل علينا ما استطعنا أن نعمل عمل الخالدين، وأن نحفّز كلّ عرق من عروقنا حتّى نسمو إلى مرتبة أرفع ما فينا -وإنْ قلَّ وصغر- لأقدر وأكمل من كلّ شيء عداه .»[١٠]

أثر الفلسفة الرشديّة

ابن رشد وأرسطو

اشتهر أرسطو بين الأوروبيّين في القرون الوسطى باسم الفيلسوف، فإذا ذُكِر الفيلسوف بغير اسم في كتاب من كُتُبِ تلك العصور فأرسطو هو المقصود.

واشتهر ابن رشد باسم الشارح أو المعقّب Commentator فإذا قيل: الشارح أو المعقّب في كلام من كلامهم فابن رشد دون غيره هو المقصود


وقد عرَّف ابنَ رشدٍ متعلّمو القوم بالمعلّم الأوّل، وهو لا يعرف اليونانيّة، ولم يكن شيء من كلام أرسطو قد تُرجِم إلى اللاتينيّة أو لغة من اللغات الأوروبيّة قبل عصر ابن رشد، غير كتب المنطق.

ابن رشد وتوما الإكويني

ثم تنبَّه علماؤهم إلى ترجمته بعد ذيوع اسم ابن رشد، فطلب القدّيس توما الإكويني من صديقه «وليام مويربك» Moerbeke أن ينقل جميع كتبه فنقلها،[١١] ولم يظهر بعد نقلها أنّ ابن رشد قد أخطأ في شيء من لباب الفلسفة، ولم يحصوا عليه غير هفوات من الغلط ببعض الأسماء لتشابه نطقها، وسائر شروحه بعد ذلك لا غبار عليها من جهة المعنى، وقد يقع العارف باليونانيّة في أخطاء أكثر من الأخطاء التي لوحظت على الفيلسوف القرطبيّ، ما لم تكن له فطنة كفطنة ذلك الفيلسوف.

وبحسب الرجل شهادة لروحه أنّ الكتب التي نُقِلت من اليونانيّة مباشَرَةً لم تُغْنِ عنه، فبعد أن حرّم أسقف باريس دراسته في جامعتها، وسمّاه رأس الضلال في منتصف القرن الثالث عشر، عادت هذه الجامعة نفسها بعد قرن فأخذت على أساتذتها المواثيق ألَّا يعلموا فيها شيئاً لا يوافق مذهب أرسطو كما شرحه ابن رشد، وأصبحت كتبه مادّة لا تنفد للدرس والمناقشة في البِيَع [١٢] والأديرة والجامعات.


ابن رشد والرهبان

وعلى الرغم من تحريم الاشتغال بالدراسات الدنيويّة أو العالميّة على الرهبان، أقبل على دراسة ابن رشد ومناقشته والاستفادة منه قطبان إمامان في رهبنة الدومينيّين ورهبنة الفرنسيسيّين، وهما توما الإكويني الذي سبقت الإشارة إليه، وروجرز باكون[١٣] رائد المدرسة التجريبيّة التي تمَّمَها سميّه فرنسيس باكون.[١٤]

وقد كان من الرهبان مَن يتحدّى أوامر رؤسائه ويمضي في دراسة ابن رشد بعد تحريمها، كما فعل سيجر دي برابان (1235–1282) Siger de Brabant وكان أستاذاً بجامعة باريس، ولم يُقلِع عن دراستها ونشرها إلا مضطراً بعد صدور الأمر من روما (سنة 1266) بتأييد أسقف باريس في قرار التحريم.

ترجمة كتب ابن رشد

وكانت كتب ابن رشد وشروحه تُترجَم وتُنشَر في الجامعات بأمر ملك من الملوك المستنيرين في ذلك الزمن، لم يكن يبالي ما يقال عنه في المجامع الدينيّة، وهو فردريك الثاني ملك صقليّة، وحامي العِلْم والأدب في زمانه (1194–1250)، فإنّه كلَّف العالم الأيقوسي ميخائيل سكوت بترجمة الشروح وأرسلها إلى جامعة بولون وجامعة باريس كأنّها مفروضة على طلبة الجامعات.


ولم يَبْقَ في القرن الثالث عشر وما بعده أوروبيّ يشتغل بالثقافة أو يسمع بأحاديثها إلّا عرف شيئاً عن ابن رشد وأعجب به أو رَدَّ عليه، ولو لم يكن من الفلاسفة والمنقطعين للعلوم.

فذكره دانتي الشاعر في الكوميديا الإلهيّة، وناقشه في مسألة الروح (1265–1321).

وذكره الناسك سفونرولا Savonarola (1452–1498) وسمّاه بالعقل الربانيّ[١٥] واستهدف للسخط من جرَّاء الثناء عليه.


وما من مدرسة فلسفيّة نشأت في أوروبّا بعد القرن الثالث عشر إلا أمكن أن تنتسب من قريب أو بعيد إلى الثقافة الرشديّة، سواء بالاطلاع على تلك الثقافة أو بالاطلاع على تعليقات المعلقين عليها، نقضاً واستنكاراً أو تأييداً وإعجاباً من كلا الطرفين.

ابن رشد وشوبنهور

وقد دارت بين فلاسفة القرون الوسطى مساجلات مسهبة حول قدرة الله وعلم الله، أو حول الإرادة والفكرة، لا نظنّ أنّها مرّت دون أن تدخل في تفكير المطّلعين عليها لحينها والمطلعين على حواشيها وذيولها في العصور الحديثة، ومنهم الفيلسوف الألماني الكبير آرثر شوبنهور (1788–1860) صاحب القول بفلسفة الإرادة والفكرة، وأن الرجوع إلى الفكرة هو غاية السعادة التي يرجوها الإنسان؛ لأنّ الفرد رهن الزوال، ولا بقاء لغير العقل الذي يترفّع عن عالم الواقع أو عالم الإرادة.

ابن رشد وسبينوزا

يقول النقّاد من الإسرائيليّين وغيرهم إن سبنوزا الفيلسوف الإسرائيلي الكبير (1632–1677) أخذ من موسى بن ميمون معاصر ابن رشد، وإنّ موسى بن ميمون أخذ من الفلسفة الرشديّة، ولا سيّما الإلهيّات وما بعد الطبيعة، ويقرّرون أنّ أثر الفلسفة الرشديّة في مذاهب الفلسفة اليهوديّة ظاهر كأثرها في مذاهب الفلسفة المسيحيّة، وإن اختلفوا في المدى والمقدار.[١٦]

ابن رشد وليبنتز

ولا نظنّ أنّ مذهب ليبنتز (Leibniz (1646–1716 في الممكنات المجتمعة بعيد عن مذهب ابن رشد في الممكنات المخلوقة لحكمة إلهيّة، فخلاصة مذهب ليبنتز أنّ تغيير ممكن واحد ليس بالمستحيل، ولكنّ تغيير الممكنات التي يتمّم بعضها بعضاً ويتعلّق بعضها بغرض بعضها الآخَر هو المستحيل؛ ولهذا كان يقول عن هذه الدنيا إنّها أحسن دنيا ممكنة، وهذا بعينه هو كلام ابن رشد حين ردّ على القائلين بجواز تغيير الممكنات، وإنّ هذا العالَم كله جائز أو غير واجب الوجود فهو قابل للتغيير، فإنّ جواب ابن رشد على هذا القول كما قدَّمناه أنّ المخلوقات التي خلقها الله على صورة من الصور لحكمة يريدها لا يمكن أن تتغيّر، وإلا كان خلقها على تلك الصورة عبثاً، والعبث مستحيل في حقّ الله.

ابن رشد وديفيد هيوم

وللفيلسوف الإنجليزي دافيد هيوم Hume (١٧١١–١٧٧٦) كلام عن المعجزات وكلام عن الأسباب قريب جداً من كلام ابن رشد٢١ في براهين المعجزات، ومن كلام الغزاليّ الذي يردّ عليه، ومذهب الغزاليّ في الأسباب معروف، وهو أنّ السبب على اصطلاحنا في العصر الحاضر «ظاهرة» تقترن بالشيء وليست هي علّة وجوده، وهو مذهب يوافق آراء العلماء المحدثين الذي يقرّرون أنّ كلمة العلم هي وصف الظواهر المقترنة، وليس من مهمّته أن يصل إلى العلل ولا سيّما العلّة الأولى.


ولدافيد هيوم غير ما تقدَّم رأي في الشخصيّة الإنسانيّة يقارب من بعض الوجوه رأي أرسطو، كما جاء في شروح ابن رشد، وكثرت فيه أقوال المؤيّدين والمعارضين في القرن الرابع عشر وما بعده إلى أيّام هيوم، ومؤدّى رأي هيوم هذا في الشخصيّة الإنسانيّة أنّه يراقب نفسه كثيراً ويتعمّق في المراقبة، فلا يحسّ وراء الانفعالات الحسّيّة والخواطر المنتزعة منها شيئاً يدلّ على كيان مستقلّ يُسمَّى النفس أو الذات، ويشبه هذا الرأي أن يكون كرأي أرسطو في الشخصيّة الإنسانيّة خلواً من العقل الإلهيّ؛ فإنّها عنده جسم له وظائف جسديّة، أو نفس نامية ونفس شهوانيّة، ولا حقيقة وراء ذلك إذا استثنينا العقل الذي هو عام غير منقسم ولا منفصل في ذات شخص من الأشخاص.

ابن رشد ووليام جميس

وأقرب من هيوم إلى عصرنا وليام جيمس إمام مذهب البرجميّة (1842–1910) الذي يقول في مبادئ علم النفس: أعترف بأنّني في اللحظة التي أتحوّل فيها إلى مباحث ما وراء الطبيعة، وأحاول أن أزيد من التعريف، أرى أنّ القول بضرب من العقل العام Anima Mundi يفكّر فينا جميعاً، هو رأي مأمول على الرغم من صعوباته.

أثر ابن رشد في علم النفس

لا بل عندنا في العصر الحاضر من علماء النفس المشغولين بدراسات النفس الإنسانيّة وعِلَلها وطباباتها، رجلٌ مثل مايرسون Myerson صاحب كتاب «متحدّث عن الإنسان» Speaking of man يدير كتابه هذا الذي صدر سنة 1952 على دراسات في الشخصيّة الفرديّة وفي العقل والنفس والجسم، يُخَيَّل إليك -لولا مصطلحاتها العصريّة- أنّها منسوخة من بعض شروح ابن رشد أو المعقّبين عليه[١٧].

المعجزة

في الفلسفة الرشديّة هناك المشابهة بين رأي دافيد هيوم في المعجزة ورأي ابن رشد، وخلاصة رأي دافيد هيوم أنّ طريقة المعجزة غير طريقة البرهان، وأنّ الحاسب إذا عرف -مثلاً- أنّ مجموعَ اثنين واثنين أربعةٌ لا تختلف حسبته؛ لأنّه يشهد بعد ذلك خارقة من الخوارق، وأنّ الجاهل قد يرى الحيلة فتلتبس عليه بالمعجزة. وإذا قوبل بين هذا الرأي وبين رأي ابن رشد فيما يلي، بدا أنّ المشابَهَة بينهما أكبر من مشابَهَة المصادفة والاتفاق، وقد نُقِلت فلسفة ابن رشد والمناقشات فيها إلى اللغة اللاتينيّة، فليس من البعيد أن يكون دافيد هيوم قد اطَّلَع على شيء منها في الترجمات اللاتينيّة، ويتعزّز هذا الظنّ إذا أضفنا إلى الكلام في المعجزة كلامه في الأسباب، وقد كان الكلام في الأسباب موضع مناقشة بين ابن رشد والغزالي، تُرجِمت كلّها إلى اللاتينيّة.

أمّا رأي ابن رشد في المعجزة فخلاصته:

  • (١) أنّ وسيلة العارف إلى الإيمان بصدق النبيّ  هي معرفة الحقّ في دعوته، وليست هي رؤية الخوارق.
  • (٢) أنّ المعجزة ممكنة؛ لأنّ قدرة الله تعالى على عمل يعجز عنه الإنسان أمر لا ينكره مؤمن بالله.
  • (٣) أنّ المعجزة مقنعة على اعتبار أنّ المشاهِد لها يرى أنّها عمل لا يقدر عليه غير الإله، فلا بدّ له إذن من الإيمان بالله قبل الإيمان بالإعجاز.
  • (٤) أنّ الإسلام لم تكن من حجّته المعجزات، بل كانت معجزته آيات القرآن الكريم، وفيه يقول تعالى:

﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ﴾ الإسراء:59

مسألة تأثير الأسباب

أما مسألة الأسباب؛ فالمعلوم أنّ الغزالي يرى أنّ الأسباب ظواهر تقارن المسبّبات وليست هي عّلتها، وهو رأي يوافقه عليه العلم الحديث الذي يكتفي بوصف الظواهر ولا يدّعي استقصاء عللها، وقد أجمل الغزاليّ رأيه هذا في كتابه «تهافت الفلاسفة»؛ حيث قال: الاقتران بين ما يعتقد في العادة سبباً وما يعتقد مسبّباً، ليس ضرورياً عندنا، بل كل شيئين ليس هذا ذاك ولا ذاك هكذا، ولا إثبات أحدهما متضمّناً لإثبات الآخَر، ولا نفيه متضمّن لنفي الآخَر، فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخَر، ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخَر، مثل: الري والشرب، والشبع والأكل، والاحتراق ولقاء النار، والنور وطلوع الشمس، والموت وحزّ الرقبة، والشفاء وشرب الدواء، وإسهال البطن واستعمال المسهّل، وهلمّ جرّاً … إلى كلّ المشاهدات من المقترنات في الطبّ والنجوم والصناعات والحرف، وإنّ اقترانها بما سبق من تقدير الله -سبحانه- لخلقها على التساوق؛ لا لكونه ضروريّاً في نفسه غير قابل للفوت، بل لتقدير. وفي المقدور خلق الشبع دون الأكل، وخلق الموت دون حزّ الرقبة، وإدامة الحياة مع حزّ الرقبة، وهلمّ جرّاً إلى جميع المقترنات، وأنكر الفلاسفة إمكانه وادّعوا استحالته، والنظر في هذه الأمور الخارجة عن الحصر يطول، فَلْنعيّن مثالاً واحداً؛ وهو الاحتراق والقطن مع ملاقاة النار، فإنّا نجوّز وقوع الملاقاة بينهما دون الاحتراق، ونجوّز حدوث انقلاب القطن رماداً محترقاً دون ملاقاة النار، وهم ينكرون جوازه … والمشاهدة تدلّ على الحصول عنده، ولا تدلّ على الحصول به، وأنّه لا علّة سواه؛ إذ لا خلاف في أنّ ائتلاف الروح بالقوى المدركة والمحرّكة في نطف الحيوانات ليس يتولّد عن الطبائع المحصورة في الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، ولا أنّ الأب فاعل الجنين بإيقاع النطفة في الرحم، ولا هو فاعل حياته وبصره وسمعه وسائر المعاني التي فيه، ومعلوم أنّها موجودة عنده ولم يقل أحد إنّها موجودة به … وقال ابن رشد يردّ عليه:
أمّا إنكار وجود الأسباب الفاعلة التي تشاهد في المحسوسات، فقول سفسطائيّ، والمتكلّم بذلك إمّا جاحد بلسانه لما في جنانه، وإمّا منقاد لشبهة سفسطائيّة عرضت له في ذلك، ومَن ينفي ذلك فليس يقدر أن يعترف أنّ كلّ فعل لا بدّ له من فاعل، وأمّا أنّ هذه الأسباب فمكتفية بنفسها في الأفعال الصادرة عنها، أو إنّما تتمّ أفعالها بسببٍ من خارج، إمّا مفارق أو غير مفارق، فأمر ليس معروفاً بنفسه، وهو ممّا يحتاج إلى بحث وفحص كثير. وإن ألفوا هذه في الشبهة الأسباب الفاعلة التي يحسّ أنّ بعضها يفعل بعضاً, لموضع ما هاهنا من المعقولات التي يحسّ فاعلها؛ فإنّ ذلك ليس بالحقّ، فإنّ التي لا تحسّ أسبابها إنّما صارت مجهولة ومطلوبة من أنّها لا يحسّ لها أسباب، فإن كانت الأشياء التي لا تحسّ لها أسباب مجهولة بالطبع ومطلوبة، فما ليس بمجهول فأسبابه محسوسة ضرورة، وهذا من فعل مَن لا يفرّق بين المعروف بنفسه والمجهول، فما أتى به في هذا الباب مغالطة سفسطائيّة. وأيضاً فماذا يقولون في الأسباب الذاتيّة التي لا يفهم الموجود إلا بفهمها؟ فإنّه من المعروف بنفسه أن للأشياء ذوات وصفات هي التي اقتضت الأفعال الخاصّة

ابن رشد الفقيه

وابن رشد الفقيه كان على مذهب الإمام مالك، كأكثر أهل المغرب، ولكنه كان يتتبع المذاهب في المسائل الخلافيّة، وله كتاب في الفقه سمَّاه:
«بداية المجتهد ونهاية المقتصد» يدلّ اسمه على منحاه في التأليف؛ فإنّه نافع للمبتدئين المجتهدين وللمحصّلين المتوسّعين، وقد ذكر ابن أبي أصيبعة وغيره كتاب: المقدّمات في الفقه بين كتب ابن رشد الحفيد، وهو خطأ يسهل التنبه إليه لمَن ألقى نظره على الكتابين؛ إذ هما في موضوع واحد على نسق متقارب من التوسّط بين الإسهاب والإيجاز، ومن المستبعَد أن يشتغل مؤلِّف واحد بوضع كتابين في موضوع واحد على هذا المثال.
وقد ترجم المقرّيّ لابن رشد الجدّ في كتاب «أزهار الرياض في أخبار عياض»، وذكر من تواليفه كتاب: المقدّمات لأوائل كتب المدوّنة، وكان ابن رشد الحفيد يشير في «بداية المجتهد» إلى كتاب المقدّمات فيقول: «كما حكاه جدّي رحمة الله عليه في المقدّمات»، فهو على التحقيق من مؤلّفات الجدّ لا من مؤلّفات الحفيد. ونحن ناقلون هنا كلامه في القضاء على سبيل المثال لإحاطته وتدوينه ورأيه في مهامّ عمله.

قال في كتاب «الأقضية» من «بداية المجتهد»:

والنظر في هذا الباب فيمن يجوز قضاؤه، وفيما يكون به أفضل، فأمّا الصفات المشترطة في الجواز فأن يكون حرّاً مسلِماً بالغاً ذَكَراً عاقلاً عَدْلاً. وقد قيل في المذهب: إنّ الفقه يوجب العزل ويمضي ما حكم به.

واختلفوا في كونه من أهل الاجتهاد؛
فقال الشافعي:
يجب أن يكون من أهل الاجتهاد. ومثله حكى عبد الوهاب بن علي بن نصر مؤلِّف النصرة لمذهب مالك وشرح المدوّنة، وُلِد ببغداد وتوفي بمصر (٤٢٢ هجريّة/١٠٣١ ميلاديّة).</ref> عن المذهب، وقال أبو حنيفة:
يجوز حكم العامي. قال القاضي: وهو ظاهر ما حكاه جدّي رحمة الله عليه في المقدّمات عن المذهب؛ لأنّه جعل كون الاجتهاد فيه من الصفات المستحبّة.
وكذلك اختلفوا في اشتراط الذكورة؛

  • فقال الجمهور: هي شرط في صحّة الحُكْم.
  • وقال أبو حنيفة: يجوز أن تكون المرأة قاضياً في الأموال.
  • قال الطبريّ: يجوز أن تكون المرأة حاكماً على الإطلاق في كلّ شيء.
  • قال عبد الوهاب: ولا أعلم بينهم اختلافاً في اشتراط الحرّيّة، فمَن ردّ قضاء المرأة شبّهه بقضاء الإمامة الكبرى، وقاسها أيضاً على العبد؛ لنقصان حرّيّتها، ومَن أجاز حكمها في الأموال فتشبيهاً بجواز شهادتها في الأموال، ومَن رأى حكمها نافذاً في كلّ شيء قال: إنّ الأصل هو أنّ كلّ مَن يتأتّى منه الفصل بين الناس فحكمه جائز، إلا ما خصَّصه الإجماع من الإمامة الكبرى.


وأمّا اشتراط الحرّيّة فلا خلاف فيه، ولا خلاف في مذهب مالك أنّ السمع والبصر والكلام مشترطة في استمرار ولايته، وليست شرطاً في جواز ولايته[١٨].

هوامش

مصادر

  1. الموسوعة السياسيّة، المشرف: د. عبد الوهاب الكيالي، الجزء الأوّل، صادرة عن المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر.
  2. الأعلام: خير الدين بن محمود بن محمّد بن علي بن فارس، الزركلي الدمشقيّ (المتوفّى: 1396هـ) (ج 5 ، ص 318 الناشر: دار العلم للملايّين الطبعة: الخامسة عشرة - أيار / مايو 2002 م
  3. كتاب History of Medieval Philosophy لمؤلفه Maurice de Wulf الأستاذ بجامعة لوفان عضو المجمع العلمي البلجيكيّ.
  4. الصورة في مذهب أرسطو هي ماهيّة الشيء، فماهيّة الفلك هي الماهيّة التي تجعله فلكاً، وبغيرها لا يكون كذلك.
  5. أكبر فلاسفة أوروبّا في القرون الوسطى، وُلِد على مقربة من نابلي سنة 1225، ومات في سنة 1274، وكان في المسيحيّة كالغزالي في الإسلام.
  6. راجع كتاب «منهاج الأدلّة»
  7. راجع كتاب «منهاج الأدلّة».
  8. راجع كتاب سلسلة النوابغ الفكر العربيّ " ابن رشد " لعبّاس محمود العقّاد الطبعة السادسة ، دار المعارف ، القاهرة
  9. « راجع كتاب فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال».
  10. راجع كتاب «كتاب الأخلاق» لأرسطو.
  11. كتاب كاريه carré عن الحقيقيّين والاسميّين.
  12. [البِيَع جمع بِيعَة: المعبد للنصارى واليهود].
  13. روجرز باكون (١٢١٤–١٢٩٤) كاهن إنجليزي وُلِد في إلشستر، هو أحد كبار علماء القرون الوسطى، كما أنّه أحد ثلاثة يُنسَب إليهم خطأً أنّهم مخترعو البارود، والاثنان الآخران هما: ألبير الأكبر وبرتولد شوارتز، والحقيقة أنّ أسماءهم اقترنت لا باختراع البارود بل بدخوله إلى أوروبّا، ولكن لا يُعلَم على وجه التحقيق نصيب كلّ منهم في ذلك.
  14. فرنسيس باكون (١٥٦١–١٦٢٦) فيلسوف شهير وُلِد بلندن ويُعَدُّ بكتابه Novum organumi أحد مؤسّسي المدرسة التجريبيّة؛ فقد جعل البحث العلميّ مستقلاً عن الطريقة المدرسيّة وعن طريقة السلطات اللاهوتيّة والدينيّة.
  15. Splendour Of Moorish Spain. by Joseph Maccabe
  16. تراث إسرائيل Legacy of Israel وكتاب أبرهام ولفسون عن فلسفة سبنوزا.
  17. راجع كتاب سلسلة النوابغ الفكر العربي " ابن رشد " لعباس محمود العقّاد الطبعة السادسة ، دار المعارف ، القاهرة
  18. راجع كتاب سلسلة نوابغ الفكر العربيّ " ابن رشد " لعبّاس محمود العقّاد الطبعة السادسة، دار المعارف ، القاهرة