أرثور شوبنهاور

من رؤية بيديا
اذهب إلى: تصفح، ابحث
Schopenhauer 1852.jpg

أرثور شوبنهاور (1788- 1860 م)

  • فيلسوف كبير متفرّد في طبيعة شخصيّته وكتابته، ولد في "دانتسش" Dantzig.
  • وتلقّى تعليمه المبكر في فرنسا وإنجلترا، حيث درس العلوم والمعارف الأوليّة وأتقن تماماً العديد من اللغات الأوروبيّة الحديثة، فضلاً عن اليونانيّة واللاتينيّة، التحق بجامعة "جتجن" Gittingen كطالب يدرس الطبّ، ولكنّه انتقل لجامعة برلین Berlin لأجل دراسة الفلسفة.
  • أنجز رسالة الدكتوراه عن الجذر الرباعي لمبدأ العلّة الكافية سنة (1813 م)، ونشر عمله الخالد (العالم إرادة وتمثلّاً) سنة (1818 م)، و"عن الإرادة في الطبيعة" سنة (1836 م)، و"أساس الأخلاق" سنة (1841 م)، و"الحواشي والبواقي" سنة (1851 م).
  • بعد حصوله على الدكتوراه، خاض تجربة فاشلة في التدريس الجامعيّ؛ إذ اختار لمحاضراته نفس التوقيت الذي كان يدرّس فيه هيجل على اتّساع شهرته الطاغية، فوجد نفسه يحّدث المقاعد الخاوية، وعلى إثر ذلك قرّر اعتزال الناس والتفرّغ للدرس والتأليف، معتمداً في تدبير معاشه على ميراثه عن أبيه، ولم يكن يقطع خلوته إلا الأسفار العديدة التي كان يقوم بها من حين لآخر؛ لإيمانه بأنّ الفلسفة توجد في الحياة أكثر ممّا توجد في الكتب، وهو الإيمان الذي جعل فلسفته "فلسفة حياة" في المقام الأوّل.
  • عرف بأنّه فیلسوف متشائم، حتّى شاعت عنه أوصاف من قبيل: "أمير التشاؤم" و"رسول الشقاء"، وهي أوصاف تعكس فهماً سطحيّاً إذا اكتفينا بالوقوف عندها: ذلك أنّ فلسفته تحاول أن تبصرنا بحقيقة الشقاء المتأصّل في هذا العالم، دون خداع أو مواربة، كما أنّها تحاول أن تجد لنا مخرجاً من هذا الشقاء، وأن تجد لنا فيه -أعني في غماره- شيئاً من السلوى والعزاء، بل شيئاً من المتع الحقيقيّة.
  • استمع إلى فختي دون أن يتذوّقه كثيراً، ولكن أعجبه من أفلاطون وكنط قسمة الوجود إلى محسوس ومعقول، أو عالم الظواهر وعالم الشيء بالذّات، وكانت هذه القسمة في نظره بمثابة ازدواج للتأمّل والشهوة أو الفكرة والإرادة، وقرأ الكتب الهنديّة الدينيّة في ترجمة لاتينيّة، وهي تدور على مسألة الشرّ الطبيعيّ والخَلْقِيّ كما هو معلوم، فنمت في عقله عناصر مذهبه.
  • اشتُهر بسخريته ونقده اللاذع، حتّى إنّه قد اعتبر هيجل وفيشته وشليرماخر مجرّد ثلاث زكائب منفوخة (الزّكائبُ: جمعُ زكيبةٍ، وهو الكِيسُ الكبيرُ يُتَّخذُمنَ الخِيشِ أو الليفِ، أو الشوالُ أوالغِرارَةُ)، في الوقت الذي كان يجل أفلاطون وكانط (على الرغم من نقده المسهب لهذا الأخير)، فإنّه عمل على علاج وجه القصور في مذهبيهما من خلال مركب يجمع بينهما ويتجاوزهما.
  • يظلّ هو فيلسوف الإرادة الأكبر، وفيلسوف الحياة الأوّل بالمعنى الدقيق؛ لأنّ الإرادة عنده هي إرادة الحياة، وهي مبدأ الوجود بأسره وأصل حقیقته الباطنيّة.

حياته

  • عاش أرثور شوبنهاور الذي ولد يوم الجمعة في (22) شباط من العام (1788 م) في ظلّ والديه، عيشة راضية ناعمة فيها من السعادة والمواهب واليسر الشيء الكثير؛ منذ اللحظة الأولى التي أتى فيها إلى الوجود.
  • فقد كان أبوه ثريّاً كأحسن ما يكون الثراء؛ لأنّه كان صاحب مصرف كبير؛ فأتاح للأسرة كلّها أن تحيا طوال بقائها حياة رخيّة رافهة؛ وهيّأ لابنه تربية ممتازة حقّاً؛ ولم يكد يتهيّأ مثلها لعبقريّ آخر من العباقرة الذين عرفهم التاريخ.
  • ويكفي أن نعلم أنّها كانت تربية لقّنه إياها العالم الفسيح والطبيعة الحيّة؛ في حرّيّة مطلقة ومتعة مطلقة أيضاً، «وكان أستاذه الأكبر فيها اتصالاً حيّاً، بأفکار حيّة؛ في صور متعدّدة تلقّاها؛ من أفواه الأوساط والبقاع العديدة التي قضى حياته الأولى متنقّلاً بين أرجائها. ميتافيزيقا الفنّ عند شوبنهاور، سعید محمّد توفيق، دار التنوير، بیروت (1983 م)، ص (18). شوبنهاور، عبد الرحمن بدوي، دار القلم بيروت، بدون تاریخ.
  • أمّه في صباها كانت تعرف باسم یوهانا هنریت تروزینره.
  • عام (1805 م) انتحر والده بسبب خسارة ماليّة وهميّة، وقد وقع هذا الحدث المفجع على أرثور الابن موقع الصاعقة.
  • بعد نزاع كبير إثر هذا الحادث بين شوبنهاور وأمّه، رحلت هذه الأمّ إلى فيمار، وهناك استطاعت أن تكون -في مدى قصير- حلقة فكريّة اجتذبت إليها معظم مشاهير المفكّرين، وأعلام الأدب المعاصرين، وعلى رأسهم غوته، والأخوان شلیجل وغيرهم.
  • لم تكن الأمّ والابن على وفاق، فالمزاج الهوائيّ لدى يوهانا شوبنهاور وروحها التفاؤليّة، وحبّها للمتعة، هذا كلّه سبب نفور ابنها أرثور منها، وبقي لغزاً بالنسبة إليه، ومن ناحية أخرى، لم تستطع الأمّ أن تفهم ابنها الذي أحبّ العزلة واحتضن أفكاراً كئيبة عن الحياة لا يمكن الخلاص منها.
  • إلى جانب برنامج الدراسة العاديّ، تلقّى شوبنهاور دروساً خاصّة في اليونانيّة واللاتينيّة، وكان تقدّمه سريعاً ملحوظاً حتّى إنّ أساتذته تنبؤوا له بمستقبل لامع كعالم في اللغات الأوروبيّة القديمة، في حين أنّ كتاباته باللغة الألمانيّة أبانت عن فكر ناضج، وتعبير أدهش كلّ من قرأه.
  • في عام (1809 م) التحق بجامعة جيتنجن، وقد سجّل اسمه كطالب طبّ، إلّا أّنه في السنة الدراسيّة التالية تحوّل إلى الفلسفة.
  • وبدأ دراسته للفلسفة مكرّساً انتباهه إلى أفلاطون وكانط وفقا لنصيحة «شولتسه» الأستاذ في جامعة جيتنجن آنذاك.
  • وفي عام (1811 م) انتقل إلى برلين حيث استمع إلى محاضرات فيخته» و«شليرماخر»، فقد جذبت شهرة فيخته شوبنهاور إلى برلين، فرحل إليها آملاً أن يجد محاضراته خير ما في الفلسفة، ولكن توقيره المسبق لـ" فيخته" سرعان ما تحوّل إلى ازدراء وسخرية، ولم يكن حظ شليرماخر بأحسن من حظّ فيخته، وقد دوّن شوبنهاور ملاحظات كثيرة على محاضراتهما، ولكنّه علّق على هذه المحاضرات تعليقات تهكمّيّة استهزائيّة.
  • وفي عام (1813 م) رحل شوبنهاور إلى رودلشتات وشرع هناك في إنجاز رسالته للدكتوراه "عن الجذر الرباعيّ لمبدأ العلّة الكافية"، وعند اكتمال الرسالة أرسلها إلى جامعة ينيا التي خلعت عليه لقب دكتور في الفلسفة، وعندما أرسل نسخة من كتابه إلى أمّه هزئت منه، فأجابها «سوف يقرأ الكتاب يا أمّاه، حتّى بعد أن تخلو حجرة الخزين من نسخة لأعمالك».
  • جذب الكتاب انتباه غوته، الذي استطاع أن يلحظ عبقريّة شوبنهاور التي لم تلحظها أمّه، ففي إحدى الأمسيّات التقى غوته بشوبنهاور في حفل، حيث راحت بعض الفتيات يتندرن على دكتور الفلسفة الشاب، الذي انزوى بنفسه جانباً، فما كان من غوته إلا أن زجرهن قائلا: «أيتها الصغيرات؛ دعْنَ الشاب وشأنه، فإنّه في الوقت المناسب سوف يعلو فوق رؤوسنا جميعاً».
  • وتوالت اللقاءات بين غوته وشوبنهاور، إلّا أنّ التباعد بين اتجاههما قد بدا واضحاً ... فكان لا بدّ للمتشائم الصغير والمتفائل الكبير من أن يفترقا، وفي هذا کتب غوته، «لقد كان بيني وبينه اتفاق مشترك في أمور كثيرة، ولكن كان لا بدّ من أن يكون بيننا نوع من الافتراق، فقد كنّا صديقين حميمين سار الواحد بجانب الآخر، ثمّ قال كلّ منهما للآخر: وداعاً ...» ميتافيزيقا الفنّ عند شوبنهاور، سعید محمّد توفيق، دار التنوير، بیروت (1983 م).
  • في عام (1814 م) ترك شوبنهاور فیمار وأمّه التي لم يرها بعد ذلك طيلة الأربع والعشرين سنة التالية التي عاشها، فاتجه إلى درسدن واتّخذها موطناً له حتّى عام (1818 م)، وسبب ترکه نيمار هو أنّ أمّه كانت متحرّرة من قيود الزوجيّة، الأمر الذي لم يرق في عيني ابنها، ولم يكن من الممكن أن يعيش شوبنهاور مع أمّه تحت سقف واحد، ولهذا آثر أن يبتعد عنها، ويشارك معلّم الفيلولوجيا الكلاسيكيّة إفرانز یاسوف السكن؛ واستطاع شوبنهاور بفضل توجيه هذا المعلّم أن يحرز تقدّماً علميّاً مذهلاً وسريعاً.
  • وفي إحدى زياراته لأمّه تشاجر معها فدفعته على الدرج فسقط بضع درجات، فقال لها في حدّة وغضب: «إنّ الأجيال المقبلة سوف لا تعرف عنك شيئاً غير أنّك أمّ شوبنهاور».
  • وفي الفترة التي قضاها في درسدن أنجز عمله الخالد "العالم كإرادة وتمثّل"، وهناك انكبّ أيضاً على دراسة الأعمال الفنّيّة بشكل أفضل ممّا أتيح له في مدينة أخرى، حيث كان يشاهَد باستمرار في العديد من قاعات المدينة الفنّيّة، كما كان يشاهّد جالساً ساعات أمام بعض اللّوحات، وكان يعلّق على ذلك بقوله: «ينبغي أن نعامل العمل الفنيّ کرجل عظيم نمتثل أمامه، وننتظر بصبر حتّى يتفضّل بالكلام»، وكان يتذوّق الموسيقا ويتغذّى بها ولم يهملها طوال حياته.
  • في عام (1819 م) راودت شوبنهاور فكرة أن يصبح محاضراً جامعيّاً، وكان يريد أن يقدّم فلسفته بأسلوب الحوار، وقد قبلته جامعة برلين محاضراً في الفلسفة العامّة سنة (1820 م) ومع مرور الوقت وجد نفسه يتحدّث إلى مقاعد خالية؛ حيث كان الفيلسوف هيغل وشليرماخر في أوج شهرتهما، وكانا ينادیان بمذاهب مضادّة لمذهب شوبنهاور، وسبب فشله هو اختيار إلقاء محاضراته في نفس الساعات التي يقوم هيغل فيها بإلقاء محاضراته.
  • عام (1831 م) انتشر داء الكوليرا في برلين وكان هيغل أحد ضحاياه، فأسرع شوبنهاور بالرحيل إلى جنوب ألمانيا، واتخذ من فرنكفورت موطناً لإقامته حتّى وفاته.
  • وفي عام (1836 م) كسر صمته بكتاب عن "الإرادة في الطبيعة"، وفي العام التالي منحته الأكاديميّة النرويجيّة الملكيّة جائزة عن مقالة عن "حريّة الإرادة ونظريّة الضرورة الفلسفيّة" ثمّ نشر مقالاً ثانياً عن «أسس الإلزام الأخلاقيّ»، وقد نشر المقالين في كتاب عام (1841 م) تحت عنوان: «المشكلتان الرئيسيتان في علم الأخلاق».
  • وخلال عام (1844 م) ظهرت الطبعة الثانية من كتابه «العالم كإرادة وتمثل» ومنذ هذا العام بدأ شوبنهاور يجد طريق الشهرة، وعام (1851 م) ظهر کتابه "الحواشي والبواقي"، هكذا بدأت شهرة هذا الفيلسوف تتّسع تدريجيّاً؛ وحين بزغ فجر شهرته كانت حياته تميل إلى الغروب، وفي يوم (21) أيلول عام (1860 م) وجد ميّتاً على أريكته في هدوء. [١]

تأثير فكر شوبنهاور

  • أثّرت الأفكار الفلسفيّة لشوبنهاور وما تزال تؤثّر منذ القرن الثامن عشر إلى يومنا هذا، وقد تجاوز تأثيرها التخصّص الفلسفيّ وتمّ في الأدب والفنّ والنظريّة النقديّة الاجتماعيّة وعلم النفس إلخ.
  • كان ماینلیندر Mainlander أوّل من انتبه إلى أهمّيّة شوبنهاور الفلسفيّة ونشر عنها كتابه الشهير: «فلسفة الخلاص» Philosophie der Erldsung.
  • وتبعه في الطريق نفسه إدوارد فون هارتمان Eduard von Hartman بثلاثة كتب حول فلسفة اللاوعي Philosophie des Unbewussten.
  • بعدها دخل فريديريك نيتشه Friederich Nietzsche وهو في ربيعه الواحد والعشرين على الخطّ، حيث شغلته فلسفة شوبنهاور واهتمّ بها أيّما اهتمام، بل قادته إلى إحلال «إرادة القوّة» محلّ «ميتافيزيقا القوة».
  • لا بدّ من التأكيد هنا أنّ نيتشه وأتباعه كانوا لاحقين على شوبنهاور، اهتمّوا بفلسفته، لكنّهم لم يكونوا أتباعاً له، على العكس من هذا، نجد مثلاً أولريك هورستمان Ulrich Horstmann الذي كان متأثّراً كثيراً بفلسفة شوبنهاور وأنتج فيها كتابين مهمّين: «فلسفة الهروب الإنسانيّ» و«اللاحيوان».
  • لا داعي للتذكير بأنّ فيتغنشطاین Wittgenstein بنى الجزء الأكبر من فلسفته على تأمّلات شوبنهاور وتبعه في ذلك فريتس مارتنر Fritz Mautner وسيغموند فروید وکارل بوبر، وبهذا فإنّ المرء يجد آثار فكر شوبنهاور في كلّ دائرة فيينّا تقريباً، والفلسفة التحليليّة وفهمها للعلاقة بين الميتافيزيقا والعلم.
  • وقد اعتبر شوبنهاور عند الكثيرين صلة وصل بين الأنوار والحداثة.
  • أمّا بيرغسون Henri Bergson، أحد مؤسّسي فلسفة الحياة، فقد راجع تصوّره حول الفهم الواقعيّ بفضل تأثيرات شوبنهاور.
  • وقد اهتمّ ماکس شیلر Max Scheler بأفكار شوبنهاور أيّما اهتمام، وبالخصوص فيما يخصّ الوضع الخاصّ للإنسان أسمى المخلوقات، وهو وضع كانت نظريّة التطوّر الداروينيّة قد نزلت به إلى مرتبة المخلوقات الأخرى كلّها الموجودة في الطبيعة.
  • كما أنّ طوماس مان كان يرى في فلسفة شوبنهاور فلسفة إنسانيّة، اهتمّ بها كثيراً وألهمته في أعماله، وهو اهتمام نجده كذلك عند سامویل بیکیت Samuel Beckett وطوماس بيرنهارد Thomas Bernhard.
  • أمّا ماکس هورکهایمر فقد رأى فيها نقداً عميقاً للأيديولوجيا، ومن قرأ الأعمال الروائيّة لفيلهلم رابس وطوماس هاردي لا بدّ أن يلاحظ أثر شوبنهاور الظاهر عليهما في معالجة مواضيعهما.
  • ونجد في الجناح الروسيّ (لا من إيفان تورغينيف) Ivan Turgenevs وفيودور سولوغوبس Fjodor Sologubs، ويبقى ليف تولستوي Lev Tolstoy وهو من كبار الأدباء الروس العالميّين، حيث نجد تأثيراً واضحاً لشوبنهاور.
  • ولا داعي للتذكير بأنّ شوبنهاور ألهم كثيراً مارسيل بروست Marcel Proust في أعماله الأدبيّة، أمّا تأثیر شوبنهاور على ألبير کامو Albert Camus فقد كان جليلاً، لأنّه حاول في جلّ أعماله الأدبيّة الدفاع عن كرامة الإنسان على الرغم من وعيه بلا معنى الحياة.
  • نجد في الميدان الفنيّ الكثير من الأسماء المرموقة التي تأثّرت بفكر شوبنهاور وبالخصوص أرنولد شونبيرغ Arnold Schonberg وكاندينسكي وما لافيتش وغيرهم كثير.
  • تظهر هذه الأمثلة إذن مدى التأثير الذي كان لشوبنهاور في مختلف الميادين منذ منتصف القرن الثامن عشر وهو ما يضمن له مكاناً ومكانةً في الفلسفة الحديثة، التي ساهم في تطويرها.
  • وقد کان شوبنهاور معروفاً بتمكّنه من اللّغات التي كان يكتب بها، بل كان حريصاً ألّا تبقى لغته وأسلوب كتابته سجينة العقليّة الأكاديميّة الجامعيّة الخاصّة بالمتخصّصين، بل حرّرها من كلّ القيود والإكراهات المتخصّصة، وهذا بالضبط ما ساهم في وصول فكره إلى جمهور عريض وحيازته على تلك الشهرة العالميّة التي كانت في الموعد في أواخر حياته.

يبقى شوبنهاور إذن من الفلاسفة الألمان الكبار، الذين أثّروا في أجيال كثيرة وأعطوا للتأمل الفلسفيّ القيمة التي يستحقّها. [٢]

قالوا عنه

  • لا أظنّ أنّ مذهبي كان يمكن أن يتكوّن قبل أن تسلّط كتب الأوبانیشاد وأفلاطون وكانط معاً أشعّتها على ذهن إنسان. شوبنهاور.
  • إنّني أجده ذكيّاً، ولا أعير اهتماماً للباقي. غوته.
  • آرثر شوبنهاور أکبر فیلسوف بعد كانط، وأوّل من تعقل أفكاره إلى النهاية ... وبالمقارنة به لا يعدو هيغل وأضرابه أن يكونوا من المشعوذين! فاغنر
  • لم يكن لدي شوبنهاور أيّ رجاء، لكنّه كان يريد الحقيقة، ولا أحد آخر يضاهيه. نيتشه.
  • عيبه الرئيس الجفاف التامّ، الأنانيّة الكاملة والمتعجرفة، عبادة العبقريّة واللامبالاة الكلّيّة، وإنّ علم الاستسلام ونكران الذات إلخ. وما ينقصه هو الودّ، الإنسانيّة، الحبّ. آمپیل.
  • لم يكن مذهبه إلا داروينيا قبل الداروينيّة، ولم تكن لغة كانط ومفاهيم الهندوس إلا رداء لها. أوسفالد شبنغلر.
  • شوبنهاور فنّان لغة؛ ومن هنا يتولّد فكره. کافكا.
  • إنّه أوّل ممثّل أصيل في ألمانيا لصنف الكتاب من أصحاب الريوع، وهذا التحرّر من هموم الوجود الماديّ جعل شوبنهاور مستقلّاً عن الجامعات والإدارات الأخرى (التي كانت لا تزال شبه إقطاعيّة) وعن التيّارات الإيديولوجيّة التي تروّج لها، وأتاح له أن يتبنّى بصدد جميع المسائل، بدون أن يكلّفه الأمر شيئاً، موقفاً شخصيّاً أصيلاً. جورج لوكاش. [٣]

كتبه

لقد ترك شوبنهاور عدّة مؤلّفات، من أبرزها:

  1. الأصول الأربعة لمبدأ السبب الكافي (رسالة الدكتوراه) (1813 م).
  2. الإرادة في الطبيعة (1836 م).
  3. المشكلتان الأساسيتان في فلسفة الأخلاق (1841 م).

العالم إرادة وتمثّل

  • هذا العمل ظهر في الأصل سنة (1818 م) في مجلّد واحد، ولم يلحق به المجلد الثاني إلا بعد ربع قرن، وظهر هذا المجلد الثاني مؤلّفاً من جملة فصول، في كلّ منها إضافة وتفصيل لما تمّ إجماله في المجلّد الأول، وكأنّ المجلد الثاني جاء ليملأ الفراغات الموجودة في المجلّد الأوّل، كي يجسّد موضوعه في صورة أكثر كمالاً.

المجلّد الأوّل

الكتاب الأوّل يتناول العالم مظهراً، أو كما يبدو في ظاهره
  • أي كموضوع يتمثّل لوعينا، وهذا هو مفهوم شوبنهاور عن "العالم كتمثّل"، أي: كموضوع لمعرفتنا، ومن ثمّ فإنّ هذا الكتاب يصوّر لنا نظریّة شوبنهاور في المعرفة: فإذا كان العالم في ظاهره يبدو تمثّلاً للذات العارفة؛ فإنّ هذا التمثال يجري وفقاً لمبدأ العلّة الكافية وأحكامه، فلكي يمكن لنا أن نتمثّل موضوعاً ما، فإنّ هذا الموضوع يجب أن يكون واقعاً في مكان ما، وأن يجري في زمان ما، وأن يرتبط بغيره من الموضوعات في علاقة سببيّة ما، وهذه هي صور مبدأ العلّة الكافية الأساسيّة التي تحكم تمثّلنا للموضوعات: المكان والزمان والعلّيّة.
  1. فالموضوعات كما تتمثّل لنا وفقاً للعلّيّة هي موضوعات العلم الطبيعيّ التجريبيّ.
  2. أمّا النوع الثاني من الموضوعات فهو تلك التي تتمثّل لنا من خلال التصوّرات المجرّدة، والعلاقة بين هذا النوع من الموضوعات تسمّى الحكم، وهو الاستناد إلى قواعد الاستدلال واللزوم المنطقيّ التي تخوّل لنا الحكم على صحّة مفهوم ما، بحيث يبدو هذا الأساس الذي تستند إليه هو علّة الحكم.
  3. والنوع الثالث من الموضوعات هو تلك التي ترتبط بعلاقات زمانيّة مكانيّة ندركها بحدس أوّليّ، نموذج هذه الموضوعات هو موضوعات الرياضيّات: فالحساب يقوم في الأصل على القانون الذي يحكم العلاقات بين أجزاء الزمان قانون التوالي، بينما تقوم الهندسة على القانون الذي يحكم المواضع الخاصّة بأجزاء المكان.
  4. وأخيراً، فإنّ النوع الرابع من الموضوعات هو الذات نفسها التي تسلك سبيلها وفقاً لدافع أو باعث ما هو بمثابة علّة سلوكها أو فعلها: الذات العارفة هنا تتأمّل نفسها كموضوع خاضع لدوافع أو بواعث سيكولوجيّة.
  • وبناء على هذه الأنواع الأربعة من التمثّلات، فإنّ مبدأ العلّة الكافية الذي يحكمها هو مبدأ له جذور أربعة، من حيث إنّه يحكم أربعة أنواع من الموضوعات بطرائق أربع تلائمها، ولهذا كان عنوان رسالة شوبنهاور للدكتوراه هو: "عن الجذر الرباعيّ لمبدأ الكافية".
الكتاب الثاني: إنّ العالم كتمثّل
  • أي ذلك العالم الذي يكون خاضعاً لمبدأ العلّة الكافية الذي يحكم معرفتنا هو مجرّد المظهر الذي تبدو عليه الأشياء بالنسبة إلينا، أمّا حقيقة الأشياء فإنّما تتمثّل في الإرادة ذاتها:
  • فالإرادة عنده هي الماهيّة الباطنيّة للعالم، وهي تتجلّى في الطبيعة الإنسانيّة وفي الطبيعة العضويّة واللاعضويّة على السواء، وإن كانت تعبّر عن نفسها بوضوح أكبر وأكثر تعقيداً كلّما ارتقينا في سلّم الوجود، وعلى ذلك، فإنّ الطبيعة اللاعضويّة تمثّل أدنى درجات تحقّق الإرادة؛ ولذلك فإنّ ظواهر الإرادة هنا تعبّر عن الإرادة بشكل غامض، وهو ما حاول شوبنهاور الكشف عنه باستفاضة في الكتاب الثاني، فبيّن لنا كيف تكون ظواهر أو قوى الطبيعة اللاعضويّة تعبيراً غامضاً عن صراع الإرادة، كما يتجلّى في تلك الظواهر، ومن ثمّ فإنّ عوالم النبات والحيوان والإنسان سيمثّل كلّ منها على التوالي درجة أعلى من درجات تجسّد الإرادة أو وجودها في عالم الظواهر؛ وعلى الرغم من أنّ الإرادة تعبّر عن نفسها في طبيعة النوع الإنسانيّ وكذلك في الشخصيّة الفرديّة التي تميّز كلّ موجود بشريّ، وتعدّ أصل المعاناة والشقاء الإنسانّي باعتبارها رغبات لا تهدأ، كما سيبيّن لنا شوبنهاور فيما بعد، على الرغم من ذلك، فإنّ الإرادة تعبّر عن نفسها أوّلاً في الإنسان من خلال الجسم؛ فكلّ جزء من أجزاء الجسم إنّما هو تعبير عن حال مناظرة من حالات الإرادة، كما تتجسّد في الموجود البشريّ: فالأسنان والمعدة والأمعاء هي تعبير عن جوع متجسّد، والأعضاء الجنسيّة تعبير عن رغبة جنسيّة متجسّدة، وهكذا؛ فالجسم قد تشكّل وتجسّد بحيث يلائم الرغبات المناظرة.
  • وكلّ درجة من درجات تجسّد الإرادة أو تحقّقها الموضوعيّ هي بمثابة المثال بالمعنى الأفلاطونيّ، أي إنّها تعبير عن الحقيقة كما تتجلّى في عالم الظواهر، فالإرادة كما تتجلى في البللور والمغناطيسيّة والكهربيّة تعبر عن حقيقة هذه الظواهر في مجال الطبيعة اللاعضويّة.
  • والإرادة كما تتجلّى في النبات تعبّر عن حقيقة أو مثال النبات، وكذلك في حال الحيوان والإنسان؛ ولا شكّ أنّ هذه الرؤية تجعل فلسفة شوبنهاور تستوعب أفلاطون وكانط في وحدة واحدة: فالإرادة عند شوبنهاور تناظر "الشيء في ذاته" عند كانط باعتباره يمثّل عالم الحقيقة في مقابل عالم الظواهر، ولكن حيث إنّنا وفقاً لفلسفة كانط لا نعرف سوى ما يظهر لنا في عالم الظواهر، أي عالم التجربة؛ فإنّنا لا يمكن أن نعرف الشيء في ذاته، أي الأشياء في حقيقتها، أمّا مع شوبنهاور فقد أصبح الشيء في ذاته أو حقيقة الأشياء قابلة للمعرفة، طالما أنّها تتجلّى في عالم الأشياء أو الظواهر، وتلك هي "المثل" بالمعنى الأفلاطونيّ.
  • وإذا كان المثال هو المعنى الكلّيّ والحقيقة الجوهريّة التي تتجلّى بدورها في الأفراد أو الحالات الجزئيّة، فإنّنا يجب أن نتعرّف على المثال في الظواهر الجزئيّة المتكثّرة وفي الحالات الفرديّة العابرة، وبذلك نفهم الإرادة التي تصبح متمثّلة لنا في هذا العالم: فإذا كانت الإرادة هي عالم الحقيقة، وكان التمثّل هو عالم الظاهر أو الظواهر، فإنّ الإرادة تصبح موضوعاً للتمثّل، أي موضوعاً لإدراكنا.
  • ولكن هذا لا يمكن أن يحدث إلا عندما نتحرّر من الإرادة ذاتها كي يمكن أن نتأمّلها، وندرك تجليّاتها فينا وفي الموجودات، ولكنّ هذا "التحرر من أسر الإرادة كيما نرى الإرادة" يحدث في حالين فقط: في الفنّ والقداسة، فالإبداع الفني يقتضي التحرّر من الإرادة، أي التحرر من النظر للأشياء على أساس من رغباتنا الجزئيّة العابرة فيها، وأن ننظر إليها بالتالي نظرة نزيهة خالصة، كيما نستطيع تصوير حقيقتها والنفاذ إلى باطنها (وهذا أصل العبقريّة التي تتحقّق بوجه خاصّ في الفنّ وفي الفلسفة الحقّة).
الكتاب الثالث: مهمّة الفنّ
  • هكذا تكون مهمّة الفنّ على اختلاف صوره عند شوبنهاور، وهو ما حاول إطلاعنا عليه بالتفصيل في الكتاب الثالث؛ فحتّى الموسيقا الخالصة التي قد يظنّ بعضهم أنّها فنّ تجريديّ لا شأن له بتصوير شيء من حقيقة حياتنا ووجودنا، حتى هذه الموسيقا -وهي أسمى الفنون عند شوبنهاور- تجسّد بعمق حقيقة وجودنا في كافّة تجلياته؛ لأنّها ببساطة تجسّد -على أنحاء شتّى لا تحصى- الإرادة كما تتجلّى في الوجود، عبر سائر سكناتها وحركاتها.
  • ولكن هذه الحال -للأسف- لا تدوم: فحال التحرّر من الإرادة التي تحدث في الإبداع الفنيّ هي حال وقتيّة، فدوامها مرهون فقط بدوام اللحظة الإبداعيّة، فحال التحرّر من الإرادة التي تدوم هي حال الزهد والقداسة التي تقوم دوماً على وأد الشهوات وقمع رغبات الإرادة؛ كي نصل إلى تلك الحال التي نتخلّص فيها من الأنانيّة، ونتعاطف مع الآخرين.
الكتاب الرابع: الأخلاق

وعلى الرغم من أنّ شوبنهاور لا يطرح هنا حلّاً إيجابيّاً للمشكلة الأخلاقيّة، ويبقى الحلّ الذي يطرحه سلبيّاً -كما يقال عادة وكما نوّهنا فيما سبق، أعني حلّاً يقوم على فكرة التخلّص والتحرّر فحسب من الإرادة، على الرغم من ذلك، فإنّ هذا التحرّر والخلاص السلبيّ ليس بالمهمّة السهلة: إنّها حال تتطلّب شجاعة وقدرة هائلة تشبه تلك التي تميز الحكيم الرواقيّ، ولكن كم من البشر يقدرون على تلك الحياة التي تميّز الحكيم الرواقيّ؟!

المجلّد الثاني

يحوي مجموعة من الفصول التي يلقي كلّ منها الضوء على ما سبق أن أجمله شوبنهاور في المجلّد الأوّل بفصوله الأربعة؛ وعلى الرغم من أنّ فصول هذا المجلّد تبدو أوّل وهلة متناثرة، فإنّها تظل محوريّة جوهريّة؛ فهي تلقي الضوء على الكثير ممّا لم يصرّح به هنا وهناك في المجلّد الأوّل، لذلك فإنّ قراءة هذه الفصول تصبح أكثر متعة من قراءة أيّ من فصول المجلد السابق؛ لأنّ فصول هذا المجلّد تبدو كما لو كانت تضع اللمسات الأخيرة التي تضيء فصول المجلّد السابق التي تشكّل وترسي أساس البنيان، وتملأ الفجوات المنتشرة في ثنايا تفاصيله. [٤]

موهبته ومصادر فلسفته

  • اعتمد شوبنهاور على مصادر عدّة في بناء عمارته الفلسفيّة، وتكريس مذهبه الفلسفيّ، فالخطوط العريضة والمضامین الفكريّة الأساسيّة لفلسفته التي تضمّنها كتابه الرئيسيّ العالم كإرادة وتمثّل واضحة في عنوان الكتاب. والتي تعني:
  1. كلمة عالم لا تشير إلى عالمنا الأرضيّ أو العالم بمعناه المحدود، شوبنهاور يستخدم هذه الكلمة بمعنى أوسع، حيث تشير إلى الكون كلّه، أو إلى كلّ ما يوجد من إنسان وحيوان ونبات وجماد.
  2. مصطلح إرادة لا يشير إلى المفهوم العاديّ المألوف، إلى رغبة ملحّة لا تهدأ، وقوّة عمياء لا عاقل،ة أو اندفاع أعمى يحرّك كلّ شيء وبه يتحقّق وجوده ويستمرّ في الحياة، ومن هنا كانت الإرادة عند شوبنهاور أساساً للاتجاه اللاعقلانيّ في فلسفته.
  3. أمّا تمثّل، فتعني مثول الشيء في الوعي، فالتمثّل عند شوبنهاور يسير في اتجاهين:
  • أ- الاتجاه الذي يكون فيه التمثّل تابعة لمبدأ العلّة الكافية، وهو منهج المعرفة العلميّة.
  • ب - الاتجاه الذي يكون التمثّل فيه مستقلّاً ومتحرّراً من مبدأ العلّة، وهو منهج الفنّ في رؤيته للأشياء.

والعالم يكون تمثلّاً بهذين المعنيين.

  • العناصر التي تركت بصماتها وتأثيراتها في فلسفة شوبنهاور متعدّدة ومختلفة، ولكن ما إن اكتملت فلسفته حتّى اتّخذت صفاتها ومميّزاتها مستقلّة عن أصولها وجذورها، وأصبحت وحدة متكاملة قائمة بذاتها؛ ولكنّ المصادر الرئيسة التي أثّرت في فلسفته، بقيت واضحة جليّة، وهو بنفسه صرّح بوجود ثلاثة مصادر رئيسة شكّلت منبعاً لفلسفته وهي: أفلاطون وعمانوئيل كانط والأوبانیشاد.
  • ففي المقدّمة تأتي فلسفة كانط، ثمّ أفلاطون، ثمّ الأوبانیشاد؛ ويوضّح شوبنهاور أهميّة هذه المصادر لفهم فلسفته بتأكيده أنّ فلسفة كانط هي الفلسفة الوحيدة التي يفترض سلفة وبطريقة مباشرة المعرفة التامّة بها.
  • أمّا إذا كان القارئ بالإضافة إلى ذلك قد لبث في مدرسة أفلاطون الجليل، فإنّه سوف يصبح معدّاً بشكل أفضل، إلى حدّ كبير، كي يسمعني، وسوف يصبح حسّاساً لما أقول، ولو أنّه حقّاً، بالإضافة إلى هذا، كان نائلاً للفائدة التي تهبها الفيدا، والتي فتح المدخل إليها من خلال الأوبانیشاد، فإنّ هذا في نظري أعظم الميزات.
  • اتّخذ شوبنهاور نظریّات معيّنة من فلسفتي أفلاطون وكانط كنقطة بداية له.
  • فالجانب الذي تأثّر به، هو الجانب المشترك في كلّ من فلسفتي أفلاطون وكانط، والذي انتقل إلى شوبنهاور، والواقع أنّ هذا الجانب يمثّل نقطة الانطلاق في فلسفتي أفلاطون وكانط. فالمشكلة التي أثارها كلّ منهما هي مشكلة واحدة شعر بها شوبنهاور بقوّة بعدهما؛ فلقد فرّق أفلاطون بين عالم الحوّاس أو الأشياء وبين عالم المعقولات أو المثل، وظهرت هذه التفرقة عند كانط بين العالم كتمثّل (العالم الظاهر) وبين العالم كإرادة (العالم كحقيقة)؛ فعالم التمثل أو التمثلات عند أرثور شوبنهاور يناظر (عالم المحسوسات) عند أفلاطون و(عالم الظواهر) عند كانط، أمّا الإرادة فهي تناظر المثل عند أفلاطون، والشيء في ذاته عند كانط . [٥]

فكره الفلسفيّ

نظريّة المعرفة

  • دارت کلّ نظريّة المعرفة الشوبنهاوريّة في محور «مبدأ السبب الكافي» principium rationis sufficientis، والذي عبّر عنه في المنطق والفلسفة بطرق مختلفة، طبقاً للوظائف المتوخّاة منه.
  • والمراد من هذا المبدأ هو القول بأنّه من الضروري أن يكون كلّ وجود كائن أو كلّ معرفة مبنيّة بطريقة من الطرق على معرفة أخرى، وحتّى وإن كان بارمنید قد استعمل «مبدأ التأسيس الكافي»، ولم يكن يعني به التأسيس الإيجابيّ، بل مبدأ برهان التجنّب، فإنّ الفضل يرجع لأرسطو في استعماله لهذا المبدأ.
  • وإذا كانت الفلسفة العقلانيّة تفترض بأنّ لنظام الفكر ولنظام الوجود الأساس نفسه، وبهذا فإنّ أشكال الفكر وأشكال الوجود متطابقة عندهم، واستنتاجهم طبقاً لهذا -كما هو الأمر عند سبينوزا مثلاً- بأنّ العلاقة بين السبب والنتيجة ناتجة عن العلاقة المتسلسلة بينهما، فإنّ كانط يميّز بين سبب الوجود وسبب المعرفة، واستعمل في هذا الإطار مصطلح "مبدأ السبب المحدّد".

مبدأ السبب الكافي

يقوم «مبدأ السبب الكافي» كمفهوم مشترك شامل بالنيابة، کجذر مشترك لكلّ أنواع العلاقات، كما تظهر في العالم المحتمل، وينظّم شوبنهاور العلاقات في أربعة أصناف مختلفة، حيث تؤثّر مواضيع محدّدة بطرق مختلفة في بعضها بعضاً، وبهذا هناك تشكيلات مختلفة «للمبدأ الكافي».

الصنف الأوّل

من هذه الأصناف عند شوبنهاور هو صنف «التمثّلات الحسّيّة التجريبيّة الكاملة»، حيث يسيطر «مبدأ التأسيس الكافي للمستقبل»، بكلمة بسيطة، يتعلّق الأمر هنا بصنف المستوى الفيزيقي للعلوم الطبيعيّة، حيث نجد مبدأ السبب والنتيجة: إنّ وجود شيء ما بحاجة لسبب يسبّبه أو بسبب وجوده.

الصنف الثاني

فإنّه يتضمّن المفاهيم، ويعني شوبنهاور بها نتاج العقل، يعني اللغة، ونجد في هذا الصنف «مبدأ التأسيس الكافي للمعرفة»؛ إنّ الفكر المجرّد، الذي يتحقّق في المفاهيم، يعمل دائماً عن طريق الأحكام، والتي وعندما تكون صحيحة، تعبّر عن معرفة ما، وبهذا فإنّ هذا الصنف يقدّم المستوى اللغوي الشكلي للتمثّلات، حيث يصف «مبدأ التأسيس الكافي» أساساً العلاقة بين المقدّمات والنتائج أو بين سبب المعرفة والنتيجة.

الصنف الثالث

يضع شوبنهاور الزمان والمكان على قدم المساواة، ويجب في نظره اعتبارهما في شغلهما الشكليّ الخالص في هذا الصنف، حتّى وإن كان المرء يلتقي بهما في الحقيقة في الصنف الأوّل، لكن في توحّدهما كشيء ماديّ (فاتحاد أو اجتماع الزمن والمكان يعني بالنسبة إلى شوبنهاور المادّة، وبالتالي السببيّة)، وتوجد علاقة الموضع بين الأجزاء في المكان والنتيجة في الزمن، ويعترف شوبنهاور لهذه العلاقة، التي تشكّل أساس كلّ وجود، به «مبدأ التأسيس الكافي للوجود».

الصنف الرابع

صنف «الذات المريدة» أو «الذات الإراديّة»، التي ترتكز تصوّراتها على موضوع واحد فقط، يعتبر الإنسان السيرورة (ليس الصيرورة) الداخليّة للإرادة في داخله کشيء موضوعيّ، يعتبر نفسه موضوعاً کاملاً، ونجد من جديد السببيّة داخل هذا الموضوع، لكن ليس سببيّة «خارجيّة» كما هو الأمر في الصنف الأوّل، بل الأمر يخصّ سببيّة داخليّة»، يطابق السبب هنا الدافع وتطابق النتيجة السلوك؛ ويخصّص شوبنهاور لهذا الصنف «المبدأ المؤسّس الكافي للسلوك».

  • ويعطي شوبنهاور لكلّ صنف «علاقة ذاتيّة» subjektives Korrelat، يقدّم من خلالها المبدأ الأساس الكافي» نفسه لنا: يقوم الصنف الأوّل عن طريق الفهم، والثاني عن طريق العقل، والثالث عن طريق الحواسّ الخالصة، والرابع عن طريق الفهم الداخليّ أو وعي الذات.

فلسفة التشاؤم

  • لا يجب هنا فهم مصطلح «التشاؤم» في معناه القدحي، بل هو في العمق عند شوبنهاور وعي شامل وعميق للحياة والعالم وإكراهاتهما، بمعنى أنّ التشاؤم هو تأمّل حياة ومصير الإنسان في هذا العالم الطبيعيّ المعقّد، الذي يفرض إكراهات وحدوداً بيولوجيّة وعقليّة على الإنسان ومحاولة إيجاد مخرج للكثير من المشاكل الوجوديّة التي يعيشها الإنسان، بوعي هذه المشاكل ومحاولة تجاوزها.
  • تحت تأثير أفلاطون وكانط دافع شوبنهاور في نظريّة المعرفة عن الموقف المثاليّ، لكنّه كان يتميّز بطريقه الخاصّ في هذا الميدان، ذلك أنّه مثل المثاليّة الذاتيّة.
  • وبهذا أسّس نسقاً إمبيريقياً وميتافيزيقاً للتشاؤم، ذلك أنّ إرادة العالم العمياء واللاعقليّة - اللاواعية هي بالنسبة إليه القوّة الأصليّة المطلقة، وبهذا فإنّها في نظره جوهر العالم، وما العقل إلا خادم لإرادة العالم اللاعقليّة هذه، وبهذا فإنّ العالم كما هو لم يكن من الضروري أن يوجد، لأنّه بالكيفيّة التي يوجد بها سيئ، ولا يمكن أن يوجد عالم آخر أسوأ منه، فالعالم هو في عرفه «حائط المنادب»، مليء بالألم؛ وكلّ سعادة ما هي إلّا خيال، وكلّ رغبة ما هي إلا سلب.
  • ومن ثمّ فإنّ الإرادة الإنسانيّة لا يمكن أن ترضى نهائيّاً بأيّ شيء، يقول في هذا الإطار: كلّ رغبة تنبع من نقص ما، من عدم الرضا عن الوضع الشخصيّ، إنّها إذن عذاب، طالما أنّها لم تتحقّق، وليس هناك تحقّق للرغبة دائم، بل إنّه دائماً نقطة بداية لرغبة جديدة.
  • ما يجعل من الحياة عذاباً، في نظر شوبنهاور، هو هذا الذهاب والإياب بين الألم والسقم، وبهذا فإن حياة الإنسان لا تعرف أيّة سعادة حقيقيّة، لأنّ مبدأ أو فكرة السعادة التي يقدّمها الإيمان المسيحيّ، ما هو إلا مبدأ خاطئ وخياليّ، لأنّه لا يتأسّس على أيّة حقيقة واقعيّة، بل على الخيال وحده.
  • والحلّ الوحيد الذي يراه شوبنهاور للخلاص أو التخلّص من هذا العذاب في الحياة هو الموت، الذي يعتبره أحسن من الحياة، لكنّ هذا لا يعني عنده البتّة الانتحار، لأنّ هذا الأخير لا يعتبر في نظره حلّاً؛ بل الحلّ الذي يقترحه هو رفض إرادة الحياة، التي تعتبر السبب الحقيقيّ في تعاسة الإنسان، لا بدّ من فهم هذا الأمر في إطاره الصحيح واستحضار کون شوبنهاور کان متأثّراً إلى حدّ كبير بالفلسفات الشرقيّة، التي لا تعتبر الموت حدثاً طبيعياً فقط، بل خلاصاً ومروراً إلى مستوى آخر من الوجود، قد يكون أحسن، لا يتعلّق الأمر إذن بالمنظور اللّاهوتي المسيحيّ، بل بفهم آخر للحياة بعد الموت الجسديّ.
  • وما يخفّف وطأة تناقضات الحياة وآلامها هو الاهتمام بالفنّ في كلّ أشكاله، وبالخصوص الموسيقا والأخلاق، وهي أشياء توصل إلى السعادة القصوى، أو ما يسمى بالنيرفانا Nirwana. ومن بين المبادئ الأخلاقيّة الضروريّة عند شوبنهاور هو ما عبر عنه بكلمات لاتينيّة عميقة على شكل حكمة من الحكم الكثيرة التي قالها:Neminem laede, immo omnes , quantum potes» «iuva , أي «لا تجرح أحداً، بل ساعد الكلّ قدر استطاعتك».

فلسفة الحياة

  • يمكن اعتبار مفهوم «الإرادة» Willen عند شوبنهاور كـ «إكراهات الحياة»، التي لا يستطيع الإنسان التحكّم بها أو توجيهها كما يريد، بل تفرض عليه ولا يمكنه التخلّص منها، وقد اعتبرها هو نفسه أساساً سیکولوجيا وليست تمثّلاً للإنسان، وكان همّه الأساسيّ هو محاولة الإجابة عن مجموعة من الأسئلة الجوهريّة تتعلّق بالعالم والحياة ومنها بالخصوص: هل هناك عالم آخر بالفعل، أي: حياة بعد فناء الجسد، أم إنّ هناك وجهاً آخر للعالم المتمثّل لا نعرفه؟ هل هناك علاقة بين وجه هذا العالم غير المعروف بالنسبة إلينا ومحاولات الإنسان للخلاص من عذابات العالم الحاليّ؟ مثل هذه الأسئلة هي التي أدّت به إلى التأكيد بأنّ ما هو قابع في الإنسان ليس هو البحث عن السعادة، بل محاولة إخفاء التعاسة الوجوديّة التي يعيشها في داخله.
  • وبما أنّ الإنسان يتميّز عن باقي المخلوقات الأخرى بتمتّعه بهذا النوع من الوعي الذاتيّ، ليس فقط بحدوده البيولوجيّة والنفسيّة، بل أيضاً وعيه بإرادته ورغباته، فإنّه أكّد بأنّ كلّ آلامنا تأتي من وعينا بهذه الإرادة، بخاصّة في مستواها المنحطّ، كغرائز وشهوات، نوهم أنفسنا بأنّها تقود إلى السعادة.
  • لا ينحصر هذا النوع من الإرادة على الإنسان فقط، بل نجده أيضاً في العالم والطبيعة والحياة: إرادة العالم، إرادة الطبيعة، إرادة الحياة؛ وعلى الرغم من أنّ هذه الإرادة هي منبع الشرّ عنده، فإنّها هي أصل العالم كذلك.
  • وبما أنّ هذه الإرادة عمياء، ما يهمّها هو استمرار العناصر، سواء كانت حيوانيّة أو نباتيّة أو إنسانيّة، فإنّه ليس لها أيّ أساس عقليّ تنبني عليه، يعني إنّ العالم لا ينبني في نظره على أيّ أساس عقليّ، بل على الإرادة وحدها، وما العقل إلا ذاك المصباح الصغير، الذي يحاول الإنسان أن يضيء به ظلمة الواقع والعالم والحياة.
  • إذن بما أنّ الإرادة عنده هي الأساس اللاعقليّ للعالم، وهي المنبع الغريزيّ لكلّ عذاب، وليس لها أيّ مصدر، ولا يجب خلطها بإرادة الفرد، وليست نتيجة سبب سابق عليها، لأنّ قانون السببيّة لا ينطبق إلّا على عالم التمّثل؛ فإنّها الحقيقة الأخيرة وطاقة كوسمولوجيّة لا تسمح بالتساؤل عن ماذا أو لماذا؟ لذا كان الهمّ الفلسفيّ الأساس لشوبنهاور هو قراءة العالم بطريقة صحيحة وشرح معناه، ويضمر هذا النداء رفضه للشروحات المسيحيّة وحتّى الأفلاطونيّة للعالم.
  • وأوّل ما يجب وعيه بالنسبة إليه هو كون العالم ليس فقط حلماً، بل ليس له أيّ معنى عنده؛ وبما أنّ الإنسان هو جزء لا يتجزّأ من العالم، فمن الضروريّ وعي كون الإنسان هو مستودع الغرائز الجامحة، والرغبات المتكرّرة، والشهوات التي ليست لها حدود.
  • النتيجة إذن هي أنّ شوبنهاور وصل في نظرنا إلى قمّة التفكير الواقعيّ، المسلّح بكميّة كبيرة من العقل، لأنّه عمل منذ محاولاته الفلسفيّة المبكّرة على هدم التصوّرات الرومانسيّة الحالمة للعالم وعرّى مواطن اللاعقل فيها.
  • هدف حياة الإنسان عنده هو الاستمرار في تخليص التمثّل الخياليّ للإنسان عن العالم وتحريره من فكرة استعادة الجنّة المفقودة لطفولته، وإظهار بأنّ الملذّات ما هي إلّا ضلال، ينتج الألم والتعاسة، والخلاص في نظره هو التخلّص من الغرائز وردعها، لأنّ ذلك يخفّف من آلام العالم.
  • ما يميّز الإنسان في نظر شوبنهاور هو اهتمامه بطرح أسئلة ميتافيزيقيّة ومحاولة الإجابة عنها، ولا ينحصر هذا على الفلاسفة فقط، بل إنّ كلّ إنسان مسكون بهذه الأسئلة، كلّ ما في الأمر هو أنّ كلّ واحد يحاول الإجابة عنها انطلاقاً من تجربته الخاصّة في الحياة، وبأخذ طرق مختلفة، وما الدين إلا واحد منها.

الدين

  • ما يعيبه شوبنهاور هو أنّ الدِّين يقول أنّه يمتلك الحقيقة، والواقع في نظره أنّ حقيقته ما هي إلا تعويض وتصعيد لآلام الإنسان، وبهذا فليس للدِّين أيّة حقيقة، على الرغم من أنّ له وظيفة مهمّة بالنسبة للإنسان.
  • الإنسان الذي لا يستطيع استعمال عقله في انشغالاته الميتافيزيقيّة، يلجأ للدِّين، الذي يقدّم أجوبة جاهزة و«أزليّة» لمعظم الأسئلة الميتافيزيقيّة والوجوديّة التي تقلق راحة الإنسان، بما فيها المصير النهائي له، للإشارة فإنّ هذا الأخير عند شوبنهاور هو الأزليّة، لكن ليس بالمفهوم المتعارف عليه في الدين، بل ما هو أزليّ هو ليس الفرد كفرد، لكن النوع الإنسانيّ برمّته، المحكوم بإرادة العالم وحبّ الحياة، والمؤشّرات كلّها متوفّرة للبرهنة على ذلك، أكبرها الغريزة الجنسيّة، التي لا تعتبر في نظره إلّا إرادة ورغبة في استمرار الجنس البشريّ تحت تأثير إرادة الحياة. [٦]
  • ويقول شوبنهاور إنّ المسيح هو المثل الأعلى للذي يفهم مذهبه حقّ الفهم؛ لأنّه ضحّى بجسمه الذي هو معلول إرادته وقتل في نفسه إرادة الحياة، فما قوله في أنّ المسيح مات ليخلّص البشر وأنّه قام من بين الأموات؟ إنّ هذه الفلسفة حافلة بالاستدلالات الخطيرة والتأويلات المتعسّفة [٧]

الأخلاق

  • يمكن اعتبار أخلاق شوبنهاور، المنبثقة من كلّ تفكيره الفلسفيّ، بمثابة فلسفة حياة من النوع الجيّد جدّاً، ما يميّزها هو أنّها بقيت وفيّة لمبادئها الفلسفيّة ولتصوّر مغاير للعالم وللإنسان، ونجد صدى كبيراً لهذه الأخلاق في الحكم التي كتبها شوبنهاور وفي نصوصه الفلسفيّة غير النسقيّة، التي تطرّق فيها إلى الكثير ممّا يهمّ الإنسان في عالمه الواقعيّ اليوميّ، مبتعداً بذلك عن الأبراج الفلسفيّة، ليقحم إنسان الشارع في عالم التأمّل والتبصّر.
  • ويمكن اعتبار أخلاقه بمثابة فلسفة تطبيقيّة لمواجهة هجومات إرادة العالم الغريزيّة العمياء، التي تتسبّب في تعاسة الإنسان، وتجعل من الحياة حائط منادب وبكاء، والسؤال الجوهريّ الذي شغل شوبنهاور في هذا الإطار هو: كيف يمكن التأقلم مع إرادة العالم والوصول إلى سعادة في ظلّ الشروط القاسية لحياة الإنسان ومحيطه الاجتماعيّ؟
  • كان شوبنهاور على وعي بأنّ إرادة العالم الحياة تدفع بالإنسان إلى البحث المستمرّ والدائم عن إمكانات تحقيق رغباته، ويتمّ هذا الدفع بطريقة لاواعية ويسقط الإنسان بهذا في دائرة مغلقة: ما إن تتحقّق رغبة حتّى تظهر أخرى في سلسلة لانهائيّة.
  • كإرادة العالم، فإنّ الرغبات الفرديّة للإنسان لا يمكن أبداً أن تتحقّق بكاملها، وهذا ما يشغل الإنسان عن الاهتمام بأشياء أخرى، بل أكثر من هذا ينتج الملل والسقم والضجر من الحياة، التي لا تعطيه كلّ شيء، بل تتعامل معه معاملة الحمار والجزرة.
  • وقد رأی شوبنهاور بأنّ أحد السبل للتخلّص من هذا وكسر سلسلة الدوافع الغريزيّة هي وعي مبدأ أساسيّ في حياة الإنسان، ويتعلّق الأمر بالتخليّ الواعيّ والمفكّر فيه بجدّيّة عن عالم الاستهلاك والرغبة في الامتلاك والمرور إلى تكوين شخصيّة فرديّة، لا يكون همّها الرئيس في الحياة المزيد من الامتلاك، بل الارتقاء إلى مستوى التأمّل والنقد الذاتيّ والمجتمعيّ.
  • لا يطالب شوبنهاور بحياة شحاذة، بل بحياة يكتفي فيها الإنسان بما هو ضروريّ للاستمرار بيولوجيّاً، ومقاومة غرائزه الحيوانيّة العمياء بصبر وكَدٍّ، بالاهتمام بالأعمال الخلّاقة كالموسيقا والفنون بصفة عامّة، بل أيضاً بالصوم والقيام بتجارب الحرمان لتربيّ الغرائز وردعها و«عقلنتها»، لكيلا تكون هي المسيطرة على الإنسان؛ ويؤكّد شوبنهاور أنّ أكبر لذّة هي لذّة الفكر والروح، وليس لذّة الغرائز. [٨]

الفنّ

  • على أنّه يتّفق أحياناً للمعرفة الإنسانيّة أن تتحرّر من خدمة الإرادة الكلّيّة؛ وذلك حين نستغرق في التأمل الفنّيّ فيزول الشعور بالفرديّة ويزول الألم، أو حين يتملّكنا الاعتقاد بزيف الفرديّة، فنؤثر عليها الغيريّة، الفنّ والأخلاق إذن وسيلتان للتحرّر من الشعور بالوجود وبالألم.
  • الفنون من وحي الإرادة الكلّيّة تحاول بها أن تتحقّق أكثر فأكثر.
  • الدرجة الدنيا فنّ العمارة، وهو ييسّر لنا تصوّر الدرجات الدنيا في الطبيعة، الثقل والتماسك والمقاومة، وظهور القوّة الكامنة في المادّة بالصراع بين الثقل والمقاومة.
  • ثمّ تجيء الفنون الشكليّة: النحت يظهر الصورة الإنسانيّة في حال الحركة، أي تحقّق الإرادة في الفرد وتغلّبها على العقبات التي تعترضها من جانب القوى الطبيعيّة تجليّاتها السفلى، ولكنّه يقتصر على إظهار الإنسان في عمومه.
  • أمّا التصوير فيمثّل الأخلاق، أي مختلف وجهات الإنسان في مختلف الظروف، فتبرز الملامح والإشارات، والنحت والتصوير يظهراننا على المعاني بوساطة علاماتها الطبيعيّة.
  • أمّا الشعر فيوحي بالمعاني بوساطة الألفاظ، وكلّ نوع من أنواع الشعر تعبير عن وجهة من وجهات الإنسان:
  1. الشعر الغنائيّ يظهر الألم الإنسانيّ الناشئ من مغالبة الإرادة للعقبات.
  2. والشعر التراجيديّ يظهر الألم الإنسانيّ الناشئ من تعارض الطباع والأخلاق.
  • وأخيراً الموسيقا، وهي فنّ يستغني عن كلّ صورة مكانيّة ويتّخذ صورة الزمان، فيشبه حياتنا الباطنة في تعاقب ظواهرها، ويعبّر عن الأفعال مجرّداً، أي عن السرور بالذات أو الألم بالذات، كلّ منهما مجرداً عن دواعيه.
  • فليست الموسيقا صورة ظاهرة، ولكنّها صورة الإرادة نفسها صاعدة ونازلة في خطّ منحنٍ، أي في صورها البسيطة وصورها المركّبة، فتظهرنا على تاريخها المكنون ومعاركها وآلامها.
  • غير أنّ التحرّر بالفن لا يتسنّى إلا للعباقرة، ولا يتسنّى لهم إلّا غراراً [٩]

المراجع

  1. شوبهاور وفلسفة التشاؤم، وفيق غريزي.
  2. نقد الفلسفة الكانطيّة لشوبنهاور، تعريب حميد الشهب.
  3. معجم الفلاسفة، جورج طرابيشي.
  4. العالم إرادة وتمثّل، ترجمة سعيد توفيق.
  5. شوبهاور وفلسفة التشاؤم، وفيق غريزي.
  6. نقد الفلسفة الكانطيّة لشوبنهاور، تعريب حميد لشهب.
  7. يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة.
  8. نقد الفلسفة الكانطيّة لشوبنهاور، تعريب حميد لشهب.
  9. يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة.