إميل دوركايم

من رؤية بيديا
اذهب إلى: تصفح، ابحث
إميل دوركايم

إميل دوركايم (1858 – 1917 م)

  • يُعدّ دوركايم المؤسّس الرئيس لعلم الاجتماع بالمعنى الأكاديميّ والجامعيّ، إذ بفضل جهوده وإصراره على أنّ الدراسات الاجتماعيّة تختلف نوعيّاً عن الِدراسات الفلسفيّة والنفسيّة، وعمله على تأسيس كرسيّ أكاديميّ لعلم الاجتماع في الأكاديميّة الفرنسيّة، ظهر علم الاجتماع في شكل مؤسّسيّ.
  • ولقد سعى دوركايم من البداية للتنظير للظاهرة الاجتماعيّة، مؤكّداً أنّها شيء ملموس ومستقلّ عمّا حولها، ومن ثمّ يمكن قياسها، وهي تفرض تأثيرها وحضورها فيما حولها.
  • وفي كتابه "قواعد المنهج" سعى لإبراز "المنهجيّة العلميّة" في دراسة الظواهر الاجتماعيّة انطلاقاً من فهمه للفلسفة الوضعيّة، ولعلّ دراسته لظاهرة "الانتحار" التي نحا فيها منحى "اجتماعيّاً" بعيداً عن الجوانب النفسيّة، إنّما تشكّل مثالاً نموذجيّاً لكيفيّة الدراسات التي سعى دوركايم للتأكيد عليها.
  • لكن تبقى دراسته "عن تقسيم العمل الاجتماعيّ" والتي نظر فيها لفكرته عن تحولات المجتمع الحديث من مجتمع التكافل والعلاقات الحميمة إلى المجتمع الصناعيّ الحديث التي تفرض ألواناً جديدة من المفاهيم والقيم الأخلاقيّة، تعد الإسهام الأبرز له.
  • ويعد نقده لأطروحة ليفي بروهل حول ما عرف "بالأديان والعقليّات البدائيّة" في كتابه "الأشكال الدوليّة للممارسات الدينيّة" من أهمّ الأطروحات الاجتماعيّة حول مسألة الدين والمجتمع في الفكر الاجتماعيّ الحديث، ولا تزال أطروحات وأفكار دوركايم موضع عناية، وإن كانت الدراسات الاجتماعيّة تجاوزت العديد من نتائجه.
  • صحيح أنّ مفاهيم من أمثال "تقسيم العمل الاجتماعي" و "التضامن الآليّ والعضويّ" و "العقل أو الضمير الجمعيّ" و "الأنومي" وغيرها لا تزال رائجة ومؤثّرة في الكتابات الاجتماعيّة الحديثة والمعاصرة، لكنّ المدرسـة (المذهب العلميّ) التي صدرت عن مفاهيم ونظريّات دوركايم وتسمّى " الوظيفيّة " موضع نقد واستهجان لدى غالبيّة علماء الاجتماع اليوم، وذلك لسعيها لتأكيد أهميّه استمراريّة الحال القائمة وفرض نوع من التوازن بحجّة ضرورة توحيد واستقرار المجتمع، ممّا جعلها تسعى إلى الوصف والغائيّة أكثر منها إلى الشرح والتفسير لما يجري في المجتمع.

محتويات

حياة إميل دوركايم

  • عاش إميل دوركايم في الفترة ما بين (1858 – 1917 م).
  • يعدّ من أوائل الفرنسيّين في علم الاجتماع الذين ساروا في طريق العمل الأكاديميّ، أثر تطلّعه هذا في نشاطه وأفكاره، فقدّر له أن يواجه ظروفاً مرتبطة بالعمل الجامعيّ عكس سابقيه، من مثل ابن خلدون وأوجست كونت، وماركس، الذين كانوا رجال فكر، ورجال حياة عامّة.
  • ولد دروكايم في إبينال باللورين، المقاطعة الفرنسيّة الشرقيّة، وأتى ميلاده لأب من الحاخامات اليهود، الذي أراد لابنه أن يسير على نهج الأسرة، بأن يصبح رجل دين، وقد أراد الابن لنفسه هذا أيضاً، ومن ثمّ درس العبريّة وقرأ كتاب العهد القديم، والتلمود الذي يحوي تعاليم الأحبار الربانيّين الموسويّين.
  • وفي الوقت نفسه درس العلوم العلمانيّة وسار في التعليم الحكوميّ.
  • وبعد محاولتين فاشلتين تمّ قبوله بالمدرسة العليا سنة (1879 م)، وفيها التقى بعدد من المفكّرين الذين تركوا آثاراً واضحة على الحياة الفكريّة في فرنسا، من أمثال هنري برجسون الفيلسوف الشهير، وبيير جانيت الباحث في علم النفس، وكان من أكثر أساتذة المدرسة تأثيراً فيه فوستل دي كولانج مؤلّف كتاب (المدينة القديمة) الذي أصبح بعد ذلك مدير المدرسة.
  • وبعد تخرّجه في هذه المدرسة سنة (1882 م) اشتغل دوركايم بالتدريس في المدارس الثانويّة حتّى سنة (1887 م)، ثمّ أتيح له أن يذهب إلى ألمانيا في إجازة علميّة، وهناك تعرّف على فكر (فاجنر) و(شمولر) و(فونت) وتأثّر بهم وانعكس هذا على موقفه الفلسفيّ، سواء من الفكر أو من الواقع، هذا بالطبع بجانب تأثره البالغ بفلاسفة عصر التنوير من أمثال (جان جاك روسو) ومونتسكيو، كما تأثّر بالطبع بفكر (سان سيمون) الذي عدّه دوركايم أستاذه في علم الاجتماع.

المجتمع الذي عاش فيه

  • وأمّا عن أبرز الملامح البنائيّة للمجتمع الذي عاش فيه، فمع أنّ فرنسا كانت تنوء في أوائل ومنتصف القرن التاسع عشر بالثورات، إلا أنّ المسرح السياسيّ في تسعينيّات هذا القرن عايش هدوءاً نسبيّاً.
  • وأمّا عن مجتمعه الذي قضى فيه سنوات الطفولة والتنشئة الاجتماعيّة الأولى، فقد كان مجتمعاً يهوديّاً محافظاً ومتضامناً، تسوده علاقات مباشرة، ومع أنّه انتقل إلى العاصمة (باريس) حيث المجتمع المتباين فلم ينس ارتباطاته الأولى حتّى أنّه يخيّل للمرء أنّ تصوّره للمجتمع لم يخرج عن هذين النمطين، مجتمع الطفولة البسيط، ومجتمع العاصمة المعقّد، كما اتّضح من تصوّراته للتضامن الآليّ والتضامن العضويّ.[١].

مؤلّفاته

  1. تقسيم العمل في المجتمع، صدر عام (1893 م).
  2. قواعد المنهج في علم الاجتماع، صدر عام (1895 م).
  3. الانتحار، صدر عام (1897 م).
  4. الأشكال الأوّليّة للحياة الدينيّة، صدر عام (1912 م).
  5. التربيّة وعلم الاجتماع، صدر عام (1924 م).
  6. علم الاجتماع والفلسفة، صدر عام (1924 م).
  7. التربيّة والأخلاق، صدر عام (1925 م).
  8. الاشتراكيّة، صدر عام (1928 م).

كتاب الانتحار

  • برزت بشكل حاد حالات من القلق الحضاريّ الذي بدأ ينتاب البشريّة كلّها، وبدأ معها السؤال الوجوديّ يتجدّد؟ ما مصير الإنسان؟ وما هو هدفه في الحياة؟ وما معنى الحياة أصلاً؟ إلى غيرها من الأسئلة المحرقة التي باتت تؤرّق البشريّة برمّتها في ظلّ تعدّد المرجعيّات الدينيّة والثقافيّة والقانونيّة والسياسيّة وما إلى ذلك؛ ولعلّنا نجد في استشرافات الكثير من الباحثين بعضاً من الجواب عن حيرة الإنسان المعاصر، الذي أصبح يلهث وراء المال، ووراء البحث عن الطريف والجديد والصارخ والمتفرّد، فبدأ ينغمس في العوالم الافتراضيّة الوهميّة بحثاً عن التسلية الواهيّة، فيحصل له التبدّد ثمّ الضياع وأصبح يعيش في عزلة تامّة، على الرغم من قوّة التدفّقات التكنولوجيّة التي بدأت تحيطه من كلّ جانب؟ وهو الأمر المفارق للغاية، في ظلّ حضور أشكال التواصل اللامتناهيّة، فإنّ الإنسان المعاصر، يحسّ باليتم والانعزال، ممّا يدفعه إلى التفكير في مجموعة من الحلول، لعلّ من بينها الأكثر دراماتيكيّة، الانتحار.
  • إنّ دراسة إميل دوركايم لظاهرة الانتحار (1952 م) نشرت في الأصل عام (1897 م)، وتمثّل هذه الدراسة معلماً بارزاً في بحوث علم الاجتماع التي تتقصّى العلاقة بين الفرد والمجتمع؛ فعلى الرغم من أنّ البشر يعتبرون أنفسهم أفراداً يتمتّعون بكامل الإرادة والحرّيّة، إلا أنّ أنماط سلوكهم كثيراً ما يجري تشكيلها وصياغتها مجتمعيّاً، وتظهر هذه الدراسة التي نحن بصددها أنّ العالم الاجتماعيّ المحيط له أثره الكبير حتّى فيما يبدو أنّه فعل وقرار شخصيّ محض مثل الانتحار.
  • وقد أجريت قبل دراسة إميل دوركايم عدّة دراسات عن الانتحار، غير أنّه هو الذي أصرّ على تقديم تفسيرات سوسيولوجيّة لهذه الظاهرة، فكما اعترفت الدراسات السابقة بتأثير العوامل الاجتماعيّة على الانتحار، غير أنّها تطرّقت إلى اعتبارات من نوع العرق، والمناخ، والاضطرابات العقليّة لتفسير ميل فرد ما إلى الإقدام على الانتحار، أمّا بالنسبة إلى إميل دوركايم، فإنّ الانتحار لديه هو حقيقة اجتماعيّة لا يمكن تفسيرها إلا بحقائق اجتماعيّة أخرى، فالانتحار أكثر من مجرّد حقائق مفردة، لأنّه يمثّل ظاهرة تحمل أنماطاً متعدّدة من الخصائص.
  • فكيف يشرح لنا دوركايم، هذه الظاهرة؟ هل يرجعها إلى ما هو سيكولوجيّ؟ أم إلى ما هو كونيّ طبيعيّ؟ أم إلى محددات عرقيّة وإثنيّة؟ أم إلى معطيات طبيعيّة كالطقس وتغيّراته؟ أم إلى أسباب اقتصاديّة وصناعيّة؟ أم إلى اعتبارات اجتماعيّة مرتبطة بالهشاشة والفقر والعوز؟ أم إلى تفكّك الرابطة الأسريّة والعائليّة بشكل أوسع؟ أم إلى تراجع دور الدين في معتقدات المجتمع؟ أم إلى وجود تحوّلات سوسيوثقافيّة وسوسيو اقتصاديّة، هي التي دفعت بالظاهرة نحو البروز بشكل لافت للنظر في أواخر القرن (19)؟
  • وما هي أنواع الانتحار التي توقّف عندها دوركايم؟ وما هي التفسيرات التي توصّل إليها لشرح سوسيولوجييّ للظاهرة؟ وأخيراً ما هي المداخل التي يقترحها "دوركايم" للخروج من معضلة الانتحار الكونيّة؟
  • نظراً للخصوصيّة التي يتميّز بها "دوركايم" والتي تتمثّل في الطابع الجدليّ والنقديّ الذي ينتهجه في الكتابة السوسيولوجيّة، فإنّ الكتاب (الأطروحة)، مفصّل على ثلاثة أبواب:
    • حيث نجد في الباب الأوّل معنى الانتحار، وأسبابه اللاإجتماعيّة، ويضمّ أربعة فصول:
  1. الأوّل (الانتحار والحالات السيكولوجيّة).
  2. والثاني (الانتحار والحالات السيكولوجيّة السويّة).
  3. والثالث (الانتحار والعوامل الكونيّة).
  4. وأخيراً (الانتحار والمحاكاة).
    • أمّا الباب الثاني فهو عبارة عن نقد للأطروحات السابقة التي وردت في الباب الأوّل، وقد اختار لها الباحث اسم: الأسباب الاجتماعيّة للانتحار، وهي عدّة فصول:
  1. أوّلها (منهج لتحديد الأسباب والنماذج).
  2. ثانيها (الانتحار الأنانيّ).
  3. وثالثها (الانتحار الغيريّ).
  4. ورابعها (الانتحار الفوضويّ).
  5. وخامسها (الأشكال الفرديّة لمختلف نماذج الانتحار).
    • في حين أنّ الباب الثالث، من الدراسة تضمّن أهمّ الخلاصات التي توصّل إليها الباحث، حيث عنون هذا الباب، بـ”الانتحار كظاهرة اجتماعيّة بوجه عام”، وفيه نجد ثلاثة فصول:
  1. الأوّل (العنصر الاجتماعيّ للانتحار).
  2. والثاني (صلات الانتحار بالظواهر الاجتماعيّة الأخرى).
  3. وأخيراً (نتائج عمليّة) ويطرح فيها اقتراحات وحلولاً لمعضلة الانتحار.

وهكذا يتبيّن من خلال هذه الهيكلة المتناسقة، الطرح العلميّ والمنهجيّ والنقديّ الذي اعتمده “دوركايم” في قراءة ظاهرة الانتحار، ولعلّه بهذا الطرح يفتح آفاقاً جديدةً في التعامل مع الظاهرة التي تقع على أرضيّة مشتركة بين العديد من التخصّصات العلميّة.

العوامل اللااجتماعيّة

  • لم يكن بالسهل على باحث بل باحثين من أن يتوصّلوا إلى نتائج مفاجئة في موضوع الانتحار، ولعلّ ما قام به “دوركايم” يعدّ في نظرنا جزءاً من هذا التحدّي والمغامرة العلميّة التي ركبها هذا الباحث، المؤسّس لعلم الاجتماع؛ إذ أنّ الظاهرة متلبسة بالأحكام الجاهزة وبالانطباعات التي يحملها الحسّ المشترك، هذا بالإضافة إلى النتائج العلميّة التي توصّل إليها باحثون آخرون درسوا الموضوع، لذا فإنّ الوصول إلى تحديد سبب ظاهرة تحديداً دقيقاً يشكّل دائماً معضلة شائكة، وهذا ما حصل بالضبط لدوركايم في هذا الكتاب.

لما سبق نتساءل: ما هي الأسباب العميقة المحدّدة لظاهرة الانتحار؟ هل يمكن ردّها إلى عوامل سيكولوجيّة؟ أم إلى عوامل عرقيّة أو وراثيّة؟ أم إلى عوامل كونيّة؟ أم إلى عامل المحاكاة؟

العامل العرقيّ (الإثني) والانتحار
  • ساد الخطاب العلميّ في القرن (19) مجموعة من المقولات والأحكام والنتائج التي أصبحت في حكم المسلّم بها، ومن بينها الأصل العرقيّ (الإثني)، من حيث هو محدّد للعديد من الظواهر، سواء اللسانيّة أو الاجتماعيّة أو الأصول الصافية لعرق معيّن، لكن الباحث في السوسيولوجيا أو الأنثربولوجيا عليه أن يبقى متسلّحاً بحسّه النقديّ، متتبّعاً المعطيات والنتائج حيثما انتهت به، وفي هذا السياق أكّد “دوركايم” في معرض ردّه على المزاعم التي كانت تعتقد أنّ الانتحار يقع بسبب الانتماء العرقيّ للشخص، وأنّ أعراقاً (مثل الألمان) أكثر انتحاراً من غيرهم؛ فإنّ هذا الاستنتاج يبقى متسرعاً جدّاً، ولهذا نجده يستشهد بالنموذج الألمانيّ، باعتباره أكثر الشعوب “محافظة” على أصالة عرقه، فقد تبيّن أنّه إذا كان الألمان ينتحرون أكثر من الشعوب الأخرى، فإنّ سبب ذلك لا يكمن في الدم الذي يجري في عروقهم، وإنّما إلى المدنيّات التي تسرّبوا في كنفها.
  • ويضيف “دوركايم” مثالاً آخر يفنّد نظريّة العرق وعلاقتها بالانتحار، قائلاً: فإذا كان أناس في الشمال (فرنسا) ينتحرون أكثر من أناس الجنوب، فليس لأنّهم أكثر استعداداً بحكم مزاجهم العرقيّ، وإنّما ببساطة لأنّ الأسباب الاجتماعيّة للانتحار أكثر تجمّعاً بنحو خاصّ، في شمال اللوار أكثر ممّا في جنوبه.
  • إنّ مسألة العلاقة بين العرق والانتحار تقتضي أنّ هناك أجناساً خالصة، وأخرى مختلطة، والحاصل أنّ هذا الصفاء العرقيّ لم يستطع الكشف عنه كبار الأنثروبولوجيّين، لما يكتنفه من صعوبات إبستمولوجيّة وتاريخيّة معقّدة ومتعبة، والتي لم تخرج إلا ببعض الفرضيّات التي تعوزها الأدلّة الدامغة.
  • ولهذا فإنّ هذا الطرح يتهاوى أمام وجود معطيات علميّة تؤكّد أنّه لا توجد علاقة وطيدة بين انتشار الانتحار والأصل العرقيّ، بل إنّ المحدّد الرئيس في العمليّة هو الشروط الاجتماعيّة كما يذهب إلى ذلك دوركايم.
الانتحار والعوامل الكونيّة
  • يقصد بالعوامل الكونيّة، مختلف العوامل الفزيائيّة الطبيعيّة، كالطقس داخل المناطق المختلفة، والاختلافات بين الفصول السنويّة.
  • حيث أنّه ساد في الحسّ المشترك أنّ المناطق الباردة هي التي تكثر فيها ظاهرة الانتحار، لكن هذه الدعوى، أصبحت باطلة بدليل ما أفصحت عنه المعطيات الإحصائيّة المجمعة حول تتبع الظاهرة عبر الشهور والفصول السنويّة في أوربّا، حيث تبيّن أنّ أكثر الفصول انتشاراً للانتحار هما فصلا الربيع والصيف وليس الخريف والشتاء.
  • ولهذا تساءل دوركايم، لماذا لا تكثر الانتحارات في المناطق الأكثر سخونة على وجه البسيطة؟ هذا المثال لا ينقض الأوّل، لكنّه يعزّز المنحى الذي توصّل إليه “دوركايم”، وهو أنّه إذا كان من نتيجة يمكننا استخلاصها، فهي أنّه إذا لاحظنا كثرة الانتحارات سواء في شهر دجنبر أو يوليوز، فليس ذلك بسبب درجة الحرارة أو البرودة، بقدر ما هو نتيجة لطبيعة الحياة الاجتماعيّة، وللقابليّة التي يتمتّع بها السكّان في منطقة محدّدة؛ أيّ مختلف الشروط القبليّة والبعديّة التي يقيمها الفرد مع البيئة التي يعيش فيها وكيفيّة استجابته لها، ومدى وجود محفّزات اجتماعيّة تغذّي عمليّة التفكير في الانتحار أو تنفيذه مطلقاً.
المحاكاة (L’imitation)
  • يمكن القول إنّ هذا العامل مثير للعديد من الجدالات العلميّة والسوسيولوجيّة في إعطائه القدرة على التأثّر لدى الأفراد في استبطان ظاهرة الانتحار والنسج على منوال من يقوم بها، خصوصاً إذا كان من الأقران: (أي الفئات المتقاربة في السنّ)، في هذا السياق، قد توصّل التقرير الأخير لمنظمة الصحّة العالميّة حول الانتحار، إلى أنّ كلّ بالغ يقوم بالانتحار فإنّه يؤثّر في أكثر من (20) شخصاً آخرين.
  • ونظراً لأهميّة هذا العامل، فقد توقّف عنده دوركايم، وخصّص له حيّزاً مهماً في كتابه، مبيّناً سطحيّة هذا التحليل، الذي يذهب في تفسير الظاهرة، انطلاقاً من تأثير فرد معيّن في آخرين.
  • وكأنّنا لسنا أمام مجتمع – بكلّ ما يختزنه من بنيات ومن ديناميّات ومن شبكات معقّدة – بل نحن أمام أفراد يتأثّرون بصورة سلبيّة وساذجة أحياناً، كأنّهم آلات وليسوا بشراً.
  • والحاصل أنّ هذا الأمر، إذا كان ينطبق على عالم الحيوان، فهو جدّ معقد بالنسبة إلى الكائن البشريّ، وهذا ما يناقض المسلّمات التي قام عليها العلم.
  • ولعلّ الداعين لهذه الفكرة (أي المحاكاة) يفتقرون إلى نتائج تجريبيّة تسند مقولاتهم، إنّ الذين يروّجون لمثل هذه الأقوال (المحاكاة) ليسوا أكثر من لاهوتيّين يردّدون المقولات بدون إعطاء الدليل العمليّ عليها، كيف يمكن لفرد وهو ليس شيئاً أكثر من فرد، أن يكون لديه القوّة الكافية كي يصنع مجتمعاً على صورته؟
  • صحيح أنّه مرّ في التاريخ -وما زال- أشخاص يستطيعون التأثير في مجتمعات بأكملها، لكنّ الذي يجب أن ننتبه إليه، هو الخوف في السقوط في سذاجة علميّة ما.

العوامل الاجتماعيّة

  • لا شكّ أنّ المتتبّع لكتاب دوركايم يكتشف إلى أيّ حدّ نافح هذا السوسيولوجيّ عن أطروحة “الاجتماعيّ يفسّر بما هو اجتماعيّ”، بمعنى آخر فإذا كانت ظاهرة الانتحار نابعة من المجتمع، فلا يمكن تفسيرها عمليّاً وعلميّاً إلا بالبحث عمّا هو اجتماعيّ فيها.
  • في هذا السياق، فإنّ البحث السوسيولوجيّ يتّخذ أبعاداً علميّة منهجيّة تمتح من طبيعة هذا العلم، القائم أساساً على المنهج العلميّ، في تتبع الظاهرة من خلال الملاحظة والفرضيات والإحصائيات والنتائج للخلوص إلى نماذج مثاليّة في الظاهرة، وهو ما توفّق فيه “دوركايم” إلى أبعد حدود.
  • اعتباراً لما سبق كلّه، فقد توصّل “دوركايم” إلى مجموعة من العوامل المؤثّرة في ظاهرة الانتحار، منها ما هو دينيّ ومنها ما هو سياسيّ ومنها ما هو اقتصاديّ ومنها ما هو سوسيوثقافيّ إلى ما هناك من العوامل.
  • لكن أهم نتيجة توصّل إليها “دوركايم” – في اعتقادنا – هي النمذجة المثاليّة للانتحار، والتي يمكن إسقاطها على كثير من التجارب سواء التي تعود إلى القرن (19) أو (20) أو حتّى (21).
الانتحار الأنانيّ
  • توصّل “دوركايم” بعد تفحّص العديد من الإحصائيّات والمعطيات والمقارنات، إلى أنّ مفهوم الانتحار ليس مفهوماً واحداً، بل إنّه يتعدّد بحسب السياقات والشروط الاجتماعيّة التي تشرطه، وفي هذا السياق، أطلق الباحث، مفهوم “الانتحار الأنانيّ” الذي يأتي نتيجةً طبيعيّة لانحلال الروابط الاجتماعيّة، سواء العائليّة أو السياسيّة أو الدينيّة.
  • وقد انطلق من مجموعة من الفرضيّات التي عزّز بها دواعي إطلاق هذا المفهوم.
  1. أوّلاً، يتغيّر الانتحار تغيّراً عكسياً مع درجة اندماج المجتمع الدينيّ.
  2. ثانياً يتغيّر الانتحار تغيّراً عكسيّاً مع درجة اندماج المجتمع العائليّ.
  3. ثالثاً، يتغيّر الانتحار عكسيّاً مع درجة اندماج المجتمع السياسيّ.
  4. أخيراً يتغيّر الانتحار عكسيّاً مع درجة اندماج الجماعات الاجتماعيّة التي يشكّل الفرد جزءاً منها.
  • ولكي يشرح هذه الفرضيّات، فإنّ “دوركايم” اعتمد على منهج نقديّ صارم في بناء أدلّته، حيث يؤكّد أنّ الانتحار الأنانيّ، يتولّد عندما تنتهي صلاحيّة القيم المجتمعيّة السابقة، لتولد معها قيم جديدة، أو “أخلاق جديدة”.
  • وهذه الأخلاق لا تستطيع أن تقدّم للفرد، ذلك الدعم والسند اللذين كان يحظى بهما في السابق مثلما أنّ الكرب الفرديّ حينما يكون مزمناً، فهو يعكس بطريقته، الحال العفويّة السقيمة للفرد.
  • وحينئذ تظهر تلك النظم الميتافيزيقيّة والدينيّة التي بتحويلها تلك المشاعر المظلمة إلى صيغ تبادر إلى تقديم البراهين للناس بأنّ الحياة لا معنى لها، وأنّ من خداع الذات أن ننسب إليها أيّ معنى.
  • حينذاك تتشكّل أخلاق جديدة، وقيم هي التي تشكل الواقع وتجعله واقعاً بحقّ، فهي توحي بالانتحار، أو على الأقلّ توجّه الناس إليه ناصحة إيّاهم بالعيش أقلّ ما يمكن، ولا تحصل هذه الحال إلا إذا وقع نوع من “البؤس السيكولوجيّ للجسد الاجتماعيّ”، وانحلّت الروابط الاجتماعيّة التي كانت قويّة في الماضي وساد قلق اجتماعيّ مزمن.
  • وفي كلّ هذه الحجج، ينتصر “دوركايم” لما هو اجتماعيّ وليس لما هو فرديّ، فالانتحار الأنانيّ لا يقع إلا إذا تهيأت أسبابه الاجتماعيّة، وحينها يستسلم الفرد لأقلّ صدمة من صدمات الظروف المحيطة، من قلق وحيرة وتصدّع وصدمة وغياب المعنى، ممّا يوقع الفرد في أحضان الانتحار.
  • وبكلمة، فإنّ الانتحار الأنانيّ هو تعبير عن تراخ عن الفعل في المجتمع، وهو انفصال سوداويّ، ينجم عن حال مفرطة من التفرّد، حيث أنّه إذا انعزل الفرد، فلأنّ الروابط التي توحّده بالآخرين وهنت أو تقطّعت، لذا فهذه الفراغات التي تفصل الوجدانات وتجعلها غريبة بعضها عن بعضها الآخر، تنبع بالتحديد من تحلّل النسيج المجتمعيّ.
الانتحار الغيري
  • يمثّل النوع الثاني من الانتحارات التي عرفتها البشريّة منذ القدم، فقد كان يقع في لحظات تاريخيّة وفي ظروف سوسيوثقافيّة مختلفة، ولهذا استخلص “دوركايم” من خلال تتبّعه لأهمّ ما كتب في الموضوع، أنّ وقوع مثل هذه الانتحارات، “متواتر لدى الشعوب البدائيّة”، وقد وقف الباحث على ثلاثة أنواع منه:
  1. انتحار الرجال الذين بلغوا عتبة الشيخوخة أو أصيبوا بمرض.
  2. انتحار النساء بعدما فقدوا أزواجهنّ.
  3. انتحار الحاشية أو الخدم أو الجنود، لدى موت زعمائهم.

ولعلّ في هذه الأنواع الثلاثة، ما نجده منتشراً في بعض الشعوب حتّى في أيامنا هذه، ولهذا فهذه الأصناف تقرّبنا من طبيعة هذا الانتحار وتعريفه، وهو الذي يقع عندما يكون الفرد مندمجاً بشكل قويّ مع المجتمع، وعلى عكس النوع الأوّل (الأنانيّ)، فإنّ “الفردانيّة الناقصة” تحدث النتائج نفسها وهو الانتحار.

  • وهذا النوع، يقع في التجمّعات الدينيّة المنغلقة (الكاست) وفي الثكنات العسكريّة وفي لحظات الحروب والنزاعات القبليّة.

أمّا عن الأسباب التي تدفع لهذا الانتحار، فهي تتمثّل في القيم المجتمعيّة التي تدفع للانتحار عبر تثمينه وشرعنته، لأنّه في مثل هذه الحالات، يكون ضغط المجتمع قويّاً على الفرد، وهذا الضغط يمنعه من أن يتحرّك حركة خاصة واحدة، وهذا الضغط يشكّل بيئة معنويّة، ويمثّل الأرضيّة الخصبة لانتعاش الانتحار الغيريّ.

الانتحار الفوضويّ
  • ثمّة بعض المسلّمات التي أصبحت بمثابة بدهيّات، كالتي تعتقد أنّ الانتحار ينتج عن الهشاشة والفقر والعوز وما إلى ذلك من العوامل الاقتصاديّة والمادّيّة، لكنّ الباحث “دوركايم”، من خلال تتبّعه لهذا النوع من الانتحار، قلب الطاولة على أصحاب هذه الدعوى، مبيّناً أنّ السبب لا يرجع إلى الفقر والبؤس في حدّ ذاتهما، بل هو نتيجة لأزمات واضطرابات في النظام الجمعيّ ناتجة عن الأوضاع الاقتصاديّة، فالنتيجة التي توصّل إليها “دوركايم” هو أنّ الغنى كالفقر يسبب الانتحار الفوضويّ.
  • وقد سمّاه بهذا الاسم لأنّه يأتي نتيجة الاضطراب والاختلال اللذين يقعان في المجتمع، ولعلّ السمة البارزة في مجتمعاتنا المعاصرة اليوم وحتّى زمن إجراء الدراسة (القرن 19)، هي حال الفوضى الناجمة عن فقدان النظام الطبيعيّ أو الشرعيّ، الذي يحدث على هيئة فوران متقطّع في شكل أزمات حادّة، ممّا يتغيّر معها المعدّل الاجتماعيّ للانتحار، لأنّه بفعل التحوّلات العميقة والنوعيّة التي تحصل في جلّ المجتمعات البشريّة اليوم، فإنّ حال الفوضى واضطراب المرجعيّات، أصبحت حالاً مزمنة وليست عرضيّة وزائلة.
  • ولعلّ من بين العوامل المساهمة في هذه الفوضى، ذلك التشابك العلائقيّ والعولميّ الذي دخلته البشريّة بحيث لم يعد هناك حديث عن الخصوصيّات أو المرجعيّات الوحيدة أو الصفة الثقافيّة المميّزة لشعب من الشعوب.
  • بل إنّ الكلّ انسحق في الكلّ، وأصبحنا أمام وضع جديد سمته أنّا إنسان عالميّ وعولميّ، بطبيعة الحال، لا يمكن الاعتقاد فقط في النتائج السلبيّة لهذه الموجة، التي تبرز في أبهى صورها، في الانتحار.
  • لكن ذلك لا يمنع من الوقوف عند بعض المؤشّرات البارزة والتي وإن كان دوركايم قد تحدث عنها في سياق مختلف، فإنّنا نزعم أنّ تحليلاته تلتقي بشكل كبير مع ما يشهده العالم المعاصر من تموّجات.

المدخل التفسيريّ (الاجتماعيّ) لظاهرة الانتحار

  • بعدما فنّد “دوركايم” الأصل النفسيّ للانتحار، وبيّن العوامل الاجتماعيّة المحدّدة للظاهرة، مستخلصاً النماذج الأكثر انتشاراً للانتحارات، فإنّ الباب الثاني من الكتاب، سيخصص لتفسير الظاهرة، انطلاقاً من أطروحته المركزيّة، وهي أنّ الظاهرة تنجم عما هو سوسيولوجيّ، حيث يؤكد أنّ "المعدّل الاجتماعيّ للانتحارات لا يجد تفسيره إلا سوسيولوجيّاً، ذلك أنّ البنية الأخلاقيّة للمجتمع هي التي تحدّد في كلّ لحظة القسط العدديّ للموتى الإراديّين"، فكيف يمكن فهم هذا العامل التفسيري؟ وهل يستقيم عاملاً محدّداً ووحيداً للظاهرة المعقّدة والمركّبة والملغزة في آن واحد؟
  • لا شكّ أنّ المطّلع على كتاب “قواعد المنهج السوسيولوجي” لدوركايم، يلحظ قوّة طرح هذا السوسيولوجيّ عندما اعتبر أنّ من خصائص الظاهرة السوسيولوجيّة، كونّها خارجيّة عن الفرد، وليس ثمّة من شيء خارجيّ سوى المجتمع.
  • ولهذا نفهم لماذا شدّد “دوركايم” على ردّ تفسير ظاهرة الانتحار إلى هذا المعطى، مبيّناً أنّ “الاعتراف بحقيقتها الواقعيّة، وتصوّرها كمجموع من الطاقات التي تدفعنا من الخارج إلى الفعل، على غرار القوى الفزيا-كميائيّة التي نتعرّض لتأثيرها، وهي أشياء من نوع خاص، وليست جواهر لفظيّة، بحيث يمكن قياسها، ومقارنة حجمها النسبيّ مثلما نفعل مع قوّة التيّارات الكهربائيّة أو المصادر الضوئيّة”.
  • لهذا إذا كان هناك من خلاصة، يمكن استخلاصها من هذه الأطروحة، هو أنّ دوركايم كان ينظر إلى الظواهر الاجتماعيّة، ومن بينها الانتحار بمنظار السوسيولوجيّ الذي يرجع الظاهرة إلى موضعها الأصليّ الذي تخلّقت فيه وتولدت عنه، وذلك عبر موضوعيّتها، وعبر استنطاق كلّ الإحصائيّات والمؤشّرات الرقميّة التي تظهر إلى أيّ حدّ أنّ الشروط الاجتماعيّة هي المحدّدة أوّلاً وأخيراً في إبراز الظاهرة، ولتوضيح الأمر بشكل جليّ، يمكن قراءة هذا المقطع من الكتاب، الذي يورد فيه “دوركايم” تصوّره للظاهرة، قائلاً: "… على هذا النحو يتوضّح الطابع المزدوج للانتحار، فحينما ننظر إليه عبر جميع تجلّياته الخارجيّة، نميل إلى ألّا نرى فيها سوى مجموعة من الحوادث المستقلّة عن بعضها، لأنّه لا يحدث في مواقع منفصلة (أيّ الانتحار)، دون روابط مرئيّة فيما بينها، ومع ذلك فالمجموع المكوّن من هذه الحالات الخاصة المجتمعة كلّها يمتلك وحدته وفرديّته، ما دام المعدّل الاجتماعيّ للانتحارات يمثّل سمة مميّزة لكلّ شخصيّة جمعيّة".
  • وما يستشف من هذا التحليل، هو أنّ “دوركايم” عندما يحلّل ظاهرة الانتحار وكيف تقع في المجتمع، يربط بشكل جدليّ بين الاستعدادات القبليّة للمجتمع لتخلق الظاهرة، أيّ العوامل الفاعلة فيها، وبين الميل الجمعيّ لتوليد الظاهرة، وهذا يعني أنّ هناك مستويين من التحليل:
  1. الأوّل يركّز على ما هو واقعيّ عمليّ، متمثّلاً في الشروط البنيويّة التي تسبق ظهور أيّ ظاهرة، وبين القبول الاجتماعيّ لها، وبكلمة جامعة، مادام المجتمع هو الذي يصنع الفرد وليس العكس، فهذا يعني أنّ “القوة الجمعيّة التي تدفع الإنسان إلى الانتحار لا تتغلغل فيه إلا قليلاً قليلاً، فكلّما تقدّم الإنسان في العمر، غدا أسهل تأثّراً بهذه القوّة، ذلك لأنّه يلزمه -من دون شكّ- تجارب متكرّرة لكي تقوده إلى الشعور بالخواء المطبق لوجود أنانيّ، وبِعَبَثِيّة طموحات لا نهاية لها، لهذا فإنّ المنتحرين يملؤون مصيرهم بطبقات متعاقبة من الأجيال”، وكما أنّه لا يسقط مطر إلا بعد توفر الشروط الموضوعيّة له، فكذلك الفعل الإنسانيّ لا يقع على أرض الواقع، إلا إذا استنفد كافّة الشروط القبليّة التي تدفع إلى بروز سلوك وممارسات في الواقع، ولعلّ الانتحار واحد من هذه السلسلة المجتمعيّة التي لا تتخلّق إلا بوجود هذا الشرط القبليّ، وهو المجتمع،
  2. وكذلك الاستعداد الشخصيّ الذي يتفاعل بشكل معقّد جدّاً مع مختلف الاستعدادات ليعطينا سلوكاً بهذا النوع.
  • يجب أن نقرّ أنّ هذا التحليل الذي ساقه دوركايم لظاهرة الانتحار، سوف يعرضه لمجموعة هائلة من الانتقادات، والتي شكّكت في مصداقيّة تفسير الظاهرة، بما هو اجتماعيّ محض، لأنّها تقع على أرض مشتركة من مجموعة من العوامل، منها ما هو مرئيّ وملاحظ ،وهو لا يمثّل إلا جزء جبل الجليد البارز، ومنها ما هو خفيّ وكامن لا يظهر إلا عبر سنوات، وبعد إعمال آليّات منهجيّة صارمة جدّاً، وأكثر مطابقة لظاهرة تنفلت من كلّ تفسير.

عناصر الحلّ المقترح من طرف “دوركايم”

  • لا شكّ أنّ عملاً بحثيّاً بهذا الحجم، ينتهي إلى مجموعة من التوصيات أو الحلول أو مقدّمات العلاج من ظاهرة مؤرّقة للمجتمعات، هذا على الرغم من أنّ السوسيولوجيا لا تهتمّ بوضع الحلول، بقدر ما تهتمّ بفهم الظاهرة وتحليلها وتجلية غوامضها، إلّا أنّ دوركايم -الذي تعلّمنا منه هذا المنهج في التعامل مع الظواهر الاجتماعيّة- يفاجئنا بتقديم رؤية خاصّة للعلاج من الظاهرة.
  • فما هي وجهة نظره في الموضوع؟ وهل يمكن التعويل عليها للتغلّب على الظاهرة اليوم؟
  • بعدما يستعرض بعض الإجراءات القانونيّة والدينيّة التي اعتمدتها بعض الشعوب في مواجهة ظاهرة الانتحار بشتّى أنواعه، فإنّ “دوركايم” لا يميل إلى “تجريم” الانتحار، نظراً لأنّه لا يقدّم أيّ فائدة في مواجهته، بقدر ما يؤزّم الوضع أكثر.
  • بل أقصى ما يمكن الوصول إليه، هو حرمان المنتحر من الاستفادة من الطقوس الدينيّة المصاحبة للميّت، وهذا ما يتوافق مع ما تنصّ عليه الكثير من الديانات السماويّة.
  • بيد أنّ “دوركايم” لا يستسلم لهذا الطرح، معتبراً أنّه غير كاف للقضاء على الظاهرة، فما سيتفيد المجتمع إذا وضع قانوناً زجرياً، أو رسّخ طقوساً تدين الانتحار؟
  • لهذا نجده يتتبع بعض الحلول التي عبّر عنها من سبقوه بالدراسة للموضوع، أمثال “فرانك” الذي اعتبر أنّ أهمّ ما يمكن الاستثمار فيه لتجنيب المجتمع معضلة الانتحار، هو [٢] عبر “الاشتغال على تطوير الطبائع والقناعات” بما يستقيم مع ميلاد قيم جديدة تقدّس الحياة، وتدنّس الموت كيفما كان.
  • وعلى الرغم من أنّ هذا الطرح، قد يعتقد بعضهم أنّه يتماشى من التوجّه الدوركايميّ في سوسيولوجيا التربية -على اعتباره من أوائل من بلور هذا التخصّص- لكن الشيء المفاجئ هو أنّ “دوركايم” يتساءل: أليست “التربية سوى صورة عن المجتمع وانعكاس له، فهي تحاكيه وتعيد إنتاجه بنحو مجمل، ولكنّها لا تخلقه؟”.
  • ولهذا لا يمكن عمليّاً الاعتماد على شيء هو جزء من “أزمة” المجتمع، لأنّ هذا الأمر يعيدنا إلى جدل لا يتوقّف: من يصلح من: التربية أو المجتمع؟
  • ويتساءل بعد ذلك “دوركايم” هل يمكن التعويل على المجتمع السياسيّ لإصلاح المجتمع؟ وبالتالي لإيقاف آفة الانتحار؟ أم وجب الاعتماد على المجتمع العائليّ (الأسروي) في تدعيم قيم الترابط المجتمعيّ وإعادة اللحمة له؟ أم أنّه وجب اللجوء إلى الدين، باعتباره يتضمّن معاني ساميّة وقيماً عليا، تستطيع أن ترفد المجتمع وتخرجه من براثن التفكّك والترهّل إلى العافية والتلاحم؟
  • بخصوص التعويل على الجماعة السياسيّة، فهو غير مأمون العواقب، نظراً لترهّل العلاقة بين المواطن وهذه الجماعات التي ابتعدت عن تأطير الفرد وتربيته بشكل واضح ومستمرّ، وعلى الرغم من بروز بعض حالات التشبيب بهذه الجماعات في حالات استثنائيّة، كالحروب والنزاعات والاضطرابات، فإنّها تبقى موسميّة ولا تعكس التجذّر الحقيقيّ لهذه المؤسّسات في بناء المواطن الفرد.
  • ولهذا فإنّ هذه الحال المتقطّعة والمتوتّرة بين الفرد والجماعات السياسيّة، لا تمنع من حصول انتحارات بشكل مضطّرد، ولعلّ في هذا المثال ما يذكّرنا بما آلت إليه الأوضاع اليوم، من موت السياسة، ومن فقدان الثقة بين المجتمع السياسيّ والمواطن العاديّ، لدرجة يصعب معها تصوّر علاقة متداخلة ومتواشجة ومتلاحمة.
  • لعلّ قائلاً يقول: عن العاصم من هذه الآفة الاجتماعيّة، هو الدين فهو الأمضى سلاحاً مقارنة ببقيّة العناصر؟ ونجد اليوم من يكرّر هذا القول في المحافل العلميّة، واللقاءات الأكاديميّة والنقاشات العموميّة، بل إنّ بعض جماعات الإسلام السياسيّ اليوم، تؤكّده، نظراً لأنّه يشكّل الصمغ التي تنضغط به كلّ الآفات و”الأمراض”.
  • لكنّ “دوركايم” -وإن كان يتحدّث في سياق الانتقال من الفكر الكنسيّ إلى الفكر العلميّ في أوربا القرن (18) و(19)- فإنّه مع ذلك، حاول أن يبيّن أنّ هذا الرابط (الدين)، فقد الكثير من عناصر قوّته وامتداده داخل المجتمع الحديث، فعلى الرغم من “التفوّق الأخلاقيّ والفكريّ للعقيدة، لا يمكنه أن يمارس أيّ تأثير في الانتحار”.
  • بالموازاة مع ذلك، هناك من طرح أنّ الحلّ، يكمن في الجماعة العائليّة، والتي تعدّ البيت الدافئ لاحتضان الفرد، ولتعزيز روابط التلاحم بين مكوّنات المجتمع.

وبالفعل، فقد توقّف “دوركايم” عند هذا العنصر، شارحاً له ومقدّماً مجموعة من التوضيحات بشأنه، حيث يرى “دوركايم” أنّ العائلة طرأت عليها تغيّرات كبيرة في بنيتها وفي وظيفتها، ولم “تعد تمارس التأثير الواقعيّ نفسه، الذي كان لها فيما مضى". ويضيف أيضاً: “ففي حين كانت العائلة قديماً تصون أغلبيّة أعضائها الذين يعيشون في كنفها منذ ولادتهم وحتّى مماتهم، مكوّنة كتلة متراصّة عصيّة على الانقسام، موهوبة نوعاً من الخلود، لم يعد لها اليوم سوى ديمومة عابرة، فما تكاد تتشكّل حتّى تتشتّت، وما إن يترعرع الأولاد جسديّاً حتّى يذهبوا ليتابعوا حياتهم في الخارج”؛ ونحن لا نستغرب من هذا التحليل، فعلى الرغم من أنّنا نتباعد زمنيّاً وسياقيّاً مع زمن الدراسة، فإنّ هذا التحليل، ينطبق بأجلى صوره في واقعنا المعاصر، سواء في المجتمعات الأوربيّة والأمريكيّة أو حتّى في المجتمعات العربيّة الإسلاميّة، حيث فقدت العائلة الكثير من أدوارها ووظائفها التنشيئيّة والتثقيفيّة والتربويّة، لتحلّ مكانها وسائط جديدة، رسّخت تلك القطيعة بين أفرادها، ولعلّ المثال الصارخ على ذلك، هو بروز الأسر النوويّة، والتي تعدّ مؤشّراً على انحلال الروابط الأسريّة، ممّا أصبح معه الفرد يتيماً في مجتمع فيه إفراط في الأنانية المجتمعيّة، ولهذا لا نستغرب إذا ما وجدنا الانتحارات تكثر في السنوات الأخيرة، في جلّ هذه المجتمعات.

لكن ما هو الحلّ بالنسبة إلى دوركايم؟
  • يقدّم “دوركايم” حلّاً -قد يعتبره بعضهم بعيداً عن العلاج الحقيقيّ للظاهرة- إذ أنّه يتحدّث في نهاية بحثه عن “الجماعيّة الوظيفيّة” أو ما يمكن أو نطلق عليه “النقابات العمّاليّة والوظيفيّة” ذلك “أنّ التماثل في الأصل والثقافة والاهتمامات يجعل النشاط المهنيّ المادّة الأكثر ثراء لحياة مشتركة، إنّها أكثر من إطار تنظيميّ، بل إنّها وسط أخلاقيّ قادر -بحسب دوركايم- على أن يقدّم عناصر التلاحم والترابط لأفراد المجتمع؛ لأنّ التنظيم الحرفيّ (أو النقابيّ)، لا يجسّد -دائماً بحسب دوركايم- وحدة تنظيميّة فحسب، بل إنّه كيان يتوفّر على قيم أخلاقيّة وآداب وأعراف وله حقوق وواجبات، يمكنه إذا توفّرت بعض شروط إصلاحه وتأهيله، أن يؤدّي أدواراً جدّ طلائعيّة في التخفيف أو القضاء على معضلة الانتحار.
  • طبعاً، يمكن القول إنّ هذا الحلّ قد يواجه اليوم على الأقلّ بعدّة اعتراضات وجيهة جدّاً، وهي أنّ هذا التنظيم لم يعد بدوره يستقطب الكثير من الموظّفين والعمّال والمستخدمين، فقد غدا بدوره – أيّ التنظيم النقابيّ – متأخّراً جدّاً عن السيرورات والديناميّات المجتمعيّة المتسارعة، وبدا كأنّه غير قابل للإصلاح أو الرجوع إلى اختلال مكانته السابقة، في ظلّ منافسات شرسة يقدّمها الإعلام الجديد، والشبكات الافتراضيّة وكلّ الوسائط الجديدة، علاوة على أنّ هذا التنظيم لا يشمل الحياة المجتمعيّة ككلّ، فهو يقتصر على شريحة من العمّال والموظفين والمستخدمين (أي شريحة متوسّطة أو متوسّطة عليا من المجتمع) في حين أنّ باقي الفئات غير ممثّلة فيه.
  • زد على ذلك هامشيّة حركيّته في كلّ تفاصيل المجتمع، ممّا نعتقد معه، أنّه يصعب التعويل عليه في القضاء على معضلة، بل هي آفة تحتاج في نظرنا إلى تظافر الكثير من العوامل والمداخل، منها ما ذكره “دوركايم” كالعامل السياسيّ والدينيّ والعائليّ والتربويّ، بتجديد وظائفها بإعادة موضعتها التموضع المطابق، ونضيف إليها اليوم العامل الإعلاميّ، باعتباره عاملاً حاسماً في صناعة الرأي والأذواق والاتجاهات والميول والممارسات.[٣]

كتاب «قواعد المنهج في علم الاجتماع»

  • اعتبر كتاب «قواعد المنهج في علم الاجتماع» لإميل دوركايم أحد المؤلّفات الكلاسيكيّة في العلوم الاجتماعيّة، فقد نشره «دوركايم» عام (1895 م)، وتابع فيه التقليد الذي بدأه أوجست كونت من قبله، والذي يطالب بضرورة اعتبار علم الاجتماع علماً وضعيّاً شأنه شأن العلوم الطبيعيّة الأخرى، حتّى يستطيع علم الاجتماع أن يصل إلى هذه الغاية يتعيّن أن نتعرّف تماماً إلى مناهج هذه العلوم، وأن ندرك بوضوح كيفيّة استخدامها في دراسة الظواهر الاجتماعيّة، ويستند ذلك كلّه إلى ركيزتين أساسيّتين، فمن الضروري:
  1. أوّلاً تحديد موضوع الدراسة في علم الاجتماع، تحديداً لا يجعل هذا العلم يختلط بأيّ دراسة علميّة أخرى.
  2. ثانياً: ومن الضروريّ أن يكون هذا الموضوع من الموضوعات التي يمكن ملاحظتها وتفسيرها بالطريقة نفسها، التي نلاحظ ونفسر بها تلك الظواهر التي تدرسها العلوم الأخرى، وهاتان الركيزتان هما الأساس الذي قام عليه كلّ ما ذكره دوركايم من قضايا وأحكام وآراء منهجيّة في مؤلّفه «قواعد المنهج».
  • ومن هنا فإنّه لم يكتف بجعل هذا الكتاب مجرّد مؤلّف في مناهج البحث الاجتماعيّ أو طرائق البرهان العلميّ، وإنّما ضمّنه المبادئ الأساسيّة للتفسير والتحليل السوسيولوجيّ.
  • يحتوي الكتاب على كثير من آراء دوركايم التي عرضها في كتابه «تقسيم العمل الاجتماعيّ» لكنّه آثر أن يقدم نتائج هذا البحث -كما يقول- على حدة، وأن يرفقها بأدلّتها ويصوّرها بأمثلة، أخذها من هذا الكتاب الأخير ومن كتب أخرى له، لم تكن قد نشرت بعد.
  • وكان ظهور كتاب «قواعد المنهج في علم الاجتماع» سبباً في تعجيل نشأة المدرسة الاجتماعيّة التي انضمّ إليها كثير من الفلاسفة والمؤرّخين واللغويّين والاقتصاديّين، الذين رغبوا في التعاون مع «دوركايم».
  • أثار الكتاب لدى ظهوره أوّل مرّة كثيراً من المجادلات العنيفة، فقد مضى ما يزيد على القرن على إصداره، وحين صدر في طبعته الأولى أثار عواصف عنيفة، حرّكت العقول، وأثارت حملات من النقد القاسي (الأيديولوجيّ أحياناً والراجع إلى قصور الفهم أحياناً أخرى)، كما أثار في الوقت نفسه طوفاناً من التأييد والدعم والتوضيح والتطوير، وفي ظلّ النهضة النظريّة التي شهدها علم الاجتماع العامّ في العالم، بعد أن تجاوز مرحلة التأسيس، بدأت نظرة روّاد هذه المرحلة إلى مجمل إسهام دوركايم تتغيّر، وتبتعد عن النقد الأيديولوجيّ (السهل) كما تنأى بنفسها عن الحماسة المندفعة التي لا داعي لها.
  • ويرجع هذا التحوّل إلى عدّة أسباب، يأتي في مقدّمتها أنّ دوركايم -على خلاف أغلب مفكّري علم الاجتماع- قدّم إطاراً نظريّاً يتميّز بكثير من الوضوح والقدرة على الإقناع، وبالقليل من الغموض والإشكاليّات، وقد أثبت تتابع أعماله الفكريّة الأساسيّة للطاقة أن إميل دوركايم (ومدرسته معه وقبله) قد أرسوا جميعاً أسساً راسخة لعلم الاجتماع الحديث يستحيل هدمها، بل يصعب الإطاحة بأي قسم من أقسامه.
  • وما أنجزه دوركايم بكتابه هو أنك تستطيع أن تجد طريقك إلى علم الاجتماع، وذلك لأنّ دعوته الشهيرة إلى تفسير الظواهر الاجتماعيّة بظواهر من النوع نفسه، أيّ ظواهر اجتماعيّة أخرى، هي نقطة البدء في أيّ دراسة يمكن أن تكون لها جدوى، وهي الإعلان عن استقلال ميدان علم الاجتماع برؤيته ونظريّاته وأدواته.
  • لقد خلّص دوركايم نظريّته الاجتماعيّة من أيّ أحكام مسبقة، بما نجده في كتاباته، لكن كذلك بما حقّقه في بحوثه وبحوث زملائه وتلاميذه من أعمدة مدرسته، الذين كانت تنشر لهم «الحوليّة الاجتماعيّة» أعمالهم، ولم تكن تلك المعارك بلا خسائر، فقد دفع فيها دوركايم ثمناً باهظاً، فلا شكّ أنّ إصراره الذي يبدو فيه شيء من التحيّز الواضح، على الفكرة القائلة إنّ علم الاجتماع هو أهمّ العلوم الاجتماعيّة قاطبة، قد خلق له الكثير من الأعداء في المؤسّسة التعليميّة عامّة، وفي الحقل الأكاديميّ خاصّة.[٤]
  • ويدرس في كتابه (قواعد المنهج) ما يتعلّق بتطوّر المجتمع عنده فيذكر أنّ العامل الفعّال الوحيد الذي يؤثّر في المجتمع هو البيئة الاجتماعيّة بمعنى الكلمة ونعني بها البيئة الإنسانيّة. وحينئذ يجب على عالم الاجتماع أن يبذل مجهوده الرئيس في الكشف عن مختلف خواصّ هذه البيئة الإنسانيّة التي تستطيع التأثير في تطوّر الظاهرات الاجتماعيّة.
  • ولقد اهتدينا حتّى الآن إلى نوعين من الخواصّ التي يتحقّق فيها الشرط السابق بصفة شديدة الوضوح:
  1. أمّا النوع الأوّل فهو (عدد الوحدات الاجتماعيّة) أو ما سبق أن أطلقنا عليه اسم حجم المجتمع.
  2. وأمّا النوع الثاني فهو درجة تركّز (الكتلة الاجتماعيّة) أو ما سبق أن أطلقنا عليه اسم (الكثافة الديناميكيّة).
  • ويجب ألّا يُفهم هذا المصطلح الأخير على أنّه يعبّر فحسب عن درجة التركّز المادّي التي لا تؤثّر تأثيراً واضحاً مادامت هناك بعض الفجوات الروحيّة التي تفصل بين الأفراد، أو تفصل بالأحرى بين مجموعات الأفراد، بل يجب أن يفهم هذا المصطلح أيضاً على أنّه يعبّر عن الصلات الروحيّة الوثيقة التي لا يعدّ التركيز الماديّ إلا تابعاً لها، أو بصفة عامّة إحدى نتائجها.
  • وبهذا يمكن تحديد الكثافة بعدد الأفراد الذين يعيشون حياة مشتركة إلى جانب ما يتبادلونه من خدمات، وما يوجد بينهم من تنافس، وليس من الممكن أن تتأثّر الحياة الاجتماعيّة إلا بعدد الأفراد الذين يشتركون اشتراكاً فعليّاً في هذه الحياة، ولهذا السبب كانت درجة الالتئام بين الأجزاء الاجتماعيّة التي يتكوّن منها أيّ شعب من الشعوب هي خير وسيلة تعبّر عن كثافته الديناميكيّة.
  • والحال التي توجد عليها هذه البيئة في كلّ لحظة تخضع هي نفسها لبعض الأسباب الاجتماعيّة، وهذه الأسباب على نوعين:
  1. فمنها ما هو جزء لا يتجزّأ من بقيّة المجتمع.
  2. ومنها ما يرجع إلى التأثير المتبادل بين هذا المجتمع وبين المجتمعات التي تجاوره.
  • والمدقّق في هذا النصّ يستطيع أن يتبيّن:
  1. أوّلاً أنّ كثافة المجتمع، وتقسيم العمل والاتصال بمجتمعات أخرى عوامل بارزة في التطوّر والتغيّر الاجتماعيّ.
  2. ويستطيع أن يتبيّن ثانياً أنّه يعتبر الواقع الماديّ الموضوعيّ – ليس فقط الواقع الاقتصاديّ – تابعاً للأفكار والتصوّرات، أو بصفة عامّة لمظاهر الوعي الجمعيّ المتمثل في وجود قيم مشتركة بين الأفراد. [٥].

كتاب تقسيم العمل الاجتماعيّ

  • يمثّل كتابه تقسيم العمل الاجتماعيّ أهمّيّة كبرى في التعرّف على الفكر الدوركايميّ، لأنّه كان موضوع أطروحته للحصول على الدكتوراه، ولأنّه العمل الرئيسيّ الذي قد يلي (قواعد المنهج) في الأهمّيّة، من وجهة نظر دارسي نظريّة علم الاجتماع، لأنّه من خلال قضاياه وأفكاره يبيّن لنا تأثّره الواضح بفكر (أوجيست كونت) بل وبالمماثلات البيولوجيّة التي عقدها صراحة وضمنا مع المجتمع الإنسانيّ.
  • وإذا أردنا اختصار الوقت والصفحات لعرض الفكرة المحوريّة لهذا الكتاب فلن نجد خيراً من (ريمون آرون) عالم الاجتماع الفرنسيّ الذي ألمّ بكتابات (دوركايم) سياقاً ولغة وتحليلاً.
  • يذهب (ريمون آرون) في كتاب (التيّارات الأساسيّة في الفكر السوسيولوجيّ) إلى أنّ الفكرة الأساسيّة التي يقوم عليها كتاب (تقسيم العمل) تتركّز في التصوّر الدوركايميّ لتحديد العلاقة بين الفرد والمجموع.
  • ويعرض (آرون) المسألة من خلال التساؤل التالي: كيف يقيم جمع من الأفراد مجتمعاً؟ وكيف ينجزون الشرط الضروريّ -الوعي- لوجودهم الاجتماعيّ؟ لكي يجيب دوركايم عن هذا السؤال أقام تمييزاً واضحاً بين نمطين من التضامن: التضامن الآليّ والتضامن العضويّ.
  • تتحدّد أهمّ خصائص مجتمع التضامن الآليّ بضيق الاختلاف والفوارق بين الأفراد وانحسارها إلى أقلّ درجة ممكنة.
  • فالأفراد في هذا المجتمع متشابهون، لهم المشاعر والأحاسيس نفسها، ويتمسّكون بالقيم نفسها، ويتّفقون على الأشياء المقدسّة نفسها، وبعبارة موجزة: أفراد هذا الجمع متجانسون، لأنّهم لم يتباينوا ولم يتغيّروا بعد.
  • وعلى النقيض من هذا النمط يكون التضامن العضويّ، الذي يأتي تضامن الأفراد وتماسكهم فيه نتاجاً لتباينهم، وتعبيراً عن هذا التباين في الوقت نفسه، ولأنّ الأفراد يتغايرون ويتبادلون فهم يتّفقون ويحدث بينهم الالتقاء.
  • وهنا يطرح (آرون) التساؤل التالي: لماذا عنَّ لـ (دوركايم) أن يطلق على التضامن القائم على التباين تضامناً عضويّاً؟ هنا تدخل المسألة البيولوجيّة للتسويغ والتوضيح، فمكوّنات الكائن الحيّ لا تتشابه، أليس العقل مختلفاً عن القلب وعن الرئتين؟ بلى، فهذه الأعضاء متغايرة، لكنّها ضروريّة ولا غنى عنها للجسم بالتساوي، فكلّ يؤدّي وظيفته. [٦]

كتاب الظاهرة الاجتماعيّة عند دوركايم

  • صنّف دور كايم الظاهرة الاجتماعيّة على أنّها ضرب من السلوك ثابتاً كان أو غير ثابت، ويمكن أن يباشر نوعاً من الضغط الخارجيّ على الأفراد، كما يعتبر كلّ سلوك يعمّ في المجتمع بعمومه.
  • وبهذه المميّزات يمكن أن نحدّد خصائص هذه الظاهرة في النقاط التالية:
  1. أنّها جماعيّة أي أنّها تختصّ بسلوك وبنية الجماعة وليس الفرد، وتظهر هذه الظاهرة في السلوكيّات الجماعيّة ذات اتساق وانسجام، ولها أبعاد منهجيّة تختصّ بعلم الاجتماع عنده، وهي علم الجماعة وليس علم الأفراد وبذلك يميّزه عن علم النفس.
  2. الالتزام: ويكون بمعنى حال القهر والجبر التي يمارسها السلوك الجماعيّ كظاهرة اجتماعيّة على الأفراد، وانتقال التقليد، والسلوك الاجتماعيّ بما يسمّى العدوى الاجتماعيّة.
  3. الطابع الإنسانيّ: هذه الخاصّيّة تميّزه، حيث أنّ الظاهرة الاجتماعيّة تتعلّق بالمجتمع الإنسانيّ دون غيره من المجتمعات الأخرى، كما يتميّز منهجها الذي يختصّ بالبحث الاجتماعيّ الإنسانيّ عن غيره من البحوث و المناهج التي تختصّ عن بقيّة المناهج البحثيّة الأخرى.
  4. التلقائيّة: وتشكّل هنا الظاهرة الاجتماعيّة حالاً تلقائيّة وطبيعيّة لوجود الحياة الاجتماعيّة، وعادة التفاعل الاجتماعيّ بين أفراد المجتمع.
  5. الترابط: ويكمن في الظاهرة الاجتماعيّة الترابط أي أنّ عناصرها تترابط ترابطاً عضوياًّ ووظيفيّاً، وعموماً فالظاهرة الاجتماعيّة تشتقّ بين المظاهر الجمعيّة - المعتقدات، الممارسات الجمعيّة ويمكن التعرّف عليها بوساطة القوّة القاهرة التي تمارسها على الأفراد، والمتجسّدة في أنماط السلوك. [٧]

دوركايم والاتجاهات الفكريّة السائدة

هنا سنحاول أن نعرض للاتجاهات الفكريّة السائدة، التي تحاور معها دوركايم، فقد تشكّل فكره من خلال هذا الحوار، إلى جانب تأثّره بظروف المجتمع الذي يعيش فيه؛ تحاور دوركايم مع ثلاثة اتجاهات فكريّة: الفكر النفعيّ لهربرت سبنسر، والفكر الاشتراكيّ، ثمّ الفلسفة الوضعيّة (وإطارها المحافظ).

دوركايم والفكر النفعيّ

  • اتّضح منذ البداية معاداة دوركايم للنزعة الفرديّة، بحيث يذهب روبرت نيسبت إلى أنّ دوركايم يشترك مع فرويد في تحمّل جزء كبير من المسؤوليّة عن تحويل الفكر من التركيز على الإرادة والاختيار والوعي الفرديّ، إلى التركيز على الجوانب غير الاختياريّة وغير العقليّة.
  • بل إنّ ردة فعل دوركايم تجاه المذهب الثوريّ كان أكثر ثوريّة من فرويد، من حيث أنّه ظلّ هو بؤرة الاهتمام الرئيسة في تحليلات فرويد النفسيّة، أمّا دوركايم فإنّه يركّز على الظروف الاجتماعيّة الخارجيّة كمصدر للدافع والفكر والسلوك، فما نهتمّ به عند دراسة أسبقيّة المجتمع على الفرد، ومن قدرة هذا المجتمع على أن يضع مجموعة من الميكانيزمات القهريّة تضبط سلوك الأفراد داخله.
  • ومن هنا تظهر معاداة دوركايم للفكر الفرديّ، وهذا شيء طبيعيّ طالما أنّ بؤرة اهتمامه الرئيسة هي النظام العامّ، فهو يخاف أن تقضي المنفعة الفرديّة والتنافس على وجود هذا النظام على ما يذهب ألفن جولدنز.
  • تتّضح معاداة دوركايم للفكر النفعيّ الفرديّ أيضاً في رفضه لنظريّة العقد الاجتماعيّ المرتبطة بهذا الفكر، والتي أكّد عليها هربرت سبنسر، وجوهر النظريّة هو علاقة التبادل الاقتصاديّ التي تحسمها حسابات العرض والطلب، بين الأطراف الداخلة في التعاقد.
  • فنظر دوركايم إلى العقد نظرة مجتمعيّة عامّة، يتحقّق من خلاله النظام العامّ، ودونه يصبح الناس في حال حرب، فتحقيق المصالح المتعدّدة للأفراد من خلال التعاقد هو الذي يقلّل حدّة العداء الكامن بين الأفراد، ويؤدّي ذلك إلى فائدة متبادلة وسلام متبادل، وفق فشل سبنسر وغيره، فمن دوافع الأفراد الفعليّة أو دوافع الأطراف الداخلين في التعاقد.
  • إنّها الجوانب غير التعاقديّة في العقد الاجتماعيّ، وهي حقيقة لم يدركها أصحاب النزعة الفرديّة على الإطلاق؛ وهنا يكمن الحلّ الدوركايميّ لمشكلة النظام، الذي يقوم على قهر القيم والمعايير بدلاً من قهر الدولة لعلاقات النفعيّة وتنظيمها لها على ما ذهب هوبز. [٨]

دوركايم والفكر الاشتراكيّ

  • دفع جنوح دوركايم إلى النظام إلى رفض الاشتراكيّة، لقد بدأ اهتمام دوركايم بالاشتراكيّة منذ عام (1883 م)، الفترة نفسها التي أعدّ فيها خطّة كتابه عن تقسيم العمل، ولكنّ تقدّمه في هذه الدراسة جعله ينشغل بها عن الاشتراكيّة، إلى أن بدأ يهتمّ بها مرّة أخرى في عام (1895 م)، حيث ألقى سلسلة محاضرات في هذا الموضوع، ويذهب بعضهم إلى أنّ كلّ أعمال دوركايم ما هي إلا محاولة لإقامة نموذج لمجتمع يعارض نموذج ماركس الاشتراكيّ؛ حيث يحاول منذ البداية أن يبحث عن نوع من الوساطة الفكريّة بين نسقين نظريّين قائمين، الوضعيّة والماركسيّة من خلال تفسير منبعهما المشترك وأعني سان سيمون.
  • ولكنّه أخفق في هذه المصالحة الأيدولوجيّة، فطوّر الجانب المحافظ عند سان سيمون وأهمل الجانب الراديكاليّ الذي طوّره ماركس.
  • لم يرَ دوركايم في الاشتراكيّة مذهباً جديداً، بل اعتبرها صيحة ألم لإنسان يواجه بمظاهر الأنوميّ في المجتمع الصناعيّ.
  • مثلها مثل ظواهر المجتمع؛ يجب أن تخضع للدراسة العلميّة، ويجب اعتبارها حقيقة اجتماعيّة خارجيّة، فهي وإن كانت توجد في المجتمع إلا أنّها لا تعبّر بالضرورة عن الظروف الاجتماعيّة التي أنتجت ذلك المجتمع.
  • بل إنّ عداء دوركايم للاشتراكيّة امتدّ إلى نقد آراء ماركس فيما يتعلّق بعلاقات الإنتاج والصراع الطبقيّ والنموذج الذي قدّمه يؤكّد أهميّة التغيّرات التراكميّة في مقابل التغيّرات الثوريّة في المشروع الماركسيّ، فالمجتمعات التي تقوم بها الثورات ليست هي المجتمعات التي تكشف عن قدرة أكبر على التغيّر، بل العكس هو الصحيح تماماً، لأنّه في أغلب هذه المجتمعات تظلّ التقاليد الأساسيّة دون تغيّر، كما أنّ الثوريّين يعطّلون التغيّر الطبيعيّ من خلال الروتين البيروقراطيّ.
  • أمّا عن الصراع الطبقيّ فقد اعتبره دوركايم ناتجاً عن حال المرض Malaise الذي استشرى في العالم الحديث إلى جانب سوء النظام Disorder الناتج عن التفكّك الأخلاقيّ، ومن هنا كان تركيز دوركايم على الجوانب القيميّة والأخلاقيّة في تحقيق التضامن والتماسك في المجتمع.
  • وإذا كان اهتمام دوركايم بإقامة دعائم النظام العام قد جعله يرفض التفسيرات الفرديّة والاشتراكيّة، فإنّ السبب نفسه قد جعله يتبنّى الوضعيّة.

دوركايم والوضعيّة

  • إنّ القول بتبنّي دوركايم للاتجاه الوضعيّ لا يعني أنّه ردّد آراء كونت على عواهنها، بل إنّه استلهم الروح الوضعيّة عندما ركّز على أهميّة تحليل العلاقات القائمة بين النظم الاجتماعيّة من ناحية، وبينها وبين البيئة الموجودة فيها من ناحية أخرى، وعندما جعل من نظريّته محاولة لاستعادة التوازن والاستقرار بين عناصر المجتمع المتصارعة، وفي إضفاء الطابع العلميّ على دراسة المجتمع من وجهة نظر محافظة إلى حدّ بعيد.
  • ولقد حاول دوركايم أنّ ينقّي الوضعيّة ويخلّصها من الشوائب الفلسفيّة واليوتوبيّة التي أضفاها عليها كونت، وقد تجلّى ذلك فيما يلي:
  1. اختفت أو ضعفت النزعة التطوّريّة في أعمال دوركايم وظهر اهتمامه بالدراسات المقارنة، ذلك الذي اتّضح بجلاء في دراسة دوركايم لتقسيم العمل والانتحار والدين.
  2. معارضة النزعة التنبّؤيّة اليوتوبيّة حيث ذهب دوركايم إلى أنّ العلم لم يصل على مرحلة النضج، بحيث يمكن أن يتنّبأ بالمستقبل: فإذا كان كونت قد رفع شعار النظام والتقدّم، فإنّ دوركايم لم يُعر أهميّة للتقدم، وركّز على النظام، وبهذا يكون دوركايم قد أجهض النظريّة التطوّريّة للوضعيّة وقلب مفهومها عن الماضي رأساً على عقب.
  3. أضفى دوركايم طابع العلمانيّة على العلم، فإذا كان كونت وسان سيمون قد ربطا علم الاجتماع بالدين، إلى درجة أنّهما اعتبراه ديانة جديدة للإنسانيّة، فإنّ دوركايم عالج الدين كظاهرة اجتماعيّة مثل كلّ ظواهر المجتمع.
  4. نحا دوركايم بالوضعيّة منحًى علميّاً فبذل قصارى جهده لتحديد موضوع ومنهج علم الاجتماع، فمن حيث الموضوع، حدّد خصائص الظاهرة الاجتماعيّة، ومن حيث المنهج ركّز دوركايم على الموضوعيّة والعلميّة في دراسة الظواهر الاجتماعيّة إلى درجة أنّه ذهب إلى أنّنا يجب أن نعتبرها "أشياء" خارجيّة منفصلة عن شعورنا الذاتيّ، وأنّه يجب على الباحث أن يتحرّر من كلّ فكرة سابقة عن الظاهرة كيلا يقع في أسر أفكاره الخاصّة، هكذا استمرّت الوضعيّة في أعمال دوركايم.

منهج البحث عند دوركايم

كيفيّة التحليل المنهجيّ

ينظر دوركايم إلى المنهج على أنّه مجموعة من المبادئ والقواعد لدراسة وتحليل الظواهر الاجتماعيّة وهي تتلخّص فيما يلي:

  1. يجب ملاحظة الظواهر الاجتماعيّة على أنّها أشياء، بمعنى التعامل مع الظواهر الاجتماعيّة دون التأثّر بأفكار سابقة، وإنّما تحلّل كما هي موجودة، فمنهجيّة تحليل الظواهر الاجتماعيّة تقتضي من الباحث في علم الاجتماع التحرّر بصفة مطّردة من كلّ فكرة سابقة.
  2. على الباحث في علم الاجتماع تعريف الظواهر الاجتماعيّة التي هو بصدد دراستها حتّى يعلم بها الناس، إذ لا يستطيع الباحث أن يحلّل ظاهرة ما دون الإحاطة بمعانيها، كما ينبغي على الباحث أن يقف منذ البداية على الخواصّ الأكثر ظهوراً، أي الظواهر الاجتماعيّة، والآليّة المنهجيّة التي تساعد على الوصول إلى تحديد الخواصّ الجوهريّة للظاهرة هي الاعتماد على الخواصّ الخارجيّة التي تمكّنه من الاهتداء إلى الجوهر وعمق المسألة.
  3. إنّه من الواجب حصر البحث في طائفة من الظواهر الاجتماعيّة ويتمّ على إثرها تعميم البحث على جميع الظواهر الاجتماعيّة التي لها الخصائص نفسها وتتحقّق فيها الشروط اللازمة.
  4. يجب على الباحث في علم الاجتماع عند شروعه في بحث و تحليل الظاهرة الاجتماعيّة أن يبذل جهده في ملاحظة هذه الظواهر من الناحية التي تبدو فيها مستقلّة عن مظاهرها الفرديّة.[٩]

الانتقادات التي وجّهت لمنهج دوركايم

ومن خلال تحليل أفكاره حول التحليل الاجتماعيّ للظواهر الاجتماعيّة ومنهجه الذي تعتريه بعض العيوب التي تحفظ إزاءها بعض المحلّلين ومن بين هذه النقاط التالية: الاعتبار الأوّل الذي يؤخذ في هذه الوجهة أنّ دوركايم ناقش هذه القضيّة أي ظاهر الدين من منظور معاداته للدِّين.

  • وليس كما هي موجودة في الواقع، إذ لا يمكن تقسيم الظاهرة التي قام بها دوركايم على جميع الظواهر المتشابهة وكان يفترض أن يدرس الظاهرة الدينيّة في جميع تجلّياتها الاجتماعيّة كما هي موجودة في الواقع الاجتماعيّ ويترك للموضوعيّة وحدها فرض نتائج البحث أنّى كانت، ممّا يجعل نتائج التحليل الاجتماعيّ تتمتّع بالشروط العلميّة ذات المصداقيّة والقابليّة للتقويم.
  • تأكيد على الخاصّيّة الجمعيّة للظاهرة الاجتماعيّة لا يؤخذ على إطلاقه، وإلّا كان ناقصاً للواقع ممّا يجعله مضطّرّاً لوضع التحفّظات حول حدود التحديدات الاصطلاحيّة للمفاهيم الاجتماعيّة، حيث أنّ بعض السلوكيّات الاجتماعيّة مصدرها الفرد ثمّ تبدأ تقلّ تدريجيّاً في الجماعيّة.
  • يلاحظ أنّ فكرة الضمير الجمعيّ تلغي أيّ دور للفرد وتهدّد حرّيّته كما أنّه لا يستطيع تفسير السلوك لأعضاء المجتمع إذ أنّه لا يمكن اعتبار المجتمع مصدر السلوك لأنّ الفرد سابق الوجود عن المجتمع فكيف يكون الفرع أصل الأصل.
  • كما يؤخذ عليه من الناحية المنهجيّة فبالنسبة إلى الضوابط التي وضعها في دراسة الظواهر الاجتماعيّة الموضوعيّة هي ضوابط مثاليّة، إذ لا يمكن أن يتخلّص أيّ باحث من ذاتيّته وأفكاره المسبقةً والصعوبة في هذه الحال هي مشكلة الموضوعيّة، والتحدّث عن الموضوعيّة يعني التقليل من تدخّل الاعتبارات الذاتيّة في نتائج البحث.
  • إنّ تقسيمه لأنواع الانتحار هو تقسيم متضارب تعوزه الأدلّة الواقعيّة، ومناقض للبحوث العلميّة، لأنّ سلوك الإيثار مثلاً ينتج الراحة النفسيّة وليس السلوك الانتحاريّ، وإلّا لكان أولى الناس بالانتحار حاتم الطائيّ – كريم العرب – والأمّ تريزا: القديسة المسيحيّة.

إسهاماته المنهجيّة

  1. يعدّ دوركايم أوّل من عرف الظاهرة، فهو يرى أنّنا حينما نحاول أن نميّز حادثة معيّنة ترتبط بالمجتمعة، تكون ذات دلالة اجتماعيّة نلجأ إلى استخدام مصطلحات غير واضحة وغير ملائمة، فقد وجد دوركايم ظواهر معيّنة في الحياة الاجتماعيّة يتعذّر تفسيرها في ضوء التحليل السيكولوجيّ أو الطبيعيّ، فهناك أنماط من السلوك وضروب من التفكير والشعور تتميّز بأنّها خارجة عن الفرد وتتمتّع بقوّة وقهر [١٠]
  2. كان أوّل من طبّق قواعد المنهج العلميّ في علم الاجتماع، وقدّم تطبيقه هذا في دراسته (قواعد المنهج العلميّ في علم الاجتماع). [١١]
  • نظر دوركايم إلى علم الاجتماع من حيث كونه يهتمّ بدراسة المجتمع وما ينبعث عنه من ظواهر دراسة علميّة وصفيّة تحليليّة، ولكي يحقّق العلم غايته فإنّه لا بدّ من منهج علميّ يستطيع بفضله الوصول إلى قوانين الظواهر، ولقد وضع دوركايم الخصائص التي يجب أن تتميّز بها دراسات علم الاجتماع التي يمكن إيجازها فيما يلي:
  1. يجب دراسة الظواهر الاجتماعيّة باعتبارها أشياء، بمعنى أنّها تخضع للملاحظة والتجربة.
  2. يجب على الباحث التحرّر من كلّ فكرة سابقة يعرفها عن الظاهرة، حتّى لا يقع أسير الأفكار الشخصيّة.
  3. يجب على الباحث أن يبدأ بتعريف الظاهرة التي يتّخذها مادة للدراسة.
  4. يجب على الباحث عند دراسة طائفة خاصّة من الظواهر الاجتماعيّة أن يبذل قصارى جهده في ملاحظة هذه الظواهر من الناحية التي تبدو فيها مستقلّة عن مظاهرها الفرديّة.
  • أمّا فيما يتعلّق بخطوات المنهج العلميّ فلخّصها كما يلي:
  1. دراسة نشأة الظاهرة والوقوف على عناصرها لأنّ الظاهرة شيء معقّد وتتألّف من أجزاء كثيرة.
  2. دراسة تطوّر الظواهر والوقوف على مختلف أشكالها.
  3. دراسة العلاقات التي تربط الظاهرة بما عداها من الظواهر التي تنتمي إلى شعبتها.
  4. الانتفاع بمطلق المقارنة في دراسة الظواهر.
  5. الكشف عن الوظيفة الاجتماعيّة التي تؤدّيها الظاهرة وما خضعت له هذه الوظيفة من تطوّر، وذك في ضوء دراسة تاريخ الظاهرة.
  6. تحديد القوانين التي يصل إليها الباحث من دراساته، ويجب صياغة هذه القوانين بدقّة لأنّها هي التي تكوّن مادّة العلم.

من إسهاماته الوظيفيّة

  • كان لدوركايم دور مؤثر في تأسيس النظريّة الوظيفيّة، ومبدئيّاً فإنّ تأثيرات كونت وسبنسر في الوظيفيّة تجد امتداداتها عند دوركايم في الكثير من أبحاثه، سواء المتعلّق منها بـ" تقسيم العمل في المجتمع" أو "الأشكال الأوّليّة للحياة الدينيّة "؛ وسوف نعرض الآن إسهامات دوركايم في تأسيس البنيويّة الوظيفيّة.
  1. أوّلاً: اهتمام دوركايم بالوقائع الاجتماعيّة جعله يهتمّ أيضاً بالأجزاء المكوّنة للنسق الاجتماعيّ من جهة، وعلاقات الأجزاء بعضها ببعض، ومن ثمّ تأثيرها على المجتمع، ففي حديثه عن الوقائع الاجتماعيّة وجد نفسه مضطراً لإعطائها أهميّة كونها تندرج في إطار بنًى ومؤسّسات سعى دوركايم إلى البحث عنها.
  2. ثانياً: اعتنى دوركايم كثيراً بالبنى والوظائف، وعلاقاتها بحاجات المجتمع، وهذا يعني اهتمامه بالبنية والوظيفة عنصرين هامّين في التحليل السسيولوجيّ.
  3. ثالثاً: من أهمّ الأمور التي قام بها دوركايم تمييزه بين مفهومين "السبب الاجتماعيّ" و"الوظيفة الاجتماعيّة"، إذ أنّ دراسة "السبب الاجتماعيّ" سيعني الاهتمام بمسوّغات وجود البنية، أمّا دراسة "الوظيفة الاجتماعيّة" فستعني الاهتمام بحاجات المجتمع الكبيرة وكيفيّة تلبيتها من طرف بنية معيّنة.
  4. رابعاً: رفضَ دوركايم رفضاً قاطعاً فكرة أسطوريّة الدين، وأكّد في المقابل على أنّه ظاهرة عالميّة، وبالتالي لا بدّ وأن تكون له في الوظيفيّة في المجتمعات البشريّة، فمن بين وظائف الدين عند دوركايم العمل على توحيد الناس، وخلق روح التضامن الاجتماعيّ بينهم، عن طريق القيم الثقافيّة والاعتقادات الدينيّة التي يدعو إليها هذا الدين أو ذاك.
  • بحسب كايم فـ (إنّ الانسجام من ملامح الرؤية الوظيفيّة) لا بل أنّها تنظر إلى المجتمع على أساس أنّه مستقرّ وليس هناك ما يعكّر صفوه؛ من صراعات ونزاعات، بما أنّ أجزاءه تتكامل في القصد والهدف.

الدين عند دوركايم

  • كما رأينا، شعر دوركايم بالحاجة للتركيز على التجليات الماديّة للحقائق الاجتماعيّة غير المادّيّة، مثلاً القانون في (تقسيم العمل) ومعدّلات الانتحار في (الانتحار)، لكن في كتابه (الأشكال الأوّليّة للحياة الدينيّة) شعر دوركايم بالراحة الكافية لمناقشة الحقائق الاجتماعيّة غير الماديّة، بخاصّة الدّين، بصورة أكثر مباشرة؛ في الحقيقة الدين هو الحقيقة الاجتماعيّة غير المادّيّة المطلقة، ودراسته أتاحت له إلقاء المزيد من الضوء على كلّ نسقه النظريّ.
  • بالرغم من أنّ البحث الوارد في (الأشكال الأوليّة...) ليس لدوركايم، لكنّه شعر أنّه من الضروريّ وضع تفكيره عن الدين في معلومات منشورة، المصدر الأساسيّ لتلك المعلومات دراسات عن قبيلة الأرونتا الأستراليّة البدائيّة شعر دوركايم أنّه من الأهميّة دراسة الدين داخل ذلك الإطار البدائيّ لعدّة أسباب:
  1. أوّلاً: كان يرى أنّه من السهل التعمّق في الطبيعة الأساسيّة للدين في إطار بدائيّ وليس في مجتمع حديث، الأشكال الدينيّة في المجتمع البدائيّ يمكن "توضيحها في كلّ صفائها، وتحتاج فقط إلى مجهود بسيط لعرضها".
  2. ثانياً: الأنساق الأيدلوجيّة للأديان البدائيّة أقلّ نموّاً من الأديان الحديثة، ويصاحب ذلك وجود تشويش أقلّ؛ وقد ذكر دوركايم "أنّ ما هو ثانويّ وليس أساسيّاً لم يغطّ بعد المكوّنات الأساسيّة. كلّ شيء مختزل، إلا ما لا يمكن الاستغناء عنه، إلى الذي بدونه لا يمكن أن يكون هنالك دين".
  3. ثالثاً: في حين أنّ الدين في المجتمع الحديث يأخذ أشكالاً مختلفة، ففي المجتمع البدائيّ نجد "انسجاماً فكريّاً وأخلاقيّاً" لذلك يمكن دراسة الدين في المجتمع البدائيّ في أكثر صوره نقاءً.
  • أخيراً بالرغم من أنّ دوركايم درس الدين البدائيّ، لكن ذلك ليس بسبب اهتمامه بالدين البدائيّ في ذاته، بل درسه من أجل أن "يصل إلى فهم الطبيعة الدينيّة للأديان، وليوضّح بذلك جزءاً مهمّاً وأساسيّاً من الإنسانيّة"، أكثر تحديداً، درس دوركايم الدين البدائيّ ليلقى الضوء على الدين في المجتمع الحديث.
  • بما أنّ الدين في المجتمع البدائيّ منسجم وشامل، يمكننا أن نقول: إنّ ذلك الدين يعادل الضمير الجمعيّ، أي أنّ الدين في المجتمع البدائيّ هو أخلاق جمعيّة شاملة، لكن كلّما تطوّر المجتمع وأصبح أكثر تخصّصاً كلّما احتلّ الدين نطاقاً أضيق، وبدل أن يكون ضميراً جمعيّاً في المجتمع الحديث، أصبح الدين أحد التمثّلات الجمعيّة.
  • وفى حين أنّه يعبّر عن بعض المشاعر الجمعيّة، فإنّ مؤسّسات أخرى مثل (القانون والعلم) أخذت تعبّر عن جوانب أخرى من الأخلاقيّة الجمعيّة، بالرغم من أن دوركايم يرى أنّ الدين أصبح يحتلّ نطاقاً ضيّقاً، إلّا أنّه أقرّ أنّ معظم التمثّلات الجمعيّة في المجتمع الحديث، أو كلّها يرجع أصلها إلى الدين الشامل في المجتمع البدائيّ.

المقدّس والمدنّس المجتمعيّ

  • كان السؤال الأساسيّ بالنسبة إلى دوركايم هو البحث عن مصدر الدين الحديث، وبما أنّ التخصّص والغطاء الأيديولوجيّ يجعل من الصعب دراسة جذور الدين في المجتمع الحديث مباشرة، تناول دوركايم موضوع الدين في إطار المجتمع البدائيّ.

السؤال إذن هو: من أين أتى الدين البدائيّ والحديث؟

  • منطلقاً من موقفه المنهجيّ الأساسيّ أنّ الحقيقة الاجتماعيّة تسببها حقيقة اجتماعيّة أخرى، خلص دوركايم إلى أنّ المجتمع هو مصدر الدين، المجتمع، من خلال أفراده، يخلق الدين، يخلقه من خلال تعريفه (أيّ المجتمع) لظواهر معيّنة بأنّها مقدّسة وأخرى بأنّها مدنّسة؛ تلك الجوانب من الواقع الاجتماعيّ التي تُعرف على أنّها مقدّسة، تلك التي تُعزل وتُعتبر من المحرّمات تُكوّن أساس الدين؛ وما تبقّى يعتبر مدنّساً، وهذا المدنّس هو الذي يشكّل جوانب الحياة اليوميّة، أي الجوانب العامّة والنفعيّة والدنيويّة.

المقدّس يؤدّي إلى سلوك يحتوي على التقديس، والاحترام، والغموض، والرهبة، والشرف؛ والاحترام الذي ينسب إلى ظواهر معيّنة، يقوم المجتمع بنقله من الجانب المدنّس إلى الجانب المقدّس.

  • التمييز بين المقدّس والمدنّس وارتفاع بعض ظواهر الحياة الاجتماعيّة إلى المستوى المقّدس أمران ضروريّان، ولكن ليسا كافيين لتطوّر الدين، ولا بدّ من توفّر ثلاثة ظروف أخرى.
  1. أوّلاً، يجب أن يتطوّر نسق من المعتقدات الدينيّة، والمعتقدات "هي التمثّلات التي تعبّر عن طبيعة الأشياء المقدّسة وعلاقاتها مع بعضها بعضاً أو مع الأشياء المدنّسة".
  2. ثانياً من الضروريّ أيضاً وجود نسق من الطقوس "هذه هي قوانين السلوك التي تصف كيف يلائم الإنسان نفسه في وجود الأشياء المقدّسة".
  3. أخيراً يحتاج الدين إلى كنيسة، أو مجتمع أخلاقيّ.

التداخل بين المقدّس، والمعتقدات، والطقوس والكنيسة قاد دوركايم إلى تعريف الدين كما يلي "الدين هو نسق موحّد من المعتقدات والممارسات تجاه الأشياء المقدّسة، أي الأشياء التي تعتبر محرّمة المعتقدات والممارسات التي تتوحّد في مجتمع أخلاقيّ واحد يعرف بالكنيسة وكلّ الذين يلتزمون بذلك".

الطوطميّة

  • رؤية دوركايم أنّ المجتمع هو مصدر الدين شكّلت دراسته للطوطميّة وسط الأرونتا في أستراليا، الطوطميّة هي نسق دينيّ تعتبر فيه بعض الأشياء بخاصّة الحيوانات والنباتات مقدّسة، وترمز للعشيرة.
  • واعتبر دوركايم أنّ الطوطميّة هي الشكل الأكثر بدائيّة وبساطة للدين ويوازيها شكل بدائيّ من التنظيم الاجتماعيّ ذلكم هو العشيرة، إذا تمكّن دوركايم من توضيح كيف أنّ العشيرة هي مصدر الطوطميّة، يكون بإمكانه إثبات حجّته أنّ المجتمع هو منبع الدين.
  • فيما يلي عرض لحجّة دوركايم: "الدين الذي يرتبط مباشرة بالنسق الاجتماعيّ ويتفوّق على كلّ ما سواه في بساطته يمكن اعتباره أكثر الأديان التي نعرفها أوّليّة، وإذا نجحنا في اكتشاف أصل المعتقدات التي حللناها سابقاً، سيكون بإمكاننا في الوقت نفسه اكتشاف الأسباب التي تؤدّي إلى نشوء المشاعر الدينيّة لدى الإنسان".
  • بالرغم من أنّه يمكن أن يكون للعشيرة أكثر من طوطم واحد، فإن دوركايم لا يعتبر ذلك سلسلة من المعتقدات المنفصلة وغير المترابطة حول حيوانات أو نباتات محدّدة، وإنّما اعتبرها نسقاً مترابطاً من الأفكار تعطي العشيرة تمثيلاً كاملاً عن العالم، ليس النبات أو الحيوان هو مصدر الطوطميّة، إنّه فقط يمثّل ذلك المصدر، الطواطم هي التمثيل الماديّ للقوى غير المادّيّة فيها، وتلك القوى غير المادّيّة ليست أكثر من الضمير الجمعيّ للمجتمع " الطوطميّة دين، ليس بتلك الحيوانات أو بتصوّرات الناس، وإنّما بتلك القوى المجهولة وغير الشخصيّة، موجودة في تلك الكيانات كلّها، لكنّها ليست ممتزجة بأيّ منهما؛ الأفراد يموتون والأجيال تذهب، ويأتي غيرها، لكنّ هذه القوى تبقى دائماً حيّة كما هي، إنّها تنفخ الحياة في أجيال اليوم، مثلما فعلت بأجيال الأمس، وكما ستفعل بأجيال الغد".
  • الطوطميّة بخاصّة والدين بشكل عام، مشتقّان من الأخلاق الجمعيّة، وهي في نفسها قوى غير شخصيّة، إنّها ليست سلسلة من النباتات، الحيوانات والأرواح فقط.

الانفعال الجمعيّ

  • الضمير الجمعيّ هو مصدر الدين كما يرى دوركايم، لكن من أين يأتي الضمير الجمعيّ نفسه؟ في نظر دوركايم إنّه يأتي من مصدر واحد هو المجتمع، في الحال البدائيّة التي درسها دوركايم، يعنى هذا أنّ العشيرة هي المصدر المطلق للدين. لقد كان دوركايم صريحاً حول هذه النقطة عندما ذكر: "إنّ القوى الدينيّة ليست أكثر من القوى الجمعيّة والمجهولة للعشيرة " ففي حين أنّنا ربّما نوافق على أنّ العشيرة هي مصدر الطوطميّة، يبقى السؤال: كيف تخلق العشيرة الطوطميّة؟.
  • تقع الإجابة في مكوّن أساسيّ من مستودع مفاهيم دوركايم وإن كان لم يناقش بشكل كاف، ذلك هو الانفعال الجمعيّ.
  • مفهوم الانفعال الجمعيّ لم يوضّح جيّداً في أيّ من أعمال دوركايم بما في ذلك (الأشكال الأوّليّة للحياة الدينيّة) ويبدو أنّه كان في ذهنه وبشكل عامّ اللحظات الكبرى في التاريخ التي أمكن فيها للجماعة تحقيق مستويات عليا من الرقيّ والتي تقود بدورها إلى تغيّرات كبرى في بنية المجتمع.
  • الإصلاح الدينيّ وعصر النهضة في أوروبا نماذج لفترات تاريخيّة كان فيها للانفعال الجمعيّ أثر مشهود على بنية المجتمع، ذكر دوركايم أنّ الدين ينشأ من الانفعال الجمعيّ "إنّه وسط هذه البيئات الاجتماعيّة المنفعلة ومن هذا الانفعال نفسه يبدو أنّ الدين يولد" وخلال فترات الانفعال الجمعيّ يخلق أفراد العشيرة الطوطميّة.

باختصار، الطوطميّة هي التمثيل الرمزيّ للضمير الجمعيّ، والضمير الجمعيّ بدوره يأتي من المجتمع، لذلك فإنّ المجتمع هو مصدر الضمير الجمعيّ والطوطميّة. [١٢]

الأخلاق عند دوركايم

  • إذا أخذنا في الاعتبار رؤى دوركايم عن النزوات الفطريّة الإنسانيّة والحاجة لكبحها بوساطة الأخلاق العامّة، يجب ألّا نستغرب اهتمام دوركايم الشديد باستبطان الأخلاق الاجتماعيّة من خلال التنشئة والتربية؛ الأخلاق الاجتماعيّة توجد أساساً على المستوى الثقافيّ، لكنّها تستبطن بوساطة الفرد؛ وكما قال دوركايم: إنّ الأخلاق العامّة "تخترقنا" و"تكون جزءاً منّا" [١٣]
  • في الأساس، لم يكن دوركايم مهتمّاً بموضوع الاستبطان، لكنّه كان مهتمّاً بعلاقته باهتمامه بالمشاكل الثقافيّة والبنيويّة في زمنه.
  • لم يحدّد كيف أنّ الأخلاق العامّة تستبطن، كان مهتمّاً أكثر بما يؤدّى إلى تدنّي قوّة استبطان الأخلاق في المجتمع المعاصر، جوهر الموضوع بالنسبة إلى دوركايم كان التدنّي في درجة التقييد الآليّ، الذي تمارسه الحقائق الاجتماعيّة على وعي الفرد، وكما أشار روبرت نسبت "لم يتخّل دوركايم أبداً عن فكرته؛ أنّ المجتمع الغربيّ الذى يعرفه يمرّ بأزمات كبرى، وتلك الأزمات عبارة عن تحلّل السلطة الأخلاقيّة في حياة الأفراد"[١٤]

اهتمام دوركايم باللّامعياريّة في (الانتحار) و(تقسيم العمل في المجتمع) يعتبر تجليّاً لذلك الاهتمام.

  • الكثير من أعمال دوركايم عن التربية والتنشئة عامّة، يمكن رؤيتها على ضوء اهتمامه بالتآكل الأخلاقيّ والإصلاحات الممكنة لإيقاف انتشار هذا التآكل.
  • التربية والتنشئة عُرّفت بوساطة دوركايم بأنّها العمليّات التي عن طريقها يتعلّم الفرد أساليب المجموعة أو المجتمع الذي ينتمي إليه؛ كذلك اكتسابه الأدوات المادّيّة والفكريّة؛ وما هو أكثر أهمّيّة لدوركايم اكتساب الأخلاقيّة الضروريّة لوجود الفاعل في المجتمع.
  • التربية الأخلاقيّة لها ثلاثة جوانب مهمّة:
  1. أوّلاً، هدفها هو مدّ الأفراد بالوسائل الضروريّة لكبح النزوات التي تهدّد المجتمع من خلال الإطباق عليهم وابتلاعهم.
  2. ثانياً، تمدّ الأفراد بالإحساس بالاستقلال، لكنّه استقلال خاصّ ومميّز، فيه "يفهم الطفل لماذا القواعد التي تنصّ على أشكال معيّنة من السلوك يجب أن تكون "الرغبة فيها بحرّيّة"، أي تقبلها عن طيب خاطر بفضل "التقبّل المستنير". والورك.[١٥]
  3. أخيراً، عمليّة التنشئة تهدف إلى تطوير الإحساس بالإخلاص للمجتمع ونسقه الأخلاقيّ، جوانب التنشئة الأخلاقيّة هي مجهودات للسيطرة على التحلّل المرضيّ لقبضة الأخلاق الجمعيّة على الفرد في المجتمع الحديث.
  • على المستوى العامّ جدّاً، كان دوركايم مهتمّاً بالطرق التي تقيّد بها أخلاق الناس العامّة خارجيّاً وداخليّاً، من ناحية، الحقائق الاجتماعيّة غير المادّيّة تقف خارج الناس، وتشكّل أفكارهم وأفعالهم، بالتأكيد الحقائق الاجتماعيّة لا تعمل على نفسها، لكن فقط من خلال فاعل، ومن الأهميّة بمكان الدرجة التي يقيّد فيها الأفراد أنفسهم عن طريق استبطان الأخلاق الجمعيّة.
  • وقد أوضح دوركايم أنّ "القوى الجماعيّة ليست خارجنا، إنّها لا تعمل علينا من فراغ، لكن بما أنّ المجتمع لا يمكن أن يوجد إلّا في وعي الأفراد ومن خلاله، فيجب أن تتخلّلنا هذه القوى وتنتظم داخلنا"[١٦]
  • بالإضافة لتوضيحه لعمليّة الاستبطان، فإنّ المقتطف أعلاه يوضّح مرّة أخرى رفض دوركايم للعقل الجماعيّ بما أنّه قد صرّح بأنّ القوى الجماعيّة توجد فقط في وعي الفرد.
  • إرنست والورك قام بعمل ممتاز عندما وضّح أهميّة استبطان الأخلاق في نسق دوركايم العقل الطبيعيّ، كما لاحظ دوركايم: لا يمكن أن يأخذ بحكم أخلاقيّ من غير أن يعتبره ملزماً، القواعد الأخلاقيّة لها "خاصيّة ملزمة"، إنّها تمارس نوعاً من الصعود فوق الإرادة التي تحسّ أنّها مقيّدة باتباعها، هذا التقييد يجب ألّا يخلط مع القوّة الماديّة أو الإجبار، الإرادة لا تجبر على اتباع المعايير التي تأخذها في الاعتبار، حتّى لو فرضت تلك القوى عن طريق الرأي العامّ.
  • القيود الأخلاقيّة ليس لها مظهر أو ضغط آليّ، لكن لها ميزة حميميّة ونفسيّة، ولكن هذا الطابع الحميميّ والنفسيّ للإلزام، على الرغم من ذلك، ليس أكثر من سلطة الرأي العامّ التي تتخلّل، مثل الهواء الذي نتنفّسه، أعمق الأعماق لوجودنا.[١٧]
  • قدّم دوركايم مثالاً محدّداً للقيود الداخليّة في دراسته عن الدين "إذا تصرّف الفرد بطريقة معيّنة تجاه الطواطم، ذلك ليس بسبب أنّ القوى الساكنة فيها لا يمكن الشكّ فيها مادّيّاً، لكن لأنّ ذلك الفرد لديه الإحساس بأنّه ملزم أخلاقيّاً ليتصرّف على ذلك النحو، ولديه الشعور بأنّه يطيع إلزاماً، وأنّه يؤدّي الواجب" [١٨]هذا الاهتمام بالاستبطان والتنشئة والتربية يمكن رؤيته في إطار الأثر المقيّد للأخلاق الجمعيّة على الفاعل، وإذا كانت هذه القيود داخليّة أو خارجيّة، فإنّها تتنزّل للأخلاق العامّة المسيطرة على أفكار الفعال الأفراد.
  • أفكار دوركايم المحدودة عن الوعي قادت العديد من الناس ليفترضوا أنّ نموذجه للفاعل هو ذلك الشخص المسيطر عليه بالكامل من الخارج شخص مطيع كلّيّا، بالرغم من أنّ هنالك الكثير الذي يدعم هذه الرؤية وبعض علماء الاجتماع المحدثين في متابعاتهم لدوركايم تبنّوا هذا الموقف، لا يقرّ دوركايم نفسه مثل هذه الرؤية المتطرّفة للفاعل.
  • وهذا واضح في مقولته المثاليّة: "الطاعة يجب ألّا ترفع إلى حيث تخضع القوى العقليّة بالكامل، لذلك فإنّه لا ينطبق على الاعتقاد في الحاجة إلى النظام أنّه يجب أن يكون اعتقاداً خانعاً وأعمى"،[١٩]بالرغم من أنّ دوركايم ترك إمكانيّة حرّيّة الفرد مفتوحة، فإنّ عمله يسير في اتجاه تحديد القيود الخارجيّة على الفاعل، وأكثر من ذلك تفضيله لتلك القيود.

مفهوم الدولة عند إميل دوركايم

  • ليست السياسة، في نظر إميل دوركايم، واقعاً قائماً بذاته في استقلال عن المجتمع، بل هي من صميم التمثّلات الجمعيّة؛ وممّا يدلّ على ذلك، في نظره، أنّ الاشتراكيّة بوصفها تيّاراً من التيّارات السياسيّة المعاصرة، إنّما هي واقعة من وقائع الرأي العامّ أو شكل من أشكال الفعل الإنسانيّ الذي يرمي إلى تحقيق مثل أعلى يتمحور حول قيم العدالة الاجتماعيّة والمساواة، إنّها بهذا المعنى تصوّر سياسيّ لما ينبغي أن يكون عليه الواقع، أو حلم من أحلام الروح الجمعيّة، إنّها بعبارة أخرى شكل من أشكال التمثّلات الجمعيّة.
  • إنّ التصوّرات السياسيّة هي من جملة التمثّلات الجمعيّة، تشترك معها في بعض الخصائص، وتتميّز عنها بخصائص أخرى، تتميّز التمثّلات الجمعيّة بكونها ضروريّة بحكم ارتباطها الوثيق بالمحيط الاجتماعيّ وبنيته الأساسيّة؛ فلا وجود لمجتمع بدون تمثّلات مشتركة، وعلى الرغم من كونها شديدة الصلة بالواقع، فإنّها تحتفظ لنفسها بنوع من الاستقلال، وتتميّز أيضاً بما تنطوي عليه من قوّة الإكراه والإلزام، تنطبق هذه الخصائص على السياسيّة أيضاً بوصفها واقعة من الوقائع الاجتماعيّة، ولذلك اعتبرت شكلاً من أشكال التمثّلات الجمعيّة، وبوصفها كذلك، فإنّها لا تعدو أن تكون مجرّد وهم من أوهام الضمير الجمعيّ.
  • يعتقد الناس ويتوهّمون أنّ للحاكم قوّة أو سلطة مطلقة، ويعتقد الحاكم أنّ للسلطة المركزيّة من القوّة ما يجعل تأثيرها يسري في هيكل المجتمع بأسره، ويعتقد عامّة الناس أنّ لبعض الأشخاص قدرة خارقة للعادة، ويضعون فيهم ثقتهم، ويقعون تحت تأثيرهم بسبب معتقداتهم.
  • ذلك لأنّهم يتصوّرون السلطة من خلال الأشخاص الذين يمثّلونها ويجسّدونها في ظروف تهيّأت لهم فيها الفرصة للأخذ بزمام المبادرة، وبسبب نجاحهم النسبيّ في ظروف معيّنة، أضفت عليهم العامّة هالة من القداسة، ونسبت إليهم القدرة على التأثير في مجريات الأحداث، والقدرة على صنع التاريخ، وما هي في الحقيقة إلّا تمثّلات وأوهام؛ تبدو السياسة، من وجهة نظر دوركايم، على أنّها جملة من التمثّلات الناشئة عن التفاعل بين طرفي معادلة السلطة، وهما الحاكم والمحكوم.
  • ينشأ هذا الوهم عن عدم قدرة الناس على فهم حقيقة الدولة بوصفها مجموعة متميّزة من الموظّفين في المقام الأوّل، ولمّا لم يفهموا هذه الحقيقة، حوّلوا الدولة في أذهانهم إلى كيان مفارق للمجتمع، يتحكم في إرادتهم ويوجّهها وفقاً لغاياته الخاصّة، ومع ذلك، يبقى هذا الوهم ضروريّاً لاشتغال المجتمع وتنظيمه، وليس العلم بقادر على تبديد هذا الوهم الضروريّ.
  • ومن هنا يمكن تعريف السياسة بأنّها الوهم الذي يقوم عليه النظام الاجتماعيّ، إنّها التمثّلات التي تنظّم المجتمع، يمكن القول بعبارة أخرى: إنّ السياسة هي تجسيد للتمثّلات الجمعيّة في مرحلة من مراحل تطوّر المجتمع، ويلزم عن هذا القول: إنّه كلّما تغيّرت التمثّلات الجمعيّة أدّى ذلك إلى حدوث تغيّر في مؤسّسات الدولة.
  • وإذا كانت السياسة من جملة التمثلّات الجمعيّة، فإنّها تتّصف بمجموعة من الخصائص التي تنفرد بها وتميّزها عن التمثّلات الجمعيّة للمجتمع الكلّيّ؛ تتميّز التمثّلات الجمعيّة، التي يطلق عليها دوركايم أحياناً: "الحياة النفسيّة" للمجتمع الكلّيّ، بكونها هلاميّة، غامضة وغير منظّمة، تبدو الحياة النفسيّة للمجتمع كما لو كانت تلقائيّة، أوتوكاتيكيّة لاإراديّة، ولا شعوريّة إلى هذا الحدّ أو ذاك، تنتقل عناصر الحياة النفسيّة الجماعيّة أو التمثّلات الجمعيّة بين الأفراد الذين يشكّلون الجماعة السياسيّة، وتنتشر في الأوساط التي تتولّى مهمّة إضفاء الطابع المؤسّساتيّ على أنماط معيّنة من السلوك والتعامل، ومن خلال التفاعل بين المجتمع الكلّيّ والدولة تتشكّل حياة نفسيّة داخل مؤسّسات الدولة؛ وتتميّز الحياة النفسيّة التي تسكن الجهاز الحكوميّ بكونها عقلانيّة، منظّمة، وعلى قدر كبير من الوعي، ذلك لأنّ أعضاء الحكومة لا يتّخذون قراراتهم إلّا من خلال سلسلة من النقشات والمداولات والتحليل والتمحيص.
  • ومن خلال هذه العمليّات تتشكّل الحياة النفسيّة للدولة على أساس عقلانيّ؛ والفرق بينها وبين الحياة النفسيّة للمجتمع الكلّيّ كالفرق بين وعي الفرد ولا شعوره؛ تشتغل الحياة النفسيّة للمجتمع بطريقة أوتوماتيكيّة لاإراديّة ولاشعوريّة، تتحكّم فيها التقاليد والأعراف؛ وأمّا الحياة النفسيّة للدولة فهي متعقّلة، تفكّر وتناقش وتتّخذ القرارات عن وعي ورويّة، وفي ذلك يقول دوركايم: "إنّ التداول والتفكير خاصيّتان من خصائص ما يجري داخل الجهاز الحكوميّ".[٢٠]
  • ومع ذلك، فإنّ الحياة النفسيّة للمجتمع والحياة النفسيّة للدولة ترتبطان مع بعضهما بعضاً في علاقة لا تنفصم، وتتفاعلان بشكل يجعل كلّ واحدة منهما تغذّي الأخرى، وتتبادلان التأثير فيما بينهما، إنّهما في حوار لا ينقطع، في إطار عمليّة التفاعل المتبادل هذه، تبدو قرارات الدولة وأنشطتها كما لو كانت عبارة عن ردود أفعال إزاء توقّعات المجتمع، فالحكومة تحاول أن تبدو كما لو كانت تستجيب من خلال قراراتها لمطالب المجتمع.
  • وأمّا مطالب الأفراد المعزولين، فإنّ الدولة لا تعيرها أيّ اهتمام، ولا تهتمّ بها إلّا إذا اتّخذت شكلاً منظما إلى هذا الحدّ أو ذاك.
  • وهكذا، فإنّ ما كان يبدو للوهلة الأولى على أنّه العقل المدبّر، أصبح الآن عقلاً مشتركاً يتّخذ القرارات بناء على موازين القوى بين طرفي عمليّة التفاعل (المجتمع المدنيّ والدولة).
  • غير أنّ ذلك لا يلغي الدور المركزيّ للدولة فيما يتعلّق بتدبير الشأن العامّ، ولكن هذا الدور لا يسوّغ انفراد الدولة بالقرار، وما أن تنفرد الدولة بالقرار حتّى تجلب عليها غضب المجتمع، ذلك لأنّ قوّة الدولة أو ضعفها إنّما يتحدّدان وفقاً لطبيعة التصوّرات المشتركة أو التمثّلات الجمعيّة، وتتحدّد هذه التمثّلات بدورها من خلال عمليّة التفاعل بين المجتمع المدنيّ والدولة.
  • بل إنّ التفاعل بين الطرفين يجري في نطاق التمثّلات الجمعيّة التي تضفي على البعد السياسيّ للمجتمع معناه ودلالته، وتجعل منه كياناً يشتغل بطريقة متميّزة، وقد يؤدّي التغيّر في التمثّلات الجمعيّة أو الرأي العامّ إلى حدوث أزمة سياسيّة عميقة أو تغيّر جذريّ في نظام الحكم، وقد يحدث التغيّر عندما ينعدم التوافق بين ما يتوقّع كلّ طرف من الطرف الآخر.
  • وإذا كان كلّ نشاط سياسيّ يتحدّد بموازين القوى بين عمليتي التفاعل، فإنّ ذلك لا يلغي دور الدولة بوصفها الفاعل المحتكر لما يسمّيه ماكس فيبر بحقّ استعمال العنف المشروع، سوف نحاول فيما يلي بيان مصدر قوّة الدولة وضعفها ومشروعيّتها وفقاً لنظريّة دوركايم.

الوظائف الاجتماعيّة وبعدها السياسيّ حسب نظريّة دوركايم

  • لنتذكّر أنّ دوركايم قد جعل من الإكراه خاصيّة ملازمة لكلّ واقعة اجتماعيّ، في كتابه "حول التقسيم الاجتماعيّ للعمل" يطرح دوركايم المسألة المتعلّقة بطبيعة الجريمة ووظيفة العقاب في المجتمع.
  • عندما يرتكب فرد ما جريمة شنيعة في حيّ من أحياء المدينة، يثير ذلك سخط السكان، ويفصحون عن مشاعر مشتركة إزاء ذلك الحدث المؤلم، ويتشكّل موقف مشترك ومتميّز، ويتّخذ شكل شعور جمعيّ أو عموميّ قائم بذاته في استقلال عن شعور كلّ فرد مأخوذ على حدّه، إنّه "السخط العموميّ" «la colère publique»، بحسب تعبير دوركايم، ذلك الانفعال الجمعيّ الذي يمتزج فيه سخط الفرد بسخط غيره من أفراد المجموعة البشريّة التي ينتمي إليها ليشكل قوّة تتجاوزهم جميعاً، وتفرض عليهم منطقها الجمعيّ المتميّز، إنّها التمثّلات الجمعيّة في حال غليان.
  • نجد مثل هذه الانفعالات الجمعيّة عند الحشود، وقد يتحوّل الأفراد الوديعون ذوو المزاج الهادئ المسالم إلى قوّة عنيفة عندما يجتمعون، فيخضعون في سلوكهم لمنطق ديناميّة الجماعة، ويتحوّلون بالتالي إلى قوّة عنيفة.
  • هكذا ّ التفاعل بين الأفراد إلى تشكّل تمثّلات جديدة تتمتع بقوّة خاصّة مستقلّة عن كلّ فرد مأخوذ على حدة، ولا يجد الفرد مناصاً من الخضوع لها.
  • والنتيجة هي أنّه لا وجود للفرد المستقلّ بذاته تماماً عن الحياة النفسيّة للجماعة، ولا يمكنه الإفلات تماماً من قبضة التمثّلات الجمعيّة.
  • إن هذه التمثّلات هي القوّة الأساسيّة التي تؤجّج انفعالات الفرد وتخرجه من ذاته، وتجعله تابعاً للجماعة، خاضعاً لنفوذها وإكراهاتها.
  • إنّ قوّة التمثّلات الجمعيّة هي العامل الأساسيّ الذي يفسّر، في نظر دوركايم، ظواهر الجريمة والعقاب في المجتمع؛ إنّ الجريمة، من وجهة النظر هذه، هي الفعل الذي يلحق الأذى بما يسمّى "الضمير الجمعيّ". يتمثّل هذا الأخير في "ردّ الفعل الانفعاليّ الذي يتحقّق بدرجات متفاوتة [بحسب خطورة الفعل المرتكب] والذي يمارسه المجتمع بوساطة كيان مؤسّساتيّ على الأفراد الذين قاموا بخرق بعض قواعد السلوك". [٢١]
  • وتنشأ ردّة الفعل هذه عن وجود تصوّر جماعيّ لما هو مشروع ومباح، وفي غياب هذا التصوّر لن يكون للعقاب معنى.
  • إنّ العقاب القانونيّ هو المؤشّر الدالّ على ظواهر الجريمة المعترف بها على مستوى المجتمع الكلّيّ؛ ويمثّل تحليل دوركايم لهذا النوع من العقاب خطوة حاسمة في اتجاه بناء السياسة كموضوع لعلم الاجتماع، ويؤكّد هذا التحليل الدور السياسيّ الذي تلعبه التمثّلات الجمعيّة، من حيث أنّها تمتلك من قوّة الإكراه ما يلزم الأفراد، في الفترات العاديّة على الأقلّ، على الامتثال والخضوع للنظام العامّ، وتصبّ جام غضبها على كلّ سلوك منحرف، وتنزل العقوبة على مرتكبه.
  • ولمّا كانت التمثّلات الجمعيّة هي الأساس الذي تقوم عليه التنشئة الاجتماعيّة التي تفرض من خلالها على الطفل قواعد المجتمع ومعاييره، وتجعل منه كائناً يخضع للنظام الاجتماعيّ القائم، أمكن القول إنّها مصدر كلّ إكراه، سواء اتخذ شكلاً اجتماعيّاً أو سياسيّاً.
  • ومن الوظائف التي تضطلع بها التمثُّلات الجمعيّة أيضاً أنّها تحدّد المقدار الكافي من الامتثال الضروريّ لقيام المجتمع والحفاظ على توازنه، في المجتمعات المتطوّرة، تنتظم هذه التمثُّلات في إطار أجهزة ومؤسّسات من أجل أداء هذه الوظائف بأكبر ما يمكن من الفعاليّة، وممّا يترتّب عن ذلك أنّ السلطة هي من صميم الآليّات التي يستعملها المجتمع لمراقبة ذاته.
  • ينتج كلّ مجتمع، مهما كان مستوى تطوّره، معايير وقواعد وآليّات لمراقبة مدى احترام الأفراد لتلك القواعد، وهذا ما عبّر عنه دوركايم في كتابه "الانتحار" بقوله: "المجتمع سلطة تنظّم الأفراد" [٢٢]
  • في كتابه "الأشكال الأوليّة للحياة الدينيّة" قدّم لنا دوركايم شرحاً وافياً للدور الذي تلعبه التمثُّلات الجمعيّة في الحفاظ على النظام.[٢٣]
  • وما يستفاد من هذا القول أنّ لكلّ مجتمع معتقدات مشتركة، ويعمل كلّ شيء فيه على دعم نفوذ هذه المعتقدات التي تدعمها عمليّات التفاعل الاجتماعيّ وتزيدها قوّة، ومن المفارقات أنّ كلّ محاولة للمساس بها وخرقها تزيد من قوّتها، بسبب ردود الفعل التي تولدها، وهكذا يساهم الرأي المشترك أو العموميّ في الحفاظ على النظام القائم واستمراره، بحيث يمكن القول إنّ أصل النظام هو الرأي العامّ، وأنّ وظيفة الرأيّ العام هي الحفاظ على النظام.
  • ينطبق هذا التحليل أيضاً على المجتمعات التي تتوفّر على جهاز الدولة. في كتابه "حول التقسيم الاجتماعيّ للعمل" انكب دوركايم على دراسة وظائف الدولة ودورها في الحياة السياسيّة، من خلال تحليل وظيفة العقوبة القانونيّة، وتبين له أنّ للدولة وظيفتين أساسيّتين: تتجلّى إحداهما من خلال الحياة النفسيّة للدولة التي تعكس الحياة النفسيّة للمجتمع الكلّيّ، والمقصود بذلك أنّ وظيفة الدولة تكمن في إعادة صياغة ما تنطوي عليه المشاعر الجماعيّة بشكل ضمنيّ من أوامر ونواهي صياغة شكليّة، وينظّمها حسب أهميتها بشكل عقلانيّ ومتراتب، مما يجعل العقوبة تتناسب مع خطورة الانحراف، ويكون من نتائج ذلك ازدياد ولاء الأفراد للدولة عندما تكون عادلة في تطبيعها للقانون مراعية لمدى تناسب العقوبات مع درجة خطورة الانحراف عن القواعد والمعايير التي يفرضها الضمير الجمعيّ.
  • يبدو كأنّ المجتمع يضع مشاعره الجماعيّة بين يدي الدولة، ويفوّض لها حقّ ترجمتها إلى قوانين والسهر على تنفيذ مقتضياتها نيابة عنه؛ وبذلك تضطّلع الدولة بحقّ ممارسة العنف المشروع: تعاقب، وتسجن، وتقتل من خلال تطبيق أحكام الإعدام، وهكذا اكتسبت الدولة وظيفة القمع الاجتماعيّ، إلى جانب وظيفتها التأسيسيّة المتمثلة في ترجمة ما تنطوي عليه التمثُّلات الجمعيّة من قواعد ومعايير إلى قوانين وأحكام.
  • لقد تشكّلت سلطة الدولة كنتيجة للعمليّات التنظيميّة التي كانت الجماعات البشريّة في حاجة إليها كلّما ازدادت كثافتها السكّانيّة، وكلّما ازداد تعقيدها بسبب التقسيم الاجتماعيّ للعمل، والحقيقة أنّ كلّ جماعة بشريّة مهما كان مستوى تطوّرها تتوفّر على نظم للضبط تكون في البداية محايثة لكينونتها وغير متميّزة عن المجتمع الكلّيّ.

إنّ رئيس القبيلة أو شيخها في المجتمعات البدائيّة لا يوجد بينه وبين من يخضعون لسلطته فرق كبير، فهو يوجد على مسافة قريبة منهم.

  • ومع تفكّك النظام القبليّ، وازدياد عدد السكّان ظهر الميل إلى تمركز السلطة في إطار تنظيميّ متميّز عن المجتمع الكلّيّ؛ ومع ظهور الدولة، اتّسع مفهوم السياسة ليشمل إلى جانب التمثُّلات الجمعيّة الدولة وموظّفيها، ونظم الحكم كالنظام الملكيّ، والأرستقراطيّ، والديمقراطيّ، وكذا الفئات التي تدعم نظام الحكم القائم، والفئات التي تعارضه؛ ويمثّل البعد التنظيميّ في السياسة الجوانب المتعلّقة بالمؤسّسات والتشريعات أو ما يسمّيه دوركايم نمط الوجود السياسيّ manière d’être في مقابل أسلوب العمل السياسيّ manière de faire. يعكس هذا التمييز بين مستوى الوجود ومستوى الفعل تصوّر دوركايم لمستويات النظام الاجتماعيّ الذي ميّز فيه بين المستوى الماديّ (الأساس الماديّ للمجتمع) ومستوى البنيات الشكليّة (القوانين والتشريعات) والمستوى اللامادّيّ (التمثّلات الجمعيّة).
  • ويكتسي الميل إلى إضفاء الطابع الشكليّ على آليّات الضبط المرتبطة بالضمير الجمعيّ أهميّة بالغة في تفسير دوركايم لنشوء المؤسّسات السياسيّة كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
  • لقد أصبحت القوانين التي تحدّد ما يجب وما لا يجب فعله تتمتّع بوجود فعليّ أشبه ما يكون بالأساس الماديّ للمجتمع عندما اتخذت طابعا شكليّاً صريحاً، تفرض وجودها على الأفراد بالقوّة نفسها التي تفرض القوى المادّيّة نفسها عليهم.
  • ولكنّها قابلة للتطوّر والتغيّر: فما كان محظوراً في الماضي قد يصبح مباحاً في فترة لاحقة، وما كان يعتبر جريمة شنيعة قد يصبح مجرّد جنحة صغيرة، ونظراً لكونها قابلة للتغيّر فإنّها أقرب ما تكون إلى التمثُّلات الجمعيّة التي تخضع بدورها للتطوّر والتغيّر.
  • وهكذا أدرج دوركايم البنيات الشكليّة (القوانين المنظّمة للعلاقات الاجتماعيّة) ضمن تصوره للنظام الاجتماعيّ الذي تحتل فيه مرتبة وسيطة تقع بين الأساس الماديّ للمجتمع وبنائه الفوقيّ المتمثّل في التمثُّلات الجمعيّة، يطلق دوركايم على البنيات الشكليّة اسم التنظيمات أو المؤسّسات، يقول بهذا الصدد:

"هناك كلمة تعبّر بشكل جيّد عن هذا النمط من الوجود المتميّز جداً، وهي كلمة: مؤسسة، وفي الواقع، يمكننا، دون أن نشوّه مدلول هذه العبارة، أن نطلق اسم مؤسّسة على جميع المعتقدات وجميع أنماط السلوك التي قامت الجماعة بمأسستها". [٢٤]

  • ولذلك تعتبر الدولة في نظر دوركايم مؤسّسة سياسيّة بامتياز، وقد فرضت هذه المؤسّسة نفسها عندما بلغ المجتمع درجة من التطوّر والتعقيد فقدت معها آليّات الضبط التقليديّة فعاليّتها. يقول دوركايم: "إنّه بمجرّد أن بلغت المجتمعات السياسيّة درجة معيّنة من التعقيد، لم يعد بإمكانها أن تشتغل بشكل جماعيّ [لأداء وظيفة الضبط الاجتماعيّ] إلّا من خلال تدخّل الدولة"[٢٥]. [٢٦]

مفهوم الدولة عند دوركايم

  • يرى دوركايم أنّ مفهوم الدولة هو من جملة المفاهيم الفضفاضة التي تستعمل كثيراً من غير أن يتمّ تحديد مضمونها بدقّة، فهو يستعمل للدلالة على المجتمع السياسيّ في كلّيّته تارة، ويستعمل للدلالة على جزء معيّن من ذلك المجتمع تارة أخرى، حتّى في الحال التي يستعمل فيها بالمعنى الثاني، فإنّ حدوده قد تتّسع لتشمل العديد من المؤسّسات دون تمييز، فقد يشمل مفهوم الدولة الكنيسة، والجيش، والجامعة وغيرها من المؤسّسات العموميّة التي تندرج في تكوين الدولة.
  • ولكنّ تصوّر الدولة على هذا النحو قد يؤدّي إلى الخلط بين نوعين مختلفين من التنظيمات، وهما مؤسّسات القضاء والجيش والجامعة من جهة، ومؤسّسة الدولة بمعناها المتميّز، من جهة أخرى، ولذلك لزم التفريق في نظره بين هيئات المهندسين والأساتذة والقضاة وبين مجلس الحكومة، والمؤسّسة التشريعيّة، والوزارات، ومجلس الوزراء والمصالح التابعة لهذه الهيئات الحكوميّة.
  • ويخلص دوركايم إلى حصر مفهوم الدولة في الهيئات الاجتماعيّة التي يحقّ لها التكلّم باسم المجتمع الكلّيّ، فعندما تتّخذ الحكومة قراراً، أو يصوّت البرلمان على قانون، فإنّ المجتمع كلّه يكون معنياً بالقرارات والقوانين الصادرة عن مختلف أجهزة الدولة، بمعنى أنّ هذه القرارات والقوانين تكون ملزمة للجميع.
  • وأمّا المصالح الإداريّة فإنّها عبارة عن أجهزة وهيئات ثانويّة تقع تحت سلطة الدولة؛ وبالتالي فإنّها ليست جزءاً من كيانها الذي يتميّز عنها بطبيعة الوظائف التي يؤدّيها.
  • ومن هنا يمكن القول إنّ مفهوم الدولة مرادف لمفهوم المجتمع السياسيّ، ذلك أنّه عندما يبلغ المجتمع السياسيّ درجة معيّنة من التعقيد يصبح عاجزاً عن مزاولة نشاطه التنظيميّ، ولا يستطيع بالتالي أداء وظيفته إلّا من خلال جهاز الدولة التي تتكفّل نيابة عنه بوظيفة الضبط الاجتماعيّ.
  • وتكمن وظيفة الدولة، بحسب دوركايم، في إحلال التفكير العقلانيّ في المجتمع وتنظيمه بطريقة عقلانيّة، وتزداد أهميّة التفكير العقلانيّ في المجتمع كلّما نمت الدولة وتطوّرت، وليس يعني ذلك أنّ الدولة هي السبب في وجود الروح الجماعيّة وانتشارها في الجسم الاجتماعيّ، ذلك لأنّ التاريخ يشهد على وجود مجتمعات سياسيّة بدون دولة.
  • إن ما يجعل التماسك الاجتماعيّ ممكناً هي المعتقدات المشتركة التي تحرّك الأفراد بشكل غامض ولاشعوريّ تقريباً، وتجعل منهم كتلة واحدة، هي عبارة عن حشد دائم يتحرّك بطريقة غير واعية تماماً، تحرّكه قوّة انفعاليّة غالباً ما تقع خارج دائرة الوعي الفرديّ، ممّا قد يجعل من الحشد قوّة عنيفة ومدمّرة، ويرجع السبب في ذلك إلى عدم توفّر الحشد على مركز يستقبل تلك القوى العمياء ويتفكر فيها ويعقلنها قبل أن تقدم على فعل غير محسوب العواقب، وهنا بالضبط يكمن دور الدولة المتمثّل في التحكّم العقلانيّ في انفعالات المجتمع.
  • تكمن وظيفة الدولة، إذن في توجيه الضمير الجمعيّ في الاتجاه الصحيح، لأنّ غياب مركز القرار العقلانيّ قد يؤدّيّ إلى تصريف القوة الانفعاليّة المرتبطة بالضمير الجمعيّ أو الحشد بشكل عشوائيّ مدمّر بسبب طبيعتها غير العقلانيّة.
  • وقد يحصل ذلك عندما ينشب خلاف في المجتمع، ويكون جهاز الدولة ضعيفاً غير قادر على معالجة أسباب الخلاف بطريقة عقلانيّة، ممّا قد يؤدّي إلى نشوب حرب أهليّة تأتي على الأخضر واليابس.
  • أمّا إذا كانت الدولة قويّة وعقلانيّة، فإنّها ستطرح القضايا الخلافيّة على طاولة التداول والنقاش، وتتّخذ القرار المناسب الذي يرضي الجميع، تلك هي وظيفة الدولة ومسوّغ وجودها في المجتمعات المعقّدة.

إنّ ما يسمح للدولة بالاضطلاع بهذه المهمّة هو موقعها المركزيّ الذي تتقاطع عنده كلّ المصالح، ويجعل منها كياناً محايداً بالنظر إلى كلّ طرف من الأطراف المتنافسة في المجتمع، ونظراً لموقعها المركزيّ والمحايد في المجتمع تستطيع الدولة أن تدرك مدى تعقّد الوضعيّات التي تنشأ عن التفاعل بين مختلف التوجّهات الاجتماعيّة، وتستحضر في معالجتها للقضايا الخلافيّة، ما غاب عن إدراك كلّ طرف من الأطراف المتنافسة، وبذلك يمكنها الوصول إلى حلول مُرْضيّة ما كان من الممكن أن تخطر ببال القوى المتصارعة.

  • إنّ الدولة بهذا المعنى هي العقل المدبّر، إنّها العقل وقد حلّ محلّ القوّة الانفعاليّة الغامضة، وهذا ما يفسّر طبيعة الدساتير التي تتشكّل الدولة على أساسها، والتي تكمن وظيفتها في إحلال منطق التداول العقلانيّ والمعقول محلّ السلوك الانفعاليّ الأحاديّ الجانب، وهذا ما يفسّر ظهور مجالس الحكومة إلى جانب الحاكم الذي يمثل الدولة.
  • تكمن وظيفة هذه المجالس في التداول حول مختلف المشاريع المقترحة قبل تنفيذها، ولتكون هذه المشاريع مقبولة في المجتمع، كان لا بدّ أن تضمّ المجالس ممثّلين عن مختلف التوجّهات الموجودة في المجتمع، بحيث يمكن لمختلف المشاعر الهلاميّة الغامضة التي يزخر بها المجتمع أن تفصح عن نفسها داخل المجالس الحكوميّة.
  • ويميّز دوركايم في أنشطة الدولة بين نوعين: نشاط موجّه نحو الخارج، وآخر موجّه نحو الداخل، يتميّز النشاط الأوّل بكونه عنيفاً وعدوانيّاً، ويتميّز الثاني بكونه مسالماً وأخلاقيّاً، هذا من حيث المبدأ، ولكنّ الأهميّة التي يكتسيها هذا النشاط أو ذاك اختلفت باختلاف المراحل التاريخيّة التي مرّت بها المجتمعات البشريّة.
  • في المراحل السابقة من تاريخ المجتمعات البشريّة، كانت الغلبة للنشاط الموجّه نحو الخارج على حساب النشاط الموجّه نحو الداخل، كان الشغل الشاغل للدولة إلى عهد قريب هو توسيع نطاق حدودها لتضم أراضي جديدة، وتبسط نفوذها على سكّانها بالقوّة، وكان الحاكم هو القائد الأعلى للجيش المهووس بالغزو، وكان الجيش هو وسيلته الأساسيّة في الحكم ما دام اهتمامه كلّه منصبّاً على الغزو.
  • ويرى دوركايم أنّ الدافع إلى الغزو لم يكن ذا صلة بالمشكلات الاقتصاديّة التي يتخبّط فيها البلد، بل كان يرتبط في المقام الأوّل بتصور الحكّام للدولة.
  • كانوا ينظرون إلى الدولة على أنّها كيان واقعيّ قائم بذاته، موجود كشيء في ذاته، لا بوصفها أداة في خدمة المواطنين من أجل تحقيق العدالة، والتنسيق بين الأنشطة الاجتماعيّة، وتدبير الشأن العامّ بما يضمن التقدّم والرفاهيّة للسكّان.
  • وبدل أن تكون الدولة وسيلة في خدمة المجتمع، تحوّلت إلى غاية تستقطب جهود الأفراد، وتسخّر كلّ إرادة لدعمها وتقويتها أكثر فأكثر، حتّى تحوّلت إلى قوّة مستبدّة تقهر إرادة المجتمع.
  • وعندما تأخذ الدولة طابعاً عسكريّاً واستبداديّاً، تنشغل بالحروب، ولا تولّي أهمّيّة كبيرة للوظيفة المتجهة نحو الداخل والمتمثّلة في تدبير الحياة الخلقيّة للمجتمع في اتجاه تحقيق مزيد من الرفاهيّة والعدالة.
  • وعندما تكون الأولويّة في الدولة للوظيفة المتّجهة نحو الخارج يتمّ اختزال القانون إلى ما ترغب فيه الدولة وترتضيه، بمعزل عن إرادة المجتمع.
  • ويرى دوركايم أنّه كلّما تقدّم المجتمع ازدادت أهميّة الوظيفة المتّجهة نحو الداخل، على حساب الوظيفة المتّجهة نحو الخارج.
  • فبينما كان النشاط العسكريّ هو النشاط المهيمن في سلوك الدولة خلال المراحل السابقة، أصبحت الأنشطة القانونيّة والتنظيميّة تحتلّ مكان الصدارة في المراحل اللاحقة، حتّى إنّ الحروب أصبحت تمثّل حالات استثنائيّة، بينما كان الاهتمام بالأنشطة القانونيّة والتنظيميّة في الماضي هو الذي يمثّل الحال الاستثنائيّة.
  • هكذا يتصوّر دوركايم تطوّر الدولة، يتجلّى هذا التطور في تزايد حجم التشريعات والقوانين الجديدة، ذلك لأنّ تطور المجتمع، وازدياد درجة تعقيده بسبب التقسيم الاجتماعيّ للعمل الذي يفرز باستمرار نظماً وظواهر جديدة، يستلزم سنّ قوانين جديدة.
  • يتجلّى ذلك من خلال التطوّر الهائل الذي عرفته الترسانة القانونيّة، فقد شمل التطوّر والتغيّر قانون الأحوال الشخصيّة، وقانون التجارة والصناعة، وقانون العقود والالتزامات وما إلى ذلك من القوانين، التي تنظّم مختلف مجالات الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والسياسيّة، والتي لم يسبق للكثير منها أن وجدت من قبل.
  • وخلاصة القول: إنّه كلّما تطوّر المجتمع وخطا خطوة إلى الأمام، كلّما تطورت معه مؤسّسات الدولة، وازدادت حقوق المواطنين، واتخذت العلاقات الاجتماعيّة طابعاً أكثر عدالة، ولقد أصبحت العدالة تحتل مكانة مرموقة في المجتمعات الحديثة، وأصبح مقياس تقدّمها مرتبطاً بمدى احترام حقوق الفرد؛ لأنّ العدالة هي، قبل كلّ شيء، إعطاء الفرد الحقوق التي يضمنها له القانون، والملاحظ، بحسب دوركايم، أنّ حقوق الفرد قد ازدادت في المجتمعات الحديثة، واتخذت طابعاً اجتماعيّاً، حتّى إنّ الفرد أصبح قيمة في ذاته، يحاط بهالة من القداسة، يقول دوركايم:

"فبينما لم تكن للشخص أيّة قيمة في البداية، أصبح اليوم الكائن المقدّس بامتياز، يُحدث كلّ طعن في شرفه الأثر نفسه الذي يحدثه الطعن في الآلهة لدى المؤمنين بها في الأديان البدائيّة". [٢٧]

  • وأمّا ضامن هذه الحقوق فهي الدولة التي نظر إليها دوركايم على أنّها "الهيئة المدنيّة للعدالة" «organe civil de la justice»، وأمّا ما يسوّغ ضرورة قيام الدولة بهذا الدور، فهو أنّ المجتمع ينطوي على قدر كبير من التفاوت بين الأفراد والطبقات والفئات فيما يتعلّق بامتلاك وسائل القوّة والنفوذ الاقتصاديّة منها والاجتماعيّة والثقافيّة وما إلى ذلك.
  • ولكيلا يطغى بعضهم على بعضهم الآخر ويهضم حقوقه، يحتاج المجتمع إلى هيئة محايدة ومستقلّة ومتعالية عن المصالح الفرديّة والفئويّة والطبقيّة، قادرة على فهم ضروريّات العيش المشترك، وتقتضي العدالة أن تعمل الدولة على الحدّ من مطامع كلّ من يريد استغلال مقوّمات العيش المشترك من أجل تحقيق مصالحه الأنانيّة على حساب المصلحة العامّة ومصالح غيره من المواطنين، ومن هنا تأتيّ الوظيفة الأخلاقيّة للدولة بحسب دوركايم.
  • ولكن ذلك لا يعني، في نظره، أن تنفرد الدولة بالقرار، وتفعل ما تشاء دون أخذ توجهات الرأي العامّ بعين الاعتبار؛ هذا مع العلم أنّ قوّة الدولة مستمدّة من قوّة الضمير الجمعيّ، إنّها القوّة "المحايثة للضمير المشترك" يحسب تعبيره. [٢٨]
  • ولذلك لزم إخضاعها لمراقبة القوى الثانويّة التي تخضع لنفوذها، وإلا تحوّلت إلى دولة استبداديّة ذات سلطة مطلقة لا حدود لها؛ وبدل أن تكون أداة لتحقيق المساواة والعدالة بين المواطنين، تصبح غاية في حدّ ذاتها، ويكون من نتائج ذلك فقدان الثقة في مؤسّسات الدولة، ممّا قد يؤدّي إلى نزع المشروعيّة عنها.
  • ذلك لأنّ سلطة الدولة إنّما نشأت كردّة فعل إزاء توقّعات الضمير الجمعيّ بوصفها سلطة مُفوَّضة تعبّر عن إرادة الروح الجماعيّة، ولذلك يتوقّع أن تسحب منها إذا استبدّت برأيها، ونصّبت نفسها قوّة قائمة بذاتها.[٢٩]

المصادر

  1. أحمد زايد، النظريّات الكلاسيكيّة والنقديّة، دار نهضة مصر، مصر: القاهرة، ط (1)، (2006 م).
  2. أكرم حجازيّ، النظريّة الاجتماعيّة، الموجز في النظريّات الاجتماعيّة التقليديّة والمعاصرة، الجزء الأوّل، كتاب من الإنترنت.
  3. السيد عبد العاطي السيّد، النظريّة في علم الاجتماع، دار المعرفة الجامعيّة، مصر: الإسكندريّة، (2000 م).
  4. محمّد عليّ محمّد، تاريخ علم الاجتماع، دار المعرفة الجامعيّة، مصر: الإسكندريّة.
  5. نيقولا تيماشيف، نظريّة علم الاجتماع طبيعتها وتطوّرها، ترجمة الدكتور محمود عودة وآخرون، دار المعرفة الجامعيّة، مصر: الإسكندريّة (1993 م).

المراجع

  1. محمود قاسم، تقديمه لترجمة دوركايم، قواعد المنهج في علم الاجتماع، مكتبة النهضة المصريّة، (1961 م)، ص (4)
  2. التربية،
  3. الانتحار تأليف: “إميل دوركايم” ترجمة: حسن عودة، وزارة الثقافة، الهيئة العامّة السوريّة للكتاب (دمشق) سنة: (2011 م) عدد الصفحات: (514).
  4. http://www.alkhaleej.ae/alkhaleej/page/cf80f9c9-22fd-46e5-9618-c87b893a5043#sthash.h9IHuJpw.dpuf
  5. إميل دوركايم، قواعد المنهج في علم الاجتماع، ترجمة محمّد قاسم مصدر مذكور، ص (229 – 233).
  6. إميل دوركايم: قواعد المنهج في علم الاجتماع، مصدر مذكور، ص (70 – 74).
  7. علم الاجتماع الروّاد والنظريّات، د. مصباح عامر، دار الأمّة.
  8. أحمد زايد، النظريّات الكلاسيكيّة والنقديّة، دار نهضة مصر، مصر: القاهرة، ط (1)، (2006 م).
  9. علم الاجتماع الروّاد والنظريّات، د. مصباح عامر، دار الأمّة.
  10. تيماشيف، نيقولا، (1993 م)، ص (168-169).
  11. أحمد زايد، النظريّات الكلاسيكيّة والنقديّة، دار نهضة مصر، مصر: القاهرة، ط (1)، (2006 م).
  12. دوركايم، الأشكال الأوّليّة للحياة الدينيّة.
  13. لوكس، دوركايم، حياته ومؤلّفاته، ص (131).
  14. روبرت نبست، علم اجتماع دوركايم، ص (192).
  15. دوركايم: الأخلاق والوسط المحيط، ص (127).
  16. دوركايم، الأشكال الأوّليّة، ص (240).
  17. والورك، مصدر سابق.
  18. دوركايم، الأشكال الأوّليّة، ص (21843)،
  19. أنتونى قيدنز، إميل دوركايم، مختارات.
  20. Emile Durkheim (1969). Leçons de sociologie :physique des mœurs et du droit. Paris : PUF. Coll : Bibliothèque de la philosophie contemporaine, p. 96..
  21. Emile Durkheim(1963). Les règles de la méthode sociologique. Paris : PUF. Coll : Bibliothèque de la philosophie contemporaine, p. 64.
  22. Emile Durkheim (1967). Le suicide. Paris : PUF. Coll : Bibliothèque de la philosophie contemporaine, p. 264.
  23. Emile Durkheim (1968). Les formes élémentaires de la vie religieuse. Paris : PUF. Coll : Bibliothèque de la philosophie contemporaine, p. 297.
  24. Emile Durkheim (1963). Les règles de la méthode sociologique, op. cit. p. XXIL
  25. ( Emile Durkheim. L’Etat. Texte extrait de la Revue philosophique, n° 148, 1958. Publication posthume d’un cours datant de 1900-1905. Edition électronique, p
  26. 4http://classiques.uqac.ca/classiques/Durkheim_emile/textes_3/textes_3_6/durkheim_Etat.pdf
  27. Emile Durkheim. L’Etat. Op. cit. p. 7.
  28. Emile Durkheim (1967). De la division sociale du travail. Paris : PUF. Coll : Bibliothèque de la philosophie contemporaine, p. 51
  29. أحمد أغبال، تصوّر دوركايم للسياسة.